موضوعات إسلامية - موضوعات مختصرة - الدرس ( 20): طفل الأنابيب - حكمة الإسراء والمعراج
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1996-01-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

طفل الأنابيب :

 يستطيع الإنسان أن يسْتخدم ما يُسَمَّى بِأُسلوب الإنجاب عن طريق طفل الأنابيب، لأن المؤتمر الإسلامي الذي عُقِدَ فيما أذكر في عمَّان أجاز حالةً مِن سِتِّ حالات، والخمسُ حالات مُحرَّمة تحريمًا قطْعيًّا، والحالة التي أجازها الفقهاء أن يُزْرَعَ ماء الرجل في الأنبوب، ثمَّ يزرع في رحِمِ زوْجَتِهِ، أيْ ماء الزَّوْج في رحِمِ زوْجتهِ؛ هذه هي الحالة الوحيدة التي أقرَّها مجمع الفقه الإسلامي المنعَقِد في عمَّان، أما أن يُزْرَعَ ماء الرَّجل في رَحِمٍ مُستأجرة، فهذا هو الزّنا القَطعي.

حقائق متعلقة بالإسراء و المعراج :

 بِمُناسبة الإسراء والمعراج؛ أُريد أن أضَع بين أيديكم الحقائق التالية، كلّ مِحْنةٍ وراءَها مِنْحة، وكلّ شِدَّة وراءَها شَدَّةٌ إلى الله عز وجل، فإذا كان للدَّعوة الإسلاميَّة خطٌّ بياني، وصَلَ هذا الخطّ إلى القاع في الطائف، فأهل مكَّة كذَّبوا النبي، وائتمروا على قتلِهِ، وقاطعوه، وضَعَ خِطَّةً عليه الصلاة والسلام ؛ وهي أن يذهَب عليه الصلاة والسلام إلى الطائف مَشيًا على قَدَمَيْه فمشى ثمانين كيلو مترًا من أشَدِّ الطُّرق وعورةً، وكان الطريق إلى الطائف مِن أعْقَد الطرُق.
 وصَل النبي عليه الصلاة والسلام مشيًا على قَدَميه إلى الطائف يَدعو أهْلها إلى الإسلام، فهم لم يكونوا أقلّ إساءةً من أهل مكَّة بل زادوا وسَخِروا وكذَّبوا وأغْرَوا صِبيانهم بِضَربِ النبي عليه الصلاة والسلام، فسيِّدُ الخلق وحبيب الحق ضُرِبَ في الطائف، وألْجؤوهُ إلى بستانٍ، وفي هذا البستان قال: " يا رب إن لم يكن بِكَ غضب عليّ فلا أُبالي، ولك العتبى حتَّى ترضى، ولكنّ عافيَتك أوْسَعُ لي."
 الحِكمة التي أرادها الله من أن يلقى النبي عليه الصلاة والسلام هذه المِحْنة هو أنَّهُ يدْعو إلى الله تعالى، وقد جَعَلَهُ الله أُسْوةً لِكُلّ مَن دعا إلى الله من بعدِه، فإذا كانت هناك متاعب، وهموم، ومُعارضات، وضُغوط فالدُّعاة لهم في رسول الله تعالى أُسْوةٌ حسنة، ولكن ما الردّ الإلهي على رِحلة الطائِف المُتْعِبَة؟ الردّ الإلهي هو الإسراء والمِعراج، فربُّنا سبحانه وتعالى يمْتَحِنُ ويُضَيِّق، ويُسَجِّل على الإنسان ثباته وصِدقه ثمَّ يُكافئهُ بعد حين.
 في الإسراء والمِعراج كُشفَت للنبي عليه الصلاة والسلام هذه الحقيقة ؛ إنَّه ليس نبيّاً فَحَسْب بل هو سيِّد الأنبياء، وليس رسولاً فَحَسْب بل هو سيِّد الرُّسل، وليس مِن أشْرف خلق الله بل هو أوَّل خلق الله قاطبةً، قال تعالى:

﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾

[ سورة النجم الآية : 8-14]

 و ما من مقامٍ بلغَهُ بشرٌ على الإطلاق كالمقام الذي بلغهُ النبي عليه الصلاة والسلام، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "سلوا لي الوسيلة فإنَّها مقام لا ينبغي إلا لواحدٍ من خلقه وأرجو أن أكون أنا..." ونحن نقول: اللهمّ رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمّدًا الوسيلة و الفضيلة وابْعَثهُ مقامًا محموداً الذي وَعَدْته إنَّك لا تُخْلفُ الميعاد.

