الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 24 : خروج التائب من المظالم المادية - شمائل النبي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1986-04-27
بسم الله الرحمن الرحيم

كيفية خروج التائب من المظالم المادية :

 أيها الأخوة المؤمنون : في موضوع الحلال والحرام من كتاب إحياء علوم الدين وصلنا إلى بابٍ رابع عنوانه : كيفية خروج التائب من المظالم المادية أي المالية.
 إنسانٌ تابَ إلى الله عزّ وجل وفي ذمتهِ حقوقٌ مالية كيف يخرجُ منها ؟ لأنكم تعلمون أنَّ الله سبحانه وتعالى يغفر ما بينه وبين العبد لمجرّد أن يتوبَ العبد ، أمّا ما بين العبد وبين الناس فلا تُغفر إلا إذا رُدّت الحقوق إلى أهلِها ، لذلك قال الله تعالى :

﴿ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

[سورة الأحقاف : 31]

 هذه الـ من للتبعيض ، أي إذا أقبلتم عليه وتُبتُم إليه يغفر لكم بعض ذنوبكم التي بينه وبينكم ، لكنَّ التي بينكم وبين العباد لا تُغفر إلاّ بعدَ الإصلاح ، اعلم أنَّ من تابَ وفي يدهِ مالٌ مُختلط فعليه وظيفةٌ في تمييز الحرامِ وإخراجِهِ من الحلال ، ووظيفةٌ أخرى في مصرِفِ المخرجِ فليُنظر فيه.
 إذاً : له مهمتان ؛ الأولى : معرفة الحرام وتمييزه من الحلال ، والثانية : ردُّ الحرام إلى أصحابِهِ ، ولا تُقبل توبة المُسلم ما لم يفعل هاتين المهمتين.

كيفية تصرف من تاب وفي يده ما هو حرامٌ معلوم القدر أو مجهوله :

 اعلم أنَّ كل من تاب وفي يده مالٌ حرامٌ معلوم العين من غصبٍ أو وديعةٍ أو غيرِهِ فأمرُهُ سهل ، عنده حاجة ليست له ، متميّزة ، واضحة ، ليست مختلطة ، أي لفُلان وفُلان حيٌّ يُرزق.. قضية سهلة.. تأخذ هذه الحاجة وتردّهُا إلى صاحبها ، عندك كتاب ليس لك ، قلم حبر ثمين نسيه أحد أصدقائِك معك منذ خمس سنوات وتعرفه وتعرف بيته والقلم موجود .. من تاب وفي يده ما هو حرامٌ معلوم العين من غصبٍ أو وديعةٍ أو غيرِهِ فأمرُهُ سهل. وإن كانَ ملتبساً مختلطاً.. دخل الحرام في الحلال.. فلا يخلو ، إمّا أن يكون في مالٍ هو من ذوات الأمثال ، المال أنواع : هناك مالٌ من ذوات الأمثال ؛ قمح ، شعير ، عدس..... هذه لها مثيل كالحبوب، والنقود لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة فيها مئة ليرة حرام والألف قد صرفتها كانت قطعتي خمسمئة أصبحت عشر قطع مئة ليرة ، مئة دفعتها ومئة قبضتها هذه المئة دخلت حراماً ، وهذه المئة لها أمثال ، القضية أيضاً سهلة ، وإمّا أن يكون في أعيان كالدورِ والثياب.
إما أن يكون في الأمثال وإما أن يكون في الأعيان ، فإن كان في الأمثال وكان شائعاً في المال كلِهِ كمن اكتسب تجارةً يعلمُ أنه قد كَذَبَ في بعضِها في المرابحة مثلاً ، هناك بيع اسمه بيع المرابحة ، يأتي الزبون ويقول للتاجر : بعني القماش مرابحةً وخُذ على سعر المتر ليرتين واكشف رأسُ مالِك... هذا النوع من البيع اسمه بيع المرابحة... أنت عندئذٍ تقول : سعر المتر ثماني عشرة ليرة وكلّف جمارك أربع ليرات ومصاريف ليرة وتخزين و و.... أصبح سعر المتر أربعاً و عشرين ليرة ، وليرتين مرابحة أصبح ستاً و عشرين ، لو أنكَ رفعت رأسَ مالِك في هذا التصريح لكان البيع حراماً هو اشترى منكَ مرابحةً على كل متر ليرتان ، ينبغي أن تكشف رأسَ مالِكَ الحقيقي من دون زيادة ، فلو أنكَ كذبتَ في رأسِ مالِك لكان هذا البيعُ حراماً.
 فلذلك من له تجارة يعلم أنه قد كذَبَ في بعضِها في المرابحةِ وصَدَقَ في بعضِها الآخر ، باع عشرين بيعة منهم خمس مرابحة كذَبَ في رأس المال وخمس عشرة مرابحة صدق في رأس المال فدخلت الأموال مع بعضها واختلطت وصار المبلغ في الصندوق متنوّعاً ، أو من غَصَبَ دُهناً وخَلَطَهُ بدُهنِهِ ، أو من فعلَ ذلِكَ في الحبوب غَصَبَ حبوباً أو دراهم أو دنانير وخلَطَها بحبوبِهِ أو دراهِمهِ أو دنانيرهِ فلا يخلو ذلك إمّا أن يكون معلومَ القدرِ أو مجهولاً.
 إذا كان المال متميّزاً فالقضية سهلة جداً ، وإذا كان متداخلاً في الأشياء التي لها أمثال فالقضية سهلة أيضاً .
 بقي عقبة واحدة : أنكَ هل تعرف مقدار هذا المال الحرام ؟ أو هذا القمح المغصوب؟ أو هذا الدُهن المغصوب ؟ أو هذا العدس المغصوب ؟ إن عرفت الكمية فالقضية أيضاً سهلة لأن لها مثيلاً ، غصبت مقدار " مُدّين " من العدس تُعطي مكانهُما مُدّين من عدسٍ آخر ، لأنَّ العدس متماثل ، غصبتَ عشر بيضات تُعطي من غصبتَ منه هذا البيض عشر بيضات أخرى... أنتَ لن ترُدَّ له عين البيض لأنك أكلته واستهلكته لكن تستطيع أن ترُدَّ مثيله ، أخذت ألف ليرة لك أن ترُدَّ مثيلها.. القضية أيضاً سهلة ، لكن العقبة في مقدار هذا الشيء المغصوب ، فإذا عرفت مقدارُهُ فالقضية أيضاً سهلة ، فإذا كان المقدار مجهولاً.. هنا المشكلة.. قال : له طريقان : طريق اليقين ، وطريق غالب الظن.
 طريق اليقين : أي تتحرّى أن تُبقيَ المال عندك حلالاً وأن تتخلّى عن كُلِّ مالٍ فيهِ شبهةُ حرام.. هذا هو الورع الأكمل.. ، لكن لو فرضنا أنك تملك ألف ليرة وأنت على يقين أنَّ منها أربعمئة ليرة حلال مئة في المئة ، ومنها أربعمئة ليرة حرام مئة في المئة ، و منها مئتان غير متأكد من أنهم حلال أم حرام ، الورع الأكمل أن تُبقي عندكَ الأربعمائة وتُرجع الستمئة ،
 غالبية الظن : وهي أن تُفرز الحلال المُطلق والحرام المُطلق وتُبقي المئتين وتُجري دراسة ، فإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حلال تضُمها إلى مالِك ، وإذا غَلَبَ على ظنِكَ أنها حرام تدفعُها إلى صاحِبِها .
 إمّا أن تأخُذَ باليقين وإمّا أن تأخُذَ بغلَبَة الظن ، ولكنَّ الورع أن تأخُذَ باليقين ، يجوز أن تُمسِكَ هذا الذي غَلَبَ عليكَ الظن ، لكنَّ الورع إخراجُهُ.

