أحاديث رمضان 1436 ـ درر 1 ـ الحلقة الخامسة والعشرون : الأسوة الحسنة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2015-07-12
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الأستاذ بلال :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

إذا نحن أدلجنا وأنت إمامنا كفى بالمطايا يطيب بذكراها حاديا
وإن نحن أضللنا الطريق ولم نجد دليلاً كفانا نور وجهك هاديا
***

الأسوة الحسنة درة من درر الشريعة الإسلامية
الأسوة الحسنة درة من درر الشريعة الإسلامية الغراء ، فتعالوا نتعلم بصحبتكم كي نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكيف نكون قدوة بأفعالنا وأقوالنا .
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أخوتي المشاهدين أينما كنتم أسعد الله أوقاتكم بكل خير ، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ، وإلى لقاء جديد ومع درة جديدة من درر الشريعة السمحاء ، ومع خلق إسلامي جديد نتفيأ ظلاله ، نرحب في مستهل لقائنا باسمكم جميعاً بفضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، مرحباً بكم سيدي .
الدكتور راتب :
بارك الله بكم ونفع بكم .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم موضوعنا اليوم عن الأسوة الحسنة ، والله تعالى يقول :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

الأسوة أو القدوة كيف نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

الأسوة الحسنة :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد ، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين .
سنة النبي الكريم العملية والقولية أسوة لكل مؤمن
السنة النبوية عند العلماء هي أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، وصفاته ، إذا قلنا سنة أي أقواله والدليل :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

وأفعاله :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

كيف عامل أصحابه ؟ كيف عامل زوجته ؟ كيف ربى أولاده ؟ كيف وقف في العسر ؟ كيف كان في اليسر ؟ كيف كان في حربه ؟ في سلمه ؟ في عطائه ؟ في منعه ؟ في غضبه ؟ في رضاه ؟ مع أهله ؟ مع زوجته ؟ مع أصحابه ؟ مع جيرانه ؟ الحركات والمواقف هذه سيرته العملية ، فله سنة قولية :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7 ]

كلمة وما نهاكم أي ما أمركم ، بالمقابل الذي أمركم به ينبغي أن تمتثلوا أمره ، وما نهاكم عنه ينبغي أن تنتهوا عنه ، أما السنة العملية فأفعاله ، كان إذا صافح لم ينزع يده حتى يكون آخر من ينزع ، كان إذا جاء رمضان كان أشدّ الناس عطاءً وكرماً ، إذاً عندنا سنة قولية أقواله ، أي أحاديثه الشريفة طبعاً الصحيحة ، وعندنا سنة عملية أفعاله ، أقواله سنة وأفعاله سنة .
الآن يوجد إنسان تكلم أمامه كلمة ، سكت النبي صلى الله عليه وسلم ، النبي وحده سكوته سنة ، لو كان الكلام غير صحيح لا يمكن أن يسكت ، الدليل : أحد أصحابه توفاه الله ، اسمه أبو السائب ، فلما دخل النبي إلى بيت هذا الصحابي المتوفى سمع امرأة تقول من وراء ستار :

(( .... رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله ...))

لو سكت لكان كلامها صحيحاً :

(( .... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما يدريك أن الله أكرمه ؟ ... والله ما أدري وأنا رسول الله ماذا يفعل بي ... ))

[الحاكم عن أم العلاء الأنصارية ]

لم يميز النبي الكريم نفسه عن صحابته بل كان واحدا منهم
ليس من أخلاق العبودية لله أن تحكم على المستقبل يقيناً ، تقول : أرجو الله ، هذا أدب مع الله عز وجل ، إذاً أقواله سنة ، وأفعاله سنة ، وإقراره سنة ، وصفاته سنة .
كان يغتسل ، كان يصافح ويبتسم ، أحدهم قال لأحد من حضر مجلسه : أيكم محمد ؟ والله يقال عن هذا القول ساعات وساعات ، ليس له كرسي خاص ؟ أبداً ، ليس له جلسة خاصة ؟ أبداً ، هناك رواية أولى قال له : قد أصبت ، أنا ، وفي رواية ثانية أحد الصحابة قال : ذاك الوضيء .
كانوا في سفر ، وأرادوا أن يعالجوا شاةً ، قال أحدهم : عليّ ذبحها ، قال الثاني: وعليّ سلخها ، قال الثالث : وعليّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب ، شيء غير معقول ، فقالوا : نكفيك ذلك يا رسول الله ، قال: أعلم أنكم تكفوني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه .
كانوا في سفر ألف صحابي والرواحل ثلاثمئة ، قائد جيش ، ونبي ، ورسول ، وقمة البشر ، قال : كل ثلاثة على راحلة يتناوبون عليها ، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة ، سوى نفسه مع أقل جندي ، هو قائد الجيش ، وزعيم الأمة ، ونبي الله ، ورسول الله، ومع ذلك سوى نفسه مع أقل جندي ، ركب النبي عليه الصلاة والسلام الناقة فلما جاء دوره في المشي توسل صاحباه أن يبقى راكباً ، فقال : ما أنتما بأقوى مني على السير ، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر .
الحقيقة أقواله سنة ، أفعاله سنة ، إقراره سنة ، صفاته سنة .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم ، وهنا نلفت النظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم والتي أمرنا أن نتأسى بها أنها متنوعة المجالات ، ذاق الفقر والغنى والقوة والضعف ، ما السر وراء ذلك ؟

