العقيدة - العقيدة الطحاوية - الدرس (16-20) : الهداية و العصمة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-06-10
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

حُسْنُ الظنِّ بالله تعالى ثَمَن الجنَّة :

 أيها الأخوة المؤمنون، أجمل كلمةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بالقضاء والقدر، ومُتَعَلِّقَةٍ بِذات الله عز وجل، نُقِلَتْ عن وَهْبٍ بن مُنَبِّه فقد قال: نَظَرْتُ في القضاء والقدر فَتَحَيَّرْتُ، ثمَّ نظرتُ فيه فَتَحَيَّرْتُ، ووجَدْتُ أعلم الناس بالقَدَر أكَفَّهُم عنه، وأجْهَلَ الناس بالقَدَر أنْطَقَهُم فيه! معنى ذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 85 ]

 وقال تعالى:

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة البقرة: 255 ]

 فنحن نتوَغَّلُ في المنطقة التي أُمِرْنَا أن نتَوَغَّلَ فيها، وهي التَّفَكُّر في خَلْق الله، وعلينا أنْ نحْجم عن المنْطقة التي نُهينا عن الخَوْض فيها، مع أنَّنا نُحْسِن الظنَّ بالله عز وجل، فَحُسْنُ الظنِّ بالله تعالى ثَمَن الجنَّة، والله سبحانه وتعالى فيما أخْبَرَنا عن ذاتِه لا نُحِكِّمُ عُقولنا في ذاتِه تعالى، فقد نفى عن نفْسِه الظُّلْم في آياتٍ كثيرة، ويَكْفينا الخَبَرُ الصادق عن خالِقِ الأكوان أنَّهُ لا يظْلِم، ولذا علينا أن نَلْتَفتَ إلى موضوعات أُمِرنا أن نخوض فيها، وأن نتَوَغَّل فيها، فَكُلَّما ازْدَدْنا فِكْراً في خَلْق السَّماوات والأرض ازْدَدْنا عِلْماً به تعالى وتَعْظيماً له، وخَشْيَةً وإقْبالاً عليه، وسَعِدْنا في الدنيا والآخرة.

جنَّتُهُ جلَّ جلاله مَحْضُ فضْلٍ ونارُهُ مَحْضُ عَدْلٍ :

 قال الإمام الطحاوي: "يهدي من يشاء، ويعْصِمُ، ويُعافي فَضْلاً، ويُذِلُّ من يشاء، ويخْذُل، ويبْتَلي عَدْلاً"، كلامٌ دقيق جداً يتراوَحُ بين الفضْل والعَدْل؛ جنَّتُهُ جلَّ جلاله مَحْضُ فضْلٍ، ونارُهُ مَحْضُ عَدْلٍ، فإذا أعْطى فَمِن فضْلِهِ، ولا أجِدُ مثالاً في تَوْضيح هذه الفِكْرة مِن أنَّ أباً رحيماً عالِماً له ابنٌ شَجَّعَهُ على الدِّراسة ووعَدَهُ بِجائِزَةٍ كبيرة جداً إذا هو نَجَح، فهذا الطِّفْل ظنَّ أنَّ ورقَة النَّجاح وحْدَها يُمْكِنُهُ أن يشْترِيَ بها هذه الجائزة، فلما نَجَح وأخذَ جلاءَهُ تَوَجَّهَ إلى بائِعِ الدَّرَاجات، وانتَقى أغلى درَّاجة، فهل يأخذ هذه الدَّراجة لِتَفَوُّقِهِ؟ لا، لا بدّ مِن أن يدْفَعَ الأب ثَمَنَها، فهذه الدَّراجة ـ وإن كان مثلاً بسيطاً ـ يدْفَعُ ثَمَنَها الأب وهي مَحْضُ فضْل منه، إلا أنَّ دِراسَتَهُ لا تكْفي لاقْتِناء هذه الدَّراجَة، لكنَّ الأب قال: إذا نَجَحْتَ فلك هذه الدَّراجة؛ لذا فهي مَحْضُ فضْلٍ منه.
 إذا تاب المرءُ في سن الأربعين، ومات في الخامسة والخمْسين، كم سنة عاش؟ خمْسَ عشرة سنة، غَضَّ بصَرَهُ، وحرَّرَ دَخْلَهًُ، وأدَّى الصَّلوات، وصام رمضان، وحضر مجالِسَ العِلْم، ثمَّ توفَّاهُ الله، فاسْتَحَقَّ الجنَّة إلى الأبد الآبدين، فَنَعيمٌ مُقيم في جنَّة عرضها السماوات والأرض لا يتناسَب مع عمَلٍ لا يتجاوَزُ بِضْعَ سنوات! لَكِنَّ الجنَّة مَحْضُ فضْلٍ بينما النار مَحْضُ عَدْلٍ، فهو تعالى إنْ عَذَّبَنا فبِعَدْلِهِ، وإنْ كرَّمَنا فَبِفَضْلِهِ؛ هذا كلامٌ دقيق، يهدي من يشاء، ويعْصِمُ ويُعافي فَضْلاً، ويُذِلُّ من يشاء، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً، هنا نقْطة دقيقة وهي: أنَّنا إن قلنا: يُذِلُّ من يشاء، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً معنى ذلك هناك سبب من المخْلوق وإلا انْقَلبَ إلى ظلْمٍ، فلا بدّ مِن سببٍ مُتَعَلِّقٍ بالمَخْلوق، فما دام يُذِلُّ من يشاء، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً، يَعْتَقِدُ المسلم أنَّ الله سبحانه وتعالى إنْ عَلِمَ في عبْدِهِ ذَرَّةً من خير، فهذه تُنَمَّى، وتُنَمَّى، ويُشَجَّع، ويُكافَأ، ويُثاب، ويتجَلَّى الله على قلبه، ويُسْعِدُه، ويشْرح له صدْره، إلى أن تغْدو هذه الذَرَّة حجْماً كبيراً.