حالات عدة تدور حول المظالم المادية و كيفية حلها :

 الآن عندنا مشكلة العلماء قاموا ببحثها مطوّلاً : معك درهم ولا سمح الله اغتصبت درهماً ، صاروا درهمين ، ولكنك الآن لا تعلم أيُّ الدرهمين هو المغصوب لأنَّ الدرهمين متماثلان تماماً ، لو فرضنا ليرتي حديد لا فرقَ بينهم إطلاقاً فأيُّ الليرتين التي اغتصبت ؟ الموضوع مُطوّل جداً والذي أراه أنه لا جدوى منه لماذا ؟ لأنكَ إذا أعطيت أحد الدرهمين لمن اغتصبت منه الدرهم وكان الذي أعطيته ليس درهمه بل درهمُكَ.. بعض العلماء قالوا : إنه لا يجوز ، وبعضهم قال : إنه يجوز لأنَّ هذا الدرهم له مثيل.. ما الفرق بين هذه الليرة وهذه الليرة؟ مناقشة مطوّلة من غير جدّوى إلا أنه لو أنكَ أعطيته درهمه كان بها ، وإن أعطيته درهمكَ وأبقيتَ درهمه تبادلتُما الدرهمين ، هذا التبادل أحد أنواع البيع بيع المعاوضة أو بيع التسلّم ، على كُلٍّ مادامَ هُناكَ لهذا الدرهم مثيل فالمثيلُ يُغني عن الأصيل فيما لو بقي عندكَ الدرهم الذي اغتصبته وأعطيته الدرهم الذي هو لك.
 لكن أحياناً عندنا حالات من التعنّت والتزمّت : معك درهمان أحدُهما مُغتصب، والدرهمان اختلطا ، صاحب الدرهم المُغتصب يقول : أنا واللهِ لا آخذُ إلا عينَ درهمي فإن لم تعرف أيهما المُغتصب لا آخذ منكَ شيئاً وتعنّت.. أوقعك في الحرج.. أنت قد تُبتَ إلى الله.. ولا يأخذ إلا عينَ درهمِهِ ، وأنتَ لا تعرف أيُّ الدرهمين درهمُهُ ، قال : في هذه الحالة القاضي ينوب عن هذا الخصم المتعنّت فيأخذ منكَ أحد الدرهمين ويجعل الدرهم الثاني حلالاً لك ، فإن عَجَزَ القاضي عن أن يأخُذ هذا الدرهم يصحُ أن يأخذ هذا الدرهم رجلُ دينٌ - ذو دين - في المجتمع يأخذه نيابةً عن صاحِبِه من أجل أن يجعل بقية الدراهم حلالاً ، وإذا لم تجد هذا الرجل الصالح تُزيحُ درهماً من الدرهمين وتضعه في مكانٍ ما من أجلٍ أن تستهلك الدرهم الثاني ، أنت تنوب عن صاحب الدرهم المغتصب وتفرزه جانباً من أجل أن تستخدم الدرهم الثاني .
 الآن : أرض مغتصبة وصاحبُها توفي وتركَ ورثة ، المغتصب أعادَ نصف هذه الأرض ، الورثة متنوعون أحدهم له الحق في النصفِ ، فقال : هذه النصفُ لي وانتهى الأمر ، الشرعُ لا يُوافِقهُ على ذلك ، الشيء الذي رُدَّ من الأرض يُوزّع على الورثة جميعِهم.. هذا هو الشرع ، أمّا أن يدّعي من له نصيبُ النصفِ أن هذه الأرض التي رُدّت هي حقُهُ وحقوق بقية الورثة في النصف المُغتصب فهذا مرفوضٌ قطعاً ولا يجوز .
 شيء آخر : إذا وقعَ مالٌ في يدِ رجلٍ أخذه اغتصاباً من ظالمٍ ثمَّ تاب وكان هذا المالُ عِقاراً ، مُدّة بقاء العِقار في يدك يجبُ أن تدفع لمالِكِهِ الذي اغتصبت منه أجرَ المثلِ ، لو أنكَ اغتصبت سيارةً ليست لكَ ثُمَّ ندمِتَ وتُبتَ وبقيت معكَ سنتين ، فهل تعتقد أنكَ إذا رددت هذه السيارة إلى صاحِبِها نجوتَ من عذاب الله !؟ لابُدَّ من أن تردّها إلى صاحِبِها ، وأن تدفعَ لِصاحِبِها أجرة هذه السيارة عن سنتين ، لأنَّ هذا الشيء له منفعة - كل شيء يُمكن أن يُستفادَ من منفعتِهِ وتبقى رقبته هي هي هذا الشيء يجب أن تدفع لصاحِبِهِ أجرتهُ - ، لو اغتصبت داراً ثُمَّ تُبتَ إلى الله عليكَ أن تُعيدَ الدارَ ، وأن تـُعيد الأجرة التي تستحقُ فيما لو استأجرت هذا العقارَ من مالِكِهِ .

