الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 12 - 25 ) : رمي المحصنات كرامة الإنسان
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-10-06
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

كرامة الإنسان شيءٌ خطيرٌ جداً ومهمٌ جداً :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني عشر من دروس: "آيات الأحكام"، والآية اليوم هي قوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة النور : 4-5 ]

 أيها الأخوة الكرام، هذه الآية لو أردنا أن نفهمها فهماً موسَّعاً لعرفنا أن كرامة الإنسان شيءٌ خطيرٌ جداً ومهمٌ جداً. هذه المرأة التي قُذِفت بالزنا، أو اتُهِمَتْ في عرضها؛ وهي بريئةٌ، عفيفةٌ، حصان، هل أصابها أذىً مادياً؟ الجواب: لا، ولكن كلمة قيلت في حقها فجرحت عفَّتها، وجرحت شرفها، لذلك تجدون العقاب أليماً جداً، إذاً مجتمع المؤمنين مجتمعٌ متماسك، والإنسان يعيش بكرامته، فمعنى:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾

[ سورة النور : 4]

 أي يقذفونهنَّ بالزنا، وأصل الرمي القذف بالحجارة، واستُعير هذا المعنى وأصبح مجازياً حينما يقذف إنسانٌ امرأةً بلسانه ويتهمها بالزنا.

تعريف المحصنات :

 من هنَّ المحصنات؟ العفيفات، الطاهرات، المستقيمات، جمع محصنة، وقال تعالى:

﴿ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا ﴾

[ سورة الأنبياء: 91]

 وأصل الإحصان المنع، والحصن هو بناءٌ يمنع العدو من الوصول إلى ساكن الحصن..

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾

[ سورة النور : 4]

 شهداء جمع شاهد، الشاهد رجل أم امرأة؟ الشاهد رجل، لأن الكلمة الدقيقة:

﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾

[ سورة النور : 4]

 فالمعدود المذكَّر يأتي عدده مؤنثاً، والمعدود المؤنث يأتي عدده مذكراً..

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[ سورة النور : 4]

 تكلَّم كلمة، يُجلَد أمام الناس، تكلَّم كلمة، تهدر كرامته فلا تقبل شهادته، ثم إن هذا الإنسان مُتهم بالفسق، وحسبه تهمة زعزعت مكانته في المجتمع.

استنباطات لطيفة من الآية السابقة :

1 ـ حادثة الإفك عملية فرز دقيقة للمؤمنين :

 أولاً: هناك استنباطات لطيفة جداً من هذه الآية؛ هذه الآية نزلت عقب حديث الإفك، وقد تحدثت عنه في الدرس الماضي، تحدثت كيف أن السيدة عائشة رضي الله عنها، وهي زوج النبي عليه الصلاة والسلام، هذه المرأة الطاهرة الشريفة، كيف أن بعضاً منهم تحدَّث عنها واتهمها بالزنا، وهي بريئةٌ منه، وقد أنزل الله براءتها في كتابه الكريم، آياتٍ تتلى إلى يوم القيامة وكيف أن هذا الحادث حادث كشف خبايا الناس، الذي يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا روَّج هذا الخبر، والمؤمن الطاهر ظنَّ في نفسه خيراً فامتنع عن ترويج الخبر، وكأن هذا الحادث عملية فرز دقيقة للمؤمنين، فهذه الآيات التي قرأتها قبل قليل نزلت في حديث الإفك، وكأن حديث الإفك سبب لنزول هذه الآيات.
أما لو أن الإنسان رمى إنساناً أنه بارد، لو قال عنه: لا ينفق المال الكثير. فهذا رميٌ ولكن ليس بالزنا، هذا الرمي الذي دون الزنا لا يوجب الحد، الآية متعلقةٌ بمن يرمي امرأةً محصنةً بالزنا، قال تعالى:

﴿ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾

[ سورة النور : 4]

ما من حدث يحتاج إلى أربعة شهداء إلا الزنا :

