العقيدة - العقيدة والإعجاز - الدرس (25-36) مقومات التكليف : الشهوة -11- شهوة المال -5- المال في الإسلام -3
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-03-30
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

المال في الإسلام:

1 – الشهوات حيادية:

أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الخامس والعشرين من دروس العقيدة والإعجاز، ولازلنا في مقومات التكليف، ولازلنا مع مقوم الشهوة الشهوات حيادية
وقد بينت لكم بفضل الله عز وجل أن الشهوات سلَّمٌ إلى رب الأرض والسماوات، وأن الشهوات حيادية، يمكن أن توظف في الخير كما يمكن أن توظف في الشر، ولأن الإنسان مخير فشهواته كلها حيادية، وحظوظه كلها حيادية، وخصائصه كلها حيادية، بمعنى أن أي شيء أودعه الله فيك، أو جبلك عليه، أو خصّك به حيادي، توظفه في الخير أو توظفه في الشر، وذكرت لكم أن عالماً كبيراً التقيت به مرة قال لي: أنا عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، منهم ما يزيد على ثلاثة عشر طبيباً، كلهم حفظة لكتاب الله وأطباء، خطر في بالي أن هذا الحشد من الحفدة الطيبين الطاهرين، وهؤلاء الحفظة الكرام والأطباء الأعلام سبب كل هذا الحشد علاقة جنسية بين الجد وبين زوجته، وهناك بيوت دعارة، وفيها علاقات جنسية، فعلاقة أنجبت هذا الخير، وعلاقة أنجبت ذلك الشر، إذاً: الشهوات حيادية، يمكن أن تكون سلماً ترقى به أو دركات تهوي بها.

2– الشهوات إمّا سُلَم نرفى به، أو دركات نهوي بها:

الشهوات إمّا سُلَم نرفى به أو دركات نهوي بها
أيها الإخوة، بشكل أو بآخر لولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات، فهي المحرك الذي يدفعك إلى المجد وإلى معرفة الله، أودع فيك شهوة، ومن أجل أن ترضي الله ضبطتها، فتحركت خلالها في الحيز الذي سمح الله لك به، فأرضيت الله عز وجل، وارتقيت عنده، فكل من يقول: لولا الشهوات لما دخلنا إلى النار، أو لما استحق الإنسان النار كلام ساذج غير صحيح، لولا الشهوات لما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات.

3 – المالُ قوامُ الحياة:



ونحن في بنود هذا الموضوع الكبير وصلنا إلى موضوع المال المالُ قوامُ الحياة ومحركها
وبيّنا أن المال قوام الحياة، وأن المال يعد أكبر قربة إلى الله، وأن المال حيادي، يكون زاداً للإنسان إلى الجنة، وطريقاً إلى النار، وأن المال يقسم إلى قسمين، رزق وكسب، فالرزق ما انتفعت به، والكسب ما لم تنتفع به، لكن تحاسب عليه، فالأشياء المستهلكة هي الرزق، والأشياء التي حصلتها بجهدك هي الكسب.
وذكرت لكم أن الإنسان يسأل عن علمه، ماذا عمل به ؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه ؟ وعن عمره فيمَ أفناه ؟ لكنه يسأل عن ماله سؤالين: من أين اكتسبه ؟ وفيمَ أنفقه ؟

4 – المالُ الحلال قوامُ الحياة:

ومرة ثانية، الإخوة الكرام الذين حباهم الله بالمال بإمكانهم أن يصلوا بالمال إلى أعلى درجة في الجنة، بالمال وحده بإنفاق المال.
الآن بدأ الدرس، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيف ))

[ رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

لماذا ؟ لأن علة وجودك في الأرض العمل الصالح الدليل الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

(سورة المؤمنون )

المؤمن القوي بماله خياراته في العمل الصالح كبيرة جداً
لا يندم الإنسان حينما يأتيه ملَك الموت إلا على ساعة مضت لم يعمل فيها عملاً صالحاً، فالعمل الصالح علة وجودنا، والمؤمن القوي بعلمه أو بماله أو بمنصبه متاح له مِن الأعمال الصالحة ما لا يتاح لغيره، وبالتعبير المعاصر خياراته في العمل الصالح كبيرة جداً، كإنسان حصَّل مالا من حلال من تجارة مشروعة، لا فيها كذب ولا غش، ولا دجل ولا إيهام، ولا تدليس ولا احتكار، ولا استغلال ولا ربح فاحش، تجارة مشروعة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ]

