الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 10 - 25 ) : التوجه إلى الكعبة : سورة البقرة 142
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-08-25
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التوجه إلى الكعبة في الصلاة :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس العاشر من: "آيات الأحكام"، والآية اليوم: التوجه إلى الكعبة في الصلاة، قال تعالى:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة البقرة : 142 ]

 دققوا أيها الأخوة، لو وقفنا عند هذه الآية التي فيها إعجاز لأن الله سبحانه وتعالى قال: سيقول، هل قالوا بعد؟ لا، سيقول! من هم الذين سيقولون؟ السفهاء، هذه صفة مدح أم ذم؟ صفة ذم، ربنا جلّ جلاله يقول:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾

[ سورة البقرة : 142 ]

 هؤلاء السفهاء سمعوا أنهم معنيون بهذه الآية، المنافقون والكفار والمشركون هؤلاء هم السفهاء الذين أشارت إليهم هذه الآية، هؤلاء سمعوا هذه الآية، لو أنهم سكتوا ماذا فعلوا؟ لأبطلوا كلام الله! القرآن يصفهم بأنهم سفهاء، وأنهم لم يقولوا بعد هذا الكلام بدليل السين.

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾

[ سورة البقرة : 142 ]

الله جلّ جلاله طليق الإرادة :

 لو أن هؤلاء المنافقين والكفار والمشركين أرادوا أن يبطلوا هذا الكلام لسكتوا فقط وما قالوا شيئاً! معنى ذلك أن الإنسان مع أن الله جعله مختاراً مخيراً لكن حكمة الله تقتضي في بعض الأحيان أن يسلب هذا الاختيار لذلك قالوا: (الله جلّ جلاله طليق الإرادة ) فإذا أراد للعبد أن يأخذ اختياره أخذه، وإذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لبّ لبّه!

(( مَا مِنْ قَلْبٍ إِلا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ))

[ابن ماجة النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلابِيُّ]

 هل هناك آية تشبه هذه الآية؟ أبو لهب:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾

[ سورة المسد: 1-5 ]

 لو أن أبا لهب حينما سمع هذه الآية توجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشهد أمامه أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ماذا فعل أبو لهب؟ كذب هذه الآية، من أجل أن تعلموا أن الله طليق الإرادة، وأن:

(( مَا مِنْ قَلْبٍ إِلا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ))

[ابن ماجة النَّوَّاسُ بْنُ سَمْعَانَ الْكِلابِيُّ]

 وأن الله إذا أراد أمراً سلب من كل ذي لبّ لبّه، وأن الإنسان ضعيف أمام مشيئة الله عز وجل.

الإنسان أمام قدرة الله و مشيئته لا شيء :

 هاتان الآيتان تكفيان شاهداً على هذا، آية:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾

[ سورة البقرة : 142 ]

 طبعاً أبو لهب لو تكلم لأبطل القرآن! أما السفهاء فلو سكتوا فقط، من أجل أن تعلموا أنهم اتهموا بأنهم سفهاء، ولم يقولوا بعد، بل قال:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾

[ سورة البقرة : 142 ]

 إذاً يجب أن تعلم أنك أمام قدرة الله لا شيء، وأمام مشيئة الله لا شيء، وأمام إرادة الله لا شيء، وأن قلبك بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، ولكن لصالحك! مثلاً: الإنسان حينما يتخذ قراراً حكيماً، الله عز وجل يملأ قلبه أمناً وطمأنينة، هو بين أصبعيه لصالحه، وأحياناً يتخذ قراراً خاطئاً يملأ قلبه خوفاً وضيقاً وضياعاً، فما جعل الله قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابعه إلا ليعينه على نفسه فقط! إما دعماً وتطميناً أو تحذيراً وتخويفاً.