التأسي بسنته صلى الله عليه و سلم :

الدكتور راتب :
والله هناك موقف الحقيقة شيء لا يصدق ، في أثناء الهجرة أهدر دمه الكريم ، ووضع مئة ناقة ، الناقة سعرها مرتفع جداً ، مئات الألوف ، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، أحد الأشخاص طمع في هذه الجائزة الكبيرة تبعه ، اسمه سراقة ، قال له النبي الكريم : يا سراقة كيف بك - النبي صلى الله عليه وسلم إنسان مهدور دمه ، أهدر دمه ، ووضع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً - إذا لبست سواري كسرى ؟
في أضعف حالات النبي الكريم وعد سراقة بسواري كسرى
أي أنا سأصل إلى المدينة سالماً ، و سأنشئ دولة ، وسأنشئ جيشاً ، وسأحارب أكبر دولتين في العالم ، وسأنتصر عليهما ، وسوف تأتي إلى المدينة غنائم كسرى ، و لك يا سراقة سوار كسرى ، وفي عهد عمر قال : أين سراقة ؟ لما جاءت كنوز كسرى سأل أين سراقة؟ ألبسه سوار كسرى ، وقال : بخ بخ أُعيرابي من بني تميم يلبس سواري كسرى .
أسوتنا بالنبي الكريم تعلمنا أن لا نيأس مهما ضعف حالنا
ثقته بنصر الله ، ثقته بالمستقبل ، الآن يقول لك : انتهينا ، لا لم ننته ، بعض الأخبار السلبية فيما يجري في العالم الإسلامي والعربي يقول لك : انتهينا ، لا لم ننته ، ثقة النبي صلى الله عليه وسلم ، دمه مهدور ، الأمل بالنصر صفر ، ومع ذلك ثقته بالله عز وجل لم تتزحزح .
الأستاذ بلال :
ينبغي أن نتأسى به ، بثقته .
الدكتور راتب :
ولا سيما في هذه الأيام .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم جزاكم خيراً ، كنت أريد أن أصل إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذاق جميع الصنوف وهو يقول : إنما أنا بشر ، هل بشريته لها علاقة بتأسينا به ؟

النبي الكريم بشر تجري عليه كل خصائص البشر :

الدكتور راتب :
أخي الكريم بارك الله بك ، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، ذاق الجوع ، قال :

(( لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، ولقد أخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت عليّ ثلاث من بين يوم وليلة ومالي طعام إلا ما واراه إبط بلال))

[الترمذي عن أنس بن مالك]

النبي الكريم ذاق من كل ألوان العذاب
ذاق الفقر وذاق الغنى ، لمن هذا الوادي من الغنم ؟ قال : هو لك ، قال : أتهزأ بي ؟ قال : لا والله ، هو لك ، قال : أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
أذاقه الفقر ، الغنى ، العز ، فتح النبي الكريم مكة المكرمة ، وقد ناصبته العداء عشرين عاماً ، دخلها خافض الرأس حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل .
ذاق النصر ، وذاق بالخندق الوضع الصعب جداً جداً ، أيعدنا صاحبكم أن تُفْتَح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟
ذاق القهر ، وذاق النصر ، وذاق الفقر ، وذاق الغنى ، وذاق العز ، وذاق القلق والخوف ، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، وذاق أن يقول الناس في زوجته ما لا ينبغي ، كان صابراً ، وكان حكيماً ، وكان متفائلاً .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم جزاكم خيراً ، أريد في محورنا الأخير أن نلفت إلى ضرورة التأسي برسول الله ، سيدي بعض الناس يظنون أن تعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية هي فرض كفاية ، وكأن المتبحرين في العلم فقط هم الذين يقرؤون في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أليس فرض عين على كل مؤمن أن يتعلم السنة والسيرة ؟

النبي الكريم معلم بأقواله وأسوة بأفعاله ووصف كامل بصفاته :