إن أكبر قطر في العالم الإسلامي إندونيسيا في إحصاء أنه يزيد على أربعة عشر ألف جزيرة، وهو أكبر قطر إسلامي من حيث السكان، مئتان وخمسون مليونًا، هذا القطر الإسلامي الكبير سبب هدايته تسعة تجار جاءوا إليه بالتجارة، لكنهم استقاموا.
قد لا تفهم كيف يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ ))

لأن التاجر الصدوق داعية إلى الله بمعاملته، بصدقه، بأمانته، بإخلاصه.

5 – المالُ الحلال من مقوِّمات التكليف:

أيها الإخوة، قضية المال أحد أكبر مقومات التكليف، فمن جمع المال الحلال بإمكانه أن يزوج شاباً، بإمكانه أن يؤسس مدرسة شرعية، بإمكانه أن يفتتح ميتماً، بإمكانه أن يؤسس جمعية خيرية، بإمكانه أن يعين ضعيفاً، أن يعالج مريضاً، أن يرحم مسكينا، أن يطعم جائعاً، أن يرعى يتيماً أن يرعى أرملة، فالخيارات التي أمام الغني لا تعد ولا تحصى، لذلك إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله، أنا أرى أنه يجب أن تكون غنياً، أما إذا كان طريق الغنى سالكاً على حساب مبادئك ودينك وقيمك فالفقر وسام شرف لك.
إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله، دون أن تضحي بدينك، ولا بمبادئك، ولا بقيمك، تجارة مشروعة، رزق حلال، يجب أن تكون غنياً، لأنك بمالك تحل آلاف المشكلات، بمالك ترعى يتيماً، بمالك تربي إنساناً، بمالك تعطي منحة دراسية حتى الدكتوراه لطالب مؤمن مسلم متألق، تجعله أحد علماء الأمة.
المالُ الحلال من مقوِّمات التكليف
مرة ثانية، والله أيها الإخوة، أمام الإخوة الكرام الذين أكرمهم الله بالمال أعمال صالحة لا تعد ولا تحصى، وقد قال بعض العلماء: " الطرائق على الخالق بعدد أنفاس الخلائق "، طرق كثيرة لتؤسس جامعات، أنا التقيت مع إنسان أسس جامعة كبيرة جداً، أمضيت فيها يوما يستقبل الطلاب بعد الظهر والطالبات صباحاً، هؤلاء الطلاب يتعلمون من أماكن فقيرة، الأقساط مجانية، بل فيها راتب والمواصلات على حساب الجامعة، والجامعة مضى على إنشائها عشر سنوات، خرجت آلاف الطلاب ممن يحملون شهادة عليا ليتعين، ويتزوج، أو تحمل شهادة عليا فتعين مدرسة لتتزوج، رأيت صاحب هذا العمل الطيب إنسانًا متميزًا بماله فقط، المال قوة كبيرة أيها الإخوة.
الأغنياء يصِلوا إلى أعلى درجة في الجنة بإنفاق أموالهم
يجب أن نفهم لماذا جعل الله بعض الناس أغنياء، لأن هؤلاء بإمكانهم أن يصِلوا إلى أعلى درجة في الجنة بإنفاق أموالهم، وسيدنا الصديق أنفق كل ماله على رسول الله، سيدنا عثمان بن عفان: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ:

(( جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْفِ دِينَارٍ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَيَنْثُرُهَا فِي حِجْرِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ، وَيَقُولُ: مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ، مَرَّتَيْنِ ))

