العقيدة - العقيدة الطحاوية - الدرس (17-20) : المحمَّدِيَّات
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-06-17
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

النُبُوَّة هِبَةٌ وليْسَت كسْباً :

 أيها الأخوة المؤمنون، فقد وصَلْنا إلى النُّبُوَّات، والعبارة الأولى في قِسْم النُّبُوَّات في العقيدة الطَّحاوِيَّة قوله: وإنَّ محمَّداً عبدُهُ المُصْطفى، ونبِيُّه المُجْتبى، ورسولُهُ المُرْتَضى.
 أيها الأخوة، قبل أن نَمْضِيَ في شرْح فقَرات هذا الموضوع أريدُ أن أُنَوِّهَ إلى حقيقةٍ دقيقةٍ جداً مُتَعَلِّقَةٍ بالنُّبُوَّات، وهي أنَّ النُبُوَّة هِبَةٌ كما يقول علماء العقيدة وليْسَت كسْباً، فلا أحَدَ يسْتطيع أن يصِلَ إلى النبُوَّة بِكَسْبِهِ، لكنَّ الناس يفْهمون مِن هذا الكلام أنّ أيَّ إنسانٍ إذا أرادَهُ الله أن يكون نَبِيًّاً كان نَبِيًّاً، وهذا كلامٌ غير مَقْبول، لكِنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 33 ]

 معنى اصْطفى؛ أنَّ الأنْبِياء في الأصْل قِمَمٌ، وهم صَفْوَةُ الله مِن خلْقِهِ، وصَفْوَةُ البشَر في مَعْرِفَتِه، وطاعتِهِم، وإخْلاصِهم، وإقْبالهم.

مَقام النُّبُوَّة :

 وقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى مَقام النُّبُوَّة حينما أجاب حنظلة رضي الله عنه، فعَنْ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيِّ الْأُسَيْدِيِّ الْكَاتِبِ قَالَ:

((كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَتَّى كَانَا رَأْيَ عَيْنٍ فَقُمْتُ إِلَى أَهْلِي فَضَحِكْتُ وَلَعِبْتُ مَعَ أَهْلِي وَوَلَدِي فَذَكَرْتُ مَا كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ يَا أَبَا بَكْرٍ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ وَمَا ذَاكَ ؟ قُلْتُ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَتَّى كَانَا رَأْيَ عَيْنٍ فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي فَضَحِكْتُ وَلَعِبْتُ مَعَ وَلَدِي وَأَهْلِي فَقَالَ إِنَّا لَنَفْعَلُ ذَاكَ قَالَ فَذَهَبْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ يَا حَنْظَلَةُ لَوْ كُنْتُمْ تَكُونُونَ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ وَأَنْتُمْ عَلَى فُرُشِكُمْ وَبِالطُّرُقِ، يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً))

[أحمد عَنْ حَنْظَلَةَ التَّمِيمِيِّ الْأُسَيْدِيِّ ]

 فالأمْر يحْتاج إلى تَوْضيح، ولعَلَّ المَثَل يُسْهِمُ في تَوْضيح هذه المُعْضِلَة، إذا اعْتَقَدْتَ أنَّ النُبُوَّةَ هِبَةٌ بلا كَسْبٍ إطْلاقًا، معنى ذلك أنَّ أيَّ إنسان ولو مِن عامَّة الناس، ومِن الدَّرَجة السُّفْلى، لو أرادهُ الله أن يكون نَبِيًّاً لكان! لكِنَّ الله تعالى يقول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 33 ]