كلّ بني آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التَّوابون :

 ذكرْتُ لكم في الدَّرْس الماضي كلِمَةً تَهزّ مشاعر الإنسان؛ النبي عليه الصلاة والسلام حينما بايَعَهُ أصْحابه في صلح الحُدَيْبِيَّة، ولما انتهى أصحابه من بيعتهم أمْسَكَ يداً بِيَد وقال: هذه عن عثمان، تذكرون هذا في السيرة، فإنَّهُ في حاجة الله ورسوله، وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام ليس فيه شطحات أبَداً؛ ما معنى أنّ عثمان في حاجة الله ورسوله؟ ما حاجة الله عز وجل؟ حاجة الله عز وجل إسْعاد خلْقه وإكرامهم وهِدايتهم، لذلك كلّ شيءٍ شاءهُ لهم قد يتناقض مع أمْره ورِضاه، فَشاءهُ لهم أي سمَحَ لهم أن يفْعَلوه؛ تَحْقيقاً للأمانة التي أوكِلَت إليهم، وللتَّكْليف الذي كُلِّفوا به، وتَحْقيقاً لِحُرِيَّة الاخْتِيار شاء، ولم يرْضَ، ولم يأْمُر، فحينما نقول: إنَّ إضْلال الله عز وجل، وخِذْلانه، وابْتِلاءَهُ مَحْضُ عدْلٍ فَلِسَبَبٍ مِن المَخْلوق، وهذا الكَسْبُ الذي يُحاسَبُ عليه الإنسان؛ قال تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

 إذا ألْغَيْنَا سبب المخلوق كما قال ابن القَيِّم رحمه الله كما مر معنا في الدرس الماضي؛ وإذا وضعَ الله عز وجل إنساناً في النار إلى أبَدِ الآبدين مِن دون ذَنْبٍ منه إطْلاقاً، فهذا شيء يتناقض مع كمال الله وأسمائِهِ الحُسْنى، لذلك هذه الكلمة على إيجازِها واخْتِصارِها لها دلالاتٌ كبيرة.
 أيها الأخوة، أريدُ أن أضَعَ بين أيديكم هذه الحقيقة؛ قد تقرأ كتاباً وتمْتلئ نفسُكَ إعْجاباً به، وهذا لا يعْني أنَّ مُؤَلِّفَهُ مَعْصوم، فلا ينبغي أن نعْتَقِدَ العِصْمَة لِغَير النبي عليه الصلاة والسلام، فهو عليه الصَّلاة والسلام وحْدهُ مَعْصوم، بينما أُمَّتُهُ بِمَجْموعِها معْصومة، والمعنى أنَّ كلّ مسلمٍ ومؤمنًٍ وعالمٍ تَفَوَّقَ في جانِبٍ، ولا أقول جَهِلَ جانِباً؛ غابَ عنه بعضُها، فجاء أخوهُ فَتَفَوَّق في هذا الجانب، وغاب عنه كذلك جانب آخر، فمَجْموع العلماء والدُّعاة إلى الله مَعْصومون، لا بِمُفْرَدِهِم، وكيف تعْرِِف أنَّ هذا العالم ألَّف كتاباً من مئة صفْحة؟! فقد تجد أخطاءً وثغراتٍ في صَفْحَةٍ من الصَّفحات، وهذه النُّقْطة لا تقْدَحُ في مكانَتِهِ، ولا تُقَلِّلُ من قيمتِه، ولا تهدر كرامتَهُ؛ لأنّ كلّ بني آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التَّوابون، فنحن لا نعتقِدُ العِصْمة إلا لِرَسول الله، وما سِواه يؤْخَذُ منه ويُرَدّ عليه إلا صاحب القبَّة الخضراء.