سيدنا عبد الرحمن بن عوف كان غنياً، وكان يقول: << وما عليّ إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء ؟ والله لأدخلن الجنةَ خبباً >>، أي هرولة.
خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها
الذي أتمناه من الإخوة الكرام ألا تكون شخصاً عادياً، ملايين من الناس تأتي إلى الدنيا، تكبر، تتزوج، تنجب، ثم تموت، ولا أحد يعلم ماذا حصل، وعدد كبير يسمَّون الخط العريض، يسمَّون الطبقة الدنيا، تعيش لتأكل وتشرب، أقصى طموحه أن يشتري بيتًا صغيرا فقط، لا هموم له، أما المؤمن فهمّه كبير، هو يحمل همَّ الأمة، همّه نشر الحق، همه إسعاد الناس، همه أن ينقل الناس من الظلمات إلى النور، من الضياع إلى الوجدان، من الشرك إلى التوحيد، من الشقاء إلى السعادة، من البخل إلى الكرم، من الجهل إلى العلم، من التبعثر إلى التوحد، فلذلك وصف الله النبي صلى الله عليه وسلم بأنه في الأفق الأعلى.
إن الإنسان في الدنيا إذا حمل همَّ من حوله نقدّسه، وإذا فكر إنسان بمن حوله نقدّسه.
حدثني أخ الله عز وجل أكرمه بالمال، قال لي: والله ما مِن شاب من أسرتي الواسعة إلا هيئت له عملاً، لذلك الله عز وجل حينما قال:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ (103) ﴾

( سورة التوبة )

6 – المالُ الحلال قوامُ الحياة:

أيها الإخوة، الإنسان المؤمن القوي عند رسول الله خير وأحب إلى الله تعالى، ما أتيح لك المال، العلم متاح لك لما ترضى أن تكون غير متعلم لما، لما لا تكون طموحاً، إذا المال ما أتيح لك العلم متاح المالُ الحلال قوامُ الحياة
إذا أتيح لك منصب فبجرة قلم تحق حقاً، وتبطل باطلاً، تقر معروفاً وتنكر منكراً، تقرب مخلصاً وتبعد فاجراً، بتوقيع، فإما أن تكون قوياً بمنصبك، أو أن تكون قوياً بعلمك، أو أن تكون قوياً بمالك.

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ))

[ مسلم، ابن ماجه، أحمد ]

والله أيها الإخوة، أنا أستمع من حين إلى آخر إلى نماذج من الشباب الطموحين يتطلعون إلى خدمة الأمة، شيء يلفت النظر، بتقديم خدمة عالية، بحل مشكلة، بتوعية، بتبصرة، إن لم تكن من هذا المستوى فما قيمة الحياة ؟
قال سيدنا علي رضي الله عنه: << يا بني، العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني، مات خُزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة >>.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم رحيم قال:

(( وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ))

7 – الضعيف قدرًا ومشيئةً له مكانة في الإسلام:

حتى المؤمن الضعيف بارك الله به، لكن هناك نقطة دقيقة: إذا كان متاحا لك أن تكون قوياً فينبغي أن تكون قوياً، أما إذا سعيت جهدك، ولم تصل إلى القوم فهذا من قضاء الله وقدره، عندئذ تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل، تقول: حسبنا الله ونعم الوكيل إذا بذلت كل جهدك، ولم تصِل إلا إلى هذا المستوى إذا كان متاحا لك أن تكون قويا فينبغي أن تكون قويا
أنا لا أقول لك:أن تعاند القدر، لا، لكن أنا أتألم أشد التألم بما يسمى بفقر الكسل، يؤجل الرجُ كلَّ شيء، ويسمى إرجائي، يقول: غداً، غداً.
مرة قال رجل للنبي: غداً، قال: ويحك، أو ليس الدهر كله غداً، الآنَ الآن.
هناك تأجيل، وعدم إتقان، وعدم تطوير، وإهمال، ومواعيد غير مضبوطة، وعمل غير متقن، وتواكل، وعزوُ الخطأ لغيره، مثل هذا الإنسان قد يكون فقيراً، لكن هذا الفقر ليس قدراً له، بل من جراء إهماله وتقصيره، هذا يسمى فقر الكسل، أما فقر القدر فإنسان معه عاهة، صاحبه معذور، وفقير الكسل مذموم، أما فقير الإنفاق فمحمود، هذه حالات نادرة، أنفق كل ماله قال: يا أبا بكر، ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال: أبقيت الله ورسوله. فقال عليه الصلاة والسلام:

(( ما طلعت شمس على نبي أفضل من أبي بكر ))

[ ورد في الأثر ]

الرسالة لا تنقطع بوفاة النبي بل هي مستمرة
ما ساءني قط، أعطاني ماله، زوجني ابنته، احفظوا له ذلك، سدوا كل خوخة علي إلا خوخة أبي بكر، وما من إنسان ارتقى إلى مستوى هذا الصدِّيق بعد رسول الله، هل خطر في بالك هذا النص الذي قاله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، هو يحبه حباً يفوق حد الخيال، لا أعتقد أن على وجه الأرض رجلان يحب كل منهما الآخر كما يحب الصديق رسول الله، والرسولُ الصديقَ، ومع ذلك حينما مات النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال الصدِّيق ؟

(( أَمَّا بَعْدُ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لماذا ما قال رسول الله ؟ باسمه فقط من دون أي لقب ـ فَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ))

[ متفق عليه ]

لأن الرسالة لا تنقطع بوفاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل الرسالة مستمرة.

