أحاديث رمضان 1422 - موضوعات قرآنية - الدرس ( 12 - 57 ) : التقديم والتأخير .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-11-21
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

الإعجاز في بلاغة القرآن الكريم:

 أيها الأخوة الكرام, في القرآن بلاغة، بل في القرآن بلاغة معجزة، فمثلاً يقول الله عز وجل:

﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ﴾

 -ماذا يفهم من هذه الآية؟ من الذي يملك لكم الضر والنفع؟ الله جل جلاله، الله ما ذكر-:

﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ﴾

 -تتجه إلى لا شيء، أنت تمشي في طريق مسدود الذي علقت به الآمال لا ينفعك ولا يضرك، لا يملك لك موتاً ولا حياة ولا رزقاً ولا نشوراً، طبعاً يستنبط: أن الله جل جلاله وحده الذي يملك النفع والضر, تتمة الآية-:

﴿وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

[سورة المائدة الآية: 76]

 ماذا يستنبط؟ أن هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله لا يسمعون دعاءكم، ولا يعلمون أحوالكم، بطريقة دقيقة جداً: في صياغة الكلمات جاءت معاني كثيفة في كلمات قليلة، وهذا هو الإيجاز الغني، هناك إيجاز غني، وهناك إيجاز غير غني، فهم أنه ما دون الله عز وجل إن دعوته لا يسمعك، وإن سمعك ما استجاب لك، وإن بقيت صامت لا يعلم حالك, وهو فوق ذلك لا يملك لك النفع ولا الضر، بينما الله عز وجل معك أينما كنت، سميع لدعائك، عليم بحالك، يملك الضر والنفع، فهل يعقل أن تتجه لغير الله؟:

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾

 -انظر دقق في الصياغة-:

﴿فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 -من هي؟-:

﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

 -قال-:

﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ ﴾

 -من هي الأولى؟ مؤمنة، طيب-:

﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾

 -الأخرى تقاتل في سبيل من؟ الشيطان، معاني كثيفة، كلمات قليلة هذا من بلاغة القرآن الكريم- .

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 -لم يقل مؤمنة، قال-:

﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾

 -إذاً الأولى: مؤمنة، الثانية: تقاتل بالباطل في سبيل الشيطان- .

﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾

[سورة آل عمران الآية: 13]

 النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:

((أنا أفصح العرب, بيد أني من قريش))

 إن قريش أفصح قبيلة في العرب، هذا الأسلوب اسمه تأكيد المديح بما يشبه الذم، أنا أفصح العرب إلا أنني، كأنه سيذم نفسه، (بيد أني من قريش), وفي تأكيد الذم بما يشبه المدح، فلان بخيل لكنه والشاهدة لله لئيم، تأكيد الذم ما يشبه المديح، النبي عليه الصلاة والسلام قال: في بعض الأحاديث المروية عنه: نعم الإدامة الجوع، يعني أطيب أكل تأكله كن جائعاً وانتهى الأمر، ترى أي أكلٍ لذيذاً، هذا من بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام .
 أخوانا الكرام, كتاب الله معجز في بلاغته، قد تضطر أن تقف عند الحركة، مثلاً الله عز وجل:

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ﴾

 -لكن الله ما قال وكلمة الله ما عطفها، لو عطفها في مشكلة كبيرة, جعل كلمة الذين كفروا السفلى بعد أن كانت عليا، وكلمة الله هي العليا بعد أن كانت -والعياذ بالله- سفلى, مستحيل المعنى, قال-:

﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾

 -وقف، استئناف-:

﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾

[سورة التوبة الآية: 40]

 دائماً، أحياناً يفسد المعنى بالوقف، إذا وقفت في مكان غير مناسب يفسد المعنى، أحيان بحركة، أحيان بتقديم كلمة, لما قال:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

[سورة الفاتحة الآية: 5]

 أي لا نعبد إلا إياك، لما قدمنا المفعول على الفعل صار صياغة قصر وحصر، آيات بهذا المعنى دقيقة، من هذه الآيات:

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[سورة الرعد الآية: 28]

 لو أن الآية تطمئن القلوب بذكر الله، أي وتطمئن بغيره، حينما صار تقديم وتأخير، القلوب لا تطمئن ولا تسعد إلا بذكر الله، نعم:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾

[سورة الأنعام الآية: 81 - 82]

 لو قلنا الأمن لهم ولغيرهم، أم أولئك لهم الأمن، لهم وحدهم .