 فهُناك اصْطِفاء، والاصْطِفاء انْتِقاء واجْتِباء، فلو تَصَوَّرْنا أنَّنا نُريدُ إنسانًا يُمَثِّلُ بلدَنا في مؤتمر دولي، فلابدّ أن يكون طليق اللِّسان باللُّغَة الأجنَبِيَّة؛ هذا أوَّلاً، ولا بدّ مِن أن يكون مُتْقِناً لِلُغَتِهِ العَرَبِيَّة، ولا بدّ مِن أن يكون مُلِمًّاً بالحُقوق، والعُلوم، والآداب، وأن يكون ذَكِيًّاً في الأصل، وذا شَخْصِيَّةٍ متألِّقة، وسريع البديهة، وقَوِيَّ المُحاكَمَة...الخ.
 فَنَحن نخْتار من بين عشرين مليونًا شخْصاً تتواجد فيه هذه الصِّفات، ولكن بعد اخْتِيارِنا هذا الشَّخْص نُعْطيه أشْياء ليْسَت لأيِّ مُواطِن؛ نُعْطيهِ جوازاً خاصًّاً، ومُهِمَّات، وشيكًا مَفْتوحاً، ونُعْطيه حقيبة دِبْلوماسِيَّة؛ هذه الأشياء لا يُمْكِن أن ينالَها أيُّ مُواطِن، لكن هذا الذي نالَها لم يَنَلْها بلا سبب؛ نالَها بعد اصْطِفاء وانْتِقاء واجْتِباء، فَيُمْكن أن تقول: إنَّ هناك شَطْراً مِن النُّبُوَّة كَسْبيّ؛ بِمَعنى أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام إنسان، أحَبَّ الله تعالى حُبًّاً جمًّاً، وأخْلصَ له، وأقْبَل عليه، وداوَم على الصِّلة به تعالى، وبعد أن اخْتارَهُ الله لِيَكون نبِيًّا أعْطاهُ ما لم يُعْطِ أحداً من البشَر! فهذا المعنى يجْمعُ بين أن تكون النُبُوَّة كَسْبِيَّة بِمَعنى، وأن تكون غير كَسْبِيَّة بِمَعنى آخر، فقَبْلَ الاصْطِفاء الأنبِياءُ هم قِمَمُ البشَر، وذَرْوتهم، وصَفْوة الله من خلقِه، وبعد ذلك أيَّدهُم الله عز وجل بالمُعْجِزات، وأنْزل عليهم الكتاب، وعصَمَهم مِن أن يُخطِئوا بِأفْعالِهم وأقْوالِهم؛ كُلُّ خصائص النُبُوَّة هِبَةٌ من الله، إلا أنَّها كانت عن اصْطِفاء وانتِقاء.

من ازداد تعبداً لله و افتقاراً له رفعه الله عز وجل :

 قال: "وأنَّ محمَّداً عبدُهُ المُصْطفى، ونبِيُّه المُجْتبى، ورسولُهُ المُرْتَضى"، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إنَّ الله اختارني واختار لي أصحابي".
 الاصْطِفاء والاجْتِباء والارْتِضاء مُتقارِبُ المعنى، أما صاحب هذا الكتاب الإمام الطَّحاوي رحمه الله فيقول: "وأنَّ مُحَمَّداً عبده "؛ أوَّل كلمة قالها في وصفه هي: (عَبْدُهُ).
 واعلم يا طالب العِلْم أنَّ كمال المخلوق في تحقيق عُبودِيَّتِهِ لله تعالى، فأنت لا تكون في أكْمَل حالٍ على الإطْلاق إلا إذا كنتَ عبْداً لله عز وجل، وكُلَّمَا تَحَقَّقْتَ من عُبودِيَّتِك ارْتَقَيْتَ عند الله، وكلمَّا قلّ التَّحقُّق من عُبودِيَّتِك سَقَطْتَ من عَيْن الله، ولذلك فالإنسان الغربي الكافر يقول لك: الإنسان إله، ونَسِيَ أنَّهُ عَبْد، ونَسِيَ أنَّهُ طينٌ حقير، فطار تيهاً وعرْبَد، وكسا جِسْمَهُ فتباهى، وحوى المال كيسَهُ فَتَمَرَّدَ، هذا الإنسان البعيد عن الله تعالى مُتَكَبِّر، ومُتَألٍّ، ومُتَمَرِّد، ومُسْتَعلٍ، وهو عند الله صغير، وما من شخصٍ على وجْه الإطلاق وعلى وَجْه الأرض رَفَعَهُ الله عز وجل، ورفعَ مقامَهُ وشأْنَهُ كَرَسُول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبالتالي ما مِن أحدٍ تكبّر إلا قصَمَه الله، وضَرَبْتُ لكم مرَّةً مثلاً، وهو أنَّ اللَّبَن يحْتَمِل خمْسة أضْعافِه ماءً، لا لِيُباع، وإنما هو لاستعمالك الشخصي في البيت، لكِنَّ هذا اللَّبَن لا يحتَمِل ولا قطْرة نفْط واحدة!.
 وكذا الكِبْر يتناقض مع العبودِيَّة لله عز وجل، الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري فمن نازعني شيئًا منهما قَصَمْتُهُ ولا أُبالي، وأنت كُلَّما زِدْتَ تَعَبُّداً لله عز وجل وافْتِقاراً له كلَّما ارْتَفَعْتَ عند الله، ولذا أعْظم إنسان تحَقَّق مِن عُبودِيَّتِه هو النبي الكريم، فهو عليه الصلاة والسلام أعْظمُ إنسانٍ على وَجْه الأرض، وأرْقى إنسان، واعْلَمْ أنَّ كمال المَخْلوق في تَحْقيق عُبودِيَّتِهِ لله تعالى، وكلَّما ازْداد العَبْدُ تحْقيقًا للعُبودِيَّة ازْداد كمالهُ.