تعريف السفه في اللغة :

 فالآية اليوم:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 142 -143]

 نقف وقفة متأنية عند بعض الكلمات: من هو السفيه بقوله:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾

 السفيه هو الذي لا يحسن التصرف، السفه ضد الحلم، خفة وسخافة يقتضيهما نقصان العقل، عقل ضعيف، إدراك ساذج، يتبعه خفة وسخف، ولذلك يسمى السفيه سفيهاً لأنه ليس عاقلاً، ولأن في تصرفاته خللاً، لهذا يسمى سفيهاً، قال تعالى:

﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾

[ سورة النساء: 5]

 من أطرف ما قرأت أن المدخن الغني حينما يدخن ويشتري بماله هذا الدخان يسمى سفيهاً، فإذا كان فقيراً يسمى مبذراً لأنه في معصية.
 في الحقيقة اللغة مرت بمراحل، وهي تنتقل من المرحلة المادية إلى المرحلة المعنوية، فالسفه في أصل كلام العرب الفطنة والرقة، نقول: ثوب سفيه أي ثوب رقيق، رديء النسج، بالياً، سفهته الرياح أي أمالته، السفه ضد الحلم، إنسان عقله ضعيف، تصرفاته سخيفة، خفيفة، وليست هادئة.

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 142]

كلّ إنسان يعصي الله مدموغ بالسفاهة والغباء والجهل :

 بالمناسبة يوجد آية قرآنية جميلة جداً يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

[ سورة البقرة : 130]

 أي كل إنسان يعرض عن دين الله ولا يأتمر بما أمر، ولا ينتهي عما نهى عنه وزجر فهو سفيه، بمعنى أنه ضعيف الإدراك والتصرفات، والشيء اللطيف في هذه الآية أنك تعرض عن شيء لأنه حقير وبسيط، لأنه غير متقن، إلا أنك إذا أعرضت عن الدين المعرض هو السفيه، والدليل قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

[ سورة البقرة : 130]

 فإذا نظرت إلى إنسان يشرب الخمر يمكن أن تحكم عليه بأنه سفيه لأنه يعصي خالق الكون، لو كان عاقلاً ما عصى الله عز وجل، لأنه يعصي ولا يدري ماذا سيفعل الله به، وماذا أعدّ له من عذاب أليم في الدنيا، لأنه يعصي ولا يفكر في مستقبل أيامه، لذلك كل إنسان يعصي الله يسمى سفيهاً، بل كل إنسان يعصي الله مدموغ بالسفاهة والغباء والجهل.

علم الله علم كشف لا علم جبر :

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾

[ سورة البقرة : 142]

 معنى ولاهم أي صرفهم، ولى عن الشيء أو تولى عنه أي انصرف، هو استفهام - كما قال العلماء- على جهة الاستهزاء والتعجب.

 الحقيقة أن النبي الكريم أمر بالتوجه إلى بيت المقدس واليهود كانوا يعمرونه، أنت لا تدين بديننا وتتجه إلى قبلتنا؟! فالأنبياء السابقون كلهم كانوا يتجهون إلى بيت المقدس، والنبي الكريم بما أنه جاء ليحيي سنّة أبيه إبراهيم فأراد أن يتوجه إلى الكعبة التي بناها إبراهيم، فكانت رغبة النبي عليه الصلاة والسلام التوجه إلى الكعبة! لذلك حينما جاء الأمر الإلهي بالانصراف عن بيت المقدس والتوجه إلى بيت الله الحرام قال الله عز وجل:

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾

[ سورة البقرة : 142]

 وهذا يدل على علم الله عز وجل، وعلم الله كما تعلمون علم كشف لا علم جبر.

القبلة من المقابلة وأصلها الحال التي يكون عليها المقابل :

﴿قِبْلَتِهِمُ﴾

 هي القبلة من المقابلة وهي المواجهة، وأصلها الحال التي يكون عليها المقابل، ثم خصّت للجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة.
 فالكلام دائماً له معنى لغوي، ومعنى اصطلاحي، فهذه الجهة التي نتجه نحوها في الصلاة تسمى قبلة بالمعنى الاصطلاحي، وأما كل شيء أمامك فيقال له قبلة ولو كنت متجهاً نحو الشمال! هذا المعنى اللغوي، أما الاتجاه نحو الجنوب فهو القبلة بالمعنى الشرعي.

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾

[ سورة البقرة : 142]

 هذا شأن الله عز وجل يأمركم أن تتجهوا نحو بيت المقدس، أو نحو بيت الله الحرام، لله المشرق والمغرب.

