أحاديث رمضان 1421 - تفسير آيات - سورة القصص - الدرس ( 29 - 52 ) : الزاني والزانية .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-12-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة، النبي عليه الصلاة والسلام حينما انتهت معركة بدرٍ إلى النصر خاطب قتلى قريش، وهم أموات، سماهم بأسمائهم واحداً واحداً:

(( يا فلان بنَ فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم الله ورسولُهُ حقّا فإني قد وجدتُ ما وَعدني الله حقّا ؟ فقال عمر: يا رسولَ الله كيف تُكلِّم أجسادا لا أرْوَاحَ فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمعَ لما أقولُ منهم، غير أنهم لا يستطيعونَ أن يردُّوا عليَّ شيئاً ))

[ أخرجه مسلم والنسائي، عن: عمر بن الخطاب ]

 ذكرت هذه القصة، أو هذه الومضة من السيرة لأبين لكم أن الإنسان حينما لا يعمل عقله يدفع الثمن باهظاً، فرعون وهو في أعلى درجات القوة، أصابه الغرور، قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

[ سورة القصص ]

 الآن أنت بالحياة اليومية إذا شخص قوي جداً، ومتمكن منك، وبإمكانه أن يسحقك وأنت تجاهلته وعملت عمل خلاف توجيهاته، ثم وقعت في قبضته، لا تكون عاقل، كأنك انتحرت، متمكن، ويفعل ما يقول، ولا يرحمك، وأنت عملت عمل فيه إغاظة، فوقعت في يده وانتقم منك، فهل هذا هو العقل؟ فهذا فرعون قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

 من باب السخرية:

﴿ فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾

[ سورة القصص ]

 معنى ذلك أنه ليس في الأرض استكبارٌ بالحق، من شأن الاستكبار أنه بغير الحق المستكبِر بلا سبب، الإنسان ليس قوياً، بلحظة يصبح خبراً في صحته، يعني بالتعبير المعاصر سريع العطب، يعني لمجرد أن القلب توقف، انتهى كل شيء، كل أملاكه لغيره صارت، الدم تجمد انتهى، الخلايا تثلثت في نموها انتهى، الذي يقول أنا أحمق، أنت لا شيء في أية ثانيةٍ تصبح خبراً، وتصبح عبرةً لغيرك.
فقال له:

﴿ فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾

﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ﴾

[ سورة القصص]

 دخل سيدنا موسى في طريقٍ في البحر، لو أعمل عقله، أنه خاصة بهذا الإنسان، ما دخل هو، الله استدرجه، معنى ذلك كل إنسان يمكن أن يُستدرج مهما كان ذكياً، قال تعالى:

﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾

[ سورة القلم ]

مع الله ما في ذكي يا إخوان، مهما كنت ذكياً في التجارة يفلسك، حتى في الطب يكون إنسان في أعلى درجات العلم الطبي، يمرض باختصاصه، أغلب الظن المتفوق باختصاصه، يعني اختصاصه هذا.
 في كان طبيب بأمريكا، كان يدعو إلى الجري، والجري مفيد جداً، أنا لا أنتقد نظريته، وكان يجري في اليوم ساعة، وكتب مقالات، وعمل ندوات، وألقى محاضرات، مات وهو يجري، مات بسن مبكر جداً، لا لأن الجري خطأ، لا، الجري جيد، لكن لأنه أله الجري ظن أن الجري لا يميت الإنسان، فالله جعله موعظة.
فمع الله ما في ذكي أبداً، يؤتى الحذر من مأمنه، القوي يعني ضمن قوته في أسباب انهياره، والغني ضمن عناه في أسباب فقره، والذي يدعي العلم، ضمن علمه في أسباب جهله، فمع الله:

(( ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ ))

[ أخرجه مسلم والنسائي، عن: عبد الله بن عباس ]

 يعني إذا إنسان أوتي ذكاء لا ينفعه يا رب ذكاءه معك، لأنه يؤتى الحذر من مأمنه وإذا أراد ربك إنفاذ أمرٍ أخذ منكل ذي لبٍ لبه، ثم يكونه الندم، وكل إنسان مقطوع عن الله عز وجل يقع في حماقة ما بعدها حماقة، لو فكر ثانية ما فعلها، فأنت في قبضة الله.
فقال له:

﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ﴾

 الآن الآية:

﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص ]

 لا تنظر إلى حال الظالم، انظر إلى عاقبته، قد يكون حاله قوي، وغني، وصحيح ومتمكن، ومتعجرف، ومتغطرس، العبرة أن تنظر إلى عاقبته لا إلى حاله:

﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ * وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴾

[ سورة القصص ]

 هذا نموذج، يعني كل إنسان يتجاهل أنه في قبضة الله دائماً، وأن الله يجعله خبراً بعد عين في ثانية، وأن الله قادرٌ على أن يفقره بعد غنىً، وأن يضعفه بعد قوة، وأن يجعله يرتكب حماقةً بعد علم، هناك من يظل وهو يعلم أنه يظل.
فملخص هذه الومضة من قصة فرعون أن كل إنسانٍ يتجاهل، ولا يدخل في حساباته أن الله قادرٌ على كل شيء، وأنه قادر أن يجعل الكبير صغيراً، والضعيف قوياً هو إنسان أحمق.
الشيء الثاني حتى الإنسان ما يقع في الوهم، أنت أحد أمرين:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[ سورة القصص الآية: 50 ]

 ما في حل ثاني، إما أن تكون على الحق، أو أنت على الباطل حتماً، ما في طريق وسط ثالث:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ﴾

 البديل:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص الآية: 50 ]

 المعنى المخالف، لو أنك اتبعت الهوى وفق منهج الله لا شيء عليك، ما في بالإسلام حرمان، لكن في تنظيم.
 يروى أن سيدنا موسى في الاستسقاء قال الله له: إن فيكم عاصياً، يعني انحباس المطر بسبب أن فيكم عاصياً، فقال موسى لقومه: من كان عاصياً لله فليغادرنا، نحن نريد مطر ثم انهمرت السماء كأفواه القُرب دون أن يغادر أحد، تروي الكتب أن سيدنا موسى قال: يا رب من هذا الذي عصاك؟ قال له: عجبت لك يا موسى أستره وهو عاصٍ، وأفضحه وهو تائب الآن هذه الآية:

﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا ﴾

[ سورة القصص الآية: 57 ]

 يعني يوم كنتم مشركين كنتم في حرمٍ آمن، تجبى إليه الثمرات، فإذا آمنتم تفتقرون! هل هذا منطق؟ انظر إلى هذه الآية، ملايين المسلمين يتكلمون بما يشبههم، يعني إذا كنت أنت خفت من الله، وما أودعت مالك بالمصرف، يدخل حرامي ويقتلك، أما أنت إذا ما خفت من الله، وضعت مالك بمصرف ربوي، ما عندك مشكلة أبداً، دائماً يوهموك أنك إذا أطعت الله تدمر:

﴿ إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾

  يعني الإله ممكن في جهة أرضية، جهة في الأرض، الذي يطيع الله تدمره، والله ماذا يفعل؟.

﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

[ سورة طه ]

 هذا نوع من الشرك، الآن أكثر الناس لهم منطق محير، أنه أنا أخاف أن أخسر إذا أستقيم أخسر، إذا أقف الموقف الأخلاقي أخسر منصبي، إذا ظهر اتجاهي في عندي مشكلة كأن الله ليس له دخل بالأرض، فقط في السماء، الأرض أوكلها للظالمين، يفعلون بالناس ما يشاءون، هذا كلام غير معقول، هذا الذي تعبده إن لم يحميك لماذا تعبده؟ دائماً في خوف أن تطيع الله، في خوف أن يظهر عليك إيمانك، يعني إذا كان حرج يقول لك معي قرحة، قل أنا مسلم، لا معي قرحة، لا أقدر أن أشرب:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

[ سورة فصلت الآية: 33 ]

 لكن ما أدعى أنه هو معه لأسباب معينة صحية، قال:

﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت ]