كمال البشر نِسْبِيّ لكِنَّ الله سبحانه وتعالى عدْله مطلق لا نسبي :

 كيف تعرف كطالب عِلْمٍ أنَّ هذه الفِكْرة أو أنَّ هذا الكتاب لم يُدْرِك الصَّواب؟ هذا يُسَمِّهِ العلماء التَّقاطُع، فأنت قد تكون كطالب علم أقلّ شأناً من كلّ هؤلاء العلماء؛ وهذا ليس من باب التَّواضع، ولكن قرَأْتَ لِهذا العالم فلفَتَ نَظَرَكَ إلى حقيقةٍ غابَتْ عن هذا العالِم! نحن الآن ندْخُل في موضوع؛ هل يجب على الله تعالى الأصْلَح؟ هذا موضوع سَبَقَ أن عالَجْنَاهُ في جَوْهرة التَّوحيد؛ هل يجب على الله تعالى الأصْلَح؟ فالمُعْتَزِلَة قالوا: يجب على الله الأصْلَح، وأهل السنَّة والجماعة قالوا: لا يجب على الله الأصْلَح؛ لأنَّ الله تعالى لا يجب عليه شيء.
 أرْجو الله سبحانه وتعالى أن أكون دقيقاً في تَوْضيحِ هذا الجانب! نعْتَقِدُ جميعاً أنَّ الله جلَّ جلاله كامِل، وكماله كمالُ مُطْلَقٌ، فما معنى كماله كمالُ مُطْلَقٌ؟! القاضي العادل قد يحْكُم ألْف حُكْمٍ، فَتِسْعُمئة حُكْمٍ وتسْعَةٌ وتسعون عادلة، وواحِدٌ جائِر؛ حينها يُسَمَّى القاضي عادِلاً، بل حتَّى لو حكم عشْرة أحكام جائرة لَسُمِّيَ عادِلاً! فهذا في حُكْم البشر، ولأنَّ كمال البشر نِسْبِيّ، لكِنَّ الله سبحانه وتعالى عدْله مطلق لا نسبي، ففي الأرض الآن هناك ستة آلاف مليون إنسان، وكم مِن حيوان؟ وكم مِن نباتٍ؟ فلو أنَّ شاةً نَطَحَتْهَا شاةٌ فلم يقتصّ للمَنْطوحة من التي اعْتَدَتْ عليها لما سُمِّيَ الله عادِلاً! فالإله وَضْعُهُ ثانٍ، وكمالُهُ مُطْلَق.
 فأوَّلاً: إن اعْتَقَدْنا الكمال المطلق لله عز وجل؛ فكيف نقول: لا يجب عليه الأصْلَح؟! أنا لا أشُكّ أنَّ أهل السنَّة والجماعة تأدَّبوا مع الله ولكن لماذا قالوا: لا يجب على الله تعالى الأصلح؟ الله جل جلاله لا يجب عليه شيء، وهذا شأن الإله، لكنَّ الله سبحانه وتعالى أوْجَبَ على نفسه الأصْلَحَ، قال تعالى:

﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود: 56 ]

 إنَّ ربي على صراط مستقيم، وقال تعالى:

﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الأنعام: 54 ]

الله سبحانه وتعالى يفْعل الأصْلح مِن دون أن يكون عَقْلُنا مِقْياساً لهذا الأصْلَح :