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

( سورة الليل )

لكن تكون في بعض الأحيان عن طريق الأنبياء، وقد تكون أحياناً عن طريق الصديقين والشهداء والصالحين والعلماء العاملين، والدعاة المخلصين، تارة تكون عن طريق الأنبياء أو الرسل، وتارة عن طريق الصالحين، فلذلك ما قال: من كان يعبد رسول الله فإن رسول الله قد مات، هذا الكلام يوهم أن الرسالة انتهت، لا، الرسالة مستمرة، والدليل:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾

(سورة الأنفال )

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ

بتطبيقنا لسنة الرسول نأمن عذاب الله
الآن العالم الإسلامي مليار وخمسمئة مليون معذبون، ليست كلمتهم هي العليا، ليس أمرهم بيدهم، أعلنت عليهم حرب عالمية ثالثة في كل بقاع الأرض، ومع ذلك لأن رسول الله ليس فيهم، سنته ليست مطبقة في حياتهم، هذه آية دقيقة جداً:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ (33) ﴾

(سورة الأنفال )

يعني يا محمد، مادامت سنتك قائمة في حياتهم فهم في مأمن من عذاب الله.



حقيقة الشباب:

والله أيها الإخوة، حديث لا أشبع من ترداده، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأل سيدنا معاذ بن جبل قال:

(( يا معاذ، ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: ألا يعذبهم ))

[ متفق عليه عن معاذ ]

ما دام الهدف كبيراً فأنت شاب
كأن الله عز وجل من خلال كلام نبيه صلى الله عليه وسلم أنشأ لنا حقاً عليه قال:

(( يا معاذ، ما حق العباد على الله إذا هم عبدوه ؟ قال: ألا يعذبهم ))

[ متفق عليه عن معاذ ]

أنت في مأمن، أنا أخاطب الشباب، لا تخف، ما دمت مستقيماً فأنت مستثنى من كل الظروف، هناك ظروف صعبة، بل ظروف بالغة الصعوبة، فرص العمل منعدمة، البيوت أسعارها فوق طاقة الشباب، أنا أقول لكم ولي ثقة مطلقة بالله عز وجل: إنك إذا كنت مستقيماً فالله يتولاك، والدليل:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل الآية: 97 )

أنا أرى أيها الشاب، وكل الحاضرين شباب، والأصح أن هناك مؤمنا شابًا في سن الخامسة والتسعين، الشباب بالتعريف الحديث لا علاقة له بالسن أبداً، له علاقة بالطموح، فما دام الهدف كبيراً فأنت شاب، وقد ترى إنسانا في الخامسة والأربعين تجلس معه فتضيق ذرعاً به، لا طموح له، أكل، وشرب، ولعب النرد طول الليل، ومتابعة الأفلام، والنوم بعد الظهر، وسهر.
لا تصاحب من لا يرقى بك إلى الله حاله
مرة سمعت كلمة أعجبتني: هناك شيخ شيخه الزمان، عمره مئة وعشر سنوات، يقول لك: شيخ كبير، هذا شيخ الزمان، وهناك شيخ شيخه الأقران، شيخ قبيلة، أفراد القبيلة اختاروه شيخا، وهناك شيخ شيخه الشيطان، السحر والشعوذة، وفك السحر، يريد ديكا أبيض وخروفًا أسود، ويعطيك طلاسم وحجابا لا تفهم منه شيء إطلاقاً، هذا شيخ شيخه الشيطان، والذي قبله شيخه الأقران، والذي قبله شيخه الزمان، و شيخ شيخه السلطان، السلطان عينه شيخ، و شيخ شيخه الإعلام، و شيخ شيخه الرحمن، فالبطولة أن تكون مع شيخ شيخه الرحمن.