المعاصي قِسْمان: مَعْصِيَةٌ أساسها غلبَةُ الشَّهْوة ومعْصِيَةٌ أساسُها الكِبْر :

 الإنسانُ أحْيانًا وهو لا يشْعُر يتخَلَّى عن مقام العُبودِيَّة لِيَقْتَرِبَ مِن مقام الألوهِيَّة، فحينما يُناقِشُ ربَّهُ لماذا عَلِمْتَ ولماذا لم تعْلم؟ ولماذا فعلْت؟ فأحْيانًا الإنسان يتطاوَل بِعَقْلِهِ على مقام الألوهِيَّة!
 ومن توهَّم أنَّ المَخْلوق يخْرج عن العُبودِيَّة بِوَجْهٍ من الوُجوه، وأنَّ الخُروج منها أكْمَل فَهُوَ أجْهَلُ الخَلْق وأضَلَّهُم.
 وبالمناسبة؛ فالمعاصي قِسْمان: مَعْصِيَةٌ أساسها غلبَةُ الشَّهْوة، ومعْصِيَةٌ أساسُها الكِبْر، فالأولى سريعاً ما يغْفِرُها الله عز وجل إذا تاب منها العبد، أما المَعْصِيَة الناجمة عن الكِبْر فهِيَ لا تُغْفَر، لذلك لا يدْخل الجنَّة من كان في قلبِهِ مثقال ذرَّةٍ من كِبْر.

آيات تتحدث عن العبودية لله عز وجل :

 والآن مع آياتٍ دقيقة تتحَدَّث عن العُبودِيَّة، قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 26 ]

 وقال تعالى:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

[ سورة الإسراء : 1]

 وقال تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴾

[ سورة الجن: 19 ]

 وقال تعالى:

﴿ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

[ سورة النجم : 10]

 وقال تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

[ سورة البقرة: 23 ]

 هذه الآيات تَصِفُ النبي عليه الصلاة والسلام أنَّهُ عَبْدٌ لله تعالى.

من ازداد قُرْباً من الله عز وجل ازْداد اسْتِسْلاماً له :

 ذات مرَّةٍ، أخٌ كريم عرَضَ علَيَّ مُشْكِلَةً يُعاني منها؛ ما رأيْتُ جواباً أوْضَحَ لِمُؤمن صادِقٍ مِن قوْلي له: الذي تُحِبُّهُ وتَعْبُدُهُ وتَسْعى إلى مرْضاتِه هذه هي مشيئتُهُ وقرارهُ ! فإذا كنْتَ مُحِبًّاً لله تعالى حقًّاً ترْضى بِقَضائِهِ وقَدَرِه؛ هذا كلامٌ دقيق، والإنسان كُلَّما ازْداد قُرْباً من الله عز وجل ازْداد اسْتِسْلاماً له، والاسْتِسْلام مُريحٌ جداً، فالإنسان إذا أعْمَلَ عَقْلَهُ فيما لا شأن له فيه أَتْعَبَ نفْسَهُ وأتْعَبَ الآخرين، وآيَةٌ واحِدَةٌ تكْفي قال تعالى:

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[ سورة الزمر : 66]

 تنتهي مُهِمَّتُك عند عبادَتِهِ، والعَبْدُ عَبْدٌ، والربّ ربٌّ، فلا تُحاوِل أن تخْرُجَ من عُبودِيَّتِك فتَسْأل لِمَ؟ وتحاسِب وتُناقش وكأنَّك نِدٌّ لله تعالى.