 قبل عامَيْن تَوَصَّلْنا إلى حلٍّ رائع، وهو أنَّ الله عز وجل يفْعل دائِماً الأصْلَح، ولكِنَّ عُقولنا قاصرة عن فَهْم الأصْلَح! فالله جل جلاله يفْعل ما يتناسب مع كماله المطلق، إذاً يفْعل الأصْلح مِن دون أن يكون عَقْلُنا مِقْياساً لهذا الأصْلَح، ولكِنَّ عُقولنا قاصرة عن فَهْم الأصْلَح! لذلك قالوا في تعريف حِكْمَتِه: إنَّ كلَّ شيءٍ وقَعَ وقع لحكمةٍ، لو لم يَقَع بالنَّحْوِ الذي وقَع لكان الله تعالى مَلوماً، ولكان عدم وُقوع الذي وقع على النَّحو الذي وقع نقْصاً في حكْمته عز وجل، ومِن هنا انْطَلَقَ الإمام الغزالي وقال: ((ليس بالإمكان أبْدَعُ مِمَّا كان))، الله جل جلاله لا يفْعل إلا الأصْلح لأنَّه كامل ولكِنَّ عُقولنا قاصرة عن فَهْم الأصْلَح!
 أحْياناً تجد أباً مات في رَيْعان الشَّباب، وترك أوْلاداً أيْتاماً، فالعَقْل القاصِر يقول: يا رب لو أبْقَيْتَ هذا الإنسان! وما يُدْريك أنّ يُتْمَ هؤلاء الأولاد دَفَعُهم إلى سُلَّم التَّفَوُّق، وأنَّهُ لولا وفاة الأب لكانوا في حالةٍ أخرى! فأنت لا تعلم، لذلك الآية التي لا أشْبَعُ مِن تِرْدادِها قوله تعالى:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 216]

 فَمِن باب الطُّرْفَة نقول: إنَّ المُتَفَوِّقون في كلِّ المجالات عاشوا طُفولَةً بائِسَة، وأنت الآن تُقَدِّم لابنِك كلَّ شيء، ومع ذلك لا يتفَوَّق! فحينما أوْصَلْتَ له كلّ شيء رحْمَةً منك أفْقَدْتَهُ الدافِعَ إلى التَّفَوُّق.
 أعرِفُ رجلاً أخْرَجَهُ والِدُهُ من التَّعْليم الابْتِدائي، ووالِدُهُ صاحب مكْتبة وليس مقتنِعاً بالعِلْم إطْلاقاً، فهذا الابن الذي أُخرِجَ عُنْوَةً من التَّعْليم درس الشَّهادة الابْتِدائِيَّة خُفْيَةً عن والِدِهِ!! ثمَّ درس الإعْدادِيَّة، والثانَوِيَّة، ونال الحُقوق، ثمَّ تقدَّم لِشَهادة الماجسْتير والدكتوراه، وألَّف تفْسيراً شهيراً، أهْدى منه نسخة إلى مسجدنا، والِدُهُ شاء له أن يَدَعَ سبيلَ العِلْم، وربَّمَا لو دَفَعَهُ والِدُه إلى العِلْم لاخْتَلَف الوَضْع!

مَبْعَث طمأنينة المؤمن أنَّهُ موقِنٌ بِحِكْمَة الله تعالى وأنَّ الأمْر كُلَّه بِيَدِ الله :