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) ﴾

(سورة يس)

لا تصاحب من لا يرقى بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله، لا تصاحب أهل الهواء.

(( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ))

[ أخرجه الحاكم، عن أبي هريرة ]

(( ابن عمر، دينَك دِينَك، إنما هو لحمك ودمك))

[ أخرجه ابن عدي في الكامل عن ابن عمر ].

8 – عبادة العصر: تسخير المال لخدمة الأمة الإسلامية:

نحن لا زلنا في موضوع المال، المال قوام الحياة، وقوة، والمال أحد أكبر بنود القوة، وإن صح أن هناك عبادة العصر علينا تسخير المال لخدمة الأمة الإسلامية
فنحن في عصر فيه حرب عالمية ثالثة معلنة، أحد بنود هذه الحرب أخذ الأموال، في حرب الخليج الأولى انتقل من الشرق إلى الغرب سبعمئة مليار دولار، وكل يوم ينتقل مليارات من الشرق إلى الغرب، إنها حرب إفقار، الثروات نهبت، البلاد احتلت، الشباب قتل، النفط أخذ بلا حساب، حرب إفقار في هذا العصر، عصر إفقار المسلمين، ما هو أعظم عمل ؟ أو أقرب عبادة تعاملية إلى الله ؟ أن تكسب مالا حلالا، وتحل به مشكلات المسلمين، هذا أعظم عمل، قد لا تنتبهون إلى خطورة المال، المال قوام الحياة.
مرة كنت في مؤتمر لحفظ القرآن الكريم، لفت نظري أن الجائزة الأولى بمبلغ يقترب من مليوني ليرة، الذي حفظ كتاب الله له جائزة، فأنا اقترحت أن هذا المبلغ يأخذه الأب مباشرة، وقد يحل به بعض المشكلات، يشتري به بيتًا صغيرا يقضي ديونه، لكن تمنيت على من هيئوا لهذه المهرجانات والمسابقات الرائعة أن يعطوا حافظ كتاب الله منحة دراسية حتى الدكتوراه، نجعل منه عالماً، والأمة بعلمائها، والله أنا أحب كل المؤمنين من دون استثناء.

مَن لا يعمل لا يخطئ:

ولكن هناك مَن يحمل معك، وهناك مَن تحمله، والفرق كبير جداً، في الحج قديماً ما كان الطواف بالكرسي، كان الطواف بالحمل، إذا تتذكرون كانت منصة لها سور، يجلس الإنسان الكبير في السن، ويحمله أربعة، هذا المنظر منظر مؤلم جداً مَن لا يعمل لا يخطئ
الآن المسلم بهذا الشكل، لا يتحرك، ولا يقدم شيئًا، ولا يعين أحدا، جالس مرتاح، لا بعمل شيئا، ويقيِّم الناس، ويوزِّع ألقاب البطولة وعدم البطولة، وهذا جيد وهذا سيئ، وما عمل شيئًا.
أنا أقول كلمة دائماً: هناك إنسان أموت في حبه، لأنه لا يخطئ، إنه رسول الله، وسامحوني على الكلمة الثانية، وهناك إنسان أحتقره أشد الاحتقار، مع أنه لا يخطئ، هو الذي لا يعمل، الذي لا يعمل لا يخطئ، ما قدم شيئًا، ما حاول أي محاولة، فاسأل نفسك هذا السؤال: اليوم ماذا فعلت ؟ هل قدمت خدمة لإنسان ؟ هل نصحت، هل عاونت إنسانا، هل أطعمت هرة ؟ هل خدمت والدتك.
إن الإنسان الذي لا يعمل لا يخطئ، فالذي لا يخطئ وهو لا يعمل يجب أن نحتقره، وأنا والله أكبر من يعمل، وقد يخطئ، وقد سمعت من بعض الدعاة في مصر أن داعية مشهورا كان يمشي، فوجد شابا على دراجة يبيع الشاي، يعرفه، معه شهادة جامعية، ما وجد عملا، فعمل هذا العمل، وكسب رزقا، وتزوج بعد هذا، فهذا العالم قال: والله أوقفت مركبتي، وذهبت إليه، وصافحته، وأكبرت عمله، العمل شرف، كان سيدنا عمر يقول: << إني أرى الرجل لا حرفة له فيسقط من عيني >>.