النبي الكريم نَبيُّ الله عز وجل من دون مُعْجِزَة :

 وقولهُ: "وإنَّ مُحَمَّداً " بِكَسْر الهمزة عَطْفًا على قوْلِهِ " إنَّ الله واحِدٌ لا شريك له"؛ لأنَّ الكُلّ معْمول القَوْل، أعْني قَوْله: نقول في توحيد الله والطَّريقة المَشْهورة عند أهل الكلام، طبْعاً هذه قاعِدَة نَحْوِيَّة، وهي أنَّ (إنَّ واسمها وخبرها) إنْ أُوِّلَتْ بكلمة جاءَت همْزتها مَفْتوحَة، أما إذا لم تُؤَوَّل بِكَلِمة جاءَتْ همْزَتُها مَكْسورة.
 قال إنِّي عَبْدُ الله؛ هذه لا تُؤَوَّل، إذًا الهمزة مَكْسورة، وعندنا قواعِد أخْرى تَفْصيلِيَّة، ففي أوَّل الكلام تأتي إنَّ مَكْسورة كذلك، وبعد القول والصِّلَة كذلك، وهكذا.
 والطَّريقة المَشْهورة عند أهل الكلام والنَّظر تَقْرير نُبُوَّة الأنبياء بالمُعْجِزات، وبالمناسبة العلامات المادِيَّة هي قواعِد جامِدَة للضِّعاف لا للأقْوِياء، فمثلاً في اللُّغَة الطالب النَّبيه المُتَمَكِّن من اللُّغَة إذا قلتَ له (يمْشي)؛ فما نوع الفعل قال لك: مضارع، لأنَّه يمكن أن يسبق بِنَفيٍ، أو جزْم، أو يقول لك: لأنَّنا يمكن أن نُسبِقَه بالسِّين أو سوف، فهذه علامة مادِّيَّة، أمّا الطالب القَوِيّ في اللُّغَة فهذه العلامات لا قيمة لها عنده إطلاقًا، فهو بِمُجَرَّد أن يقرأ الفعل يعرف بِسَليقَتِهِ أنَّهُ مُضارِع، وذاك ماضٍ، فهنا عندنا نقطة مُهِمَّة جداً وهي: يا تُرى ما الدليل على نُبُوَّةِ النبي عليه الصلاة والسلام أهي المُعْجِزَة فقط؟! لو أنّ إنساناً الْتقى مع النبي عليه الصلاة والسلام لِوَقْتٍ قصير، ولم ير على يَدِهِ خوارِق العادات، فهل هذا يعني أنَّهُ ليس نبيًّاً ؟! لا، هناك ألف دليل ودليل على أنَّهُ نَبيُّ الله من دون مُعْجِزَة، وهذه الفِكْرة سأقْرؤُها على مسامعِكم؛ قال الشيخ الطحاوي:
 "لكنَّ كثيراً منهم لا يعرفُ نُبَوَّةَ الأنبياء إلا بالمُعْجِزات، وقرّروا ذلك بِطُرق مُضْطربة، والْتَزَم منهم إنكار خَلْقِ العادات لِغَير الأنبياء حتَّى أنْكروا كرامات الأولياء والسِّحْر!".

الكرامة و المعجزة :