الأمة العربية التي منها النبي الكريم خير أمة أخرجت للناس :

 أكبر شرف لهذه الأمة أن الله اختارها لتكون أمة وسطاً أي وسيطة بينه وبين عباده، بصراحة أقول لكم: كل إنسان ينتمي إلى هذه الأمة شرفه الله عز وجل، شرفه بأن جعله وسيطاً بينه وبين خلقه، لكن العلماء لهم موقف لطيف هو أن الأمة العربية التي منها النبي الكريم وصفت بأنها خير أمة أخرجت للناس قال تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 ومن أدق معاني كنتم أصبحتم، لأن هذا القرآن بلسان عربي مبين، ولأن الله عز وجل جعله قرآناً عربياً، أي وفق لغة العرب.

الله عز وجل اصطفى أمة العرب لتكون أمة وسيطة بينه وبين خلقه :

 معنى الآية الكريمة:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 أي بعد أن أنزل عليكم هذا القرآن، وجاء منكم النبي عليه الصلاة والسلام، أصبحتم خير أمة، أي الله عز وجل اصطفى أمة العرب لتكون أمة وسيطة بينه وبين خلقه، قد يقول أحدهم: ما لهؤلاء العرب لهم أخطاء كثيرة؟ الجواب هو أن كل عربي استجاب لله ولرسوله فهو من أمة الاستجابة، وكل عربي لم يستجب لله ولرسوله فهو من أمة التبليغ، والذي لا يستجيب ليس له عند الله أية ميزة، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 24]

 فإن استجبت فأنت من أمة محمد أمة الاستجابة، وأنت من الأمة المكرمة، وأنت من خير الأمم بشرط أن تستجيب، فإن لم تستجب فأنت من أمة التبليغ، وهذه الأمة ليس لها أدنى قيمة عند الله عز وجل!

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 ليس لكم أي ميّزة، فأنت إن استجبت كنت من خير أمة:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

 لكن الآية واضحة جداً، هذه الخيرية معللة:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 فأنت تصبح عند الله خيراً إذا دعوت إليه، أمرت بمنهجه وبالمعروف، ونهيت عن المنكر، حللت الحلال وحرمت الحرام، بينت الحقيقة وصوبت الرأي، دللت على الله، إن استجبت فأنت من أمة الاستجابة، وأنت من خير أمة أخرجت للناس وإن لم تستجب:

﴿ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة: 18 ]

 فليس لك أي ميزة، نرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون من أمة الاستجابة.

الفضائل وسط بين طرفين :

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾

[سورة المائدة: 143 ]

 أي عدولاً، خياراً، قال أوسطهم:

﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴾

[سورة القلم: 28 ]

 أي خيرهم وأعدلهم، خير الأشياء أوسطها، والغلو والتقصير مذمومان، دائماً عندنا وسطية وتطرف نحو اليمين ونحو الشمال، فالتطرف مذموم يميناً أو شمالاً والتوسط محمود، والفضيلة وسط بين طرفين، الجبن مذمة، والتهور مذمة، والشجاعة بينهما، الإنفاق باعتدال فضيلة، البخل رذيلة، الإنفاق بسفه رذيلة، دائماً الفضائل وسط بين طرفين.

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾

[سورة المائدة: 143 ]

 أنتم وسطاء بين الله وبين خلقه، وأنتم متوازنون معتدلون.

كل تطرف ينتهي إلى السقوط :

 لذلك أيها الأخوة كل تطرف ينتهي إلى السقوط، وكل اعتدال وتوسط يستمر، لذلك كل الفرق التي تفرقت انتهت، أما التي لزمت الكتاب والسنة فارتقت، معنى رياضي لطيف، دائماً المركز متوسط ويجمع كل الأطراف، أما الطرف فلا يجمع شيئاً! الخلل دائماً في الأطراف، أما التوسط ففيه إحكام.

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة البقرة: 143 ]

الصحابة الذين اتجهوا إلى بيت المقدس وماتوا قبل أن يتجهوا إلى الكعبة صلاتهم صحيحة:

 هؤلاء الصحابة الذين اتجهوا إلى بيت المقدس وماتوا قبل أن يتجهوا إلى الكعبة ما حكم صلاتهم؟ صحيحة مئة بالمئة! لأن الله جلّ جلاله ما كان ليضيع؟ ماذا تعني كلمة إيمانكم؟ صلاتكم، لو فرضنا أن إنساناً اجتهد واتجه نحو الشمال وصلّى ثم اكتشف أن القبلة من جهة أخرى فصلاته صحيحة!