 اربط استقامتك بدينك، لا أكثر الناس يعتذر اعتذارات مضحكة، لماذا تستحي بدينك؟ هذا دين الله، أنت أتقن عملك، وارفع رأسك، وقل أنا مسلم، طبعاً إلا في حالات، هذه حالات نادرة جداً، سمح الله لك أن تخفي إيمانك، هذه حالات أنا حتى أكون معكم واقعي، في ظروف تأتي قد تكون نادرة جداً، وقد تكون مضت، الواحد يخاف أن يظهر اتجاهه الديني، أما في الأصل:

﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 ﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة القصص ]

 وأنت في المعصية يسترك، ويرزقك، ويعطيك، أما حينما تتوب يفضحك! يفقرك! هذا منطق؟ لأنك أطعت الله يدمرك، الله أين قاعد؟ أين الله عز وجل؟ الله معك، وكل شيء بيده هذا التوحيد، الإيمان الحقيقي ليس أن تقول الله خلق الكون، أن تقول إن الله فعال، بيده كل شيء، أي شيء بيد الله عز وجل، فإذا أنت أطعته رأيت العجب العجاب، وإن عصيته وأنت في أعلى درجات الخبرة تدمر، طيب ثم يقول الله عز وجل، يعني أنت لو أنك أثرت الدنيا، وأثرت جمع المال، وخفت أن تطيع الله، لئلا تتخطف من أرضك، وجمعت أموال طائلة، قال:

﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾

[ سورة القصص ]

 يعني لو جمعت المال في معصية، وخفت على مالك، وعصيت ربك، ولم تعبأ بمنهج الله عز وجل، النهاية إلى دمار، ثم يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُون ﴾

[ سورة القصص ]

 قانون:

﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُون ﴾

 لذلك لما الظلم يشيع لآخر الزمان جاء قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾

[ سورة الإسراء ]

 ورأيتم إلى من حوالينا، طغوا، وبغوا، يعني استكبار، ومعصية، معهم كل وسائل الغنى، كل أسباب الأمن، دُمروا، حروب أهلية، واجتياحات، ودمار، الله عز وجل على كل شيء قدير.
والله هذه الآيتين يا إخوان، أيام يقول بعض الصحابة: أنه أنا لو أن ليّ الدنيا بهما لا أرضى، الدنيا كلها:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[ سورة القصص الآية: 60 ]

 انظر:

﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾

﴿ شَيْءٍ ﴾

 تنكير، تحقير، و:

﴿ مِنْ ﴾

 يعني أقل من شيء، تبعيض:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ﴾

[ سورة القصص الآية: 60 ]

 يعني هذا الذي معه تسعين مليار دولار بلغيت:

﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾

 تسعين مليار دولار، شخص بالأربعين عمره، ليس كبير كثيراً،

﴿ شَيْءٍ ﴾

 ماذا يأكل يعني؟ ينام على تخت واحد، يلبس بدلة واحدة، يأكل وجبة طعام واحدة، يسكن ببيت واحد، يركب مركبة واحدة العلماء فرقوا بين الكسب والرزق، الرزق ما تنتفع به، والكسب ما تسأل عنه دون أن تنتفع به لكن الرجل حتى أكون منصف، دفع ثماني مليارات دولار للأطفال المرضى في إفريقيا، يدفع مبالغ كبيرة جداً، لذلك في حديث:

(( ما أحسن من مسلمٍ أو كافر، إلا وقع أجره على الله، في الدنيا أم في الآخرة ))

 ما دام دفع ثماني مليارات للأطفال الفقراء معناها سوف يضاعف له الله ثروته في الدنيا، إذا أنت عرفت الدنيا، وعملت عمل طيب لابد من أن تلقى هذا العمل في الدنيا، ولكن:

﴿ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 102 ]

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ﴾

  اسمع نصيحة ربنا عز وجل خالق الكون الذي خلقك من عدم، قال لك:

﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة القصص الآية: 60 ]

 أين عقلك؟ يعني أنت مثلاً لو خيرناك بين دراجة تركبها ساعة، وبين شبح ملكك على طول، اخترت الدراجة، أين سيضعوك؟ بالقصير، دراجة ربع ساعة فقط، دراجة، وسيارة ثمنها أربعة وعشرين مليون لك على طول، فقمت واخترت الدراجة، وإن كان مثل كثير حاد وصارخ.
هذا الكافر هكذا صار معه، اختار كم سنة فقط، يأكل على راحته، ينام على راحته، يملأ عيناه من الحرام، كم سنة كلهم اختارهم، وضيع الأبد، يأتي المؤمن أذكى منه يختار الآخرة.