 أيها الأخوة الكرام، زارني أخٌ قبل قليل، وقال لي: إنَّ العالم الفلاني كان مع أخوانِهِ، ودُعِيَ إلى بيْتِ صديق له مُنْحِرِفٍ، فإذا فيه رَقْصٌ، وفسْق، وفُجور، وخمر، قال: جلس هذا العالم الجليل وأمْسك كأس الخمر وشربَها! وبَقِيَتْ منها بَقِيَّة فأعْطاها لِجارِه، فإذا في الكأس ماء الزهر!! والثاني ماء الزهر، فتابوا على يده جميعاً.
 قلتُ له: خرْق العادات لسْتَ مُلْزَمًا أن تؤمن بها إلا في حالةٍ واحدة، وهي إن جاءَكَ نَصٌّ صحيح من كتاب الله، أو مِمَّا صحَّ من سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وما سوى ذلك لسْتَ مُلْزَماً ولسْتَ مُضْطَرًّاً أن تُصَدِّق أيَّةَ كرامة، فالكرامة حقّ، ولكنّ الأكمل ألاّ تروِيَها، وألاّ تُنْكِرَها، أليْسَت امرأة عمران لها كرامة؟ أو أليْسَت مريم صاحبة كرامة؟ أليس أهل الكهف لهم كرامة؟ فكرامات الأولياء لسْنَا مُلْزمين أن نُصَدِّقَها، إلا إذا ورَدَ نصّ صحيح من كتاب الله وسنَّة رسوله.
 الكرامة غير المعْجزة؛ فالله جلّ جلاله سمح للنبي أنْ يتَحَدَّى بها الناس، أما الكرامة هي للوَلِيّ، ولا ينبغي أن يتحدَّى بها الناس، ولا يذْكرها، بل الأكمل أن يكْتُمَها؛ إنَّها إعلام شَخْصي، وتَكْريم خاص لا يجوز نقْلُهُ.
 ولا ريْب أنَّ المعجِزات دليل صحيح، لكنَّ الدليل غير محْصور في المعجزات، فإنَّ النُبوَّة إنَّما يدَّعيها أصْدَق الصادِقين، أو أكذب الكاذِبين، ولا يلتَبِسُ هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين؛ فَقَرائِنُ أحوالها تُعْرب عنها، والتَّمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دَعْوى النبوَّة، ولو لم يكن فيه آياتٌ مُبَيِّنَة كانت بديهَتُهُ تأتيك بالخَبَر.
 فالمؤمن له مِن إحْساسه، ومن كمالهِ، وبصيرتِه، وفراستِه، ومِن صِلَتِه بالله عز وجل مِمَّا يُشْعِرُه أنَّ هذا الإنسان الذي أمامه نَبِيٌّ مُرْسَل، وما مِن أحَدٍ ادَّعى النُّبُوَّة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل، والكذب، والفُجور، واسْتِحواذ الشياطين ما ظهر لِمَن له أدْنى تَمييز.
 هذه طُرْفَة أذْكرها لكم، فقد كنتُ في تَعْزِيَة، وكان أمامي رجل ظنَنْتُه أحد علماء الحديث لأنَّهُ يُشْبِهُهُ تماماً، فبعد أن ألْقَيْتُ كلمَةً قدَّمْتُهُ للدُّعاء، وبينما هو يَدْعو نصَبَ الفاعل، فجَزَمْتُ يقيناً أنَّني واهِم، وهو ليس الذي أعْرِفُهُ؛ حركةٌ واحِدَة جعلتني أتيقَّن أنَّه ليس هو، إذْ لا يمكن لذلك العالم أن ينصب الفاعل، أما مِن حيث الشَّبه فكأنَّهما واحد‍! فبعد أن انْتَهَت التَّعْزِيَة سألْتُهُ، فإذا هو أحد أئمَّة المساجد.

الأنبياء كمالهم صارِخ وأعمالهم جليلة ونُفوسهم مُتَّصلة بالله عز وجل :

 الأنبياء كمالهم صارِخ، وأعمالهم جليلة، ونُفوسهم مُتَّصلة، فَبِمُجَرَّد أن تقترب من نبِيٍّ تشْعُر أنَّ الحبَّ اتَّقد فيك، أما هناك من ادَّعى النُّبُوَّة، حتَّى إنّ امرأة ادَّعتْها، فلما قال لها الخليفة؛ قال عليه الصلاة والسلام:

((لاَ نَبِيّ بَعْدِي))

[متفق عليه عن سعد]

