الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 30 : أحكام الصيام.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-04-01
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .

مفسدات الصيام التي توجب القضاء فقط :

 أيها الأخوة المؤمنون ، لازلنا في موضوع الصّيام ، وقد وصلنا إلى مفسدات الصّيام، والمفسدات أيها الأخوة على نوعين : مفسدات توجب القضاء فقط ، ومفسدات توجب القضاء والكفارة .

1 ـ أكل شيء لا يتغذى به عادةً ولا تألفه الطِّباع :

 فأما المفسدات التي توجب القضاء فقط فهي إذا تناول الصائم في أداء رمضان شيئًا ووصل إلى جوفه ، وكان مما لا يتغذى به عادةً ، ولا يعتاد أكلهُ كالأرزّ النيء ، العجين ، الدقيق ، الملح ، نواة تمرة ، حصاة ، ورق كتابة ، شيءٌ لا يعتاد أكله ، ولا يُؤلفُ ، إذا وصل إلى جوف الصائم يوجبُ عليه القضاء فقط دون الكفارة ، هذا هو الحكم الأوَّل .
 تراب ، شيءٌ لا يقبلهُ الطَّبع ، رزّ نيء ، عجين ، طحين ، إذا أكل شيئًا ممَّا لا يعتاد أكله ، ممّا ينفر الطَّبع منه ، فوصَل إلى جوْفه فعليه القضاء دون الكفارة .

2 ـ تناوَل غذاء أو دواء لعُذْرٍ شرعي :

 إذا تناوَلَ غذاءً أو دواءً لعُذْرٍ شرعي ، كالمرض والسَّفر ، مريضٌ تناوَلَ طعامه ومسافر تناول غذاءهُ ، أو دواءً ، هناك عُذْرٌ شرعي ، أيضًا هذا يوجب القضاء لا الكفارة .

3 ـ الأكل و الشرب مضطراً :

 من أكل أو شرب مضْطرًّا أو مكرهًا ، ومعنى مضْطرّاً أي على وشك الهلاك فأكل ، على وشك الموت عطشًا فشرب ، أكل وشرب مضطرًّا ، هذا يوجب القضاء لا الكفارة .

4 ـ الأكل و الشرب تحت قوة السلاح :

 من أكل وشربَ مكرهًا تحت قوَّة السِّلاح إذا لم تأكل قُتِلْت ، أكلت وشربْت الأوّل مضطرّ ، والآن مكره ، وهناك فرْق بينهما ، من أكل أو شرب مضطرًا أو مكرهاً يوجب عليه القضاء لا الكفارة .

5 ـ دخول شيء خطأ إلى جوف الإنسان :

 الآن إذا دخل إلى جوف الإنسان شيءٌ خطأ وهو يتمضْمض ، بالغَ في المضمضة مع أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " بالِغْ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا"

6 ـ الإفطار خطأ :

 الإنسان وهو صائم بالغَ في المضمضة فابْتَلَعَ شيئًا من الماء ، يجب عليه القضاء لا الكفارة، فلو أنّ الواحد شرب ماءً أثناء المضمضة فابْتَلَعَ ماءً ، وتوهَّم خطأً أنَّه أفطَر وهو أفْطر، لكن عليه أن يمْسك بقيَّة اليوم ، هذا الحكم لا يعرفهُ ، ما دُمْتُ قد أفطرْت بدأت يأكل ، الآن أكل وشرب ظانًّا أنّ خطأهُ السابق جعله مفطِراً أيضًا يجب عليه قضاء ذلك اليوم .

7 ـ الحقنة الشرجية :

 في المذهب الحنفي الحقنة الشرجيَّة تفطر ، لأنَّها دخول ماءٍ إلى الجوف ، هذا الموضوع خلافي ، بعض العلماء يرَوْن أنّ دخول الطَّعام والشَّراب إلى الجوف عن الطريق المألوف وهو الفم ؛ هذا الذي يُفطر ، وبعضهم أخذ في الاحتياط ، فقال : وُصول شيءٍ إلى الجوف ، ولو من جهة ليْسَت معتادة هذا أيضًا يُفْطر .

8 ـ صبّ الدواء في الأنف والأذن واستعمال النشوق والسّعوط :

 لذا قاسوا عليه صبّ الدواء في الأنف والأذن ، واستعمال النشوق والسّعوط ، واستعمال الأدوية الطيَّارة بطريقة التَّنفّس أو التبخير وإدخال الهواء بالحنجرة ، هذا كلّه يدخلْنا في الخلافيَّات ، والأحْوَط إذا لمْ يكن الإنسان مضطرًّا عليه ألا يفعل ذلك و إن كان مضطراً له أن يُفطر إذا كان مريضًا .

9 ـ الإمساك عن الطعام و الشراب مع نسيان النية :

 إذا أمسك عن الطّعام والشراب ، ونسيَ أن ينْوي ، الأفضل أن ينْوي الإنسان عن طول شهر رمضان ، ولكن إذا أراد أن ينْوي كلّ يومٍ عن حِدَة وفي يومٍ لم ينوِ ، وأمسك عن الطعام والشراب بلا نيَّة ، هذا اليوم يجب أن يصومهُ ثانيَة ، وعليه القضاء دون الكفارة .