انتقال المال :

 عندنا موضوع دقيق خلافي حول انتقال المال ؛ انتقال المال من الميت إلى ورثتِهِ هل يُغيّرُ صفتَهُ ؟ إذا كان هذا المال حراماً هل يُصبح حلالاً ؟.. هذا الموضوع خِلافي.. من وَرِثَ مالاً ولم يدر من أينَ اكتسبهُ مورّثُهُ ، طفل صغير توفي والده وترك بيت ومحلاً تجارياً ومصنعاً ، لا يعرف عندما كبُرَ الطفل أنَّ هذا المال كيف كان اكتسابُهُ.. هل كان اكتسابُهُ حراماً أم حلالاً ؟.. إن كان لا يدري فهذا المالُ يأخذهُ الوريثُ حلالاً مئةً في المئة.. هذه واضحة باتفاق العلماء ، من وَرِثَ مالاً ولا يدري أكانَ هذا الذي أورثهُ المال قد اكتسبهُ من حلالٍ أو من حرام ، مادُمت لا تدري فهذا المال تأخذهُ من مورِّثِكَ حلالاً طيّباً .
 بالمناسبة ليسَ هناك علامة.. إذا وجدَ شخص في خزانة والده مثلاً ملعقة من فِضّة مكتوب عليها مثلاً اسم فندق.. هذه علامة على أنها مأخوذة سرقةً.. إذا وجد ملعقة من ذهب ومكتوب عليها اسم فندق في فرنسا مثلاً.. مادامَ هناك علامة فهذه العلامة تؤكدُ لكَ أنَّ هذه الملعقة أُخِذت حراماً ، قال : وإن عَلِمَ أنَّ فيهِ حراماً وشكَّ في قدرِهِ أخرجَ مِقدارَ الحرام بالتحرّي ، أمّا إذا كان مورّثهُ يعمل مع السلاطين وقد وصلَ إلى علمِهِ أنه لم يأخذ من أموالِهم شيئاً أو أنه أخذَ من مالِهم شيئاً ومضى مدةٌ طويلةٌ وقد أُنفِقَ هذا المال.. أغلب الظن أنَّ هذا الذي ورِثَهُ حلالٌ طيب .
 وإن عَلِمَ أنَّ بعضَ مالِهِ كانَ من الظُلمِ فيلزمه إخراجُ ذلِكَ القدر بالاجتهاد.. أي شخص والده موظف ويعرف أنَّ والده كان مستقيماً ، وعندما كان مستقيماً كان عنده دكان وبيت وبعض الأموال ، ثمَّ شعر أنَّ والده انحرف ، مثلاً بعد انحرافه اشترى سيارة ، صار هناك وضوح هذه السيارة اشتريت من مالٍ حرام ، وهذا البيت وهذا الحانوت من مالهِ الحلال ، أصبح من المُمكن أن يتميّز الحلال من الحرام.
 لكنَّ بعض العلماء قالوا : لا يلزمه شيء من ذلك لأنَّ موت صاحب المال يقلِبُ الحرامَ حلالاً - بعضُهم قال هذا - فأنتَ لكَ أن تأخُذَ بالحد الأدنى ، ولكَ أن تأخذ بالحد الأقصى ، لكَ أن تأخذ بهذا القول ولكَ بالورع فتأخذ بإخراج المال الحرام الذي ثَبَتَ لديك من مورّثِك ، لكن إن كُنت لا تعلم من أين أُكتُسِبَ هذا المال يُصبح المال حلالاً.. هذا عن أنَّ التائِبَ لا تُقبل توبته إلا إذا عرفَ نوعَ الظُلامة المالية وأرادَ ردّها إلى صاحِبِها .

كيفية إنفاق المال المغتصب بعد توبة الإنسان :