العمل شرفٌ:

العمل شرف، اليد العليا خير من اليد السفلى، والله هناك مشهد من مشاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: العمل شرف
إنسان في عهد النبي طلب منه مساعدة، النبي غضب، ما فتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، قال له:

(( أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ ؟ قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ ـ أي بساط ـ نَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ ؟ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ـ المزايدة مشروعة ـ قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ، فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ، وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ، وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ أبو داود، ابن ماجه ]

وصدقوا أيها الإخوة، حينما تسترزق فإن الله عز وجل أن يرزقك، وترجو الله أن يرزقك فيرزقك، ويهيئ لك عملا، والعمل بيد الله، والزواج بيد الله، والبيت بيد الله، والصحة بيد الله.
أنا أريد أن تنعقد هذه الصلة مع الله، أريد أن تسأل الله أن يكون هناك حوار مع الله، الآن كل حياتنا حوار، نريد حوارا مع الله، يا رب، ارزقني رزقاً حلالاً طيباً، اللهم اهدنا، واهد بنا، واجعلنا هادين مهديين، وارزقنا طيباً، واستعملنا صالحاً، وكلما رأيت أخا كريما له عمل شريف أقول له: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، الله استعملك في الخير.

الحياة سعيدة بخدمة الخلق:

كلمة الحياة حلوة، حلوة بطاعة الله، حلوة بأن تحمل هم المؤمنين الحياة سعيدة بخدمة الخلق
حلوة أن تقدم شيئًا للناس، أنا أستثير عزائمكم، لا ترضَ أن تكون صفرا على الشمال، بل صفرا بعد الواحد، وصفرين فتصبح مئة أو ألفا، لا ترضَ أن تكون شخصا عاديًا، بهمتك وإيمانك وعملك الصالح ترقى عند الله.
البارحة جئت من منطقة الميدان، وقبل الميدان حي فيه مئذنة عالية جداً، ذكرت لكم قصة صاحبها كثيراً، المستخدم بمدرسة فقير عنده ثمانية أولاد، ودخله أربعة آلاف ليرة، وهو تحت الخط الأحمر في الفقر، ويسكن في غرفة واحدة مستأجرة، ورث أرض هذا المسجد، فعرضها للبيع، جاء من يشتريها، الذي اشتراها أعطاه نصف الثمن مقدَّماً، قال: أين بقية المبلغ ؟ قال له: عند التنازل، قال: ما التنازل ؟ قال: تذهب إلى مديرية الأوقاف، وتتنازل عن هذه الأرض لتكون مسجداً، قال: مسجد !!! مزق السند !!! وقال: والله إني أستحي من الله أن أبيع أرضاً لتغدو مسجداً، أنا أولى منك أن أهبها إلى الله، هذا عمل يسعد به إلى أبد الآبدين، بعمل عظيم، وتضحية، وخدمة، أو طلب العلم، أو خدمة إنسان، أو كنت بارا بوالديك، اعمل عملاً ترقى به عند الله عز وجل.

المال عنصر مهم وخطير:

موضوع المال أحد أكبر أنواع القوى في الحياة، والمنصب قوة، والعلم قوة، والمال قوة، والموضوع عن المال فبإمكان أصحاب الأموال أن يصلوا إلى أعلى درجات الجنة، الدليل رائع جداً، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))

[ متفق عليه ]

هناك محسنون، الله عز وجل يزيدهم غنىً، يبارك لهم بصحتهم، بأولادهم، بمالهم، يحفظهم من كل مكروه لذلك:

(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة ]

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ الطبراني في المعجم الكبير والأوسط بسند حسن عن أبي هريرة ]