10 ـ الأكل والشرب مع الظن أن الفجر لم يطلع :

 الآن أكل وشرب ، وقد ظنّ أنَّ الفجر لمْ يطلع ، ثمَّ تبيَّن أنّ الفجر قد طلع ، سمع الأذان فظنَّه أذان الإمساك ، فشرِبَ كأس ماء ، ولمَّا انتهى الأذان عرف أنَّ هذا الأذان أذان الفجر إذًا عليه أن يصوم مكان هذا اليوم ، يجب أن يقضيَهُ دون كفّارة ، هذه كلّها أشياء توجب القضاء لا الكفارة . مثال آخر ، لو أنَّه سمع أذان المغرب فظنَّه مغربَنا ، فإذا هو مغرب بلدٍ آخر ، فأكل عليه أن يقضي هذا اليوم .

11 ـ القيء عمداً :

 الآن من اسْتقاء ؛ تكلَّفَ القيْء عمْدًا ، وكان القيءُ ملء فمِهِ ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

((من استقاء عمْدًا فلْيَقْضِ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

12 ـ أكل ما بين الأسنان :

 الآن من أكل ما بين أسنانه ، وكان قدْر الحمصة ، وهذه نادرة ، سمسمة مثلاً ، فالإنسان عليه أن يجهد بِغَسل أسنانه جيِّدًا ، أما إذا بقيَ شيئًا ، وكان حجمهُ قدْر الحمصة عليه أن يقضيَ يومًا مكانه .

12 ـ إنشاء السفر بعد الفجر :

 إذا أنشأ السَّفر بعد الفجر ، هذا مخالف للسنّة ، عليه أن يقضي ذلك اليوم .
 لمزيد من الفائدة أعيد عليكم بشكل سريع الأشياء التي تفسد الصَّوم وتوجب القضاء لا الكفارة : من أكل شيئًا لا يتغذى به عادةً ، ولا تألفه الطِّباع ، عجين ، رزّ نيء ، ورقة ، فإذا الطالب معه ورقة وخاف من المراقب ، وبلعها ؛ هذا يفطِر وعليه قضاء اليوم ، وهذا يفعلهُ الطلاب ، عجين ، نخالة ، دقيق ، تراب ، أيّ شيءٍ تنفر الطِّباع منه ، ولا تألفهُ الطِّباع ، ولا يُتغذَّى منه ، إذا أكله الصائم يجب عليه القضاء لا الكفارة . إذا أكل طعامًا مألوفًا ، أو دواءً لِعُذرٍ شرعي ، مرض ، أو سفر يجب عليه القضاء لا الكفارة . ومن أكل أو شرب مضطرًّا على وشك الموت عطشًا ، انْهارَت قِواهُ جوعًا هذا أكل مضطرًّا أو شرب ، ومن أكل أو شرب مكرهًا تحت قوَّة السلاح ، وهذا الذي يُهدِّدُه يفعلُ ما يقول وغلبَ على ظنِّه أنَّه سيقتله ، هذا عليه القضاء لا الكفارة . ومن دخل إلى جوفهِ ماءٌ أو طعامٌ خطأً ، كمن تمضْمَض ، وسبق الماء إلى جوفه هذا يجب عليه القضاء لا الكفارة ، ومن فعل شيئًا يوجب القضاء ، فظنّ أنَّه أفطرَ فأكلَ أكلاً عاديًّا ، أثناء المضمضة صباحًا دخل ماءٌ إلى جوفه ، فظنَّ أنَّه أفْطر ، فأكل أكلاً عاديًّا ، هذا غلط ، من أفْطَر مخطئًا عليه أن يمسك عن الطعام والشراب بقيَّة اليوم حُرْمةً لهذا الشهر العظيم . الحقنة الشَّرجيَّة ، دواء في الأذن ، في الأنف ، نشوق ، سعوط ، أدْويَة طيّارة لمَن يشْكون الرَّبو ، كلّ شيءٍ وصَل إلى الجوف عن طريق الأنف أو الأذن أو عن طريق الحنْجرة ، أو عن طريق الشَّرْج ، هذا في الأحوط يوجب القضاء لا الكفارة ، إذا قلنا : مريض ، هذا عليه أن يفطر ، إذا أمسك عن الطعام والشراب يومًا كاملاً من غير نيَّة ، هذا يجب عليه القضاء لا الكفارة .
 أكل ويظنّ أنَّ هذا الأذان أذان الإمساك ، فإذا هو أذان الفجر ، أو سمع الأذان فظنَّه أذان المغرب ، فإذا هو أذان مغربٍ آخر بغير بلدنا ، هذا يجب عليه القضاء لا الكفارة . ومن استقاء عمدًا ، هذا يجب عليه القضاء لا الكفارة ، ومن أكل ما بين أسنانه وكان فوق الحمصَة ، هذا يجب عليه القضاء لا الكفارة .
 من أنشأ سفرًا بعد الفجر ، وهذا مخالفٌ للسنّة ، لأنَّ السَّفر لا ينعقد إلا فعلاً لا نيَّةً يجب أن تسافر قبل الفجر ، أما إذا سافرْتَ فيجب أن تُتِمَّ الصِّيام ، فإذا بلغَتْ بك المشقَّةُ أوْجَها لك أن تفْطِرَ .