 المشكلة الآن أنكَ عرفتَ أن هذا المال مُعلّقٌ في رقبتِك ولابُدَّ من أن تُنفِقَهُ ، الآن كيف أُنفِقَهُ ؟ الإمام الغزالي يقول : إمّا أن يكون لهذا المال مالِكٌ معيّن فيجبُ أن يُدفع إليه أو إلى وارِثِهِ . لكن العلماء قالوا لبعضهم : إذا كنتَ قد اغتصبت مالاً من شخص من دون أن يعلم في زمن الجاهلية ، وحينما تُبتَ إلى الله عزّ وجل أردتَ أن تُعيدَ هذا المال ، بعض العلماء يقول: لستَ مُضطراً أن تُعلِمَهُ أنكَ اغتصبت هذا المالَ من وراء ظهرِهِ وها قد تُعيدَهُ إليه.. لا.. ، لكَ أن تدفع المال على شكل هدية ، ولكَ أن تدفعه على شكل حوالة بريدية ، ولكَ أن تدفعهُ له من دونِ أن يشعُر ، أي كُنت أنت في مكتبه وتركت محفظة فيها المبلغ وضعتها في الدرج عندما ذهب ليُحضر كأس شاي اختلط المبلغ مع مبلغ الدرج ، لكَ أن تضع المبلغ من دون أن يشعر ، ولكَ أن تُرسلهُ حوالةً ، ولكَ أن تُقدّمه على شكل هدية ، لكنّهُ لابُدَّ من أن يصِلَ إليه أمّا الطريقة هُنا فيها مرونة ، لستَ مُكلّفاً أن تكشِفَ نفسَكَ بعد أن تاب الله عليك وبعدَ أن ستَرَكَ.
إذاً : إن كان هذا المال له مالِكٌ معيّن يجبُ أن يُدفع إليه ، وإذا كان قد توفي إلى وارِثِهِ ، وإذا كان غائِباً تُنتظر عودتِهِ ، فإن أمكنَ إيصالُهُ إليه معك عنوانه يُمكن أن تُوصِلَهُ إليه هو مسافر مثلاً في جدة ولك صديق مسافر إلى جدة فتضع له المبلغ في ظرف وتقول له : الرجاء ابعث بهذه الرسالة إلى هذا العنوان وقُل له من صديق قديم من دون أن تذكر اسمه.. مثلاً .
 إذاً : إذا كان حاضراً تدفعه إليه ، مات إلى وارِثِهِ ، غائب تنتظر عودته ، معروف عنوانه توصِلَهُ إليه ، وإن كانت له زيادةٌ ومنفعة أي بيت مؤجّر وأنت كنت قد اغتصبته فتدفع له ثمن البيت أو أوراق الطابو مثلاً أو شيء من القبيل مع الأجرة أو شيء يُمكن أن يُستغل ، أرض استغلّت قدّمت أول سنة ثلاثين ألفاً ، فرضاً للمستأجر النصف أو الربع تدفع له الغلّة أو كل شيء انتفعت بهِ من هذا الشيء المُغتصب ، أمّا إذا كان هذا المال لِمالِكِ غير معيّن وقع اليأسُ من الوقوف على عينِهِ.. لا تعرفه.. ممُكن ، أي إنسان وجد حاجة أمام محل فلو كان ورعاً لسألَ صاحب المحل ووضع إعلاناً لكن أخذها ومضى.. في الجاهلية.. وبعد أن أسلم عَرَفَ أنَّ هذه لقيطة ويجب أن يوضع خبر أو إعلان في أقرب مكان ، هذه اللقيطة لا يُعرف صاحِبُها لها حُكم شرعي يجب أن تُعلن ، وأن تنتظر ، فهو لم يعلم أخذها مباشرةً واستهلكها ، فهذا المال لا يعرف مالِكَهُ ولا يدري أنه مات أو مات عن وارث أم لا ، فهذا لا يُمكن أن يردّهُ إلى مالِكِهِ ، يستطيع أن يتريّث قليلاً حتى يتضح الأمر ، فإذا كان في الإمكان أن يضع إعلاناً متأخراً ، فينتظر شهراً أو شهرين ، ويضع إعلاناً فإذا تعذّرَ الردُّ يُدفع المبلغ صدقةً ، قال : هذا كغلول الغنيمة ، إذا وجد شخص درعاً ثمينة مع الغنائم أخذها وبعدها تاب ، وكان الجيش مثلاً مئة ألف مقاتل ، فهذا الثمن ثمن هذا الدرع يجب أن يُرد إلى مئة ألف إنسان؟!.. مستحيل.. ، في مثل هذه الحالة يُدفع ثمن هذه الدرع التي أُخذت قبل توزيع الغنائم يُدفع صدقةً.
بعضُهم قال : إذا كان هذا المال شيئاً ؛ الغنيمة ما أُخذت عن حربٍ والفيءُ ما أُخِذَ من دونِ حرب ، الذي يُؤخذ من دونِ حرب يجبُ أن يُردَّ إلى مشاريع خيريّة تعود على المسلمين كُلِّهم بالنفع كالقناطر ، كالمستشفيات ، والمدارس وما إلى ذلك ، لكن من يتولى إنفاق هذا المبلغ الذي أُخِذَ من دون حرب وأُخِذَ اغتصاباً ؟ قال : القاضي ، وإن لم يكن فرجلٌ يوثقُ بأمانتِهِ وعلمِهِ يُدفعُ المبلغُ إليه ليُنشئ به مرفِقاً عاماً يعود نفعُهُ على المسلمين ، وإذا تعذّر يتولى هذا المغتصب التائب بنفسِهِ إنفاق هذا المبلغ على المسلمين .

حكم التصدق بما هو حرام :

 الآن سؤال مهم جداً : هل يجوز التصدّقُ بما هو حرام ؟ إنسان معه مال مغتصب واستحال عليه معرفة صاحِبِهِ فدفعهُ صدقة ، هل تُقبلُ هذه الصدقة ؟ سؤال مهم :

