التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول - الدرس (15-70) : غربة في مواطن التفلت والانحراف
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-01-17
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الغربة شعور من لوازم المؤمن في آخر الزمان :

الشعور بالغربة أحيانا يكون صحيا
أيها الأخوة الكرام، مع درسٍ جديد وموضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم: "الغربة"، ولا بد من تقديم:
قد تجلس مع أناسٍ يتكلمون لغةً لا تعرفها إطلاقاً فتشعر بالغربة، قد يجلس إنسان حصّل علماً عالياً جداً مع أناسٍ أميين فيشعر بالغربة، قد يذهب مسلم إلى بلد إباحي فيشعر بالغربة، فالشعور بالغربة أحياناً يكون صحياً، وأحياناً شعور مرضي الغربة شعور من لوازم المؤمن في آخر الزمان
إلا أن المسلم الحقيقي، المتمسك بدينه، الذي عرف الله، وعرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، من مشاعره الصحية أن يشعر بالغربة، السبب أن الله سبحانه وتعالى في آياتٍ كثيرة منها يقول:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 116 ]

الناس يهتمون بالمال، بالمتع، بالمكانة، بجمع الثروة، بجمع الأموال، المؤمن مهتم بمعرفة الله، بطاعته، بالعمل لآخرته، الاهتمامات متناقضة، والأهداف متناقضة، فلذلك من المشاعر التي ينبغي أن تشعر بها كمسلم هو الشعور بالغربة، أحياناً الموضوعات المطروحة غير صحيحة فيها كذب تشعر بالغربة، المجتمع متفلت تشعر بالغربة، إنسان يذهب إلى مكان المعاصي والآثام ترتكب على قارعة الطريق يشعر بغربة، فالغربة شعور من لوازم المؤمن في آخر الزمان، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

من أراد أن يستقيم على أمر الله فليكن مع الصادقين :

عش في بيئة إيمانية
أما الأحاديث، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس ))

[ أخرجه الطبراني و أحمد عن عبد الرحمن بن سنة ]

لذلك أنا أقول: إن أردت أن تستقيم على أمر الله فكن مع الصادقين، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة ]

العبادات تشحن المؤمن
عش في بيئةٍ إيمانية، عش مع أناسٍ يرفعون مقامك عند الله، عش مع أناسٍ يحفزون همتك إلى الله، لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله، اجلس مع أناسٍ يُذكرونك بالله، اجلس مع أناسٍ ينصحونك، المشكلة أن الإنسان إذا جلس مع بيئةٍ لا ترضي الله قد يستنكر حالهم في بداية الأمر، لكن بعد حين يألفهم، ويألف عاداتهم، ويألف انحرافهم، ويألف منطلقاتهم النظرية، بعد حين يقرهم على أعمالهم، فلذلك أخطر شيء في الحياة أن تكون في بيئةٍ لا ترضي الله، الاستنكار أولي، أناسٌ كثيرون ذهبوا إلى بلاد الغرب، أول شهر، شهرين، ثلاثة، إنكار غير معقول، يا أخي مجتمع متفلت، مجتمع غير منضبط، إباحي، بعد سنتين أصبح مثلهم، واقتنع بسلوكهم، وأقرهم على أعمالهم، فالبيئة شيء أساسي جداً، وأوضح شيء،

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف ]

أنا أشبه المؤمن بالهاتف المحمول، يحتاج إلى شحن، ما دام يشحن بشكل نوبي بالأسبوع مرة، بالأسبوع مرتان، يومياً يشحن بالصلوات، يشحن بدرس علم أسبوعي، درس علم نصف أسبوعي، هذا الشحن يجعله مع الدين، مع المبادئ، مع القيم، مع التصورات الصحيحة، أما إذا ابتعد عن مجالس العلم، وعاش مع الناس ينكر حالهم في بداية الأمر، بعدئذٍ يألفهم، ويختفي الشعور بالغربة، ما دمت تشعر بالغربة في مجتمع متفلت فأنت على خير، أما إذا زال هذا الشعور في مجتمع متفلت فهناك مشكلة كبيرة.