* * *

قصة الصحابي عبد الله بن عمر و اتباعه لسنة النبي العدنان :

 والآن إلى قصَّة صحابيّ جليل ، وهو سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه .
 شيءٌ يلفتُ النَّظر ، وهو أنَّ هذا الصحابيّ الجليل ، وهو على قمّة عمره الطويل عاش تسعينَ عامًا ، قال هذه الكلمة : " لقد بايَعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، فما نكثْتُ ، ولا بدَّلْتُ إلى يومي هذا ، ولا بايعْتُ صاحبَ فتْنةٍ ، ولا أيْقَظْتُ مؤمنًا من مرقده "
 أردْتُ أن أُعلِّق على هذه المُبايَعَة ، هل بايعَ أحدُنا الله عز وجل ؟ هل عاهدهُ على السَّمع والطاعة في المنشط والمَكْرَه ؟ إذا عاهَدَهُ عهْدًا ما هل نقضَ هذا العهْد أم هو على عهْده؟ أحيانًا الإنسان بِساعات الشِّدّة يُعاهد الله عز وجل على ترْك كذا وكذا ، وفعْل كذا وكذا ، أحيانًا يكتب عهدهُ كتابةً ، أنت إذا عاهدْت الله عز وجل أين أنت من عهْدك ؟ قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة الصف : 2]

 الإنسان لأَن يسقط من السماء إلى الأرض فتنْحطِمَ أضلاعهُ أهْوَنُ من أن يسقُط من عَين الله ، فالإنسان في ساعة من ساعات الشدّة ، وفي ساعة من ساعة الضِّيق قد يُعاهدُ الله عز وجل ، لكنَّ الله عز وجل كأنَّه يعْتَبُ على عباده فيقول :

﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 102]

 كثيرًا ما يُعاهدون الله عز وجل عند الشدَّة فإذا جاء الرَّخاء نسُوا ذلك العهْد ، أما البطل فهو الذي إذا عاهد عهْدًا لا ينساهُ أبدًا ، ولا ينكُثُ عهْدَهُ ، فهذا الصحابي الجليل قال : بايَعْتُ رسول الله ؛ متى بايعَهُ ؟ دون العشرين أمضى سبعين عامًا على عهده ‍‍! يا ترى الدنيا تغيِّر ؟ يكون الإنسان فقيراً فيُعاهِدُ ربَّهُ على الطاعة ، يأتي إليه المال من كلّ حدب وصَوْب فيَحْملُه على معْصِيَة الله ! أين العهْد ؟ فالذي عندهُ ضمير حسَّاس ، ونفَس صافِيَة دائمًا يسأل نفسهُ هذا السؤال : أين أنت من العهْد الذي عاهدْت فيه ربَّك ؟ هذا الصحابيّ بايَعَ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال : فما نكثْتُ ولا بدَّلْت إلى يومي هذا ، كلمة بدَّلتُ هذه قرآنيَّة ، قال تعالى :

﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 102]

 أنت تُعاهِدُ من ؟ تعاهدُ خالق الأكوان ، تعاهد الله عز وجل ، خالقٌ معك مطَّلِعٌ على حالك ، بصير بها ، يسمع قولك ، عليم بما في قلبك ، كيف تنكث العهْد معهُ ؟
 كان هذا الصحابيّ مولعًا باتِّباع - واللَّفظ الصحيح لهذه الكلمة هو مُولَعًا وليس مُوَلَّعًا لأنَّ المُوَلَّع هو الثَّور الأحمر ، يجب أن تقول : فلان مولَع - رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتَّى أن أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالَت مرَّةً : " ما كان أحدٌ يتْبعُ آثار النبي صلى الله عليه وسلَّم في منازله كما كان يتْبعُهُ ابن عمر " أيْ أنَّ ابن عمر يتَّبِعُ سنَّة النبي صلى الله عليه وسلَّم بِشَكلٍ دقيق جدًّا ، لذلك أنا من درسيْن سألْتُ بعض الإخوان الكرام ، الحبّ شيءٌ داخلي ، شعور داخلي ، كلّ إنسان يدَّعي أنَّه يحبّ الله عز وجل :

وكُلٌّ يدَّعي وصْلاً بليلى  وليلى لا تقرّ لهم بذاكا
***

 فهل هناك علامة للحبّ ؟ فقال لي بعضهم : اتباع النبي ! لقول الله عز وجل :

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 31]