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 من قال لكَ إنها صدقة ؟ إن أسميّناها صدقة فأجرُها ليسَ لكَ ولكن لِصاحِبِها ، لذلك قال : ذهبَ جماعةٌ إلى أنَّ ذلك غير جائز لكنَّ الرأيَ الأصح والأرجح أنَّ هذا جائز ، والدليل ما جاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهُ سُئِلَ عن شاةٍ مغتصبة لا يعرفُ صاحِبُها ، فقال : أطعموها للأسرى ، هذا خبرٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام ، أي تُقيس عليه حاجة إذا كان مبلغاً مثلاً لو أبقيته في جهةٍ فلم يكُن هناك فائدة منه فإذا دفعته للفقراء هذا لا يُسمى صدقة ولا زكاة ولا شيئاً من هذا القبيل إنما يُسمّى وساطة .
 وهناك قول آخر أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عن مالٍ سُحتٍ لا يُدرى صاحِبُهُ ، فقال : هذا سحتٌ تصدّق به ، مال حرام لا يُعرف صاحِبُهُ فالنبي عليه الصلاة والسلام أمرَ أن يتصدّقَ بهِ. أي هناك أخ كان يتيماً فورثَ مبلغاً من والِدِهِ وُضِعَ في بعض المصارف ، فلما بلغ أشدّهُ دُفِعَ له المبلغ والفائدة فسألني عن هذا ، قلتُ له : ادفعها إلى جهةٍ فقيرة ولن تُحسبَ لكَ صدقة ولا زكاةً ولا شيئاً إنما هي وساطة ، لو أخذتها ودفعتها إلى جهةٍ مستحقةٍ لكانَ هذا أولَى.
 أخذ حاجة ولم يدفع ثمنها ، ولمّا همَّ بدفع ثمنها لم يجد صاحِبَها ، طلبه كثيراً فلم يجده ، فتصدّق بالثمن و قال : اللهمَّ عنه إن رضي وإلا فالأجرُ لي .
 سيدنا الحسن سُئِلَ عن توبة الغالّ - الغالّ : هو الذي أخذَ من الغنائم قبلَ أن توزّع- فقال : يتصدّقُ بِهِ.
 الآن : القياس أنَّ هذا المال الحرام الذي عثرنا عليه ماذا نفعل ؟ مثلاً عشر ليرات ذهب.. قال : هناك رأيان أحدهما أن تُلقيها في البحر ، هل إلقاؤها في البحر خير أم التصدّق بِها ؟ الرأي الراجح التصدّق بِها ، وإن كانت لا تُسمى صدقة لكن أنتَ وسيطٌ بينَ صاحِبِها وبينَ هذا الفقير فالأجر لِصاحِبِها إن رضي كما قال سيدنا ابن مسعود .
 هناك آراء جديدة أنَّ الواحد قد تُحسب له صدقة من دون أن يُريد ، شخص عنده مزرعة وفيها عنب ، والطيور تأكل من هذا العنب من دون أن يُريد ولا يُوافق ولا يشعر ولا يدري، فالنبي الكريم طمأن صاحب هذه المزرعة أنَّ للزارِعِ والغارِسِ أجراً في كُلِّ ما يُصيبُهِ الناس والطيور من ثِمارِهِ وزرعِهِ ، أي حملوا هذا الموضوع على هذا الحديث ، شخص وضع قمحاً على سطح المنزل فالطيور أكلت منه القليل وأنت لا تعلم إطلاقاً ، وأنت تجلس في بيتك فنَقَصَ الوزن حوالي كيلو ، قال : هذا يُحسب لكَ صدقة من دون أن تدري ، طبعاً الحديث يؤكد أن للشخص مالاً مغصوباً ، والذي أخذه تاب ، ولما تاب استحالَ ردّهُ إليه فدفعه صدقة ، فهل يُحسب لصاحب المال الثواب ؟ يُحسب ، قِسناها على هذا الحديث ، إذا كان عنده قمح على السطح وجاءت الطيور وأكلت منها تُحسب له هذه الكمية التي أكلتها الطيور صدقةً .
 أمّا قول القائل : لا نتصدّق إلا بالطيّب ، قال : فذلك إذا طالبنا بالأجر لأنفسِنا ونحنُ الآن نُطالب بالخلاص ، هناك فرق إن طالبت بالأجر لا أجرَ لكَ فهذا مال مُنتظر وليس لك ، أمّا إن طلبتَ الخلاص فالخلاص من هذا المال أن تدفعهُ إلى الفقير ، شتّان بين طلب الأجرِ وطلبِ الخلاص.
وقال بعضُهم : لا نرضى لغيرنا ما لا نرضاه لأنفُسِنا فهو كذلك ولكنه علينا حرامٌ لاستغنائِنا عنه ، وللفقير حلالٌ إذّ أحلّهُ دليلُ الشرعِ ، أي هذا المال الحرام المُغتصب علينا حرام - على مغتصبِهِ - أمّا للفقير فحلال لأنه بحاجة إليه .

حكم المغتصب الذي اغتصب مالاً من مغتصب آخر ثم تاب :

 الآن : إذا كان المال مُغتصباً وهذا المال المغتصب أُغتصِبَ مرةً ثانية ، فالمغتصب الثاني هل له أن يُعيدَه إلى المُغتصب الأول ؟ الجواب.. لا.. لأنَّ هذا المُغتصب الأول لم يُعيدّهُ إلى صاحِبِهِ في هذه الحالة تصدّق بِهِ ، أي إذا إنسان مثلاً أخذ مالاً من مُغتصب ثُمَّ تاب عليهِ أن يتصدّقَ بهذا المال لأنَّ المُغتصب لن يُعيدَ هذا المال إلى صاحِبِهِ ، أنتَ كُنْ وسيطاً بينَ صاحِبِهِ الأصلي وبين الفقير ، المُغتصب إذا اغتصبَ مالاً مغتصباً وتابَ من ذنبِهِ عليهِ أن يُعيدَهُ إلى الفقراء ويُحسبُ لِمالِكِهِ الأصلي.
 هذا بعضُ الموضوع والموضوع دقيق جداً ، وهذا من أهم الموضوعات ، والإنسان إذا كانت له جاهلية وكان مُتساهلاً في الأمور الآن عَرَفَ كيف الطريق ، عَرَفَ كيف يتوب من المظالم المالية.