 وَرَدَ في بَعْض الأثر: أنَّ الناس لو مُنِعوا عن فتِّ البعْر لفَتُّوه!! فالله تعالى له حِكَمٌ لا نعْرفها، إلا أنَّهُ لو كُشِفَ الغِطاء، فليس لنا إلا أنْ نخْتار الواقِع، بل لذابَتْ أنْفُسنا محَبَّةً لله تعالى، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَّا له تاريخ، ووُلِدَ من فلان وفلانة وفي المكان الفلاني وفي الزَّمَن الفلاني، وبالقُدْرات الفُلانِيَّة والمُلابسات الفُلانِيَّة، وبالبيئة والتَّفوُّق الفلاني، هذا الذي رسَمَهُ الله لك، لو كُشِفَ الغِطاء لما وَجَدْتَ أحْكَمَ ولا أرْوِعَ منه، وهذا مَبْعَث طمأنينة المؤمن، وهو أنَّهُ موقِنٌ بِحِكْمَة الله تعالى، وأنَّ الأمْر كُلَّه بِيَدِ الله.
 قال: "يهدي من يشاء، ويعْصِمُ ويُعافي فَضْلاً، ويُذِلُّ من يشاء، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً"، وهذا ردٌّ على المعتزلة في قولهم بِوُجوب فِعْل الأصْلح على الله تعالى؛ وهذه هي مسألة الهُدى والضَّلال. قالت المعتزلة: الهُدى من الله تعالى، الهُدى من الله مبتدأ، خبره بيان طريق الصَّواب، والإضْلال تَسْمِيَةُ العَبْد ضالاًّ، وحُكْمُهُ تعالى على العَبْد بالضَّلال عند خَلْق العبْد الضَّلال في نفْسِه، وهذا الذي نقوله أحْياناً حينما يُعْزى الإضْلال إلى الله عز وجل، فَهُوَ الإضْلال الجزائي المَبْني على إضْلال اخْتِياري.
 بالمناسبة، نحن نذْكر المعتزلة كثيراً ونعْتَقِدُ أنَّ عقيدتهم في بعض جوانِبِها باطلة وفاسِدَة وغير صحيحة، وليس معنى هذا أنَّ كلّ شيءٍ قالَتْهُ المُعْتَزِلَة خطأ! مُشْكلتُنا أنَّنا تَعَلَّمْنا من الغُلاة أنَّ في الحياة لونَيْن فقط أبيَض وأسْوَد؛ إمّا أنَّهُ معنا أو ضِدَّنا، وإما أنَّهُ مع الحق أو الباطل، وإمَّا أنَّهُ مع الحقِّ أو الشَّيْطان، وما تعَلَّمْنا أنَّ مليون لوْنٍ رمادِيٍّ بين الأبْيَض والأسْوَد، لذلك فالإنْصاف بعيد عنَّا، وعندنا غُلُوّ، وأحْكامُنا جائرة، وهناك تَطَرُّف، وإذا أحْبَبْنا ألَّهْنا، وإذا كرِهْنَا فسَّقْنا؛ وهذه ترْبيَةٌ مغلوطة.
 النبي عليه الصلاة والسلام كان يسْتَعْرِضُ الأسْرى، فإذا بِصِهْرِه بين الأسْرى؛ زَوْجُ زيْنب، فلماذا جاء؟ جاء لِيُحارِبَ النبي عليه الصلاة والسلام، ولو تمَكَّن لقَتَلَهُ، فإذا به يقَعُ أسيراً، فالنبي عليه الصَّلاة والسلام، وهذا كمالٌ منه قال: ((واللهِ ما ذَمَمْناهُ صِهْراً))، فما ذكَر شيئاً عن إيمانِهُ، ولا عن شِرْكِهُ، ولا أنَّهُ جاء لِيُحارِب، وقد يقْتل، ولكنه عليه الصلاة والسلام أبْرَزَ أنَّهُ كان زوْجاً كريماً لابْنَتِهِ!
 وهذا ابن بلْتَعَة، الذي ارْتَكَب خِيانَةً عُظْمى في كُلِّ أعراف الأُمم، فأرسل رسالةً لقريش قبل فتح مكة يقول فيها: إنَّ مُحَمَّداً سيَغْزوكُم، فَخُذوا حِذْرَكُم، وجاء النبيَّ عليه الصلاة والسلام الوَحْيُ مُخْبِراً إيَّاه بِما فَعَل حاطب بن أبي بلْتَعَة، فَسَيِّدُنا عمر رضي الله عنه قال: دَعْني أضْرِب عُنُقَ هذا المنافق! فقال: لا يا عمر، إنَّهُ شَهِدَ بدْراً، فالنبي عليه الصَّلاة والسلام سألهُ: لمَ فعَلْتَ كذا وكذا؟ فقال حاطب: واللهِ ما كَفَرْتُ، وما ارْتَدَدْتُ، ولكن أرَدْتُ أن تكون لي يدٌ بيضَاء عندهم، أحْمي بها أهْلي ومالي!! فالنبي عليه الصلاة والسلام صَدَّقَهُ وقال: إنَّي صَدَّقْتُهُ فَصَدِّقوه ولا تقولوا فيه إلا خيْراً، لكِنَّ الغريب أنَّ في السيرة أحوالاً لا تُصَدَّق.