النبي الكريم أسوة المؤمن في كل شيء

الدكتور راتب :
المؤمن إنسان ، والإنسان جاء الله به إلى الدنيا كي يتعرف إلى الله ، والله عز وجل لا تدركه الأبصار ، أرسل رسولاً ، أنطقه بالحق ، حركته حق ، عطاؤه حق ، منعه حق ، غضبه حق ، رضاه حق هذا النبي صلى الله عليه وسلم هو أولاً معلم بأقواله ، وأسوة بأفعاله ، و وصف كامل بصفاته ، حتى الإنسان يصل إلى حقيقة هذا الدين يجب أن يتبعه في كل أقواله وأفعاله وإقراره وصفاته ، هذه السنة .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم آخر ما نتكلم به أسوتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ألا ينبغي أن يكون كل منا أسوة ، الأب في بيته ، والأم في بيتها ؟

تطبيق الدين بحذافيره و ليس الإعجاب السلبي به :

الدكتور راتب :
طبعاً ، إذا قلنا : هذا الطبيب جراح ، أعطى حقنة وعقمها أولاً ، وفعل كذا وكذا ، لا يعني أنه إذا كان ممرضاً و أراد أن يعطي حقنة لمريض ألا يعقمها لا يوجد إعجاب سلبي بالإسلام بل يجب تطبيقه تطبيقا كاملا
هناك أشياء يستوي في تطبيقها قمم البشر ، وعامة البشر ، فهذه الأفعال لنا كي نطبقها لا كي نتغنى بها ، وليست إعجاباً سلبياً فقط ، هناك تدين أنا أسميه إعجاباً سلبياً ، يقول لك : دين عظيم ، نبينا سيد الأنبياء ، منهج ، قرآن ، سنة ، ما لم تطبق هذا الإعجاب السلبي لا يقدم ولا يؤخر ، قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

[ سورة مريم: 59]

هم يصلون ، وقد لقي بعض المسلمين هذا الغي .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم العلماء والدعاة والمربون والمصلحون أليس القدوة قبل الدعوة ؟

القدوة قبل الدعوة :

الدكتور راتب :
أبداً .
القدوة قبل الدعوة
الأستاذ بلال :
الأسوة .
الدكتور راتب :
لأن الناس لا يتعلمون بآذانهم يتعلمون بعيونهم ، وأنا أقول كيف أن النبي وصف بأنه قرآن يمشي ، قيل : القرآن كون ناطق ، والكون قرآن صامت ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، أنا أرى الناس لا يتأثرون بهذا الدين إلا إذا رأوا بأعينهم إسلاماً يمشي ، أي مؤمن مطبق لهذا الدين ، إن حدثك فهو صادق ، إن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف .
الأستاذ بلال :
أستاذنا الكريم أريد أن أختم بقصة سمعتها منكم قبل أن تبدأ التسجيل ، قصة هذا الإمام الذي كاد أن يبيع الإسلام كله من أجل عشرين بنساً .

الناس لا يتعلمون بآذانهم بل بعيونهم :

الدكتور راتب :
قصة وقعت في بريطانيا ، إنسان يعمل في ظاهر لندن في مانشيستر ، يركب مركبة عامة ، فمرة صعد المركبة ، وأعطى السائق ورقة نقدية كبيرة ، ردّ له السائق التتمة ، عَدّها بعد أن جلس فإذا هي تزيد عشرين بنساً على ما يستحق - القصة هكذا رواها لي أحد طلابي في لندن - دخل في صراع مع نفسه ، إنها شركة عملاقة ، ومعها مليارات ، والمبلغ أنا بحاجة له ، ولكن أنت إمام مسجد ، دخل في صراع مع نفسه ، هذا الصراع انتهى أن يعطي السائق التتمة ، مدّ يده إلى جيبه و أعطى السائق العشرين بنساً ، فابتسم السائق ، الابتسامة أقلقته ، لم ؟ قال له : ألست إمام هذا المسجد ؟ قال : بلى ، قال : والله حدثت نفسي قبل يومين أن أزورك في المسجد لأتعبد الله عندك ، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك ، القصة مؤثرة جداً ، وقع هذا الإمام مغشياً عليه ، و لما صحا من غشيته قال : يا رب ، كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً .
والآن كم مسلم يبيع دينه بتصريح كاذب ؟ هذه المشكلة ، الناس لا يتعلمون بآذانهم بل بعيونهم ، وما لم يروا إسلاماً يمشي أمامهم مطبقاً لهذا الدين لا يقتنعون بهذا الدين .

خاتمة و توديع :

الأستاذ بلال :
وهذه أهمية الأسوة التي كانت موضوع لقائنا معكم ، جزاكم الله عنا كل خير وبارك بكم ، ونفع بعلمكم ، وأنتم أخوتي المشاهدين لم يبق لي في ختام هذه الحلقة الطيبة المباركة من برنامجكم درر إلا أن أشكر لكم حسن متابعتكم ، راجياً الله لكم دوام الصحة والعافية، وحتى نلتقيكم في لقاء آخر أستودع الله دينكم وأمانتكم وخواتم أعمالكم ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

والحمد لله رب العالمين