* * *

المشاورة :

 والآن إلى بعض شمائل النبي عليه الصلاة والسلام ؛ قال الله تعالى :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

[سورة آل عمران : 159]

 الإنسان لا يخلو من أن يكون أباً ، أو موظفاً ، أو أخاً أكبر ، لا يخلو أحدكم من أن تكون له وِصايةٌ أو إشرافٌ أو ولايةٌ على من هم دونه ولو كانوا أولاده.
 إذاً هذا الموضوع نحنُ جميعاً بحاجة إليه موضوع المشاورة ، فقد أمرَ الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام بالمشاورة في الأمرِ الذي يحتاج إلى المشاورة ، إذا إنسان أراد أن يشرب كأسَ ماء فهذه لا تحتاج إلى مشاورة ، أمّا إذا أراد شراء محل تجاري يا ترى موقعه مناسب ؟ سعره مناسب ؟ هل عليه مشاكل ؟ هذا الأمر يحتاج إلى مشاورة ، وبالمناسبة ما نَدِمَ من استشار ولا خابَ من استخار ، والمشاورة لأُولي العقولِ من المؤمنين - أُولي الخبرات - والاستخارة لله عزّ وجل .
 قال : فإذا عَزَمَ قلبه على الفعلِ وعلى إمضائِهِ بعدَ المشاورةِ فليمضِ وليتوكل على الله سبحانه وتعالى .

الحكم المستنبطة من مشاورة النبي أصحابه :

1 ـ تطييب لنفوسهم :

 أمرَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُشاوِرَ أصحابَهُ أهلَ الرأي والتدبير في الأمورِ، مع أنَّ عقلهم بالنسبة إلى عقلِهِ الشريف كالسُهى بالنسبة إلى شمسِ الضُحى ، السُهى : نجم ضئيل جداً يكاد لا يُرى بالنسبة إلى شمس الضُحى ، ومع ذلك صاحب العقلِ الذي كشمس الضُحى أُمِرَ أن يستشير صاحب العقلِ الذي كالسُهى.. لماذا ؟ قال : أولاً لِحكمٍ كثيرة أحدُها : تطييبُ نفوسِهم ، الزوج الحكيم يستشير زوجته وأولاده ، والمدير الحكيم يستشير كِبار الموظفين عنده ، وأي إنسان له ولاية على بعض الأشخاص في بعض الأمور يستشيرهُم ، حتى إذا دخلوا في ذلك الأمر ، ومضوا فيهِ كالحرب وأمثالِها ، يكون ذلك عن طيبِ نفوسِهم واختيارِهم ، النبي الكريم استشار أصحابه الكِرام في بدر قال : أشيروا عليَّ يا معشر الأنصار ما قولُكُم ؟ قال أحدهم- سيدنا سعد- لكأنكَ تعنينا ؟ قال : نعم ، قال : يا رسول الله لقد آمنا بِكَ وصدقّناك وشهدِنا أنَّ ما جِئتَ بهِ هو الحق فامضِ بِما أراكَ الله ، نحنُ معك لن يتخلّف منا رجلٌ واحد ، إنّا لصُبرٌ في الحربِ ، صُدقٌ عندَ اللقاء ، فحارب من شِئت وسالم من شِئت ، وعادِ من شِئت ، وخُذ من أموالِنا ما شِئت ، فو الذي تأخذُهُ أحبُّ إلينا من الذي تُبقيه ، فامضِ على بركة الله... النبي الكريم شاور أصحابه في هذه المعركة ، طيّبَ قلوبهم ، رفع من مكانتهم، أشعرهم بقيمتهم ، عرّفهم بمهمتِهم.

2 ـ الاستظهار برأيهم :

 ثانياً : الاستظهار برأيهم : بمعنى أنَّ رأيهم الموافق لرأيهِ صلى الله عليه وسلم يزدادُ به النبي الكريم قوةً ، خطَرَ في بالِكَ خاطر فسألت أخاً مُخلصاً فقال لك مِثلَ ما خَطَرَ في بالِك فتتأكد أنت وتتقوى ، تتأكد من صِحة رأيك ، إن كان لكَ رأيٌ سديد واستشرت إنساناً آخر وأشار عليك بما أنتَ قد فكرت فيه فهذا مما يزيدُ رأيكَ صلابةً وقوةً وقناعةً ، إذا أمضيتهُ تُمضيهِ عن ثِقةٍ أشد ، قال عليه الصلاة والسلام لأبي بكرٍ وعُمر : لو اجتمعتُما في مشورةٍ ما خالفتُكُما .

3 ـ أن تكون الاستشارة سُنةً من بعدِهِ لأمتِهِ :

 الحكمة الثالثة : أن تكون الاستشارة سُنةً من بعدِهِ لأمتِهِ .
 فقد عَلِمَ الله تعالى ما برسول الله صلى الله عليه وسلم حاجةٌ إليهم ، ولكن أرادَ أن يستنَّ المسلمون من بعدِهِ هذه السُنّة الطيبة ، أن تطلُبَ الاستشارة ، وقد رُويَ :

((عن ابن عباس قال : لما نزلت (وشاورهم في الأمر) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ، ولكن جعلها الله رحمة لأمتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا ، ومن تركها لم يعدم غيا))

 الله ورسولُهُ غنيانِ عن المشورة ولكنَّ أي إنسان آخر بعد النبي الكريم بحاجةٍ ماسّةٍ جداً لهذه المشورة .