 فقالت: وهل قال: لا نبِيَّةَ بعدي !! فَهُناك طُرَفٌ كثيرة جداً، وكيف أنَّ هذا الذي يدَّعي النُّبُوَّة شَخْصِيَّةٌ تافِهَة.
 ما مِن أحَدٍ ادَّعى النُّبُوَّة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل، والكذب، والفُجور، واسْتِحواذ الشياطين ما ظهر لِمَن له أدْنى تَمييز، فإنَّ الرسول لابد أن يُخْبر الناس بِأُمور، ويأمرهم بِأمور، ولا بدّ أن يفْعَلَ أموراً، والكاذب يُظْهر في نفْس ما يأمر به، وما يُخْبر عنه، وما يفْعلُه، ما يظهر كذِبُهُ من وُجوهٍ كثيرة، والصادِق ضِدُّه، بل كلّ شَخْصَيْن ادَّعَيا أمْراً أحدُهما صادق والآخر كاذِب، لا بدّ من أن يظْهر صِدْق هذا وكذِبَ هذا ولو بعد مُدَّة.
أحدهم أرْسَلُهُ أهلُه إلى الأزْهر لِيَدْرُس فلم ينْجح، وبعد خمْس سنوات رجع إلى أهْلِهِ فاحْتَفَلَت به القرية، وذبحت الخرفان، فجلس يُحَدِّث الناس وهو جاهل، فأحدهم نصَحَهُ وقال له: إذا سئِلْتَ أيَّ سؤال فقُل: فيه قَولان! فأحدهم خبيث سأله فقال: أفي الله شكّ ؟ فقال ذاك الجاهل: في المسألة قولان!! فضَرَبوه ضرباً مبرِحاً!
 وهذا أحدهم كان يزْعُم أنَّه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ويسْأله عن صِحَّة الأحاديث، فأحدهم أعطاه حديثاً ضعيفاً؛ لا هو موضوع، ولا هو صحيح! فقال له السائل: ماذا قال رسول الله حول الحديث؟ فقال له: قال ضعيف!! النبي عليه الصلاة والسلام إما أن يكون قال الحديث أو لا، وليس معه ضعيف!! فالجاهل يُكْشَف سريعاً .
 دخل أحدهم على أبي حنيفة النعمان وهو يُحَدِّث أصْحابه، ويبْدو أنّ ألَماً ألمَّ بِرِجْلِهِ فَمَدَّها، فأصحابه يعرفون مرض رجْله، فدخل رجل طويل القامة، عريض المنكبين، ضخم الجثَّة، هَيْئتُه تبْعث على الاحْتِرام، فاسْتَحْيا أبو حنيفة، فطوى رِجْله، ولما انتهى الدَّرْس رفع الرَّجل أصبعه، وسأل قائلاً: كيف نُصَلِّي الفجْر إذا طلعت الشَّمس قبل الفجر؟! فقال أبو حنيفة: آن لأبي حنيفة أن يَمُدّ رجْله!! ثم مدّها، وأحدهم قال لأخيه: لا تتكلَّم فيعْرِفوا غباءَك ! فقال له: لقد عرفوني من دون أن أتكلَّم.

من صدق في قول الحق و هداية الخلق هداه الله إلى الأسلوب المؤثر :

 كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

((عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

 هذا الحديث يُعَدُّ أصلاً من أصول الدِّين، اُصْدُق في هِداية الخلق، وفي قولِ الحق يهْدِك الله تعالى إلى الأسلوب المؤثِّر، واصْدُق في إنفاق المال يَهَبْكَ الله المال الوفير؛ اُصْدُق في أيِّ شيء ترَ الله تعالى مع الصادقين، ولهذا قال تعالى:

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴾

[ سورة الشعراء: 221 ]

 دخل شاعِرٌ على ملِكٍ، فقال له: إنَّ! فقام الملِك: قال: و، وانتهى اللِّقاء، ولم يفْهَم أحدٌ ما جرى، فلمَّا خرج قال: ماذا قلتَ له؟ فقال: قلتُ له: إنَّ المُلوك إذا دَخَلوا قرْيَةً أفْسَدوها، فقال له: ماذا أجابَك؟ فقال له: والشُّعراء يتَّبِعُهُم الغاوون!

الإنسان الصادق كلامه مبني على الدليل و التمسك بالسنة :

 الكُهَّان ونَحْوُهم وإن كانوا أحْياناً ـ الآن دخلْنا بِمَوضوع دقيق ـ يُخْبِرون بِشيء من الغَيْبِيَّات، ويكون صِدْقًا؛ فكيف وهو كاهِنٌ يُخْبر عن المستقبل ويكون صادقًا؟ سببُه اسْتِراق السَّمْع من السماء قبل نزول القرآن، قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾

[ سورة الحجر: 18 ]

 لو فرضْنا مجلس وُزراء يعقد مجْلساً يدرس فيه إمكانية الاستيراد والتَّصْدير؛ ثمَّ دخل الآذِن بالقَهْوة فَسَمِعَ كلِمَةً وذكرها للناس، وفِعْلاً بعد أيَّام صَدَر مرْسوم يُؤَكِّدُ ما ذَكَره الحاجب، وهذا يمكن أن يحْصل؛ وهذا كان قبل بعْثة النبي عليه الصلاة والسلام، أما بعد البِعْثة فكما قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ﴾

[ سورة الحجر: 18 ]