مهمة النبي :

 النبي عليه الصلاة والسلام له مهمَّتان عظيمتان ؛ مُهِمَّة التبليغ، ومهمَّة القدوَة، ففي الطائف وفي الإسراء والمعراج كان قدوةً لنا، يا أيها المؤمن ما من مِحْنةٍ تمرّ بها إلا ووراءَها مِنْحةٌ من الله عز وجل، وما من شِدَّةً تُعانيها إلا وبعدها شَدَّةٌ إلى الله تعالى، لقد أحاط الله النبي بِجَفْوَة الأرض، لِيُتاحَ له أن يعرِفَ وُدَّ السماء، ولقد كذَّبَه أهل الأرض، فقَرَّبَهُ ربُّ الأرض والسموات، و إذا كان حظ الإنسان من الله تعالى كبيراً فلا يأسَفُ على شيءٍ فاتَهُ من الدُّنيا، قال الشاعر:

فليْتَكَ تَحلو والحياة مريـــــــــــــــــرةٌ  وليْتَكَ ترضى والأنام غِضاب
وليْتَ الذي بيني وبينك عامِــــــــرٌ  وبينـــي وبين العالمين خراب
إذا صحَّ منك الوصل فالكلّ هيّنٌ  وكل الذي فوق التراب تـرابُ
***

الصعوبات التي مرَّ بها النبي يمرّ بها كلّ مؤمن صادِق :

 ما أشَدَّ حاجة المسلمين اليوم إلى تجْربة الإسراء والمِعراج وإلى تجربة الطائف، فمهما ضيَّقَ أعداء الدِّين على المؤمنين الشَّدائِد فإنَّ لهم عند الله تعالى ردًّا جميلاً، ومُكافأةً جميلة، وهذه سنَّة الله تعالى في خلْقه، فالصعوبات التي مرَّ بها النبي عليه الصلاة والسلام لا بدّ من أن يمرَّ بها كلّ مؤمن صادِق، قال تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾

[سورة البقرة: 214]

 وقال تعالى:

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾

[سورة العنكبوت: 2-3]

 فلا بدّ من الابتِلاء، والإنسان إذا عرفَ أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام بلغَ المقام المحمود بِصَبرِهِ، وثباتِهِ على مبدئِهِ كان لنا النبي عليه الصلاة والسلام أُسْوة حسنة.

كل محنة تتبعها منحة :

 أقول مرَّةً ثانِيَة: إذا كان هناك خطٌّ بياني للدَّعوة الإسلاميَّة إلى الله فهذا الخطّ بلغَ الحضيض والقاع، ثمَّ صَعِد إلى الأوْج في الإسراء والمِعراج، وهذه سنَّة الله تعالى في خلقِهِ؛ لا يُعْطي قبل ن يبْتلي، ولا يُعطي قبل أن يمْتَحِن، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾

[سورة الملك: 2]

 أحداث الإسراء والمعراج تعرفونها جميعًا، ولا جَدوى من إعادتها، بل إنَّنا بِحاجة إلى أن نستبط منها الدروس البليغة، فإذا ضاقَت عليك الدنيا، تذكر قول الله تعالى:

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

[سورة التوبة: 118]

 فالمؤمن إذا عانى من متاعب الحياة، أو من متاعب بسبب التِزامِه الحق فهذه مِحنة لا تزول بل تتْبعُها منْحة.
 رجلٌ ذمي رأى عالمًا اسْمُهُ عبد الله بن المبارك يمشي في مَوْكِبٍ، وكأنّه ملِكٌ بين إخوانهِ، وكان هذا الذمي يعيشُ حياةً خَشِنَة جدًّا والمتاعب والأحزان تحيط به، فقال هذا الذِمِيّ للإمام الكبير: ألم يقل نبيِّكم الدنيا سِجن المؤمن وجنَّة الكافر فأيُّ سِجْن أنت فيه وأيّة جنَّة أنا فيها ؟!! فهو رأى نفسَهُ في مشقَّة لا تُحْتمل، ورأى هذا العالم الجليل في عِزٍّ وبهاءٍ لا يُتَصَوَّر، فقال هذا الإمام: يا هذا، لو قِسْت حياتَكَ التعيسة بما ينتظِرُك من العذاب لَكُنتَ في جنَّة، ولو قِست حياتي هذه بما وعدني الله به من جنَّة لَكنتُ في سِجْن، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة السجدة: 17]