إذا عُزِيَ الإضْلال إلى الله عز وجل فهو الجزاء المَبني على ضلال اختِياري :

 أنت لو كان عندك مُوَظَّفٌ، ضَبَطْته يأخذ من الصُّنْدوق مبْلَغاً، ويَضَعُهُ في جَيْبِهِ، وقلبُك ممتلئٌ رحْمَةً اتِّجاهَهُ، فإنَّك تُبْعِدُهُ عن الصُّنْدوق، أما أن تُكَلِّفَهُ بعد هذه الخِيانَة بِأمانة الصُّنْدوق؛ فهذا شيء غريب. بِماذا كلَّفَ النبي عليه الصلاة والسلام حاطب بعد خِيانتِهِ؟ أرْسَلَهُ مَنْدوباً شَخْصِيّاً لأحَدِ المُلوك لِمُهِمَّة سِياسِيَّة، وقد ارْتَكَب خِيانَةً عُظْمى! فنحن ليس اعْتِقادنا في المعتزلة أنَّهم خلاف عقيدة أهل السنَّة، أي أنْ نضْرب أقوالهم كلَّها عرض الحائط! لا، ليس كلّ قَوْل قالَهُ المعتزلة جانبُوا فيه الصَّواب، قال تعالى:

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة الصف: 5 ]

 إذا عُزِيَ الإضْلال إلى الله عز وجل فهو الجزاء المَبني على ضلال اختِياري. قال: والإضْلال: تَسْمِيَةُ العَبْد ضالاًّ، وحُكْمُهُ تعالى على العَبْد بالضَّلال يكون عند خَلْق العبْد الضَّلال في نفْسِه، وهذا القول مَبْني على أصلهم الفاسد؛ أنَّ أفعال العباد مَخْلوقَةٌ لهم. وهذا غلط، فَمَن يخْلُقُ الفِعْل؟ العبدُ أم الربّ؟ الربّ هو الذي يخلق، أما المعْتَزِلة فقالوا: الإنسان يخْلق أفْعاله، وهذا خطأ كبير، قال تعالى:

﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة الأنفال: 17]

 وقال تعالى:

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 17]

الله سبحانه وتعالى هو الذي يخْلقُ الأفْعال وليس للإنسان إلا الكَسْب :

 لذلك حينما يُنْسَبُ الفِعْلُ إلى العبْد معنى ذلك أنَّ كلّ إنسان قادِر أن يفْعَلَ به من يشاء، فأنا من أعبد عندئذٍ؟ يجب أن أعبُدَ الخَلْق جميعاً!! وإذا كان كلّ إنسان يخلق فِعْلَهُ بِنَفْسِه، فأنا أكون ضَحِيّة إذاً، لأنَّ الله خلق القوِيّ والضَّعيف، فلو أنَّ الناس كلَّهم مُتساوون لكان شيئاً آخر، لكن هناك القوِيّ والضَّعيف، لذلك هذه العقيدة في نظر أهل السنَّة والجماعة وهم على حقٍّ فيها مَغْلوطَة لأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يخْلقُ الأفْعال وليس للإنسان إلا الكَسْب، قال تعالى:

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

 وقال تعالى:

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

[ سورة القصص: 56]

 الحقيقة أنَّه يجب الوُقوفُ عند هاتَيْن الآيَتَيْن. قال تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الشورى: 52 ]

 معنى ذلك أنَّ دعْوَة النبي عليه الصلاة والسلام حقٌّ صِرْف، لكِنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يمْلك إرغامَ الناس على الاخْتِيار، فَقَبُول الدَّعْوة أو رَدُّها مَنوطٌ بالإنسان نفسه، لذلك قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

[ سورة القصص: 56]

 قال أيضاً:

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 272]

 وقال تعالى:

﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

[ سورة الزمر: 41]

الهُدَى مُحَصِّلَة البيان مِن قبَلِ الخالق والقَبُول أو الرَّفْض يقع مِن قِبَل المَخْلوق :

 أما حينما دعا النبي عليه الصلاة والسلام فَدَعْوَتُهُ حقّ، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الشورى: 52 ]

 قال: ولو كان الهُدى بيانُ الطريق لما صَحَّ هذا النَّفْي عن نَبِيِّه، لأنَّه صلى الله عليه وسلَّم بيَّن الطريق لِمَن أحَبّ وأبْغَض، ومع ذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

[ سورة القصص: 56]

 فالهُدَى بيان الطريق مِن جِهَة الخالق عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، وقَبُول هذا أو رَفْضُه يكون مِن جِهَة المَخلوق، فالهُدَى مُحَصِّلَة البيان مِن قبَلِ الخالق، والقَبُول أو الرَّفْض يقع مِن قِبَل المَخْلوق.