 فاتِّباع النبي علامة الحبّ في مأكلِهِ ، وفي مَشْربِهِ ، في نومِهِ ، وفي صلاته ، في صيامه ، وفي أحواله ، وفي ذِكْرِه ، وفي دعائه ، في علاقته ببيته ، وبإخوانه ، وبجيرانه ، وفي رقّته ، وفي حِلْمِهِ ، في صبره ، وفي تواضعه ، في يقينه ، وفي زهده ، النبي جعله الله لنا قدوةً فما كان أحدٌ يتَّبعُ آثار النبي في منازله كما يتبعُه ابن عمر .
 قال أحدهم : " اللّهمّ أبْقِ عبد الله بن عمر ما أبْقيْتَني كي أقْتدي به ، فإنِّي لا أعلم أحدًا على الأمر الأوَّل غيره !" اتباعه الشديد لِسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام أصبحَ قدوةً لأنَّ سيّدنا ابن عمر عاش تسعين عامًا ، وبالمناسبة آخر صحابي تُوفِّي اسمهُ أنس بن مالك ، توفِّي في السنة الواحدة والتِّسْعين للهجرة ، وسيّدنا ابن عمر كان من المعمِّرين ، وكان من الصحابة الذين مدَّ الله في حياتهم فعاشوا إلى زمن بني أُميَّة ، وكان متَّبِعًا لسُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام اتِّباعًا دقيقًا حتى أنَّ هذا الإنسان قال : " اللّهمّ أبْقِ عبد الله ابن عمر ما أبْقيْتَني كي أقْتدي به ، فإنِّي لا أعلم أحدًا على الأمر الأوَّل غيره !"

حذر ابن عمر الشديد من الزيادة أو النقصان على أحاديث النبي :

 كذلك كان له موقفٌ علميّ دقيق ، فقد كان وقَّافًا عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لا يزيد ولا ينقص ، فقال عنه مُعاصِرون : لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحدٌ أشدَّ حذرًا من ألا يزيد على حديث رسول الله أو ينقص منه من عبد الله بن عمر ، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( من كذب عليّ متعمِّدًا فليتبوَّأ مقعده من النار ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن علي بن أبي طالب ]

 أي إذا كنت تعلم أنَّ هذا الحديث ما قالهُ النبي عليه الصلاة والسلام ، وتقوله أنت لِتُوهم الناس أنَّ النبي قاله قال : " فلْيتبوَّأ مقعَدَهُ من النار " بل هناك حديثٌ أخطَر من هذا :

(( مَنّ حدّث عنِّي بحديث يُرى أنه كذِب، فهو أحد الكاذبين ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن المغيرة بن شعبة ]

 هو ما تحقَّق ، وأيضاً هذا الإنسان ملوم .
 إذًا لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحدٌ أشدَّ حذرًا من ألا يزيد على حديث رسول الله أو ينقص منه من عبد الله بن عمر .

روحه العلمية :

 علَّمَنا هذا الصحابي الجليل الروح العلميَّة ، فمرَّةً جاءهُ سائلٌ يستفتيه ، فلمَّا ألقى على ابن عمر سؤالهُ أجابهُ قائلاً : لا عِلْم لي بما تسأل عنه ! صحابي جليل مُعَمِّر ، وله باعٌ طويل ما رأى في هذا نقيصَةً ، ولا ثُلْمةً ، ولا موقِفًا يُسْتحيا ، قال : لا أعلم ، فلمَّا ذهب الرجل إلى سبيله ، وما إن ابتَعَدَ خُطوات ، حتى قال ابن عمر ، وقد فرك كفًّا بِكَفّ ، سُئِلَ ابن عمر عمَّا لا يعلم فقال : لا أعلم ‍! هذه نقطة دقيقة ، وهي أنَّ الإنسان يُوَطِّن نفسهُ ، فإما أن يقول بِعِلْم ، أو أن يسكت ، أو أن يقول : لا أعلم ، هذا وِسام شرفٍ للإنسان ، فهذا الذي يعلمُ كلّ شيءٍ صدِّقوني لا يعلمُ شيئًا ، فالذي يعلمُ كلّ شيء لا يعلمُ شيئًا ، لكنَّ العالم هو الذي يقول : لا أعلم إذا كان لا يعلم ، وإذا كان يعلم يجب أن يقول : إنّي أعلم ، وهذا هو الجواب ، وأيضًا كِتمان العلم غلط ، فالله عز وجل أخذ على العلماء العهْد ، قال تعالى :

﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران :187 ]

 فَكِتْمان العِلم خطأ كبير ، وأن تقول ما لا تعلم خطأ أكبر ، والعلم أمانة والنبي عليه الصلاة والسلام أمين وحي السّماء ، والعالم أمين على الحقّ الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ، لا ينبغي أن يزيد ، ولا ينبغي أن ينقص منه شيئًا .