 أجمع العلماء على أن المراد برمي المحصنات رَمْيَهُنَّ بالزنا، والدليل أن آيات الزنا تقدَّمت هذه الآية، السياق العام حديثٌ عن الزنا. امرأةٌ محصنةٌ ترميها بصفةٍ على خلاف ما هي عليها، المحصنة ما الصفة التي هي خلاف ما هي عليها؟ الزنا، زانيةٌ أو محصنة، إذاً الرمي هنا رميٌ بالزنا لامرأةٍ محصنةٍ.
 شيءٌ آخر: انعقد إجماع العلماء على أنه لا يجب الجلد بالرمي بغير الزنا، فلو أن إنساناً اتهم امرأة بأنها تقف على النافذة طوال النهار؛ تتأمَّل الرائحين والغادين، هذا لا يوجب الحد، أي اتهامٍ دون الزنا لا يوجب الحد، استنباطاً من قول الله عزَّ وجل:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

 المحصنة، الصفة المعاكسة لها هي الزنا..
 ما من حدث يحتاج إلى أربعة شهداء إلا الزنا، ما سوى الزنا يكفي شاهدين، في أكثر القضايا الحقوقية يكفي شاهدان لإثبات قضيَّة، أما في موضوع الزنا، لأنه يمس كرامة الإنسان، ويمس في المرأة أثمن ما تملك، فالمرأة الشريفة الطاهرة أثمن شيءٍ تملكه سُمعتها، وشرفها، وعفَّتها، فإذا اتهمتها بعكس ذلك فهناك شرط قوي جداً، لابدَّ من أن تأتي بأربعة شهداء يشهدون الحادثة الحقيقي. إذاً لا حدَّ برميٍ دون الزنا، والدليل: أن السياق في الآيات سياقٌ فيه حديثٌ عن الزنا.
 والدليل الثاني: أن المحصنات هنَّ العفيفات، ويقابل هذه الصفة الزانيات.
 والدليل الثالث: على أن الشهداء الأربع هؤلاء لا تُطلب شهادتهم مجتمعين إلا في جريمة الزنا.

2 ـ تخصيص النساء المحصنات إلا أن الاتهام بالزنا يوجب الحد ذكراً كان أو أنثى :

 شيءٌ ثان من لطائف التفسير: تخصيص النساء المحصنات - سؤال دقيق - لو أن إنساناً اتهم رجلاً بالزنا، هل هذا الاتهام يوجب الحد؟ الآية محصنات..

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ﴾

[ سورة النور : 4]

 لو إنسان اتهم شخصاً بالزنا هل يجب عليه الحد؟ هل يُجلد ثمانين جلدة إذا كان بريئاً؟ يُجلد ثمانين جلدة، لأن الأصل أن الإنسان كرامته لا تُجزَّأ ذكراً كان أو أنثى، لكن السياق هنا عن السيدة عائشة، بل إن المرأة أشدُّ تضرراً باتهامها بالزنا من الرجل، وأهل المرأة أشد تضرراً من أهل الشاب، إلا أن الاتهام بالزنا يوجب الحد ذكراً كان أو أنثى.

عِرْضُ الإنسان هو موطن الذم والمدح فيه :

 ولكن لنوسِّع المعنى قليلاً، ما هو عِرْضُ الإنسان؟ عرضه موطن الذم والمدح فيه أي سمعته، لو أردتم أن تفهموا هذه الآية فهماً دقيقاً جداً، أي اتهامٍ لشخصٍ كائناً من كان، يتهمه في أثمن شيءٍ يعتزُّ به هذا يوجب الحد، نحن نفهم هكذا على البديهة أن الموضوع متعلِّق بالنساء، لو اتهمت رجلاً بالزنا لوجب أن يُجلد المتهم ثمانين جلدة صوناً لكرامة الإنسان. الإنسان يعيش بالخبز والماء، يعيش بالطعام والشراب، ماذا قال السيد المسيح؟ قال: " ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ".
 الإنسان يحيا بكرامته، يحيا بعزَّته ، لذلك أي سلوكٍ من شأنه أن يجرح كرامة الإنسان هذا سلوك غير شرعي، أي ضبطٍ للأمر على حساب كرامة الإنسان هذا ضبطٌ غير شرعي..
 قال له: يا أمير المؤمنين إن أناساً اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسَّهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، قال: يا سبحان الله‍! أتستأذنني في تعذيب بشر؟ وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم إلى حلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم، وايم الله لأن يلقوا الله بخيانتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم.