نحن في عصر الطرف الآخر اتخذ قرار بإفقارنا عن طريق نهب الثروات، وإشغالنا بحروب جانبية إلى آخر القصة المعروفة فما هي العبادة الأولى ؟ أن تكسب المال الحلال، وتهيئ فرص عمل.
قد يوفقك الله بمشروع لتكون سببا بفتح مئات البيوت
حدثني أخ كان في ألمانيا، جاء إنسان من هذا البلد ليقيم معملاً هناك، قال لي: فوجئت مفاجأة كبيرة، هو توقع مثل أي بلد آخر، رخص، ومعاملات، وإجراءات مطولة، وروتين، ووثائق، وبراءات ذمة، وموافقات، ما طُلب منه شيء إلا تصريحين: الأول بعدم تلويث البيئة، والثاني بتأمين فرص عمل لأبناء ألمانيا، وقدموا له الأرض مجاناً بأجرة رمزية، كل دنم أجرته بالسنة مارك واحد، والآن يورو، انظر إلى التفكير، هذا إنسان منتج يجب أن نشجعه، أعطوه أرضا الدنم بمارك، وبتصريحين بعدم تلويث البيئة، والثاني بتأمين فرص.
مرة أخ من إخواننا، هذا الشيء ذكرته سابقاً، قال لي: أنا سوف أغلق معملي، السبب ؟ قال: ما ربحت، قلت له: كم عاملا عندك ؟ قال: ثمانين، قلت له: من قال لك: إنك لا تربح ؟ فتحت ثمانين بيتًا، إذا كان في كل بيت خمسة أشخاص ؛ أنت وزوجتك وثلاثة أولاد في خمسة، في ثمانين، الناتج أربعمئة إنسان، أنت بهذا المعمل تطعمهم من فضل الله عليك، فبقاء المعمل مفتوحاً هذا أكبر ربح.
أحيانا أجد صناعيا عنده ثلاثة آلاف عامل والله أكبره، فتح ثلاثة آلاف بيت:

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيف ))

[ رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

أنت أمامك العلم، فإما أن تكون ابن إنسان معه مال، تفتح مشروعا، أو تكون إنسانا ما عندك إمكانية، ادرس، خذ شهادة عليا في اختصاص نادر، أتقن عملك، أو إنسانا عندك حرفة، أتقنها، أبدع فيها، يرتفع دخلك، تعين غيرك، المال أكبر قربة إلى الله عز وجل.

الموضوع العلمي: حيوان البطريق:

وننتقل إلى الموضوع العملي.

1 – القطب الجنوبي موطن البطريق:

أيها الإخوة، في خلق الله عز وجل آيات دالة على عظمته، ففي القطب الجنوبي، هذا المكان يعد أبرد منطقة في العالم، الشتاء فيه ستة أشهر، وبيئة صعبة جداً، وفيه مخلوق هناك اسمه البطريق، حيوان برمائي يمشي على رجلين، أو يزحف على بطنه.

2 – رحلة البطريق إلى القطب الجنوبي:

تقوم البطاريق برحلة إلى القطب الجنوبي
تقوم هذه البطاريق برحلة إلى هذا القطب الجنوبي الحلة تستمر بضعة أسابيع، وتقطع مسافة مئة كيلو متر زحفاً أو مشياً، لذلك تصل إلى هذا المكان فتتجمع آلاف مؤلفة، هكذا صممت، بطاريق تجتمع، وتهاجر إلى مكان في القطب الجنوبي، حرارته خمسون تحت الصفر، وسرعة رياحه الباردة مئة كيلو متر، سرعة مستمرة مع ثلج وبرد لا يحتمل، هذه تجتمع في القطب الجنوبي، وتبقى مع بعضها بعضاً.

3 – نظام التناوب على أماكن الدفء والبرودة:

من الذي يبرد ؟ الذين على المحيط، على المحيط يتبادلون الأمكنة بالمناوبة، ليس الواحد منهم داخل المجموع دافئا والآخر على المحيط، الذي في المحيط يبقى ساعة ثم يدخل إلى الداخل، ويحل محله واحد من الداخل.

4 – كيفية التلقيح بين الذكر والأنثى:

الشيء العجيب يتم التلاقح بين الذكر والأنثى، والأنثى تنزل إلى البحر لتضع البيضة، هذا البطريق وهو واقف كل جسمه محاط بفرو سميك، لأن البرد لا يحتمل، وله رجلان يقف عليهما.

5 – حضانة الذكر للبيضة:

يقوم البطريق الذكر بحضانة البيضة
هذا البطريق يضع البيضة التي ولدتها أنثاه على رجليه، ويغطيها بالفرو، لأنه لو تدحرجت على الأرض لمات وليده من شدة البرد، يضع البيضة على قدميه، ويغطيها بالفرو إلى متى ؟
الشاهد كله في هذه الكلمة: يبقى أربعة أشهر واقفاً على قدميه وبيضة أنثاه على قدميه يغطيها بفروة جسمه، ولا يأكل، ولا يشرب، ما هذا العطف ؟ لو أنه اضطر أن يمشي لمشى زحفاً، وتنقل بطيء جداً، لو حركه برجليه وقعت البيضة، يمشي بقفزة بطيئة، شيء لا يصدق، ما هذه الرحمة التي أودعها الله في قلب هذا البطريق الذكر.