َمَشيئَةُ الله مُتَعَلِّقَةٌ بِمَشيئة العَبْد لأنَّهُ أعْطاهُ الاخْتِيار :

 قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[ سورة السجدة: 13]

 قلنا: إنّ معناها يا عبادي أنتم مُخَيَّرون، فإن شئْتُم أن أنْزِعَ اخْتِياركم وأن أُجْبِرَكم، فلو شئنا أن نُلغي اخْتِيارَكم ونلغي حَمْل الأمانة والتَّكْليف لأجْبرْناكم على الهُدى، لأنَّ الله تعالى لا يأمر بالفَحْشاء، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 28]

 ولو كان الهُدى من الله تعالى ـ البَيَان فقط ـ وهو عامٌّ في كُلِّ نفْس لما صَحَّ التَّقْييد بالمشيئة، وكذلك قوله تعالى:

﴿ وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة الصافات: 57]

 النُّقْطة الدقيقة؛ لأنّ الله عز وجل أوْدَعَ فينا هذه المشيئة الحُرَّة، فَمَشيئَةُ الله مُتَعَلِّقَةٌ بِمَشيئة العَبْد لأنَّهُ أعْطاهُ الاخْتِيار، فإذا شئْتَ الهُدى شاء الله لك الهُدى، وإن شئْتَ لا سَمَحَ الله الضلال شاء الله لك الضَّلال حينما تُصِرُّ عليه.

مشيئة العَبْد مشيئة اخْتِيار لكِنَّ مشيئة الله مشيئة فَحْصٍ واخْتِبار :

 قال: وكُلُّهم يتقَلَّبون في مشيئَتِه بين فضْلِهِ وعَدْلِهِ، ذَكَرْتُ مرَّةً كلمةً في تفسير آخر آيات سورة الدَّهْر وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً*وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾

[سورة الإنسان: 29-30]

 مشيئة العَبْد مشيئة اخْتِيار، لكِنَّ مشيئة الله مشيئة فَحْصٍ واخْتِبار، فأنت مثلاً اِخْتَرْتَ هذا لَكِنَّك لم تدْفَعِ الثَّمَن؛ اِخْتَرْتَ أن تكون صِدِّيقاً لكنَّك لم تسْعى لِهذه المَرْتَبَة، فمشيئةُ العبد مشيئة اخْتِيار، لكِنَّ مشيئة الله مشيئة فَحْصٍ واخْتِبار، قال تعالى:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ﴾

[ سورة الإنسان: 30 ]

 اُطْلب ما شئْت قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

[ سورة الإسراء: 19 ]

 قال الشيخ: "وكُلُّهم يتقَلَّبون في مشيئَتِه بين فضْلِهِ وعَدْلِهِ"، فإنَّهم كما قال تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة التغابن: 2]

 فَمَن هداه إلى الإيمان فَبِفَضْلِه وله الحَمْدُ، ومن أضَلَّهُ فَبِعَدْلِهِ وله الحمْد، وسيأتي لِهذا المعنى زِيادَةٌ وإيضاح إن شاء الله تعالى، فإنَّ الشيخ رحمه الله لم يجْمع الكلام في القدَر في مكانٍ واحِد بل فرَّقَهُ فأتَيْتُ به على ترْتيبِه؛ هذا الموضوع سوف يأتي مُفَصَّلاً في مكانٍ آخر.