المرأة كالرجل تماماً :

 أخواننا الكرام... محور الدرس هو أنه كما أنك تعيش باستنشاق الهواء، وتناول الطعام والشراب، أنت تعيش بكرامتك، جسمك يحتاج إلى الطعام والشراب، ونفسك تحتاج إلى الكرامة، لذلك إن أردت الكرامة موفورةً فاستقم على أمر الله، الاستقامة عين الكرامة.
 أول وهم عند بعض المسلمين أنك إذا اتهمت امرأةً بالزنا هذا يوجب الحد، لكنك إذا اتهمت إنساناً بالزنا، شيء ليس له حد؟ لا، المرأة كالرجل تماماً، والرجل كالمرأة تماماً، إذا اتهمت شاباً طاهراً عفيفاً أنه زان، سافر إلى بلد بعيد وزنا ماذا فعلت أنت؟ أنت ارتكبت جريمة بحق هذا الإنسان، لأنك اتهمته بأعزِّ ما يملك، لذلك تخصيص النساء في قوله:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾

[ سورة النور : 4]

 لخصوص الواقعة، لأن هذه الآية نزلت في السيدة عائشة، خصوص الواقعة، ولأن قذفهن أغلب وأشنع، ولأن إيذاء الأهل بقذفهن أشد وأكبر، وإلا فلا فرق بين الذكر والأنثى في الحُكم، لذلك قبل أن تقذف إنساناً بالزنا عُدَّ للمليون، لو أن هذا الإنسان رفع عليك قضية لوجب أن تُجْلَد ثمانين جلدة، ماذا فعلت؟ قلت: فلان يزني..

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

[الترمذي: عن أبي هريرة ]

 كلمة. قالت عن السيدة صفية: " إنها قصيرة ". قال: " يا عائشة لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَت بمياه البحر لأفسدته "

الاستقامة عين الكرامة :

 درسنا اليوم هو كما أن جسمك يحيا بالطعام والشراب، نفسك تحيا بالكرامة، والكرامة طريقها الاستقامة، الاستقامة عين الكرامة..

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

[سورة يونس: 26]

 الإنسان حينما يحسن، حينما يستقيم، حينما ينضبط، لا يجلب لنفسه الذُل ولا الهوان.
 وبعض المفسرين قدَّروا كلمة: والذين يرمون الأنفس المحصنات، الأنفس كل جمعٍ مؤنث، الأنفس ذكوراً كان أو إناثاً، فيكون اللفظ شاملاً للنساء والرجال، وقد حُكي هذا عن ابن حزمٍ، والأرجح أنه من باب التغليب.
 ما هو باب التغليب؟ باب التغليب تأتي امرأةٌ مؤمنةٌ طاهرةٌ تقرأ قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 هي امرأة، والآية موجَّهة للذكور- يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا- لم يقل الله عزَّ وجل: يا أيتها المؤمنات، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، فهل تستطيع هذه المرأة لأن الآية موجَّهة إلى الذكور ألا تتقي الله؟ لا، نقول: أية آيةٍ خوطب بها الرجال هي حكماً متعلِّقةٌ بالنساء من باب التغليب، ما التغليب؟ دخلت إلى بيت فيه مئة امرأة ورجل، أو تسعٌ وتسعون امرأةً ورجل، ماذا تقول أنت؟ تقول: دخل أشخاصٌ إلى هذا البيت، ما قلت: دخلت. بل قلت: دخل. رجل واحد مع تسعين امرأة تستخدم الفعل المذكر على باب التغليب.
 من هما الوالدان؟ الأب والأم، فهل الأب يلد؟ يقول لك: الوالد الكريم. الأب لا يلد بل الأم هي التي تلد، كيف سمينا الأب والد؟ من باب التغليب. ما القمران؟ الشمس والقمر، ما الأسودان؟ التمر واللبن، اللبن أبيض، الأسودان التمر واللبن، هذا بحث في اللغة اسمه باب التغليب، فحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾

[ سورة النور : 4]

 أي المحصنات ذكوراً وإناثاً.

3 ـ من قذف غير العفيف من الرجال والنساء لا يحدُّ حدَّ القذف :

 ولكن إنسان يتباهى بالزنا، يقول: أنا في اليوم الفلاني بالمكان الفلاني كنت مع فلانة، هذه التي ماتت، وأقامت مؤتمراً صحفياً بُثَّ على محطات الفضاء وشاهده أكثر من سبعمئة مليون وقالت: إنني في اليوم الفلاني بالمكان الفلاني زنيت مع فلان، فهذه التي صرَّحت بالزنا، وتباهت بالزنا، هل إذا قذفتها بالزنا يجب عليك الحد؟ الجواب: لا..
 المرأة المحصنة العفيفة هذه إذا اتهمتها بالزنا يجب عليك الحد، بالمقابل رجل يتباهى بمغامراته النسائية، يتباهى بانحطاطه الخُلقي، يتباهى بشذوذه. أنا لا أنسى أنني سمعت بالأخبار قبل بضعة أشهر وزير الصحة البريطاني، في مؤتمر صحفي، يحمل دكتوراه في العلوم الإنسانيَّة قال: أنا شاذ جنسياً. فإذا اتهمت هذا الإنسان، أو ذكرته بما قال عن نفسه، هل يعد هذا قذفاً؟ لا. فاللطيفة الأخيرة أن التعبير بالإحصان إشارة دقيقة إلى أن من قذف غير العفيف من الرجال والنساء، لا يحدُّ حدَّ القذف، هذا الفاسق والفاجر لا غيبة له.

(( اذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس))

[ الجامع الصغير: عن " بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ]

 طبعاً حدّ القذف للمؤمنين، للمحصنين، للأتقياء، للعفيفين، لمن تهمه كرامته.

حكم الله لقاذف المحصنة :

 حكم الله لقاذف المحصنة، الجلد بثمانين جلدة، إهدار كرامته الإنسانية برد شهادته، تفسيقه بجعله في زمرة الفاسقين، لذلك ورد في الأثر أن:

(( قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة))

 أي قبل أن تتحدث عن فلانة، وأنها ليست مستقيمة، والله أعلم أين تذهب؟ والله أعلم من يأتي إلى بيتها؟ قبل أن تقول كلاماً لست متأكداً منه عُدَّ للمئات، عُدَّ للألوف لأن هناك حساب شديد:

(( قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة))

قذف المحصنات عمل خطير لا تكفيه التوبة :

 الآن هناك نقطة دقيقة جداً، الآية الكريمة:

﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

[ سورة النور : 4]

 هل انتهى؟ إنسان قذف محصنة، حُكِم عليه بالإعدام، إلى جهنم وبئس المصير؟ لا يوجد أمل؟ قال:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة النور : 5 ]

 لأن هذا العمل جريمة كبيرة جداً لا تكفيه التوبة، الآن لو عندك موظف سرق، قال لك: تبت. هل تقبل توبته؟ لابدَّ من تجريب إلى فترة طويلة جداً، حتى يبدو صلاحه، أو حتى تتأكَّد من صلاحه، ولأن هذا العمل جريمة كبيرة جداً لا تكفيه التوبة..

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا ﴾

[ سورة النور : 5 ]

 أي صلح حالهم، أو رمَّموا هذا الخطأ، إما استسمحوا، أو فعلوا شيئاً يرمِّم هذا الخطأ.

