أحاديث رمضان 1436 ـ درر 1 ـ الحلقة الأولى : الإنصاف .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2015-06-18
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

ارْضَ لِلنَّاسِ جَمِيعاً مِثْلَ مَا تَرْضَى لِنَفْسِكْ
إِنَّمَا النَّاسُ جَمِيعًا كُلُّهُـــــــــمْ أَبْنَاءُ جِنْسِكْ
فلهم نفس كنفسك ولهـــــــــم حس كحسك
***

الإنصاف درة من درر الشريعة السمحاء ، نلتقطها من بحر الشريعة الزاخر ، ونفهم معانيها في ضوء كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وسيرة السلف الصالح ، الإنصاف أن تتمنى لغيرك من الخير مثلما تتمناه لنفسك ، ويكون الإنصاف في الأقوال والأفعال ، وفي الرضا وفي الغضب ، مع من نحب ومع من لا نحب :

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة: 8]

فهلموا بنا إلى بستان الإنصاف ....
بسم الله ، الرحمن علم القرآن ، خلق الإنسان علمه البيان ، والصلاة والسلام على النبي العدنان وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ، أخوتي المشاهدين أينما كنتم أسعد الله أوقاتكم بالخير واليمن والبركات والطاعات ، برنامجكم درر هذا هو عنوانه ، لأنه يلتقط في كل حلقة من حلقاته درة من درر الشريعة ، ومن أخلاق الإسلام الراقية ، ليتناولها بالبحث من خلال كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وسيرة السلف الصالح .
الأستاذ بلال :
اسمحوا لي في بداية هذا البرنامج أن أرحب بضيفنا الدائم فيه فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم ونفع بكم .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم قبل أن نبدأ بدرة اليوم وهي الإنصاف نريد مقدمة عن موقع الأخلاق في الإسلام ، لأن البرنامج يدور حول الأخلاق .

موقع الأخلاق في الإسلام :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين ، الحقيقة أن هذا الدين العظيم هو عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق ، كتلته الكبرى عقيدة ، تصور ، أيديولوجيا ، منطلقات نظرية ؛ عقيدة ، عبادات ؛ صلاة ، وصيام ، وحج ، وزكاة ، معاملات ؛ صدق ، وأمانة ، وعفة ، وحصانة ، أخلاق ، فنحن في هذا البرنامج إن شاء الله سوف نقف وقفة متأنية عند الأخلاق الإسلامية ، أخلاق هذا الدين العظيم ، لأنه يقول أحد أكبر علماء المسلمين ابن القيم الجوزية : " الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ". من زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان
والنبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم هو المخلوق الأول عند الله ، النبي الكريم ، هذا النبي الكريم له خصائص كثيرة ، متعلقة بدعوته ، أكرمه الله بها ، إلا أن الله عز وجل حينما مدحه مدحه بخلقه العظيم قال تعالى :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

فالخصائص التي يتمتع بها النبي الكريم من أجل دعوته هي من الله عز وجل ، أما الذي منه ، الذي يمكن أن يقيّم من خلاله فخلقه العظيم ، فقال تعالى :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم : 4]

الذي ينتفع منه الناس الأخلاق
فلذلك الأصل في هذا الدين الأخلاق ، والحقيقة الذي ينتفع منه الناس من المؤمن ممن طبق منهج الله ، ممن انضوى تحت لواء الإسلام أخلاقه الطيبة ، الذي ينتفع منه الناس الأخلاق ، إذاً كما يقال : الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ، هذا المنطلق الأول لاختيار حلقات هذا البرنامج ، موضوع ومضات ودرر حول أخلاق الإسلام، وهذه الأخلاق منبعها في الأصل من آيات القرآن الكريم ، ومن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا النبي الكريم وصف بخلق عظيم ، وفي آية أخرى كأن الله عز وجل يقول له : أنت أنت يا محمد على علو قدرك ، وعلى رسالتك ، وعلى نبوتك ، وعلى كل الخصائص أنت أنت :

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

[سورة آل عمران:159]

الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم
إذاً الأصل في هذا الدين الخلق ، والإنسان لا يتأثر بهذا الدين إلا بالخلق ، والناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم ، فأنا حينما أرى مسلماً يمشي في الأصل قيل : القرآن كون ناطق ، والكون قرآن صامت ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، والعبد الفقير يقول : ما لم ير الناس في هذا العصر إسلاماً يمشي أمامهم فلن يهتدوا ، هذا المسلم إن حدثك فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف ، هذه صفات المؤمن ، فلذلك الذي ننتفع به، وننفع به عامة الناس من هذا الدين الخلق ، لذلك هذا البرنامج إن شاء الله سوف يعالج نقاط دقيقة وسميناها نحن درراً ، درر أخلاقية مأخوذة من كتاب الله ومن سنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم .
الأستاذ بلال :
بارك الله بك أستاذنا الكريم ؛ لو بدأنا بدرة اليوم وهي الإنصاف ، والإمام مالك وهو من أبناء القرن السادس الهجري كان يقول : " ليس هناك شيء أقل من الإنصاف في زماننا ". والإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء كان عندما يترجم كثيراً ما يكرر عبارة : " ولكن الإنصاف عزيز " . وكأن الإنصاف درة تستحق أن نبدأ بها هذا اللقاء أو هذا البرنامج .