الله جلَّ جلاله لا ندّ له ولا ضِدّ :

 "وهو مُتعالٍ عن الأضْداد والأنْداد"، الضِّدّ هو المُخالِف، والنِّدّ هو المِثْل، فهو سبحانه وتعالى لا مُعارِضَ له، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكُن، لا مُعارِض إلى مثل، ولا مُخالف إلى شبيه.
 لا تجد إنساناً ليس لَدَيْه أضْداد وأشباه، فأحْياناً تكون في مَجْلس، وتَحْمِل ليسانس بالفيزياء، ولا يوجد غيرك يحمل هذه الشَّهادة، فأنت تتحَدَّث بِطَلاقة عن المعادن، وأشباه المعادِن، والكيمياء، أما إن وُجِدَ لك مثيلٌ حينها تتحَفَّظ، إذْ هناك مَن يُشْبِهُك، فإما أن يوجد مَن يُشْبِهُك أو مَن يُعارِضُك، أما الله جلَّ جلاله فلا ندَّ ولا ضِدَّ، قال تعالى:

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾

[سورة الإخلاص: 4]

 ويُشير الشيخ رحمه الله بِنَفْي الضِدِّ والنِدِّ إلى الردّ على المعتزلة بِزَعْمِهم العَبْد يخْلُق فِعْلَهُ! فلو أنَّ العَبْدَ يخْلُقُ فِعْلَهُ لكان العبدُ نِدّاً لله تعالى! فالله يخلق الأفعال وكذا الإنسان يخلق أفعالهُ، وهذا غير صحيح.
 قولهُ: "لا رادَّ لِقَضائِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه، ولا غالِبَ لأمْرِه"، وقد ذكَرْتُ لكم مرَّةً أنَّ سيِّدنا عيسى عليه وعلى نبِيِّنا أفضل الصلاة والسلام قال:

﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

[ سورة المائدة: 118 ]

 السِّياق يقْتضي إن لم يكن المرءُ حافِظاً للنص أن يقول: فإنَّك أنت الغفور الرحيم! لكن الآية ليسَت كذلك، فَمَعنى الآية دقيق جداً؛ ما مِن مَخْلوق يغْفِر إلا وَيُحاسَب، فلو أنَّ مُوَظَّفاً طوى ضريبَةً عن مُكَلَّف فإنَّهُ يُتَّهَم ويُسْأل ويُحاسَب، لكنَّ الله عز وجل إذا غفَرَ كانَ تعالى عزيزاً، وليس في الكون كلِّه مَن يسْأله: لماذا غفَرْتَ؟! فالإله يغْفر لِحِكْمةٍ أرادها، أما أنت فتتمَنَّى أن تغْفر لكِنَّكَ مُراقب ومُحاسَب، ومَسْؤول عن طَيِّكَ الضريبة عن فلان دون فلان! ويُفْتَحُ التَّحقيق في القَضِيَّة.
 آمَنَّا بِذلك كُلِّه، أيْ لا يرُدُّ قضاء الله تعالى رادّ، ولا يُعَقِّبُ أي يُؤَخِّرُ حكْمهُ، ولا يغْلِبُ أمْرَهُ غالِب، بل هو الله الواحِد القَهَّار.
 والله أيها الأخوة، هذه الفِكْرة وَحْدَها تُلْقي في قلبِ المؤمن الأمْنَ والسَّلام؛ أمْرُكَ بِيَدِه لا كما يقوله الناس، إنها حركات صُهْيونِيَّة وماسونِيَّة، ولا دخل لله تعالى! لا، الله هو القادِر، وهو الفعَّال لِما يريد، وأمْرُكَ بِيَدِه وحْده.
 قوله: "آمَنَّا بذلك كُلِّه، وأيْقَنَّا أنَّ كلّاً من عنده"، أما الإيمان فسيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى، والإيقان الاسْتِقرار، تقول: يقَنَ الماء في الحوض إذا اسْتَقَرّ، والتَّنْوين في (كُلّاً) بدلٌ إضافي؛ أي كُلَّ كائِنٍ مُحْدَثٍ مِن عند الله ليس بِقَضائِهِ وقدَرِه وإرادَتِهِ، ومشيئتِهِ وتَكْوينِه، وسيَأتي الكلام على ذلك في مَوْضِعِه إن شاء الله تعالى.
 وبِهذا أيها الأخوة نكون قد أنْهَيْنا القِسْم الأوَّل من كتاب العقيدة الطَّحاوِيَّة المُتَعَلِّق بالإلهِيَّات، وفي الدَّرْس القادِم إن شاء الله ننتَقِل إلى النُبُوَّات، ونبدأ بالنبي عليه الصَّلاة والسلام وهو قوله: وأنَّ محمَّداً عبدُهُ المُصْطفى، ونبِيُّه المُجْتبى، ورسولُهُ المُرْتَضى.

والحمد لله رب العالمين