أحاديث رمضان 1425 هـ - ومضات ولقطات إيمانية - الدرس (08-64) : تأكيد الذات
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2004-10-18
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

ما تعريف حالة الإنسان عندما يتحدث عن بطولاته ومنجزاته.؟ :

الله يذم الذين يزكون ويمدحون أنفسهم
أيها الأخوة الكرام, يقول الله جل جلاله:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 49]

أيها الأخ الكريم، ألا ترى معي أن الله جل جلاله يذم هؤلاء الذين يزكون أنفسهم؟ قد تجد إنساناً كل حديثه عن تزكية نفسه، وكل حديثه عن بطولاته، وعن إنجازاته، وعن مكتسباته، وعن مكانته، وعن علمه، كأن الله سبحانه وتعالى بهذه الآية لا يرضى عن هذا الإنسان، ذلك أن الإنسان عنده دوافع ثلاثة؛ دوافع ثابتة: إنه يشتهي الطعام والشراب حفاظاً على حياته، وزين في نفسه حب المرأة حفاظاً على النوع، لكن الدافع الثالث سماه العلماء: تأكيد الذات.
كل إنسان بعد أن يأكل ويشرب ويتزوج, عنده دافع كبير إلى أن يؤكد ذاته، يتحدث عن بطولاته، عن منجزاته، عن حجمه المالي، عن رحلاته، عن سفراته، عن نشاطاته، الهدف أن يروي ميلاً فطرياً في الإنسان.

كيف يشبع الإنسان هذا الميل الفطري لتأكيد الذات؟ :

ورفعنا لك ذكرك
أيها الأخوة، هذا الميل الفطري لتأكيد الذات: يمكن أن يحقق في طاعة الله، أنت حينما تطيع الله عز وجل، حينما تستقيم على أمره، وحينما تتحرك تقرباً من الله عز وجل, الله جل جلاله يرفع لك ذكرك، قال تعالى:

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

[سورة الشرح الآية: 4]

ويوجد علاقة عكسية: أنه كلما مدحت نفسك, صغرت من عين الناس، وكلما عتمت على نفسك وذكرت ربك, رفعك الله بين الخلق.

((ما ذكرني عبدي في نفسه, إلا ذكرته في نفسي، ولا ذكرني في ملأ من خلقي, إلا ذكرته في ملأ خير منهم))

هذا الميل عند كل إنسان، أما حينما يؤثر أن يمدح ربه، وأن يمدح رسوله، وأن يمدح صحابته الكرام، وأن يمدح أهل الحق، وأن يعتم على نفسه هذا التعتيم, له مفهوم عكسي، الله عز وجل يتولى أن يرفع لك ذكرك:

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

[سورة الشرح الآية: 1-4]

الله عز وجل حينما يعز إنساناً, لا تستطيع جهة في الأرض أن تذله، العزة لله جميعاً:

اجعل لربك كل عز ك يستقر ويــثبت
فإذا اعتززت لمن يموت فإن عزك ميت

ما قاله علماء التفسير حول معنى هذه الآية:

الإنسان أحياناً يعتز بإنسان قوي، يلوذ به، يثني عليه، يقيم معه علاقات متينة من أجل أن يحتمي به، وأن يعلو على الناس بعلاقته الطيبة به، لكن الله عز وجل يقول:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾

[سورة مريم الآية: 96]

هل هناك من مودة أعظم من أن تكون لك مودة مع الله عز وجل؟ أن تكون بعين الله، ألا ترى بأن هذه الآية تكفي؟:

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

[سورة الطور الآية: 48]

وقد قال علماء التفسير: إن كل مؤمن له من هذه الآية نصيب.
أي بالتعبير الدارج: أنت غال على الله، لا يستطيع أحد أن ينال منك:
إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟.

ينبغي أن تعلم هذه الحقيقة :

كأن الموضوع في هذا اللقاء حول: أن الميل الثالث بعد الميل إلى الطعام والشراب حفاظاً على الفرد، وبعد الميل إلى الطرف الآخر حفاظاً على النوع الميل إلى تأكيد الذات، وأن يعلو الإنسان في الأرض، وأن ينظر الناس إليه، وأن يرمقونه بأبصارهم، هذا الميل يحقق لو اتجهت إلى الله، وأطعته، وكنت مستقيماً على أمره، عندئذ يتولى الله عنك رفع ذكرك.
هل ترى أن في الأرض إنساناً رُفع ذكره كرسول الله؟ ما إن يذكر الله عز وجل حتى يذكر معه رسول الله.
فأنا أقول لكل أخ كريم: مهما عتمت على نفسك، مهما أبعدتها عن الأضواء، مهما تواضعت لله, فالله عز وجل يرفع لك ذكرك، ولا يضيع عليك عملك, لكن لمجرد أن تمدح نفسك تصغر من عين الناس، فاكتف بأن الله سبحانه وتعالى يتولى رفع ذكرك، ورفع شأنك، وأن يجعلك متألقاً من عنده، هذه واحدة.