الفرق بين الإنسان الأخلاقي و العنصري :

الدكتور راتب :
الحقيقة أن الإنسان له خصائص ، فحينما يقبل من الآخر ما يفعله هو ، أو حينما يقيس نفسه بمقياس عام لا يتعدد ولا يتبدل ، إذاً لا يوجد به ازدواجية ، أنت حينما ترى أن لأخيك ما لك ، وأن عليك ما على أخيك أنت إنسان أخلاقي ، بتعبير آخر : أنت إنسان إنساني حينما ترى أن لأخيك ما لك وأن عليك ما على أخيك ، أما أن تقول : هذا لي وليس لغيري وعلى غيري ما ليس عليّ فأنت عنصري الناس رجلان إما إنسان إنساني أو إنسان عنصري
فمبدئياً يمكن أن نقسم بني البشر في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة وفق هذا المقياس ، فحينما يتصور الإنسان أن له ما ليس لغيره ، وأن على غيره ما ليس عليه فهو عنصري ، مثلاً لو أن إنساناً أمضى سهرة بأكملها في السخرية من أم زوجته ، وهي صامتة ، وفي اليوم التالي تكلمت كلمة عن أمه فلم يقبل فهذا الزوج عنصري ، لم يقبل كلمة عن أمه وأمضى سهرة بأكملها عن أم زوجته هذا عنصري ، ولأن دولة واحدة من خمس دول إذا قالت : لا ، ألغي القرار الإنساني في مجلس الأمن ، ألغي القرار كلياً لاعتراض دولة واحدة ، فهذا أيضاً موقف عنصري ما دامت العنصرية قائمة فالحروب لن تقف
ولي رأي شخصي أنه ما دامت العنصرية قائمة في حياة الناس فالحروب لن تقف ، ما دام هناك عنصرية ، هناك إنسان يستأثر بكل شيء ، إنسان يملك مليون ، ومليون لا يملكون واحداً ، العنف لن يقف ، والعنف لا يمكن إلا أن يرد بعنف مثله .
الأستاذ بلال :
بارك الله بكم أستاذنا الكريم ، لو انتقلنا إلى محور ثان لنؤصل شرعياً بقضية الإنصاف والله تعالى يقول :

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة: 8]

وفي تاريخنا صور للعدالة حتى مع الأعداء ، وفي الإنصاف حتى مع الخصم ، كيف نفسر ذلك ؟

من يملك مقياساً واحداً له و لغيره فهو إنساني و طريقه صحيح :

أنت إنساني إن كنت تعامل الغير وتعامل نفسك بذات المقياس

الدكتور راتب :
أولاً : ما دام هناك مقياس واحد نقيس به أنفسنا وغيرنا معاً ، ما دام هناك واجبات على غيرنا وعلينا أيضاً ، ما دامت هناك حقوق لنا ولغيرنا ، ما دام هناك تداخل بين ما لنا وبين ما علينا ، وبين ما على الآخرين وبين ما لهم ، ما دام هناك تداخل فنحن في بحبوحة ونحن في طريق صحيح ونحن مع القيم الإنسانية ، أما حينما يتوهم الإنسان أن له حقاً ليس لغيره ، وحينما يتوهم أن على غيره ما ليس عليه ، دخلنا بالعنصرية ، وأنا أقول كلمة : ما دام هناك عنصرية في الأرض النزاعات لن تقف بل والحروب لن تقف .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم هنا نذكر قصة عبد الله بن رواحة يوم أرسله صلى الله عليه وسلم إلى يهود خيبر .

العدل مع الطرف الآخر يقربه من الله :

الدكتور راتب :
النبي صلى الله عليه وسلم من خلال اتفاق بينه وبين قريش أرسله لتقييم تمر خيبر ، فقال لليهود : " جئتكم من عند أحبّ الخلق إلي ، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم ، فقالت اليهود : بهذا قامت السموات والأرض ، وبهذا غلبتمونا ". لذلك الآية تقول :

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ ﴾

أي لا يحملنكم :

﴿ شَنَآَنُ قَوْمٍ ﴾

عندما تعدل مع الآخرين تقربهم من الله
أي بغض قوم :

﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

[ سورة المائدة: 8]

قال بعض علماء التفسير :

﴿ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾

أن هذا الطرف الآخر إذا كنت عادلاً معه قربته من الله ، وقربته إليك ، فلذلك هذا الدين ما دامت أهدافه نبيلة ، فلا تصلح للأهداف النبيلة إلا الوسائل النبيلة ، والوسيلة من جنس الهدف .
الأستاذ بلال :
سيدي المحور الأخير من هذا اللقاء أريد أن أعرض لأمر وهو أن كثيراً من الناس يعرفون منك أشياء كثيرة محمودة وجيدة ، فإذا أخطأت خطأً بحقهم أقاموا الدنيا ولم يقعدوها ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لحاطب : إنه شهد بدراً ، كيف نوجه هؤلاء إلى وجوب الإنصاف في الغضب و في الرضا ؟