(( وأتَتْهُ الدنيا وهي راغِمَة ))

[ أخرجه الترمذي، عن: أنس بن مالك ]

 هذه الكلمة رائعة جداً: من أثر دنياه على آخرته ربحهما معاً:

(( وأتَتْهُ الدنيا وهي راغِمَة ))

(( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين، عبدي أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ﴾

  والله الدنيا خضرةٌ نضرة والله في شيء جميل جداً، المقياس الوقتي يميل، في بيوت فخمة جداً، في مناظر جميلة، في بساتين رائعة، في مركبات فارهة، في نساء جميلة، هذه الدنيا.

﴿ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ﴾

 لكن الاستمتاع بالدنيا ما له أثر مستقبلي، إذا واحد مدعو إلى خمس مئة وليمة، وكل وليمة أطيب من الثانية، بعد ذلك صار معه ألم في أسنانه، وبدأ يستدعي من ذكرياته الأكلة الطيبة التي أكلها يذهب ألم الضرس، آلام الأسنان موجودة، قائمة، وكل هذه المتع التي استمتع بها في الطعام بخمس مئة وليمة لم يعد لها قيمة الشيء الواضح، فهذا الكافر لما يرى النار يقول: لم أرَ خيراً قط، يكون سوف يتفزر من الأكل سابقاً، لم يدع محل لم يدور فيه، مبسوط بكل شيء مبسوط، يأتي العذاب ينسيه كل الدنيا، لم أرَ خيراً قط.
ويا بني ما خيرٌ بعده النار بخير وما شرٌ بعده الجنة بشر وكل نعيمٌ دون الجنة محقور وكل بلاءٍ دون النار عافية.
 وكل ما كبر عقلك نسعى للآخرة، لأنها أبدية، والدنيا متاع، مؤقتة، واحد إذا كان جالس في حوض السباحة عنده بالبيت بانيو، عبأه ماء فاترة وجلس، لو جلس ساعتين تصبح عالم؟ تصبح تاجر، اجلس قدر ما تريد، لن يطلع منك شيء، المتعة ليس لها أثر مستقبلي المتعة آنية، الله قال:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

[ سورة النساء الآية: 77 ]

 انظر إلى هذا الإله العظيم، ينصحك، قال لك:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

 وقال رسوله عليه الصلاة والسلام:

(( ولو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جَناح بعوضة ما سَقَى كافراً منها شَربة ماءٍ ))

[ أخرجه مسلم وأبو داود، عن: جابر بن عبد الله ]

 لا يستحق، يشربوا مياه معدنية، يأكلوا أكل طيب، وبيوت فخمة، ومركبات فارهة وعنجهية، وغطرسة، معناها هم عند الله لا شيء:

(( رب أشعث أغبر ذي طمرين مصفح عن أبواب الناس لو أقسم على الله لأبره))

[ أخرجه الطبراني عن: أنس بن مالك ]

 دخل على النبي صحابيٌ جليل، فقيرٌ جداً، فيبدو أن النبي رحب به ترحيب شديد قال له:

(( أهلاً بمن خبرني جبريلُ بقدومه ))

 هو لم يصدق، قال له:

(( أمثلي؟ من أنا؟ قال له: أنت في الأرض خامل، ولكن في السماء علم ))

 فابتغوا الرفعة عند الله.

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ * أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً ﴾

[ سورة القصص الآية: 60-61 ]

 وعد إله بالجنة:

﴿ فَهُوَ لَاقِيهِ ﴾

[ سورة القصص الآية: 62 ]

 حتماً:

﴿ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة القصص الآية: 62 ]

 خذها وانمحق:

﴿ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص ]

 وازن بين إنسان دنياه مقبولة، لكن الله وعده بالجنة، ما له شيء بالآخرة إلا جهنم لكن دنياه عريضة، أيهما تختار؟.

والحمد لله رب العالمين