إعراضه عن استلام منصب القضاء :

 سيّدنا عثمان ارتاى أن يجعل ابن عمر قاضيًا عنده ، فعرضَ عليه هذا المنْصب فاعْتذَر سيّدنا ابن عمر ، فألحَّ عليه عثمان ، فأصرَّ على اعْتِذاره ، فسألهُ عثمان : أتَعْصيني؟ فأجابه ابن عمر : لا ، ولكن بلغني أنّ القضاة ثلاثة ؛ قاضٍ يقضي بِجَهْلٍ فهو في النار ، وقاضٍ يقضي بهَوى فهو في النار ، وقاضٍ يجتهدُ فَيُصيب فهو كفاف ؛ لا وِزْر ولا أجر !! هذا الذي يجتهد ويصيب كفاف ، لا وِزر ولا أجر ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال : "قاضٍ في الجنَّة وقاضيان في النار . . ." وبعضهم يقول : " في آخر الزَّمان قاضِيان في النار ، وقاضٍ في جهنَّم " أي كلّهم في النار ، فهذا حجرٌ قيل عنه : عبدَ الله خمسين عامًا ، فضجَّ بالشَّكوى إلى الله عز وجل وقال : يا رب ، عبدتُكَ خمسين عامًا ، وتضعني بكنيف - أي مرحاض - فقال الله له : تأدَّب يا حجر إذْ لمْ أجْعلك في مجلس قاض ظالم والقصَّة المعروفة ، وأيضاً ذلك الرجل الذي كان يطوف حول الكعبة وهو يقول : ربّ اغْفر لي ذنبي ، ولا أظنّك تفعل ، مشى وراءهُ رجل ، وقال له : يا هذا ، ما أشدَّ يأْسكَ من رحمة الله ؟ ، فقال : ذنبي عظيم ، فقال : وما ذنبكَ ؟ فحكى له ذنبًا كبيرًا جدًّا ، أنه دخل إلى بيت فقتل الرجل ، وكان في قمع فتنة ، والفتنة قمِعَت وأحلَّت المدينة لأحد الجنود فدخل لأحد البيوت ، في البيت رجل قتلهُ ، وهناك امرأة وولدان ، فقال للمرأة : أعْطني ما عندك ، فأعْطتْهُ درعًا ، وسبعة دنانير ذهبيَّة ، فقتل ولدها الأوَّل ، فلمّا رأتْهُ جادًّا في قتْل الثاني أعْطتْهُ درْعًا مُذْهبة ، فلمَّا أمْسكها أعْجبتْهُ ، فإذا على الدِّرع بيتان من الشِّعر هما :

إذا جار الأمير وحاجباه  وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويـل ثمّ ويل ثمّ وَيـــــــْلٌ  لِقاضي الأرض من قاضي السـماء
***

 فقال له : هذا ذنبي ! لذا موضوع القضاء ليس بالسَّهل ، أحيانًا تكون أنت مُحكَّماً تِجارياً أيضًا ، هناك قاض بعهد الرشيد من أشهر القضاة ومن أنْزَهِهِم ، طُرِقَ بابه في رمضان ، وكان هذا القاضي مُحِبًّا للرُّطَب ، وهناك رطب غاليَة جدًّا ، فالنتيجة جاءهُ طبقٌ من التَّمر ، فسأله الخادم من جاء به ؟ فقال رجل شكلهُ كذا وكذا ، فعرف هذا القاضي أنَّ هذا الرجل له قضيَّة عنده ، فأمر الخادم أن يردّ هذا الطَّبَق ، في اليوم التالي وقف أمامه هذا الرجل الذي قدّم هذا الطَّبق ورُدَّ ، والثاني ، تمنَّى القاضي أن يكون الحق مع هذا الذي قدّم طبق التَّمر ! هذه التَّمَنِّي عدَّهُ خيانةً لِمَنْصِب القضاء على الرغم من أنَّه ردَّ التَّمر ، ولكن تمنَّى أن يكون صاحب هذا الطَّبق الذي قدَّم التَّمر ، وردّه هو صاحب الحقّ ، فذهب إلى الخليفة يستعفيه من منْصب القضاء ، فلذلك القضاء مسؤوليَّة كبيرة جدًّا . سيّدنا ابن عمر يبْدو أنَّه خاف هذا المنصب ، فقال له عثمان : أتعْصيني ؟ قال : لا ولكن بلغني أنّ القضاة ثلاثة ؛ قاضٍ يقضي بِجَهْلٍ فهو في النار ، وقاضٍ يقضي بهَوًى فهو في النار ، وقاضٍ يجتهدُ فَيُصيب فهو كفاف ؛ لا وِزْر ولا أجر !! أعفاه عثمان بعد أن أخذ عليه العهْد بألا يُخْبِرَ بهذا أحدًا ، لأنَّه إن أخبر الناس بهذا عندئذٍ لا أحدَ في المملكة يقبل هذا المنصب .
 مرَّةً المنصور عرض القضاء على رجل تابعي ، فهذا التابعي قال له : فلان أفضل مِنِّي ، فاحْتار في الأمر ، الاثنان رفضَا ، فقال أحدهما : والله يا أمير المؤمنين أقسم بالله أنّ فلاناً أفضلُ منِّي ! فإن كنتُ كاذبًا في هذا اليمين فلا ينبغي أن تولِّيَ القضاء لِكاذب ، وإن كنت صادقًا فلا ينبغي أن تولّيَني ، وفي الأمَّة من هو أفضلُ مِنِّي ! ضيَّقَ عليه ، إن كنتُ كاذبًا في هذا اليمين فلا ينبغي أن تولِّيَ القضاء لِكاذب ، وإن كنت صادقًا ، وصدَّقتني ، فلا ينبغي أن تولّيَني ، وفي الأمَّة من هو أفضلُ مِنِّي ! ماذا قال الثاني ؟ فقال : والله يا أمير المؤمنين لقد حلف يمينًا ، وحنثَ بها ، وعنده أن يفدي هذه اليمين أهْوَنُ من أن يكون قاضيًا عندك !! أن يفْدِيَ يمينهُ بِكَفَّارة أهْونُ من القضاء ، فهو تلافى هذا المنصب بهذا اليمين ، وكان هناك ورع .
 تجد أبًا تأتي ابنته لعنده ، وتقول : سآخذ هذا الشيء لأمي ، أنت لسْت قاضياً ، لكن أنت أب ، فالانحِياز للبنت دائمًا يجعلك تصدِّقها ، وعندها كلّما تتكلّم فهي صادقة ! أخذ موقفًا عنيفًا من الصِّهر اسمَع منه ، أنت الآن قاض ، ابنتك حكَت أشياء صحيحة ، ولكن لم تتكلم عن الأشياء التي فعلتها معه ، تكلمت لك أنّه قال لها كذا وكذا ، أو ضربها ، ولكن اسْمَع ماذا قالَت له هي ؟! فأحيانًا الأب يكون قاضيًا وهو لا يدري ، وأحيانًا يحكم التاجر بين تاجرَيْن، هذا صاحبه وهذا لا يعرفُهُ ، فالإنسان إذا مال في تَحكيم تِجاري ، وفي تحكيم عائلي ، وفي تحكيم أُسَري ، أحيانًا المعلّم يأتيه طفلٌ صغير ، ويشتكي على الآخر فيضرب الاثنين ! ما الذي حدث ؟ هذا طفل صغير ، وأنت بهذا ربَّيْت في نفسه الحِقْد ، ربَّيْت بنفسه الظُّلْم ، النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا مرَّةً ببَعض الغزوات شابّان أحدهما أجازه ، والثاني ما أجازهُ ، فالثاني بكى بكاءً شديدًا فجاءَت أمُّه ، والنبي على وشك معركة ، والأمر حاسم ، وخطير ، فما منعَهُ انشِغاله للإعداد لهذه المعركة عن أن يستدعي ذلك الشاب الذي لم يجِزْهُ ، فتصارع الاثنان أمامه فأجاز الأوَّل لطوله وقوَّته والثاني لغلبتِهِ ، فاحْترام شخصيَّة الطِّفل جزءٌ أساسيّ في التربيَة ، لو كان طفلاً صغيرًا حقِّق معه وأجِبْهُ ، فالأب قاض ، والزوج ، والتاجر قاض ، والقاضي قاض .