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾

[سورة البقرة: 143 ]

 الحقيقة أن مكة المكرمة في عهد المشركين كلها أصنام فبعد حكمة أرادها الله أمر النبي بالتوجه إلى بيت المقدس.

تمني النبي الكريم أن يتجه نحو بيت الله الحرام لأنه موطن أبيه إبراهيم :

﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾

[سورة البقرة: 144 ]

 عليه الصلاة والسلام يتمنى أن يتجه نحو بيت الله الحرام لأنه موطن أبيه إبراهيم، والكعبة بناها أبوه إبراهيم، والنبي الكريم جاء ليحيي سنة إبراهيم! أنتم في الصلاة ماذا تقرؤون؟ ألا تقولون: اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل إبراهيم؟ النبي الكريم قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى! ماذا دعا إبراهيم؟

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة آل عمران: 164 ]

 سيدنا إبراهيم دعا ربه أن يبعث في هذه الأمة من يُعرفها بالله عز وجل، قال: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، من تعريف النبي لنفسه هو دعوة أبيه إبراهيم، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾

[سورة البقرة: 144 ]

 أي حينما كنت مكلفاً أن تتجه نحو بيت المقدس كنت تتمنى أن تتجه إلى بيت الله الحرام لأن اليهود هكذا قالوا: لا تؤمن بديننا وتتجه إلى قبلتنا؟

﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾

[سورة البقرة: 144 ]

 أمر إلهي، حيثما كنتم.

على الإنسان أن يولي وجهه أثناء صلاته إلى جهة الكعبة :

 لكن أنا أتمنى على الأخوة الكرام أن يعوا هذه الحقيقة، بيت الله الحرام فيه الكعبة المشرفة، فيا ترى نحن نتجه إلى نقطة أم إلى خط؟ طبعاً هذا موضوع خلافي بين المذاهب، أما الأرجح والأقوى والأسهل والأبسط فأن نتجه إلى خط، إلى جهة الكعبة، أما إذا أردنا أن نحكم اتجاهنا إلى الكعبة بالذات فهذا يوقعنا في حرج شديد! فولّ وجهك شطره أي جهته، أي المسجد الحرام:

﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾

[سورة البقرة: 144 ]

 لأن الله عز وجل ما أرادنا أن نكون في حرج شديد:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾

[سورة البقرة: 185 ]

﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾

[سورة البقرة: 144 ]

الصلاة هي الفرض الذي لا يسقط بحال :

 اليوم كنت مع بعض الأخوة الكرام ذكرت لهم أن الصلاة هي الفرض الذي لا يسقط بحال، هي الفرض المتكرر، لماذا قلت: المتكرر؟ لأن بعض أركان الإسلام لا يتكرر، شهادة أن لا إله إلا الله تنطق بها مرة واحدة وانتهى الأمر، أما الصلاة ففرض متكرر، الصلاة وحدها لا تسقط، الحج يسقط عن الضعيف والذي لا يستطيع، والصيام يسقط عن المسافر والمريض، والزكاة تسقط عن الفقير، والشهادة ينطق بها مرة واحدة، أما الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال فهو الصلاة! لكن العلماء قالوا: الصلاة فيها من معنى الصيام أنك إذا أردت أن تصوم رمضان لا تستطيع أن تأكل ولا أن تشرب، لكن بإمكانك أن تتكلم في أي موضوع، لكنك وأنت في الصلاة لا تأكل ولا تشرب ولا يباح لك التكلم في أي موضوع، إذاً الصلاة فيها من الصيام معنى الانقطاع التام عن الطعام والشراب والكلام، وفيها من موضوع الحج أنك في أثناء الصلاة تتجه إلى بيت الله الحرام، وفيها من موضوع الزكاة أنه حينما تقتطع من وقتك وقتاً لتؤدي فيه الصلاة الوقت أصل في كسب المال، هل يستطيع إنسان أن يكسب مالاً بلا وقت؟ لا يوجد، فالوقت أصل لكسب المال، أنت حينما تقتطع من وقتك وقتاً بأداء الصلاة كأنك أنفقت المال الذي يأتيك بهذا الوقت، أوضح مثال: إنسان يبيع أشياء بالمفرق وهناك زبائن باستمرار، فحينما يغلق محله التجاري ويتجه إلى المسجد ليصلي ماذا فعل؟ فوّت على نفسه مالاً وهذا يعد من معنى الزكاة، ففيها من معنى الحج الاتجاه إلى القبلة، وفيها من معنى الصيام ترك الطعام والشراب وحتى الكلام، وفيها من معنى الزكاة أن الوقت الذي تنفقه في الصلاة هو أصل في كسب المال، وقد فوّت عليك مالاً بسبب أدائك للصلاة، وفيها شهادة أن لا إله إلا الله، وفيها الاتصال بالله عز وجل:

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة البقرة: 144 ]

تعريف المجرم :

 الحقيقة الإنسان المجرم من هو؟ الذي يتحرك بخلاف ما يعلم، الإنسان حينما يتحرك بجهل لا أقول: معذور لكن جرمه أقل، أوضح مثال: القاضي أو المفتي الذي يفتي بجهل يحاسب، أما المفتي الذي يفتي بخلاف ما يعلم فيعد مجرماً، والقاضي الذي يقضي بجهل يحاسب، إلا أن القاضي الذي يقضي بخلاف ما يعلم، يعلم أن هذا صاحب حق ويفتي بخلاف ما يعلمه هذا ظلم شديد :

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة البقرة: 144 ]

الحكمة البالغة من كلمة شطر :

﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾

[سورة البقرة: 144 ]

 الشطر بمعنى الجهة والناحية كما في هذه الآية، ويكون بمعنى النصف من الشيء والجزء منه، ومنه قول النبي الكريم:

((الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَلا إِلَهَ إِلّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ يَمْلآَنِ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالْوُضُوءُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ وَكُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ))

[الدرامي عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ]

 أي ولِّ وجهك إلى جهة الكعبة، لا إلى عين الكعبة، لأن عين الكعبة يوقعنا في حرج شديد ونحتاج إلى قياسات طبوغرافية، فالعبرة أن تتجه إلى الله عز وجل، فالحكمة البالغة كلمة شطر أي إلى جهة الكعبة لا إلى عينها لأنه يسبب الحرج.

من أسباب نزول هذه الآية :

 من أسباب نزول هذه الآية:

((عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاةٍ صَلاهَا صَلاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ مَكَّةَ فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَهْلُ الْكِتَابِ فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ ))

[صحيح البخاري عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]

 هناك روايتان: أحد الروايتين أن المسلمين في أثناء صلاتهم توجهوا نحو بيت الله الحرام، وغيروا وجهتهم، فمر رجل فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي الكريم قِبَلَ مكة، فداروا كما هم قِبَلَ البيت، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ماذا نقول فيهم؟ فأنزل الله قوله تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة : 143]

 نقتبس من هذا أنت بإخلاص شديد، ورغبة صادقة، وبطاعة لله، التزمت مع إنسان ثم اكتشفت أنه ليس على حق، لك نيّتك، ولك صدقك وحرصك، ولك استقامتك، ولا تتألم، هذا كله محسوب عند الله أعمال صالحة.

من لطائف هذه الآية الكريمة أن دين الإسلام دين وسطي :

 من لطائف هذه الآية الكريمة أن دين الإسلام دين وسطي:

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾

[سورة المائدة: 143 ]