حاجة القذف إلى أربعة شهداء يشهدون عندئذٍ يوجب الحد :

 هناك آيات أخرى قال تعالى:

﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ ﴾

[ سورة البقرة: 282]

 أما هنا:

﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾

[ سورة الطلاق: 2]

 هنا لأنها جريمة خطيرة، أي شاهدٍ يكفي من دون قيد، أربعة شهداء يشهدون عندئذٍ يوجب الحد، هذه الشهادات توجب الحد.

أنواع الوحي :

 أيها الأخوة... ما معنى الإحصان في اللغة؟ - الآن دخلنا في موضوع لطيف -كنت أضرب عليه مثلاً قديماً: أن كلمة وحي لها في القرآن معانٍ عديدة..

﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا*وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا*وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا*يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا*بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾

[ سورة الزلزلة: 1-5]

 هذا وحيٌ للجماد، أي أمر، و..

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي ﴾

[ سورة النحل: 68]

 هذا وحي غريزة..

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾

[ سورة القصص: 7]

 هذا وحي إلهام، و..

﴿ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ ﴾

[ سورة يوسف: : 3]

 هذا وحي رسالة، صار هناك وحي أمر، وحي غريزة، وحي إلهام، وحي رسالة. الوحي للجمادات أمر، الوحي للحيوانات غريزة، الوحي للإنسان العادي إلهام، الوحي للأنبياء رسالة.

معنى الإحصان في اللغة :

1 ـ العفة :

 الإحصان، هل وردت هذه الكلمة بمعنى واحد؟ لا، السياق يختلف، من معاني الإحصان العفة، قال تعالى:

﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا ﴾

[ سورة المائدة: 5]

 بمعنى العفيفات.

2 ـ الحرة :

 من معاني الإحصان الحرة..

﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ ﴾

[ سورة النساء: 25]

 أي الجارية، الأمة إن أتت بفاحشةٍ فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب، المحصنات النساء الحرائر. إذاً أول معنى العفيفة، الثاني الحرَّة.

3 ـ المتزوجات :

 وفي قوله تعالى:

﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 23]

 إلى قوله:

﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ ﴾

[ سورة النساء: 24]

 أي المتزوجات، أية امرأةٍ تسمىَّ محصنة بمعنى أنها متزوجة فقط، وقد تكون غير مستقيمة، أي أنه إذا جاء السياق بموضوع الزواج أي متزوجة.

4 ـ إنسان محصن أي مؤمن :

 أما الحديث الدقيق الذي ورد في بعض الكتب يقول عليه الصلاة والسلام:

((من أشرك بالله فليس بمحصَن))

[ الموطأ عن ابن عمر]

 إنسان محصن، أي مؤمن، أي أن هناك منهج يسير عليه، هناك قيود يتقيَّد بها، هناك قيَم يؤمن بها، هناك منهج، هناك دستور، بحياته نعم ولا، بحياته يجوز ولا يجوز، بحياته ينبغي ولا ينبغي، بحياته حلال وحرام، بحياته حق وباطل، بحياته جنة ونار، المسلم محصن وغير المسلم متفلِّت، يقول عليه الصلاة والسلام:

((من أشرك بالله فليس بمحصَن))

[ الموطأ عن ابن عمر]

شروط للقذف و القاذف و المقذوف :

 كيف يقام الحد؟ نحن في درس فقه، وأعلى مستويات الفقه أن تستنبط الأحكام الشرعيَّة من آيات الله الكريمة، فنحن إن أردنا أن نطبق حكم القذف؛ أن يُجلَد القاذف ثمانين جلدة، هل هناك شروط للقذف؟ قال: هناك شروط للقاذف، وشروط في المقذوف، وشروط في القذف نفسه.
 القاذف يجب أن يكون عاقلاً، لأنه إذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب، وينبغي أن يكون بالغاً، لأن الطفل إذا قذف ليس مكلَّفاً، طبعاً يؤدَّب لكن لا يقام عليه الحد لأنه ليس في مستوى تطبيق التكاليف، والاختيار، من كان مكرهاً لا يجب عليه الحد، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ))