من لم يشعر بالغربة ففي إيمانه خلل :

إذاً الحديث:

(( بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس ))

أي ألا تشعر بغربة؟ إذا كيان قام على سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وسلب الأرض، وإذلال الشعب، ثم يمنح رئيس هذا الكيان جائزة نوبل للسلام، ألا تحتقر هذا المجتمع؟.
عندما يكون هناك ازدواج بالمعايير في العالم ألا تشعر بالغربة؟
مجموعة دول أوروبية اجتمعت، تصريحها الوحيد هم سيتعاونون على منع تهريب الأسلحة، وهذه الجريمة التي تمت لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية، أسلحة الدمار المخيفة على الأطفال والنساء ألا يستدعي هذا الموقف تصريح واحد؟ تعليق واحد؟ استنكار واحد؟ شجب واحد؟ ألا تشعر بهذه الغربة؟.
جاء مرة رئيس دولة كبرى، ببرنامج زيارته زيارة أسرة الأسير الإسرائيلي، ولنا عند اليهود أحد عشر ألف أسيراً، الأحد عشر ألفاً لا يستأهلون أن تزور إحدى الأسر للتوازن؟ ألا تشعر بغربة؟.
فتاةٌ في بلدٍ بعيد غربي ارتدت ثياب السحاقيات، يبدو أن مدير المدرسة على بقيةٍ من مروءة ففصلها، لأن هذا شذوذ، ومرفوض في الأديان كلها، وفي تشريعات الأرض، وطالبة مدرسة ترتدي ثياب السحاقيات! فالمدير طردها، أقام أبوها دعوى على المدير، فحكم له القاضي بمبلغٍ كبير، لأنه اعتدى على حريتها، فتاةٌ مسلمةٌ في باريس تضع قطعة قماشٍ على رأسها، لأنها تدين بدينٍ يدين به ربع سكان الأرض مليار ونصف أوروبا بأكملها قامت الدنيا ولم تقعد من أجل حجاب، ثياب السحاقيات لما منعت اعتداءٌ على حريتها، أما فتاة تضع قطعة قماش على رأسها تنفيذاً لوصية نبيها في الحشمة والعفة تقوم الدنيا ولا تقعد، ألا تشعر بغربة عن هذا العالم؟.
والله أيها الأخوة، إن لم تشعر بالغربة ففي الإيمان خلل، المؤمن إنسان، شخصية فذة، المؤمن عرف الله، تمسك بالحقيقة المطلقة، المؤمن شرُفت نفسه بمعرفة الله، يعيش في أجواء عليا:

(( إن الله يحب معالي الأمور وأشرافها ويكره سفسافها ))

[ أخرجه الطبراني عن حسين بن علي ]

ما لم نشعر بغربةٍ عن هذا المجتمع المتفلت، مجتمع العالم المتفلت، الإباحي، المجتمع الذي لا يقيم للفضيلة أية قيمة، المجتمع الذي يُعظم أرباب الأموال، الذي يُعظم الأقوياء ولو كانوا مجرمين، المجتمع الذي يؤمن بالمادة ولا شيء غير المادة، المجتمع المؤمن باللذة من أي طريق، هذا المجتمع لابد من أن تشعر وأنت بين أنحائه بغربة.

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

لذلك أيها الأخوة، الله عز وجل يقول:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور الآية: 55 ]

القلب السليم هو الذي سلم من الشهوة التي لا ترضي الله
وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، لكن الحقيقة المرة وهي عندي أفضل ألف مرة من الوهم المريح أننا لسنا مستخلفين الآن، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين، لا مستخلفين، ولا ممكنين، ولا آمنين، لذلك السبب، لأن الفريق الثاني وهم عباد الله أخلوا بما عليهم من طاعة الله، لذلك:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم ]

وقد لقينا ذلك الغي، وقال العلماء:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء ]

والقلب السليم هو الذي سلم من شهوةٍ لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبرٍ يتناقض مع وحي الله، وسلم من عبادة غير الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله، هذا هو القلب السليم،

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾

مهما كان حجمك المالي، مهما يكن أولادك نجباء:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

القلب السليم هو الذي سلم من شهوةٍ لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبرٍ يتناقض مع وحي الله، وسلم من عبادة غير الله، وسلم من تحكيم شرعٍ غير شرع الله.

إضاعة الصلاة و اتباع الشهوات جعل المسلمين متفرقين :

المسلمون أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فأصبحت بلادهم خلف الأمم
لذلك أيها الأخوة، أنا أقول دائماً: الكرة في ملعبنا، مثلاً حديثٌ شريف ربما يشده له، عن أنسٍ بن مالكٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حديثٍ طويل:

(( وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ ))

[ أخرجه ابن ماجه عن أنس بن مالك ]

المسلمون الآن مليار وخمسمئة مليون، يملكون أكبر ثروات في العالم، يحتلون أخطر موقع في الأرض، ومع ذلك متفرقون، ليس أمرهم بيدهم، لا وزن لهم في العالم، أمرهم إلى غيرهم، للطرف الآخر عليهم ألف سبيلٍ وسبيل لماذا؟ لأنه:

﴿ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

وقد أرانا الله عز وجل كيف أن عشرة آلاف نحسبهم صالحين مؤمنين ولا نزكي على الله أحداً، استطاعوا أن يقفوا أمام جيش من أقوى جيوش العالم، لاثنين وعشرين يوماً، لذلك الوعود قائمة:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران ]

إله الصحابة إلهنا، القرآن الذي نزل على قلب رسول الله بين أيدينا، الوعد وعد، والوعيد وعيد، نحن نحتاج إلى أن نتحرك، إلى أن نراجع حساباتنا، إلى أن نصحو من غفلتنا، إلى أن نصطلح مع ربنا، إلى أن نقيم علاقةً طيبةً فيما بيننا وبين ربنا.