الرؤيا التي رآها عبد الله بن عمر في شبابه :

 هذا الصحابي الجليل سيّدنا ابن عمر رأى في شبابه رؤيا فسَّرها له النبي عليه الصلاة والسلام تفسيرًا جعل قيام الليل منتهى آمال عبد الله ، قال هذا الصحابي الجليل : رأيْتُ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كأنّ بيديّ قطعة إستبرق - قماش فاخر- وكأنَّني لا أريد مكانًا من الجنّة إلا طارَتْ بي ، هذه القطعة من القماش إستبرق ، أيّ مكان أراده في الجنَّة طارَتْ به إليه ، ورأيْتُ كأنَّ اثنين أتياني ، وأرادا أن يذهبا بي إلى النار فتلقَّاهما ملكٌ فقال : لا تُرَع فتَخَلَّيا عنِّي ، فقصَّتْ حفصة - أخته - على النبي عليه الصلاة والسلام رؤيايَ ، فقال عليه الصلاة والسلام : نعْم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل فيُكْثرُ ‍! اسْمعوا ؛ ومن ذلك اليوم إلى أن لقِيَ ربَّهُ ، لمْ يدَع قِيام الليل يومًا واحدًا ، لا في حِلِّه ، ولا في ترحاله ، كان كلام النبي عليه الصلاة والسلام غال جدًّا عليهم ، والعهْد مع الله تعالى أغلى ، فلذلك هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال : كان يصلّي ، ويتلو القرآن ، ويذكر ربَّه كثيرًا ، وكان كأبيه تهطُل دموعهُ حينما يسمعُ آيات النّذير في القرآن ، يقول عُبَيد بن عُمَير ؛ عُبَيْد تصغير ، عُمَير تصغير ، مرَّةً قال عمر عن نفسه : كنتُ عُمَيراً فأصبحت عمر ، فأصبحتُ أمير المؤمنين ، إذا كان الإنسان صانعًا وأصبَح تاجرًا لا ينسى فضل الله عليه ، وكان ساكنًا مع أهله ثمّ أخذ بيتًا ، واسْتقلَّ فيه ، هذا فضْل كبير ، كان يتحكَّم الناس فيه ، وصار مستقلاًّ بِرأيِهِ هذا كذلك فضْل كبير ، فالإنسان لا ينسى الماضي ، والماضي يُعرِّفك بالحاضر .
 يقول عُبَيد بن عُمَير : قرأتُ يومًا على عبد الله بن عمر هذه الآية :

﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ﴾

[ سورة النساء : 41-42]