 في أي شيء أناس قتلوا المسيح بن مريم؟ هم ما قتلوه، لكن حاولوا قتله، واليهود قتلوا الأنبياء، وهناك أناس آخرون ألّهوا الأنبياء، فالإسلام لم يؤلف ولم يقتل وسطاً، في بعض الأديان حرموا عليهم الزواج، وبعض الشعوب الآن ترتكب كل الموبقات، والإسلام وسطي، لو توفر الوقت أو النفَس الطويل لوجدت أن الإسلام بكل شيء وسطي، والذي حدث أيها الأخوة أن العالم كما تعلمون قبل سنوات وسنوات كان منقسماً إلى شقين: شرق وغرب، شرق يقدس الجماعة، ويدوس الفرد بقدمه، وغرب يقدس الفرد و لو بنى مجده على أنقاض الجماعة، هذا متطرف، وهذا متطرف، والحمد لله رب العالمين كلما تقدم الزمان يعود المتطرفون إلى الوسطية مقهورين لا عودة عبادة ولكن عودة قهر، فترى كل الذين تطرفوا شرقاً و تطرفوا غرباً يعودون إلى الوسطية التي جاء بها الدين، فأنا لا أنسى أحد كبار الزعماء في أميركا قال: إن هناك خمسة أخطار تهدد أميركا، والله أنا في ذهني حينما سمعت هذا النبأ بشكل سريع جداً تصورت ما هي هذه الأخطار؟ اتحاد أوربا أم الشرق الأقصى بتقدمه الصناعي الهائل؟ اليابان؟ ما هي هذه الأخطار؟ ثم جاء ذكرها: أن أحد أكبر هذه الأخطار تفرق الأسرة، وانحلال الأخلاق، وشروع المخدرات، وانتشار الجريمة، حينما تركوا الدين وقعوا في هذه الموبقات، والآن هناك دعوة إلى التمسك بالأخلاق لوجود الانهيار الخلقي المتعاظم:

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾

[سورة المائدة: 143 ]

 مثلاً إذا ضربك أخوك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، وهناك موقف إذا أساء إنسان إليك تكيل له الصاعَ عشرة أصواع، هذا تطرف، وهذا تطرف، الوسطية هو جزاء سيئة سيئة مثلها:

﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾

[سورة النحل: 126]

الوسطية في الإسلام هي الحل الوسطي للمجتمعات البشرية :

 والله أتمنى أن يطول بي الحديث عن الوسطية، أنا لي خطبة إذاعية عن الوسطية، شرحت مواقف دقيقة جداً، وضربت أمثلة دقيقة جداً عن موضوع الوسطية في الإسلام، والوسطية في الإسلام هي الحل الوسطي للمجتمعات البشرية شرقاً وغرباً، لذلك الذين تطرفوا نحو تقديس الفرد عادوا إلى الجماعة، والذين تطرفوا نحو تقديس الجماعة عادوا إلى الفرد، وأكدوا حريته، وأعطوه حياته الفردية، وضمنوا له كرامته وحريته وممتلكاته، إذاً هناك توسط.
يروي بعض المفسرين المعاصرين حينما قال الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾

[سورة النور: 35]

 الإسلام ليس شرقياً ولا غربياً، فمن السذاجة أن تقول: الإسلام فيه رأسمالية وديموقراطية، الإسلام إسلام، نسيج وحده، نظام إلهي من السماء، ولا ينبغي أن توازن الإسلام بأي منهج أرضي، أو منهج شرقي أو غربي.

الإسلام إسلام فقط لا يقبل الموازنة مع النظم الشرقية ولا الغربية :

 هناك من يتمسح بما جاءنا عن الشرق أو الغرب، الإسلام إسلام فقط، لا يقبل الموازنة لا مع النظم الشرقية ولا مع النظم الغربية.

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾

[سورة المائدة: 143 ]

 مثلاً: هل تصدقون في بلاد كأميركا الآن هناك جامعات ليس فيها اختلاط، لا عن دين، ولا عن عبادة لله عز وجل، ولكن وجدوا أن عدد اللقطاء في حدائق الجامعات لا يعد ولا يحصى، وأن الجامعة أصبحت بؤرة للزنا، فاضطروا إلى تأسيس جامعات للذكور فقط وللإناث فقط، أليس هذا هو التوسط؟ ترك التعليم تطرف، وأن نَزُجَ الفتاة كما خلقها الله بين الشباب، والشباب في ريعانهم، وفي أوج تألقهم، مفسدة وأية مفسدة، فدائماً بقناعتي أن كل تطرف سيعود إلى الوسط مقهوراً، أما أنت أيها المسلم فدينك وسطي، هل منعك دينك من الزواج؟ لا لم يمنعك، هل سمح لك بالزنا؟ لا لم يسمح، هذا الوسطية، المرأة مباحة لك ولكن بالزواج، هل منعك دينك من العمل؟ لا بل على العكس، هل سمح لك أن تكسب المال بطريق غير مشروعة؟ لا لم يسمح، أهل الشرق تطرفوا شرقاً، وأهل الغرب تطرفوا غرباً، والإسلام وسطي بينهما، وينبغي ألا تسمح لنفسك أن توازن بين الإسلام وما في الشرق وما في الغرب، الإسلام هو الإسلام.