 فالملائكة كُلِّفوا بِمُهِمَّات، والجنّ اسْترَقوا السَّمْع.
 وإن كانوا أحْيانًا يُخْبِرون بِشَيء من الغَيْبِيَّات ويكون صِدْقًا، فَمَعَهم من الكذب والفُجور ما يُبَيِّن الذي يُخْبرونه به ليس عن ملَكٍ، وليْسوا بِأنْبياء، ولهذا لما قال النبي لابن صَيَّاد: قد خبأْتُ لك خبأً، قال: هو الدُّخّ، فقال له النبي: اِخْسأ فلن تعْدُوَ قَدْرَك، فهذا جنِيّ أراد أن ينقل خبراً للِنَبِيٍّ فقال له: اِخْسأ فلن تعْدُوَ قَدْرَك؛ أي إنَّما أنت كاهن، وقد قال للنبي عليه الصلاة والسلام: يأتيني صادِقٌ وكاذِب، وقال: أرى عرْشًا على الماء، والعرش للشَّيْطان، وبيَّن أنَّ الشعراء يتَّبِعُهم الغاوون، والغاوي هو الذي يتْبَعُ هواه وشَهْوته، وإن كان ذلك مُضِرًّاً له.

((أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ))

[الترمذي عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ]

 عَوِّد نفْسك الدليل، والتَّمَسُّك بالسنَّة، وكل شيء تسْمعه عَوِّد نفسك أن تذكر الدليل، وهذا منهج التَّلَقي والإلقاء.

تمييز الناس بين الصادق و الكاذب بأنواع من الأدلة :

 والناس يُمَيِّزون بين الصادق والكاذب، فقد ذكروا مرَّةً أنّ أينشتاين وهو أكبر علماء الفيزياء والكيمياء، وهو الذي اكْتَشَفَ نظَرِيَّة النِّسْبِيَّة، وهي أنَّ الجسم إذا مشى بسُرْعة الضَّوء أصْبَحَ ضوْءاً، وأصْبَحَت كتلته لا نِهائيَّة، وقد طاف خمْساً وثلاثين جامِعَة أمْريكِيَّة يُلْقي في كُلِّ جامِعَة نَظَرِيَّتَهُ النِّسْبِيَّة، وكان معه سائقٌ ذكيّ جداً ومِن شِدَّة مُلازَمَتِهِ له حفِظَ هذه النَّظَرِيَّة وحفظ المُحاضرة غَيْباً، في آخر هذه الجامعات طلب هذا السائق ـ وكان ذا دُعابَة ـ مِن أينشتاين أن يُلْقِيَها مكانَهُ ‍! فقَدَّم أينشتاين سائقَهُ على أنَّهُ هو، وأصْبَحَ أينشتاين هو السائق، فألْقى السائق المُحاضَرة على الدكاتِرَة الحاضرين، ففي نِهاية المُحاضَرة سأل أحد الدكاتِرَة هذا السائق سؤالاً عويصاً ! فَمِن شِدَّة فِطْنَتِهِ قال هذا السائق: إنّ هذا السؤال سهْلٌ جداً، والدليل أنني سأُكَلِّفُ سائِقي كي يُجيب عنه !! فهذه سرعة البديهة قد تكون في الجاهل، ثمّ أجاب أينشتاين عن السؤال، فأصبح هذا الدكتور السائل صغيراً في نظرهم !!
 قال: والناس يُمَيِّزون بين الصادق والكاذب بِأنواعٍ من الأدِلَّة حتَّى في المُدَّعي للصِّناعات والمقالات كَمَن يدَّعي الفلاحة والنِّساجة وعِلْم النَّحْو والطب والفقه ونحو ذلك، والنُّبُوَّة مُشْتَمِلَةٌ على علوم وأعمالٍ لا بدّ من أن يتَّصِف الرسول بها، وهي أشْرف العلوم والأعمال، فكيف يشْتبه الصادق بالكاذب ولا ريب في أنَّ المُحَقِّقين لخبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العِلم الضروري كما يَعْرِفُ الرجل يد الرَّجُل، وحُبَّه، وبُغضَه، وفرحه، وحزنه، وغير ذلك من أمور في نفسه قد تظْهر على وَجْهِهِ، وقد لا يمْكِنُ التَّعْبير عنها كما قال تعالى:

﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ﴾

[ سورة محمد: 30 ]

 لكن هناك قاعِدَة أسْتخْدمُها كثيراً وهي: ما أسِرَّ أَحَدٌ سريرَةً إلا ألْبَسَهُ الله رِداءَها، إذا كان بِنَفْسِهِ شيء وأظْهَرَ شيئًا فالله عز وجل يكْشِفُهُ للناس على حقيقتِهِ في مرَّةٍ من المرَّات.

والحمد لله رب العالمين