4 ـ في المشاورةِ تقدير للمستشار واعتبار لمنزلِتِهِ :

 الحِكمة الرابعة : أنَّ في المشاورةِ تقديراً للمستشار واعتباراً لمنزلِتِهِ وإعطاءً له حرية الرأي والنظر، وبهذا يشعر المستشار أنَّ له اعتباراً وشأناً ، وأنَّ عليه مسؤوليةً ينبغي أو يؤديّها حقها ناصِحاً صادقاً ، بِخلاف الاستبدادِ للرأي في مواضع الاستشارة فإنه يجعلُ الموجودين من عقلاء الرجال كالمفقودين ، ويجعلُ المختارين كالمُكرهين ، من دون استشارة العقلاء كأنّكَ تعُدُّ وجودهم لاغياً كأنهم غير موجودين ، فإذا أحسّوا هذا الإحساس انقلبوا إلى أعداء ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُكثرُ مشاورة أصحابِهِ ، فقد روى الشافعي رضي الله عنه :

(( مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

5 ـ في المشاورة استعراض للآراء :

 الحِكمة الخامسة : أنَّ في المشاورة استعراضاً للآراء ، أحياناً تسمع رأي اثنين وثلاثة وأربعة مختلفين وكل رأي يلفت نظرك إلى جِهة لم تكُن في بالِك ، هذا التصرف مُفيد لكن له مضاعفات سيئة من هذه الناحية ، فالمشاورة تُقلّب لكَ الرأي على كُلِّ وجوهِهِ ، تعرض لكَ الوجه الطيب والصورة السيئة ، النواحي الإيجابية والنواحي السلبية ، عن عائشة رضي الله عنها قال :

((عن عائشة بلفظ : إن المشير معان والمستشار مؤتمن فإن استشير أحدكم فليشر بما هو صانع لنفسه ))

[رواه القضاعي عن عائشة]

 إنسان له عقل استعار عشرة عقول من دون مقابل ، عوّد نفسكَ أن تستشير في كُل قضية ، اسأل عقلاء ، اسأل خبراء ، اسأل أُولي خِبرة ، اسألهم سؤالاً ، هل أشتري هذه الحاجة ؟ هل أشتري هذا البيت ؟ أحياناً هناك بيت عليه قص يكون ثمنه خمسمئة ألف فيُباع بـأربعمئة و خمسين فتجده فرصة ، اسأل.... وجدَ عليه قص فتمَّ تسعيره بمئة ألف ذهبت عليك الأربعمئة ألف ، فالإنسان يسأل في شِراء بيت ، أو في زواج ، أو في أي نشاط له مضاعفات ، المستشير مُعانٌ والمُستشار مؤتمن فإذا أُستُشيرَ أحدُكم فليُشر بما هو صانعٌ لِنفسِه ، في بعض الآثار يقولون : " نقِّحوا عقولكم بالمذاكرة واستعينوا على أُمورِكُم بالمشاورة"

صفات المستشار :

 العلماء بيّنوا أنَّ المستشار يجبُ أن يكونَ أميناً على الاستشارة ، محترماً ، ناصحاً، ثابِتَ الجأشِ ، غيرَ معجبٍ بنفسِهِ ، ولا متلوّناً في رأيِهِ ، ولا كاذباً في مقالِهِ ، متغالياً في محبة الأمرِ المُستشار فيه ، ولا متجرّداً عن الدنيا فإنه لا يُستشار في أمر الدنيا لعدم معرفتِهِ .
 أردت أن تعمل في التجارة فذهبت وسألت ابن عمٍ لك موظف وهو بعيد عن التجارة بعداً شديداً ، ولا يعرف شيئاً في التجارة ، يجب أن تسأل إنساناً في المصلحة نفسها ، في السوق نفسه ، في الموضوع ذاته ، أمّا إذا سألت إنساناً صاحب دين لكن لا توجد لديه الخِبرة فلن يفيدك إذاً يجب أن تبحث عن الخبير المؤمن ، لو كان خبيراً غير مؤمن ، قال لي أخ أراد أن يعمل بعمل متعلّق بالحلويات : ذهبَ وسأل فأول محل أجابه بأنَّ هذه المصلحة مُفقرة وناشفة وغير طعامك لا تُحصّل ، أقسم بالله أنه سأل أربعة محلات فأعطوه أخباراً سيئة جداً ، أنا أعرف أنَّ هذا الكلام له غرض ، وأنَّ هؤلاء يربحون أرباحاً طائلة ، وأنَّ هذا الكلام لِئلا يدخل أحدٌ جديد على هذه المصلحة ، أرسلته إلى أخ مؤمن في المصلحة نفسِها وقُلتُ له : استشر فُلاناً ، فكان الجواب بالعكس ، قال له : هذه مصلحة جيدة ، وأرباحُها جيدة ، وطلبُها ثابت ، وموادُها الأولية متوافرة ، والعملية بسيطة ، المؤمن أشار بما هو صانِعٌ لنفسِهِ أمّا المُشرِك الذي رأى أنَّ هذا سوف يُخلّصهُ رِزقهُ.. هذا إشراك بالله عزّ وجل.. فأعطى معلومات مغلوطة ، فلذلك إيّاكَ أن تستشير فاسقاً أو منافقاً أو مُشرِكاً ، وإيّاكَ أن تستشيرَ جاهلاً ، لابُدَّ من صفتين تجتمعان في المُستشار : الخِبرةُ والأمانة :

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾

[سورة القصص : 26]

 وإيّاكَ أن تستشيرَ بخيلاً ، مثلاً تسأله بطبع كروت للمحل يقول لكَ : لا ليسَ هناك حاجة ، فالبخيل يُشير عليك بما لا ينفعُكَ.. هذه قاعدة ، وعن أبي مسعودٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( المستشار مؤتمن وهو بالخيار إن شاء تكلّم وإن شاء سكت ، فإن تكلّم فليجتهد رأيه))

[المقاصد الحسنة فيما اشتهر عن الألسنة عن أبي مسعودٍ ]