 ربنا سبحانه وتعالى يُعطينا دَفَعات تَنْشيط من أجل مُتابعة السَّيْر، أما لو أطْلَعَنا على ما أعدَّهُ لنا في الجنَّة لقَعَدنا، فكلَّما ضاقت بنا السُّبل أعطانا شحنة، وحِقنة كي نُتابِع السَّير، أما الذي وعدنا به ففيه ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذن سَمِعت، ولا خطر على قلب بشر.
موضوع الإسراء والمعراج مرتبط بالطائف، فالطائف مِحْنة، والإسراء والمِعراج مِنْحة، والطائِف شِدَّة، والإسراء والمعراج شَدَّة إلى الله عز وجل، وكلّ مؤمن صادِق عَقِب امْتِحانٍ صَعبٍ سيأتيه فرَجٌ قريب:

كُن عن همومك مُعرضًا  وكِل الهموم إلى القضـــا
وابْشِـــــــــــرْ بِخَيرٍ عاجِـــلٍ  تنسى به ما قد مضـــى
فلرُبَّ أمرٍ مُسْخِــــــــــــــــطٍ  لك في عواقبِه رِضـــــــــا
ولرُبَّما ضاق المضيـــــق  ولربُّما اتَّسَــــع الفضــــــا
الله يفعل ما يشــــــــــــــــاء  فلا تكـــــــــــن معترضــــــا
الله عوَّدَك الجميـــــــــــــــــل  فقِس على ما قد مضى
***

 الحزن خلاَّق، أما النعيم مع الجهل فيجعل صاحِبَهُ مقيتًا ممقوتًا.

اللجوء إلى الله لننعم بطعم القرب منه :

 إذاً المتاعب والأحزان والفقر والشِدَّة والمرض يتألَّق بها الإنسان، عُدْتُ مريضًا منذ يومين وهو على فراشه، و رأيته ينعم بلذة القرب من الله لا توصف بكلمات، مرَّ بِعمليًّة جراحيَّة في قلبه، وأكرمه الله بالنجاح في هذه العمليَّة، وكلَّما سألتهُ سؤالاً انهمرَت دُموعه شُكرًا لله عز وجل، فالمرض أحيانًا يُقرِّبك من الله عز وجل، وكذا الفقر والمتاعب النَّفسيَّة، فالعِبرة أن تلجأ إليه لِتَذوق طعم القُرب منه، فإذا كان الإنسان ساهِيًا ولاهِيًا؛ كيف يفعل الله عز وجل لِيَكون هذا العبد على أبوابه؟ إذا جاء طائعًا حُلَّت المشكلة، أما إذا كان غافلاً وساهِيًا فتأتيهِ شِدَّة تسوقه إلى باب الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: "عجب ربُّكم إلى قوم يُساقون إلى الجنَّة بالسلاسل...." سألني مرَّة أخٌ مُداعِبًا: هذه الدَّعوة التي تدعو الناس إليها ما فحواها؟ فألْهمني الله كلمة فيها دُعابة أيضًا فقلتُ له: إما أن تأتِيَهُ ركضًا، أو أن يجْعلك تأتيه ركْضًا !! فالاختيار منك وكلُّنا مطلوبون، ولو يعلم المعرضون انتظاري لهم وشَوقي لتَرك معاصيهم لتقطَّعَت أوصالهم من حُبِّي، ولماتوا شَوقًا إليّ، هذه إرادتي في المعرضين فكيف إرادتي في المقبلين؟ أهل ذِكري أهل مودَّتي، وأهل شُكري أهل زِيادتي، وأهل معصيتي لا أُقنِّطُهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبْتليهم بالمصائب لأُطَهِّرهم من الذُّنوب والمعايِب، الحسنة عندي بِعَشرة أمثالها وأزيد، والسيّئة بِمِثلها وأعفو، وأنا أرحم بالعبد من المرأة بِوَلَدِها، وأنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمتَ لي فيما أريد كفَيْتُكَ ما تريد، وإن لم تُسلِّم لي فيما أُريد أتْعَبْتُكَ فيما تُريد ثمَّ لا يكون إلا ما أُريد.

والحمد لله رب العالمين