 فجعل ابن عمر يبكي حتى ندِيَتْ لحْيتُهُ من دموعه - امتلأَتْ - وجلسَ يومًا بين إخوانه ، فقرأ قوله تعالى :

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[ سورة المطففين : 1-6]

 فمضى يقول : يوم يقوم الناس لِرَبِّ العالمين ، ودموعهُ تسيل كالمطَر حتى وقع من كثْرة وَجْدِهِ وبُكائِهِ .
 هذا الكلام ينقلنا إلى كلام ، نحن في رمضان عندنا مقياس دقيق وهو أن يكون هذا القلب مفْعمًا بِحُبّ الله ، أن يكون هناك رقَّة وحبّ وشَوْق إلى الله عز وجل ، الإنسان من دون حبّ يعيش مُقْفراً ، من دون مشاعر راقيَة ، المحبَّة لها سبب ، ولها ثمن ، ثمنها طاعة الله عز وجل ، والأعمال الصالحة ، الطاعة والأعمال الصالحة والاستقامة ، هذه تنَمِّي المحبَّة ، والثَّمَرة تأخذها في الصلاة ، الصلاة ميزان فمن وفَّى اسْتَوفى .

جود عبد الله بن عمر و كرمه الشديد :

 سيّدنا ابن عمر كان من ذوي الدخول الرَّغيدة ، أنا اخْترْت ابن عمر من أجل موضوع قيام الليل ، وموضوع الإنفاق ، ونحن في رمضان قيام ليل وتراويح وإنفاق ، والفضل لله عز وجل ، يوميًّا مساءً هناك سرور بالغٌ جدًّا في قراءة جزء من القرآن الكريم ، وبعد التراويح هناك عشر دقائق نشرح فيها بعض الآيات ، فالإنسان إذا كان برَمضان ما صلّى التراويح وقيام الليل ، وما أمضى الوقت الطويل في طاعة الله ، هل له من وقت يشعر بهذا ؟ فقال : كان ابن عمر كان من ذوي الدخول الرَّغيدة الحسَنَة كان تاجرًا أمينًا ناجحًا ، وكان راتبهُ من بيت مال المسلمين وفيراً ، ومع ذلك يحدِّثنا أيُّوب بن وائل الراسبي عن واحدةٍ من مكرماته فيُخْبرنا أنّ ابن عمر جاءه يومًا أربعة آلاف درهم ، وقطيفة ، وفي اليوم التالي رآهُ أيُّوب بن وائل في السوق يشتري لِراحلتِهِ علفًا نسيئةً بالدَّيْن ، البارحة جاءته أربعة آلاف درهم وقطيفة وبعدها يشتري علفًا لِدابَّتِهِ نسيئةً ؟ فذهب ابن وائل إلى أهل بيته وسألهم : أليْس قد أتى لعبد الله بن عمر بالأمس أربعة آلاف درهم وقطيفة ؟ فقالوا : بلى ، قال : فإنِّي رأيته اليوم في السوق يشتري علفًا لراحِلَتِهِ، ولا يجدُ ثمنها ! قالوا : إنَّه لم يبِتْ بالأمس حتى فرَّقها جميعًا ، ثمّ أخذ القطيفة على ظهره وخرج، وعاد وليْسَت معه فسألناه عنها ، فقال : إنّه وهبها لفقير !! فخرج ابن وائل يضرب كفًّا بِكَفّ حتى أتى السوق ، فتوقَّل مكانًا عاليًا ، وصاح في الناس : يا معشر التُّجار ما تصنعون بالدنيا وهذا ابن عمر تأتيه آلاف الدراهم فيُوَزِّعها ثمَّ يصبحُ فيشتري علفًا لراحِلَتِهِ نسيئةً ، هكذا كان يفعَل .
 من شدّة حبِّه للنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا ركب ناقتهُ تقصَّد أن يسير في المكان الذي سار فيه النبي عليه الصلاة والسلام ، وكان يقول : لعلَّ خُفًّا يقعُ على خفّ ، هذا من شدَّة حبِّه للنبي عليه الصلاة والسلام .

عادات ابن عمر الطيبة :