طاعة الله عز وجل أساس استحقاق المسلمين للنصر :

الحرب بين حقين لا تكون لأن الحق واحد
أيها الأخوة الكرام:

(( وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ ))

هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، سيدنا سعد له كلمة رائعة يقول: "ثلاثةٌ أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ـ من هذه الثلاثة ـ ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى"، فهذا الحديث:

(( وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفاً مِنْ قِلَّةٍ ))

لأن الحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، والحرب بين حقٍ وباطل لا تطول لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي.
كتعليق: المظاهر الإسلامية الصارخة! أحياناً تجد مسجداً كلف ألف مليون، مليار دولار فوق البحر، مسجد ضخم، زخرفة إسلامية، مؤتمر إسلامي، مجلدات إسلامية رائعة، هذه المظاهر مع أنها حضارية لكن لا تقدم ولا تؤخر في استحقاق النصر للمسلمين، الذي يقدم ويؤخر طاعتهم لله عز وجل، فالمليار والخمسمئة مليون إن لم يكونوا على طاعةٍ لله لا وزن لهم.

اعتماد القرآن الكريم على قيمتي العلم و العمل للترجيح بين البشر :

قيم الترجيح بين البشر في القرآن هما قيمتي العلم والعمل
البطولة أن تتعامل مع الله بمقاييس القرآن الكريم، الله عز وجل اعتمد قيمتين في كتابه، قيمة العلم كقيمة مرجحة، وقيمة العمل، قال:

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

[ سورة المجادلة الآية: 11 ]

وقال:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر الآية: 9 ]

وقال:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء ]

فالقيمة المعتمدة في القرآن الكريم للترجيح بين البشر هي العلم، والقيمة الثانية العمل، فأي أمة تعتمد هاتين القيمتين فقط ترتقي، أما في انتماءات أخرى، في مكانة انتمائية حينما تعتمد الأمة مقياساً انتمائياً لا مقياساً موضوعياً تتخلف، أحد أكبر أسباب التخلف اعتماد مقاييس انتمائية، وأحد أكبر أسباب التقدم والرقي اعتماد مقاييس موضوعية جاءت في القرآن الكريم:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأحقاف الآية: 19 ]

أي حجمك عند الله بحجم عملك الصالح.

عدد المسلمين عند الله هو عدد الطائعين الملتزمين :

لذلك:

(( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بالأبواب لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

إذا عظمنا الأقوياء والأغنياء فستتخلف أمتنا
مما يروى في قصص العرب: أن رجلاً كان قصير القمة، أسمر اللون، أحنف الرِجل، مائل الذقن، ضيق المنكبين، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، ليس شيءٌ من قبح المنظر إلا وهو آخذٌ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضب غضب لغضبته مئة ألف سيف، لا يسألونه فيمَ غضب؟ وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه.
فالمقياس الحقيقي علمك وعملك، فإذا اعتمدنا هذين المقياسين في حياتنا نرتقي، أما إذا اعتمدنا مقياس المال نُعظّم أرباب المال، إذا اعتمدنا مقياس القوة نُعظّم الأقوياء، إذا اعتمدنا مقياس الانتماء إلى جهة معينة نُعظّمهم لانتماءاتهم فتتخلف الأمة.
لذلك أيها الأخوة، المظاهر الإسلامية الصارخة، تدخل إلى بيت على الجدار الأول هناك آية الكرسي وهذا شيء رائع، بجدار آخر أسماء الله الحسنى، ثم صورة الكعبة، كل شيء جميل، لكن يا ترى هل شرع الله مطبقٌ في هذا البيت؟ يمكن أن تضع على مركبتك مصحف، أي المظهر الإسلامي مقبول، الآن محل تجاري، أول آية:

﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ﴾

[ سورة الفتح ]

أي هل الفتح المبين أن تربح فقط؟ فهناك آيات، وأحاديث، وأشياء لطيفة نعتز بها، لكن في ميزان القبول عند الله لا تقدم ولا تؤخر، فالمظاهر الإسلامية الصارخة لا قيمة لها عند الله عز وجل، لأن عدد المسلمين عند الله هو عدد الطائعين فقط، عدد المسلمين عند الله هو عدد الطائعين الملتزمين.