6 – عملُ أنثى البطريق:

الأنثى في البحر تجمع الطعام، وتهيئ للعودة، حينما تعود الأنثى إلى البر تكون هذه البيضة قد فقست، وخرج منها بطريق صغير تأخذه الأنثى وترعاه.

7 – الوجبة الغذائية الأولى لصغير البطريق:

بالمناسبة البطريق الأب في حوصلته كمية حليب يبقيها أربعة أشهر، ولا يستخدمها، وهو في أمسِّ الحاجة إليها البطريق الأب يحتفظ بكمية حليب ليطعمها لصغيره فور ولادته
هي الوجبة الغذائية الأولى للبطريق حينما يولد، فبعد أن يولد يفتح البطريق الابن فمه، ويأتي إلى الأب فيضع في فم ابنه هذه الوجبة التي خبأها له من أربعة أشهر.
من علمه هذا ؟ من أودع في قلبه الرحمة ؟ لذلك هذا البطريق يجب أن يعلم الأمهات المقصرات درساً لا ينسى، أربعة أشهر لا يأكل ولا يشرب، لذلك ورد في بعض الآثار:

(( وأيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة))

[ ورد في الأثر ]

الآن أولادها في الطريق، وهي عند الجيران، الحيوان أحسن منها، حيوان يضع البيضة على قدميه، يغطيها بالفرو، ويقف أربعة أشهر بالتمام والكمال لا يضع في فمه شيئا، لا يشرب ولا يأكل، لأنه يحافظ على دفء هذه البيضة، تفقس البيضة، يهيئ لها وجبة هو في أمسِّ الحاجة إليها فيعطيها للصغير بفمه.

8 – تعاون الذكر والأنثى على رعاية الصغير:

الآن انظر التعاون، تأتي الأنثى من البحر لتتسلم الوليد الصغير، وترعاه، وقد امتلأ بطنها طعاماً في البحر يتعاون كل من الذكر والأنثى على رعاية الصغير
وينزل الأب إلى البحر ليأخذ حظه من الطعام والشراب، هذا خلق الله، فلذلك:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 72 )

إذا لم يحمل الإنسان الأمانة، ولا أدى الرسالة يعد أحقرُ حيوان أفضلَ منه، أما إذا حمل هذه الأمانة، وأدى تلك الرسالة يعد فوق الملائكة، فقد رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، وركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، وركِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان.

فائدة جليلة: رعاية الأولاد من أعظم الأعمال:

أيها الإخوة، رعاية الأولاد من أعظم الأعمال، العناية بصحتهم، بدراستهم، بأخلاقهم، بدينهم.
رعاية الأولاد من أعظم الأعمال
أذكر أني كنت في بلد حدثني عالم جليل أن طفلا جاء إلى المسجد في إحدى الصلوات في النهار، في الصف الأول ثمانية مصلين، أحدُهم ـ عافانا الله من هذا الحمق ـ سمع حديثا أن الطفل في الصف الثاني، فدفع هذا الطفل، ولم يكن هناك صف ثانٍ أصلاً، هم كلهم ثمانية، يقول هذا الطفل بعد أن أصبح عمره خمساً وخمسين عاماً: والله خرجت من المسجد، وتركت الصلاة خمساً وخمسين عاماً، لشدة ما تألم من هذا الذي دفعه بالمقابل.
حدثني أخ قال: كنت طفلا صغيرا كنت في جامع الأحمدية في سوق الحميدية بعد العيد، وكان معي حذاء جديد، جزء من عقله صار في الحذاء، افتقده، تألم، وبكى بكاء مراً، قال لي: رجل صالح أخذني إلى محل أحذية، واشترى لي حذاء من الدرجة الأولى، قال له: لا تبكِ، يقسم بالله العظيم هذا الطفل أنه من أجل هذا العطاء والإحسان والرعاية من هذا المحسن ما فاته فرض صلاة في حياته، انظر:

(( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي ]

وبالمقابل:

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ))

[ رَوَاهُ البُخَارِيُّ وأحمد]

والحمد لله رب العالمين