 له عادات طيِّبة جدًّا ، كان يُطعمُ المحتاجين ، والفقراء ، وكان قلَّما يأكل طعامًا وحدهُ ، لا بدّ من أن يأكل معه أيتامٌ أو فقراء ، وطالمَا كان يُعاتب بعض أبنائه حينما يولمون للأغنياء ولا يُطعمون الفقراء ، ويقول لهم : تَدعون الشِّباع ، وتَدَعون الجِياع ! هذا الطّعام يجب أن يأكله الفقراء .
 أهداهُ أحدُ إخوانه ثوبًا ؛ حُلَّةً أنيقةً ناعمة فاخرة من خراسان ، فقال : جئتك بهذا الثَّوب من خراسان ، وإنَّه لتقرُّ عَينايَ به إذْ أراك تنزع عنك ثيابك الخشنة هذه ، وترتدي هذا الثوب الجميل ، فقال ابن عمر : أرِني إيَّاه ؟ ثمّ لمسهُ وقال : أحرير هذا ؟ فقال : لا هذا قطن وتملاَّه عبد الله قليلاً ، ثمّ دفعهُ بيَمِينه وهو يقول : لا إنِّي أخاف على نفسي ، أخاف أن يجعلني هذا الثّوبُ مختالاً فخورًا ، والله لا يحبّ كلّ مختال فخور .
 أهداه صديق مرَّةَ وعاءً مملوءاً ، سألهُ بن عمر : ما هذا ؟ فقال : هذا دواءٌ عظيم جئتُكَ به ، فقال : وماذا يُطبِّب هذا الدَّواء ؟ قال : يهضم الطَّعام ‍، فابتسم ابن عمر وقال : يهضم الطَّعام ! والله لم أشبع من طعام قطّ منذ أربعين عامًا ، فالشِّبع من مخالفة السنّة ، حتّى أنَّه وردَ في السنّة أنَّ أوَّل بدْعة ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله هي الشِّبَع ، قال : والله لم أشبع من طعام قطّ منذ أربعين عامًا !
 يروون أنّ الشيخ بدر الدّين الحسني رحمه الله كان يمشي هو و أحد تلاميذه في الشام فكان هناك زجاجات عصير ، وكانت جديدة في البلدة ، فقال لتلميذه : ما هذا يا بني ؟ فقال : هذا كازوز ، من أجل ماذا ؟ فقال : إذا الإنسان أكل بكثرة يجعل هذا العصير الهضم أحسن ، فقال له : ولماذا يثقل الإنسان ؟! قال : والله لم أشبع من طعام قطّ منذ أربعين عامًا !

إيثار ابن عمر مرضاة الله على الدنيا و ما فيها :

 قال : هذا الصحابي كان يخاف أن يُقال له يوم القيامة كما قال تعالى :

﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ﴾

[ سورة الأحقاف : 20]

 سيّدنا عمر بن عبد العزيز يقرأ آيةً ، كلّ يوم كان يقرأ قوله تعالى :

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾

[ سورة الشعراء : 205-207]

 فكان سيّدنا ابن عمر يخشى أن يُقال له : أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمْتعتم بها ، لذلك قال : " والله ما وضعْتُ لبِنَةً على لبِنَة منذ توفِّيَ رسول الله" .
 ميمون بن مهران قال : دخلْت ابيتَ بن عمر فقوَّمْتُ كلّ شيء في بيته ، من فراشٍ ولِحاف وبساط ، ومن كلّ شيء فيه ، فما وجدتهُ يساوي مئة درهم كلّ هذا البيت ، وكلّ ما عنده ، أما الآن فيقول لك : الثريّا هذه ثمنها ثمانون ألفًا !! ويفتخر !! وهذه السجادة لا توجد بكلّ سوريَّة ، إذا جمَّعت وجدْت بيته يحوي الملايين ، أما سيّدنا ابن عمر فكلّ بيته لا يوجد فيه ما يساوي مئة درهم .
 سيّدنا ابن عمر عاشَ طويلاً ، وعاش في وقت فيه رفاه ، البلاد فُتِحَت وبلاد بني أميَّة كلّها خيرات ، وطعام ، وشراب ، وثياب ، فكلَّما ذكِّر بِحُظوظ الدنيا ، وقيل له : خذ غير هذا البيت ، ودابَّة أرقى من هذه ! قال : لقد اجتمعْتُ وأصحابي على أمر ، وإنِّي أخاف إن خالفْتهم ألا ألْحقَ بهم . ما كان أقلّ ذكاءً ممَّا يُزاحموه ، له كلمة شهيرة ، قال : " اللَّهمّ إنَّك تعلمُ لولا مخافتُكَ لزاحمْنا قومنا قريشًا في هذه الدنيا " آثرَ مرضاة الله عز وجل فالمؤمن ليس خبًّا ، ولا الخبّ يخدعُهُ ، ولكنَّه اختار اختياراً جيِّداً جدًّا ، ما اختار الدنيا ولكن الآخرة .
 فهذا الرجل أنا وجدتهُ مناسبًا لموضوع الإنفاق ، والبذل ، والزّهد ، وقيام الليل ، وتلاوة القرآن ، والتَّواضع ، عاش تسعين سنة ، وهنيئًاً له ، الذين تمتَّعوا في الدنيا ماتوا ، قال تعالى :

﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

[ سورة غافر : 46]

 مرَّة عملتُ حسابًا بسيطًا فقلتُ : سبعة آلاف سنة مرَّت على وفاة آل فرعون ضرب ثلاثمئة وخمسة وستِّين يومًا كلّ سنة ، ضرب اثنين !! اللَّذة انقطعت وبقي العذاب والزهد، والورع انتهى وبقي الثواب والجنَّة ، فالدنيا ساعة اجعلها طاعة ، والنَّفس طمَّاعة علِّمها القناعة .
 أنت الآن ما دمتَ في حياة فأبواب التوبة مفتوحة ، وأبواب الاستقامة ، وكذا العمل الصالح ، والرقيّ ، وأبواب طلب العلم ، وأبواب تعليم العلم ، هذا كلّه مفتَّح .

والحمد لله رب العالمين