المؤمن الصادق يزيد في إنفاقه ولو نقص إنفاق الآخرين :

المؤمن الصادق يزيد في إنفاقه ولو نقص إنفاق الآخرين
الآن من ولي الله؟ قال:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس ]

فقط، لذلك سُئل أحد العارفين: من ولي الله؟ أهو الذي يطير في الهواء؟ قال: لا، قال: أهو الذي يمشي على وجه الماء؟ قال: لا، ثم قال: الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام فقط، حديثٌ آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

(( طوبى للغرباء، قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يزيدون إذا نقص الناس ))

[ أحمد عن المطلب بن حنطب]

أي الناس خففوا من الطاعة لله، خفف من صلواته، خفف من إنفاقه، خفف من تشدده، تساهل، إذا تساهل الناس، ونقص إيمانهم، نقصت طاعتهم، نقص ورعهم، هؤلاء الغرباء يزيدون في ورعهم، في التزامهم، في محبتهم، في تعاونهم، في بذلهم، في عطائهم، أوضح مثل إنفاق المال، أحياناً هناك إنفاق، لكن أحياناً يقول لك: هناك أزمة، فضعف الإنفاق، أما المؤمن الصادق يزيد في إنفاقه ولو نقص إنفاق الآخرين.

بطولة الإنسان أن يغذي نفسه بالحق والبطولات :

أيها الأخوة، حديثٌ ثالث:

(( إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل من الغرباء يا رسول الله؟ قال النُّزَّاع من القبائل ))

[أحمد عن عبد الله بن مسعود]

الإناء ينضح بما فيه
قبيلة تعد بالألوف، نُزع منها شخصان، عرفا ربهما، واستقاما على أمره، وأخلصا دينهما، ودعوا إلى الله عز وجل، هؤلاء النُزاع من القبائل، تجد أسرة أحد عشر فرداً، شاب واحد مؤمن، مستقيم، ورع، صادق، يصلي الفجر في جماعة، يغض بصره عن محارم الله، يسعى لمعرفة الله، يدعو إلى الله، النزاع من القبائل أي قبيلة على كثرتها واحد أو اثنان نزعا منها وتعرفا إلى الله.

((إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل من الغرباء يا رسول الله؟ قال: النزاع من القبائل))

[أحمد عن عبد الله بن مسعود]

أخواننا الكرام، مثل أطرحه كثيراً، وعاء الماء في السيارة، له فتحة من الأعلى، وله صنبور من الأسفل، الذي يوضع في الأعلى تأخذه في الأسفل، وأنت تصور نفسك وعاء كيف تتغذى ثقافياً؟ هناك تغذية أفلام، تغذية أناس متفلتين، تغذية أخبار فقط، تكلم ما عندك غير الأخبار، وقصص بعض المشهورين ممن يعملون في عمل لا يرضي الله عز وجل، و عندك أشياء أخرى لا ترضي الله، أما لو أن هذا الوعاء يغذى من القرآن الكريم، من سنة النبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم، من سير الصحابة الكرام، تفضل تكلم، تتكلم بشيء غُذيت به لذلك قل لي ما الذي تقرأه؟ أقل لك: من أنت، قل لي: ما الذي تسمعه؟ أقل لك: من أنت، قل: ما الذي تشاهده؟ أقل لك: من أنت، البطولة في التغذية، أن تغذي نفسك بالحق، بالبطولات، لا بالسقطات، فلذلك:

(( إن الدِّين بدأ غريباً ))

[ أخرجه الترمذي عن عمرو بن عوف ]

من اتبع الله و نشر تعاليمه أحبه الله وغفر ذنوبه :

المؤمن منضبط ولو تفلت الناس
حديث رابع:

(( وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء وهم الذين يُصْلحون ما أفسد الناسُ ))

[ أخرجه الترمذي عن عمرو بن عوف ]

الناس تفلتوا، هو ينضبط، الناس أطلقوا لبناتهم العنان في ثيابهن، هو ضبط بناته.

(( الذين يُصْلحون ما أفسد الناسُ ))

[ أخرجه الطبراني و أحمد عن عبد الرحمن بن سنة ]

(( الذين يحيون سنتي ويعلمونها الناس ))

[ ابن عساكر عن الحسن بن علي ]

أيها الأخوة:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران ]

قيل: يحيونها بالتطبيق، وينشرونها بالتعليم.
أيها الأخوة، هذا الموضوع له تتمة إن شاء الله، نتابعه غداً.

والحمد لله رب العالمين