إعجازه في التقديم والتأخير:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 14]

 أقرباء الإنسان رتبوا في القرآن بترتيبات عديدة، ففي مجال الشهوة بدئ بالمرأة:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 14]

 المرأة أولاً والبنين ثانياً، ففي مجال الاعتزاز الاجتماعي:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ﴾

[سورة التوبة الآية: 24]

 بدأ الله بالأب، في مجال المعاونة، بدأ بالأخ:

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾

[سورة عبس الآية: 34 - 36]

 الأخ في سنك، الأب كبير عاجز، والطفل صغير، في مجال الاستعانة بدأ بالأخ ، الاعتزاز بدأ بالأب، الشهوة بدأ بالمرأة، الفدية بدأ بالابن:

﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾

[سورة المعارج الآية: 11]

 ترتيب دقيق، مثلاً: حينما ذكر الله السمع والبصر في ثماني عشرة آية, بدأ الله بالسمع قبل البصر, لأن السمع يشق قبل أن يشق البصر:

﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾

[سورة السجدة الآية: 9]

 إلا في آية واحدة:

﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾

[سورة السجدة الآية: 12]

 لأن سرعة الضوء 300ألف كيلومتر بالثانية، بينما سرعة الصوت 300متر بالثانية، في مجال الأنفاق بدأ بالمال قبل النفس:

﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الأنفال الآية: 72]

 أما في مجال العقد (عقد البيع القطعي): بدأ بالنفس قبل المال:

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾

[سورة التوبة الآية:111]

 البيع القطعي بدأ بالمهم، وثنى بالأقل أهمية، أما في مجال سهولة البذل المال أهون، بدأ بالمال، في مجال خرق السموات والأرض بدأ بالجن:

﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾

[سورة الرحمن الآية: 33]

 في مجال صياغة الكلام البليغ بدأ بالأنس:

﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾

[سورة الإسراء الآية: 88]

 في مجال السرقة ... بدأ بالسارق ... لأن الرجل أقدر على السرقة من المرأة ، في مجال الزنا بدأ بالمرأة، قال:

﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾

[سورة النور الآية: 2]

 في مجال الخبث والمكر، قال:

﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾

 -قال: مرة اجتمع شيطان مع شخص مخيف, سأله هذا الشخص القوي, قال له: ماذا أفعل؟ قال له: أفعل كذا، قال: فعلته، ماذا أفعل؟ أفعل كذا, قال: فعلت هذا، ماذا أفعل؟ أفعل كذا فعلته عرض عليه عشرة اقتراحات كلها فعلها، قال الشيطان لهذا الرجل: أنت ماذا تنوي أن تفعل؟ قال له: كذا وكذا، قال له: خف الله يا رجل .
 بدأ بشيطان الأنس-:

﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾

[سورة الأنعام الآية:112]

 يمكن أن تؤلف أطروحة حول التقديم والتأخير في القرآن الكريم ...:

﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً ﴾

 -التجارة مقدمة على اللهو لأنها أصل له, لأن ما في لهو من دون تجارة، صاحب الدخل المحدود ما في إمكانه ولو كان فاسد, ما في إمكانه أن يرتاد أماكن اللهو ، ما في معه مال لأنه؛ لكن ..-:

﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾

[سورة الجمعة الآية: 11]

 في مجال أن يلهيك لهو أو تجارة عن ذكر الله، أن تلهو، أن تترك الصلاة من أجل اللهو, إثمها أشد ألف مرة من أن تدع الصلاة بسبب عمل جاد وقد تكون في ورطة كبيرة.
 على كلٍ؛ هناك لقطات وومضات في بلاغة القرآن لا تنتهي، أحياناً بكلمة، أحيان بحركة، يعني ...:

﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾

 -مناجاة، بشر يناجي خالق الأكوان، طيب يسأل الله ما هذه؟ الله ألا يعلم ما هذه ؟ فسيدنا موسى طمع أن يطيل الجواب إلى أمد طويل-:

﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ ﴾

 -يا ربي، أي خلص عصاي-:

﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا ﴾

 -طيب-:

﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي ﴾

 -ثم استحيا أن يتابع، صار في أطناب، قال-:

﴿وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى﴾

 -فإذا سمح الله له أن يتابع المناجاة, يسأله: ما هذه المأرب يا موسى؟ الله عز وجل قال-:

﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾

[سورة طه الآية: 17 - 20]