القرآن الكريم منهج الله ليس شرقياً ولا غربياً :

 أحياناً من باب التوضيح يقول لك: القرآن نثر؟ لا ليس نثراً، شعر؟ لا ليس شعراً، القرآن قرآن فقط، نثر مسجع، لا تقل: القرآن نثر ولا شعر، صح أن كلام العرب شعر ونثر، ولكن القرآن ليس شعراً وليس نثراً، إنه قرآن منهج الله ليس شرقياً ولا غربياً، إنه الإسلام، هذا شيء مريح للنفس أنا أقول: لا شرقية ولا غربية ولكنها علوية من السماء، في قوله تعالى:

﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾

[سورة البقرة: 143 ]

 قال: هذه في اللغة استعارة تمثيلية حيث مثل عمن يرتد عن دينه بمن ينقلب على عقبيه، في اللغة أشياء لطيفة جداً، فالذي يرتد عن دينه كأنه انقلب على عقبيه، وقع وسقط، استعارة تمثيلية، وهي تأتي بعدَّة صور متتابعة.

كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
***

 أي شبّه غبار المعركة فوق رؤوس المقاتلين والسيوف البيضاء اللامعة الصاعدة والهابطة كأنه ليل تهاوى كواكبه، هذه استعارة تمثيلية، الذي يرتد عن دينه كأنه انقلب على عقبيه، هذه استعارة تمثيلية.

الصلاة أكبر دليل على الإيمان :

 الله عز وجل سمّى الصلاة إيماناً لأنها أكبر دليل على الإيمان، لا خير في دين لا صلاة فيه، الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، الصلاة سيدة القربات، وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات.
 أيها الأخوة، استقبال القبلة شرط من شروط الصلاة، لكن العلماء استثنوا؛ قبلة الخائف جهة أمنه، وقبلة المريض جهة راحته، وقبلة المسافر جهة دابته، تستثني أحياناً استقبال القبلة، إنسان اجتهد وتوهم القبلة نحو الشمال فصلى صلاته صحيحة، إلا أن الخلاف بين العلماء حول ما إذا كان الواجب أن نستقبل عين الكعبة أم أن نستقبل جهتها؟ الحل الوسط أنك إذا رأيت الكعبة لا بد من أن تتجه إلى عينها، لذلك في بيت الله الحرام ترون خطوط دائرية ذات لون أزرق كل إنسان يصلي في المسجد الحرام ينبغي أن يتجه إلى عين الكعبة، لذلك العلماء والقائمون على هذا البيت راعوا هذه الحقيقة فرسموا خطوطاً منحنية، أينما كنت في بيت الله الحرام يجب أن تتجه لا إلى جهة الكعبة بل إلى عين الكعبة، أما إذا كنت خارج المسجد لا ترى عين الكعبة يجزئك ويكفيك التوجه إلى جهة الكعبة، طبعاً موضوع خلافي كما قلت قبل قليل فالشافعية والحنابلة قالوا: إلا أن الواجب استقبال عين الكعبة أما الحنفية والمالكية فقالوا: استقبال جهة الكعبة.
 أيها الأخوة الكرام: يمكن أن نستنبط من هذه الآيات أن المعول عليه اتجاه القلب إلى الله عز وجل، وأن حكمة الصلاة الاتصال بالله، ويجب أن تراعي مع حكمة الصلاة أحكام الصلاة، لذلك والذين هم على صلاتهم دائمون قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

[سورة المعارج: 34 ]

 هذه أحكام الصلاة، ونرجو الله سبحانه وتعالى في درس قادم أن ننتقل إلى آية من آيات الأحكام جديدة نرجو الله سبحانه وتعالى أن نوفق في شرحها.

والحمد لله رب العالمين