الموضوعية قيمة أخلاقيّة و علميّة :

الموضوعية هي إعطاء الشيء حجمه الحقيقي

الدكتور راتب :
أنا أؤمن أن مصطلح الموضوعية أن تعطي الشيء حجمه الحقيقي ، دون مبالغة ودون نقصان ، الموضوعية هي قيمة أخلاقية ، والموضوعية قيمة علمية ، فإذا كنت موضوعياً فأنت أخلاقي ، وإذا كنت موضوعياً فأنت عالم ، وما لم نعتمد الموضوعية في حياتنا فنحن بعيدون بعد الأرض عن السماء عن التطور والنهوض .
الأستاذ بلال :
سيدي الفاضل الإنصاف يكون في كل مكان بدءاً من البيت ، كيف يكون الرجل منصفاً في بيته مع أولاده ؟

إنصاف الأب في بيته مع أولاده :

الدكتور راتب :
لو فرضنا هذا الزوج أخطأ ، والإنسان ليس معصوماً ، فإذا لم يجرؤ أحد أن يواجهه بخطئه ، وأصر على أنه على صواب ، هذا زوج غير موضوعي ، لذلك ما دام هناك بعد عن الموضوعية تتراكم الآلام وإذا تراكمت انفجرت في وقت ما بالموضوعية تنتهي أكبر مشاكل البيوت والأسر
أما حينما يكون الزوج موضوعياً فإذا خاطب زوجته وذكرته بخطأ ارتكبه وقال : معك حق وإن شاء الله هذا لن يعاد ، فهذا موقف أخلاقي ، موقف فيه تواضع ، فلذلك ممكن أن تنتهي أكبر مشكلة ضمن البيت بالموضوعية ، إذا أنت فعلاً أخطأت فقلت : أنا أخطأت ، تنعدم المشاكل ، أما هذا الإصرار على الخطأ ، وعدم السماح بالمعارضة ، أنا أقول رأيي الشخصي : الذي يسمح للمعارضة أن تنال منه هو الذكي والعاقل ، والذي يكتم أفواه المعارضة في أي مستوى ، من أقل مستوى في بيت وأعلى مستوى في البلاد الذي يلغي المعارضة يلغى هو قبلها ، والذي يقبلها يرقى .
أولادي لهم فضل عليّ ومنة ، فالذي يبحث عن أخطائك هذا يخدمك ، والذي يمدحك بمناسبة وبغير مناسبة هذا يضحك عليك .
الأستاذ بلال :
والإنصاف في البيت مع الأولاد ، هل هناك إنصاف مع الأولاد ؟
العدل بين الأولاد مطلوب وواجب
الدكتور راتب :
سيدي هذا الأصل ، يا رسول الله ! اشهد أني نحلت ابني هذا شيئاً – حديقة- قال: ألك ولد آخر ؟ قال : نعم ، قال : هل نحلته مثل ما نحلت هذا ؟ قال : لا ، قال : أشهد غيري فإني لا أشهد على جور .
أنا أرى أن الإنسان يحاسب في معاملته لأولاده حتى على مستوى القبلة ، تقبّل أحدهم وتهمل الآخر كنت ظالماً ، فما لم نقم بالعدل أقول التام ، المطلق صعب ، المطلق يشمل ميل القلب ، الله طالبنا بالعدل التام لا بالعدل المطلق ، فما لم أعامل أولادي بالتساوي بالهدايا ، بالمكافآت ، بالألبسة ، بكل شيء ، ما لم أعامل الذي عنده أكثر من زوجة بالعدل التام هناك مشكلة كبيرة ، لذلك كراهية الزوجة الثانية أتت من عدم العدل .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم أختم بكلمة عن الإنصاف تدعون فيها الأخوة المشاهدين إلى الالتزام بالإنصاف في كل تعاملاتهم .

الالتزام بالإنصاف في كل التعاملات :

الدكتور راتب :
والله أنت بالإنصاف ملك ، بالإنصاف القرار بيدك ، بالإنصاف محمود ، بالإنصاف محترم ، بالإنصاف متألق ، بالإنصاف عادل ، بالإنصاف كلمتك نافذة ، إذا انعدم الإنصاف هناك مشكلة ، وقد تبدأ صغيرة وتتفاقم .

خاتمة و توديع :

الأستاذ بلال :
بارك الله بكم ، وشكر الله لكم ، ونفعنا بما سمعنا ، وألهمنا تطبيق الإنصاف في حياتنا ، وجزاكم الله خيراً ، وأنتم أخوتي المشاهدين لم يبق لي في ختام هذه الحلقة الطيبة المباركة من برنامجكم درر إلا أن أشكر لكم حسن متابعتكم ، راجي الله لكم دوام الصحة والعافية ، وحتى نلتقيكم في لقاء آخر أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتم أعمالكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

والحمد لله رب العالمين