 أحياناً تُستشار بشيء لو أنكَ أشرتً بما تعرف للحِقَكَ من هذه الاستشارة ضرر كبير.. حالات نادرة.. سألَكَ هل أفعل هكذا ؟ فلكَ أن تسكُت ، أمّا إذا تكلّمت فيجب أن تنطق بالحق ، ولكَ أن تسكُت ، أحياناً بالتجارة ، والتجارة سِر ، أحياناً تكون أنت تعمل بمصلحة ما و قد اشتريت ما يلزمك وسألكَ إنسان ليشتري مثلما اشتريت ، فإن نصحتهُ بعدم الشراء - لا تشتر أنا اشتريت مثلها - فيُمكن أن يظُن عكس ذلك ، أحياناً الكلام له مضاعفات ، وفي حالات نادرة وقاهرة وحساسة لك أن تسكُت ، لكنكَ إذا تكلمت لا ينبغي أن تقول إلا الحق ، أمّا هُناك أُناس ينصحونكَ بشيء خِلاف مصلحتك ، تاجر ناشئ سوف يُزاحِمُكَ على هذه المصلحة وسألَكَ بنفسٍ رضيّة وطيبة فأشرت عليه بنوع من البضاعة غالية الثمن وليست لها طلب إطلاقاً ، واشترى كميات كبيرة ووضعها في المستودع ، ولم تُباع معه فجعلته يُفلّس ، كُل رأسُ مالِهِ وضعه في هذه المصلحة ولم تُباع معه ، أنت في هذه الطريقة أخرجته من المصلحة.. هذه خيانة.. ، أي إذا كان هُناك حالات قاهرة فيها حرج أباح لكَ الشرع أن تسكُت ، أمّا أن تقول غلطاً فهذه خيانة.
 قال : شاهد على أنَّ الإنسان أحياناً يحقُ له أن يمتنع عن إعطاء رأي ، طالب سألك على أن يدرس هذا الموضوع وأنت قد وضعت السؤال ، إذا قُلت له : لا تدرسه فهو سيأتي في الفحص فتكون قد ضللته ، وإن قُلت له بأن يدرسه وجاء في الفحص وقال الطالب أنا أخذت من الأستاذ السؤال فسوف يُدمِرُكَ... هذه ليست استشارة... تقول له : لا أعرف ، حيث أنك تمتنع عن إبداء الرأي ، أمّا إن تكلّمت فليس لك الحق أن تُضلله ، فأكثر الناس الآن في الاستشارة إذا كان له مصلحة في الموضوع يُضللهُ ، هذا المنزل مثلاً نفسهُ فيه فيجعله يكره المنطقة كلها ، فكُل إنسان يُشير خِلاف ما هو صانع لِنفسه فقد خانَ صاحِبهُ.. الاستشارة أمانة.. لكن هناك حالات مُعيّنة تستطيع أن تمتنع عن إعطاء الرأي أكثرُ هذه الحالات في التجارة ، وبعضُها في التعليم ، وبعضُها في القضاء.
 إذاً : المستشار مُؤتمن وله في حالات نادرة أن يمتنع عن إعطاء رأي فيما لو كان في هذا الرأي إضرار بالغ للمستشار.

على الإنسان أن يبدأ بالاستشارة ويختم بالاستخارة :

 آخر حديث : يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار))

[ الطبراني عن أنس]

 إلاّ أنَّ العلماء ارتؤوا أن تـُقدّمَ الاستشارةُ على الاستخارة . ضع في ذهنك أنكَ قبل أن تُقدِمَ على عملٍ ما تبدأ بالاستشارة ، والمستشار يجب أن يجمع بينَ شيئين الخِبرة والأمانة ، الخبرة في الموضوع ، والأمانة بأوسع معانيها الدينية ، بمعنى أنه لن يقول لكَ إلاّ الحق ، إن عثرت على مِثل هذا الإنسان استشره ، فإذا أشارَ عليكَ أن افعل هذا الأمر عُدْ إلى الله عزّ وجل واستخرهُ ، صلِّ ركعتين وقُل : يا ربي إن كان هذا الأمر فيه خيرٌ لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاقدرهُ لي ويسّرهُ لي ، وإن كان خِلافَ ذلك فاصرفني عنه واصرفهُ عني واقدُر ليَ الخيرَ حيثُ كان ، الإنسان في هذا الدعاء مع التوجّه الصادق ، مع الإقبال ، مع الركعتين المُخلصتين ، لعلَّ الله عزّ وجل يُريه مناماً أو يشرح صدرهُ أو يقبِض صدرَهُ.
 على كُلٍ تبدأ بالاستشارة وتختم بالاستخارة ، الاستشارة لأصحاب الخِبرةِ من المؤمنين الصادقين الأُمناء ، والاستخارة لله عزّ وجل ، ولكن من أجل أن تعرف الحقيقة لا استشارة ولا استخارة في المحرّمات ، فقط في المباحات ؛ في الزواج ، في التجارة ، في السفر ، في هذه الموضوعات المُباحة هناك استشارة وهناك استخارة ، لكن إنساناً أراد أن يستشير شخصاً في شُرب الخمر مثلاً ليست واردة.. أو بأكل مال حرام ، أو برشوة ، أو باغتصاب منزل مثلاً ، يقول : والله لنأخذ رأي إنسان مؤمن !! هذا كلام مُضحك ، لا استشارة ولا استخارة في المُحرّمات بل في المباحات وليست المباحات مثلاً تناول طعام الغذاء.. أخي هل آكل؟ .. هذه أشياء تافهة.. الاستشارة في المباحات التي لها مضاعفات ، أي لها توابع ، الزواج له توابع ، التجارة لها توابع ، إنشاء معمل صغير له توابع ، كان معك مئة أصبحوا آلة.. تجمدوا.. إذا لم يكن الأمر قد تمّت دراسته بشكل جيد فتكون قد أضعت رأس مالِك في آلة ليس لها ثمن ، أصبحت كتلة حديد ، فالاستشارة في المباحات والاستشارة قبل الاستخارة ، والمستشار يجب أن يكونَ من أصحاب الخِبرةِ ، من عقلاء المؤمنين .

والحمد لله رب العالمين