علام تشير هذه الآية؟ :

المؤمن يتحرى أي خبر قبل أن يذيعه
الناحية الثانية في آيات اليوم: أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾

[سورة النساء الآية: 83]

هذه الآية تشير إلى الإشاعات التي تضعف النفوس، دائماً مع وجود المنافقين، مع وجود الخائفين، مع وجود من لا يملك حكمة، خبر ليس له أساس من الصحة، يروج سريعاً، فإذا هو يسري كما تسري النار في الهشيم، هذا الخبر قد يضعف النفوس.
من صفات المؤمن: أنه قبل أن يذيع خبراً، قبل أن ينشر خبراً، يتأكد منه أولاً، وإذا تأكد منه أولاً: لا يجتهد، وينشره مباشرة، بل يعيده إلى أولي الأمر:

﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ﴾

[سورة النساء الآية: 83]

وفي غيبة الرسول:

﴿وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾

[سورة النساء الآية: 83]

وأولو الأمر هم العلماء والأمراء، فالعالم الله عز وجل نوّر بصيرته، ومعه أدلة قوية على التصرف الصحيح:

﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾

[سورة النساء الآية: 83]

معنى ذلك: أن الإنسان لا ينبغي أن يذيع كل ما سمعه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:

(( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ))

[أخرجه أبو داود في سننه, والحاكم في مستدركه]

لا بد من ضبط، وأحياناً الإنسان يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً, يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً.
و: قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة.
هكذا ورد في الأثر، إذاً: ترويج الأخبار غير الدقيقة، ودائماً أعداء الدين يعتمدون على ترويج الأخبار غير الصحيحة عن المؤمنين.

احذر أن تقع في هذا الخندق :

 لا تكن ممن يشيعون الفاحشة
يوجد آية واحدة خطيرة جداً، يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ﴾

[سورة النور الآية: 19]

هو ما فعل شيئاً، لكنه أحب أن تشيع الفاحشة، أي خبر سيء راج بين المؤمنين، ويوجد ضعضعة بثقة الناس بالدين ارتاح، راحته بانتشار هذا الخبر: يقتضي أن يعاقب أشد العقاب، لأنه عندئذ لا ينتمي إلى المؤمنين، هو في خندق المنافقين.
هذه علامة دقيقة جداً: أنك إذا ارتاحت نفسك لمصيبة نزلت بمؤمن, فهذه الراحة اجعلها دليلاً يقينياً على أنك لست في خندق المؤمنين، إنك في خندق المنافقين.
فهذا الموضوع -أيها الأخوة-: قبل أن تنشر خبراً، قبل أن تروج خبراً، قبل أن تشمت، قبل أن ترتاح نفسك لمصيبة نزلت بمؤمن، هل في الأرض كلها امرأة ترتاح لفضيحة ابنتها؟ مستحيل، إلا في حالة واحدة: ألا تكون ابنتها، إذاً: هي ليست أمها، والإنسان حينما يفرح لمصيبة نزلت بالمؤمنين, يضع نفسه قطعاً في خندق المنافقين، وهذه الآية لها دلالة طيبة جداً, على أن الإنسان لا يتسرع, فينقل خبراً لم يتأكد من صحته.

خاتمة القول :

كن مع جماعة المسلمين
آخر ملاحظة: أن الله سبحانه وتعالى يعلمنا كيف نصلي صلاة جماعة، ونحن في خط المواجهة الأول مع العدو، فإذا كان الإنسان -وهو في خط المواجهة مع العدو- مكلفاً أن يصلي جماعة, فكيف إذا كان في السلم؟ وكيف إذا كان في بحبوحة؟ وكيف إذا كان في مدينة آمنة، والجامع إلى جانبه؟.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ, فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً))

[أخرجه مسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ, أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:

((إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، فَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ, وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]

والحمد لله رب العالمين