أحاديث رمضان 1431 - أمثال القرأن الكريم - الدرس (26-34) : الحديث الشريف ( مثل البيت الذي يذكر الله فيه ، والبيت الذي لا يذكر الله فيه ....)
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-09-05
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

الذكر :

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه، والبيت الذي لا يذكرُ الله فيه مَثَلُ الحيِّ والميِّت))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري]

مثل البيت الذي يذكر الله فيه، والبيت الذي لا يُذكر الله فيه: مثل الحي والميت
كم هي المسافة بين الحي؟ إنسانٌ حي يتكلم، يعمل، يبتسم، يضحك، يعرف، يلقي درساً، له زوجة، أولاد، محبوب، مكرم، مبجل، وجثة هامدة في النعش.

((مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه، والبيت الذي لا يذكرُ الله فيه: مَثَلُ الحيِّ والميِّت))

ما هو الذكر؟ أولاً: قراءة القرآن ذكر، والصلاة ذكر.

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[سورة طه]

والدعاء ذكر، والاستغفار ذكر، وإلقاء الموعظة ذكر، و أي نشاط ديني يصب في العمل الصالح يعد ذكراً، لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير منكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ذكر الله ))

[أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء]

الصلاة ذكر:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

لكن بعض العلماء يقول: إن ذكر الله لك أيها المصلي وأنت تصلي أكبر من ذكرك له، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[سورة العنكبوت الآية:45]

قال بعضهم: ذكر الله أكبر ما فيها، وقال بعضهم: ذكر الله لك أيها المصلي أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن، لكنه إذا ذكرك منحك الحكمة، لكنه إذا ذكرك منحك الرضا، لكنه إذا ذكرك منحك التوفيق، لكنه إذا ذكرك منحك السكينة، بالسكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، ومن دون سكينة تشقى بفقدها و لو ملكت كل شيء.

الذكر يدور مع الإنسان في أي مكان و زمان و قمته أن تصلي :

لذلك الذكر يدور مع الإنسان في أي مكان، وفي أي زمان، وفي أي حال، يمكن أن تذكره وأنت تمشي، وأنت في الرياضة، وأنت في العمل، وأنت تأكل، حينما تتفكر في خلق السماوات والأرض هذا ذكر، هذا الماء من جعله عذباً فراتاً والبحر ملحاً أجاجاً؟ آلاف القصص لأناس غرقت سفينتهم، وركبوا قارب نجاة وماتوا جميعاً عطشى، هناك ماء عذب زلال، و ملح أجاج.
الذكر يدور مع الانسان في أي مكان وزمان وقمّته أن تصلي
أي إذا فكرت ذكرت، إذا استغفرت ذكرت، إذا هللت قلت: لا إله إلا الله ذكرت، إذا حوقلت قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله ذكرت، أي حركة، وأي سكنة، وأي كلامٍ، وأي موقف، إذا وعظت ذكرت، إذا نصحت ذكرت، إذا ألقيت درس دين ذكرت، إذا استمعت إلى درس دين فأنت ذاكر، لكن قمة الذكر أن تصلي

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

وذكر الله لك أيها المصلي أكبر من ذكرك له.
لذلك هذا المثل، بل هذا التشبيه مذهل، حي وميت، الفرق بين إنسان حي نشيط وسيم، على كل خد وردة كما يقول عوام الناس، يتكلم، ينطق، يتحرك، يعظ، يدرّس، ينام، يستيقظ، يمرح، يضحك، وبين جثة هامدة متعفنة.

((مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه، والبيت الذي لا يذكرُ الله فيه: مَثَلُ الحيِّ والميِّت))

[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري]

لذلك بيت المؤمن جزء من دينه، بل بيت الداعية جزء من دعوته، لأن الإنسان حينما تستقيم سريرته تستقيم علانيته.

أخلاق الإنسان خارج البيت نابعة من مصلحته لكن حقيقة الإنسان تكون في بيته :

أيها الأخوة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( خيرُكُم - اسم تفضيل - خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين]

حقيقة الإنسان تظهر في بيته
أحياناً الإنسان خارج البيت يتصنع الأناقة واللطف، يتعطر أحياناً، يبتسم، يصافح، ينحني، هذه كلها لمصلحته، لكنه في البيت طليق الإرادة، أعلى جهة بالبيت، بطولتك في البيت، أخلاقك الحقيقية في البيت، والدليل هذا الحديث:

(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

الآن حينما يفحصون الطالب لإعطائه شهادة قيادة السيارة، كيف يفحص؟ يرسم له طريق على شكل متعرج، ضيق، وعلى طرفي الطريق قطع من البلاستيك، ينبغي أن يرجع إلى الوراء، وأن يبقى على هذا الطريق الضيق المحدد، وعلى أطراف الطريق من الجهتين قطع بلاستيك، فإذا مسّ واحدة رسب، أصعب شيء بالقيادة أن ترجع والطريق ضيق جداً وألا تخطئ، إن نجحت في هذا فقد نجحت، وما سوى ذلك سهلٌ جداً، أقول لكم: إن نجحت في البيت ما سوى ذلك سهل جداً، في الأعمّ الأغلب أخلاق الإنسان خارج البيت نابعة من مصلحته، لكن حقيقة الإنسان تكون في بيته، من هنا جاء الحديث الشريف:

(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي))

من ذكر الله ارتقى إلى أعلى عليين :

((مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه))

تؤدى فيه الصلوات، يقرأ فيه القرآن، أحياناً يكون هناك سهرة فيها علم، لقاءات المؤمن مع أخوانه لقاءات علم:

(( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَتَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ إِلَّا تَفَرَّقُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ ))

[ الترمذي و أبو داود و أحمد عن أبي هريرة]

من ذكر الله ارتقى إلى أعلى عليين
محرج، حديث بالأسعار، وبالضغوط العالمية، وبهذا التفلت الأخلاقي، وفلان سيئ، وفلان غير أمين، وفلان يعتدي على الآخرين، تنتهي الجلسة لا تستطيع أن تقف، الأخبار السيئة تثبط العزائم، أما الأخبار الطيبة فتحيي النفوس، فأنت في مجلس إذا ذكرت الله فيه ارتقت بك هذه الأحوال إلى أعلى عليين، في مجلس آخر تهوي بك هذه المخالفات الكلامية إلى أسفل سافلين.
مرة ثانية:

(( مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَتَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ إِلَّا تَفَرَّقُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ ))

[ الترمذي ، أبو داود ، أحمد عن أبي هريرة]

حديث الدنيا متعب، أي ما من يوم إلا والذي بعده أشر حتى تقوم الساعة، لا يوجد خبر طيب، أي يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه.

(( يوم يكون المطر قيظاً، والولد غيظاً، ويفيض اللئام فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً))

[ رواه ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ]

بآخر الزمان الوضع صعب:

((يؤتمن الخائن وأن يخون الأمين، وأن يصدَّق الكاذب وأن يكذَّب الصادق))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

يذوب قلب المؤمن في جوفه، مما يرى ولا يستطيع أن يغير، ما الذي ينسينا كل هذه الهموم؟ ذكر الله، ارتياد بيوت الله، طلب العلم، هناك مثبطات ومحفزات، المحفزات أن تذكر الله، صدق ولا أبالغ المؤمن الذي يذكر الله كأن الله يبعده عن كل متاعب العصر، لك معاملة خاصة.

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور الآية 48 ]

الدعوة إلى الله دعوتان :

لذلك أيها الأخوة عليكم بذكر الله، ذكر الله واسع جداً، راكب سيارة إلى حلب، لك جارك، أخ لطيف، حدثه، سمعت معنى آية كريمة، معنى حديث شريف، سمعت قصة عن صحابة حدثه، اذكر الله، تجلس في اجتماع مع موظفيك في الشركة، انتهى الاجتماع، سمعت تفسير آية اشرحها لهم، لذلك:

((بلِّغُوا عني ولو آية))

[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

بلغوا عني ولو آية
أي الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، لكن في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، أما الدعوة إلى الله كحرفة، كاختصاص، فهذه فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، تحتاج إلى تبحر، وإلى تفرغ، وإلى تعمق، الدعوة إلى الله دعوتان، فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف، وفرض كفاية تحتاج إلى تبحر، وتعمق، وتفرغ، فأنت كمؤمن مكلف أن تدعو إلى الله دعوة كفرض عين.

((بلِّغُوا عني ولو آية))

والدليل الآية الكريمة:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[سورة يوسف]

هناك دليل آخر قوي:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[سورة العصر]

ليلة القدر أساسها أن تعرف الله و أن تتقرب إليه :

أساس ليلة القدر أن تعرف الله وتتقرب إليه
أيها الأخوة الكرام، هذه ليلة القدر إن شاء الله:

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

[سورة القدر]

أي ليلة القدر تعدل عند الله ألف شهر، أي ثمانون عاماً، ليلة واحدة تفوق كل هذه الأعوام، هذه الليلة أساسها أن تعرف الله، أن تتقرب إليه، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾

[سورة الزمر الآية:67]



والحمد لله رب العالمين