 يعني أراد الله عز وجل أن يؤكد له أن هذه عصاي من خشب بعد قليل سوف تصبح حية .
 أيها الأخوة الكرام, أفصح كلام بعد القرآن كلام النبي عليه الصلاة والسلام, قال:

((أوتيت جوامع الكلم))

 وقال:

((نضر الله وجه امرىء أوجز في كلامه واقتصر على حاجته))

 يعني العرب تقول: البلاغة في الإيجاز، وفي القرآن الكريم غني، بمعنى بكلام قليل فيه معان كثيرة، والمؤمن يقلد كلام الله عز وجل ويقلد كلام رسول الله.

((نضر الله امرءاً أوجز في كلامه واقتصر على حاجته))

 سئل أعرابي: لمن هذه الإبل؟ قال: لله في يدي، هي لله الآن في يدي، وهذا كلام بليغ .

لن تظهر حقيقة دينك إلا بالتزامك:

 أخوانا الكرام, في آية دقيقة جداً يعني قلما ينتبه إليها الأخوة:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[سورة المائدة الآية: 69]

 كأن هذه الآية تؤكد أن هناك انتماء شكلي، إن الذين آمنوا ما قال إني مسلم, إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى, الصابئون الذين لا دين لهم, علماني؛ يعني جهلاني، لا دين له, هؤلاء لو أن انتمائهم شكلي فقط، مسلم غير ملتزم بشيء من الإسلام وكذلك أديان أخرى، أنا أشبه هذا الحال بثلاث محلات تجارية كتب على كل محل لافتة مضاءة بأضواء ساخطة لكن بضائع ما في، فهذه المحلات الثلاثة فيها قاسم مشترك واحد أنها خالية من البضائع، إلا أن هناك لافتات متباينة، ما قيمة هذا التباين إن لم يكن هناك مضمون لهذا التباين؟ فلذلك: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر, من هؤلاء جميعاً من آمن بالله الإيمان الذي ينجيه واليوم الآخر وعمل صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لأن الله عز وجل قال:

﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾

[سورة آل عمران الآية: 19]

 حقيقة الدين أن تستسلم لله في كل تفصيلات المنهج، هذا هو الدين, لكن كيف أصبح الالتزام بالشعائريات وتركت التعامليات؟ هذا ما سبب تأخر المسلمين في بقاع الأرض، ولا تنسوا أنني أذكركم أن حكمة مجيء الآيات بني إسرائيل وآيات أهل الكتاب في القرآن الكريم من حكمة إياك أعني واسمع يا جارة:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾

[سورة المائدة الآية:66]

 ألا تقاس علينا هذه: ولو أنهم أقاموا القرآن الكريم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم؟ طيب:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ ﴾

 -ظاهرة فوقية-:

﴿حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾

[سورة المائدة الآية: 68]

 نحن لسنا على شيء حتى نقيم منهج الله عز وجل، فحينما تقرأ الآيات المتعلقة بأهل الكتاب ينبغي أن تقف وقفة متأنية، هذه الآيات تعنينا نحن في الدرجة الأولى، لأن كل أمراض أهل الكتاب نحن مرشحون أن نبتلى بها وقد ابتلينا بها.
 لا يرتد عن الدين إلا من كان يعبد مصلحته:

موقع الحب في الدين موقع أساسي:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[سورة المائدة الآية: 54]

 طيب هؤلاء الذين يأتي الله بهم هل يرتدون؟:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[سورة المائدة الآية: 54]

 ماذا نفهم من هذا؟ لماذا لم يرتد القسم الثاني؟ من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي بقوم لا يرتدون عن دينه، الله لم يقل هكذا:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[سورة المائدة الآية: 54]

 معنى ذلك إذا كان في قلبك حب لله ورسوله لن ترتد عن دينك، أيضاً أروع المعاني بكلمتين، الارتداد انتماء فكري لا الدين، فإذا في مصلحة راجحة لعل هذه المصلحة تغلب على الإنسان, أما المحب لله عز وجل لا يمكن أن يرتد عن دينه، لذلك المؤمن في الأعماق والمنافق على الحرف، أدنى ضغط يأخذه وأدنى إغراء يفسده، بينما المؤمن القوي في إيمانه لا سبائك الذهب اللامعة ولا سياط الجلادين اللاذعة تثنيه عن هدفه وعن دينه .

والحمد لله رب العالمين