[ ابن ماجة عن ابن عباس ]

 فالاختيار، والبلوغ، والعقل، هذه شروط تجعل القاذف محلاً لإيقاع عقوبة القذف وهي جلده ثمانين جلدة.
 - الحكم الثالث: الشروط التي ينبغي توافرها في المقذوف..
 يتناول جميع العفائف حُرَّةً كانت أم رقيقة، إلا أن الفقهاء شرطوا في المقذوف خمسة شروط: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والعفَّة عن الزنا. إن توافرت هذه في المقذوف وقذفه قاذف، استحقَّ حدَّ القذف وهو جلده ثمانين جلدة. إلا أن العلماء وقفوا عند قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((من أشرك بالله فليس بمحصَن))

[ الموطأ عن ابن عمر]

 إنسان كافر، إنسان فاجر، إنسان فاسق، مثل هذا الإنسان لا يتورَّع عن الزنا، لذلك لا يقام حد القذف على غير المسلم، أو لا يقام حد القذف على من قذف غير مسلمٍ لأن غير المسلم مظنة التفلُّت من القيم والمنهج.

الفرصة التي منحها الله للمذنبين :

 أيها الأخوة الكرام... مرةً ثانية أريد أن أقف عند الفرصة التي منحها الله للمذنبين. لو قرأت القرآن كلَّه تجد أنه ما من آيةٍ فيها وعيدٌ إلا بعدها آيات فتح باب التوبة، الله عزَّ وجل يحب التوابين، فحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة النور: 5]

 معنى ذلك ما هو أكبر ذنبٍ على الإطلاق؟ ما هو الذنب الذي لا يُغفر؟ هو الشرك، وقد أجمع العلماء على أن كل الآيات التي تشير إلى أن هذا الذنب لا يغفر، حيث قال الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾

[سورة النساء: 84]

 ما لم يتُب، فإذا تاب غُفِر له شركه، الحديث أن الله لا يغفر إذا مات الإنسان على هذه الحالة، أما إذا تاب فانتهى الأمر.
 أنا قرأت عن سيدنا عمر رضي الله عنه، أن رجلاً جاءه واستفتاه في قضية فقال: لي أختٌ زنت وأقيم عليها الحد وتابت، وجاء الآن من يخطبها، أأذكر له ما كان منها؟ ". فقال له: والله لو ذكرت له ما كان منها لأوجعتك ". وفي رواية: " لقتلتك ". معنى ذلك أن الإنسان إذا تاب تاب الله عليه..
 " وإذا تاب العبد توبةً نصوح أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ".
 ولا يعرف طعم التوبة إلا من تاب، طعم التوبة رائعٌ جداً، الله عزَّ وجل يشعرك أنه تاب عليك، الله عزَّ وجل يملأ قلبك طمأنينةً، يملأ قلبك حبوراً إذا تبت إلى الله توبة نصوحَة، والإنسان ينبغي أن يتوب من قريب لا من بعيد، أي إذا طال عليه الأمد قسا قلبه فأصبح طريق التوبة صعباً، وكل إنسان يتوهَّم أن القضية سهلة أنا أرتكب هذا الذنب ثم أتوب، إذا انطلق من هذا المنطلق لن يستطيع أن يتوب، الإنسان يجد أهون توبة أول مرة، أول توبة سهلة جداً، أما حينما تتكرَّر الذنوب فتصبح التوبة عسيرةً وصعبةً، ويشعر المذنب أن بينه وبين الله حُجُباً كثيفة.

أي ذنبٍ مهما كان كبيراً معه فُتِحَ باب التوبة :

 لذلك:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة النور: 5]

 معنى وطِّن نفسك أي ذنبٍ مهما كان كبيراً معه فُتِحَ باب التوبة:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر: 53 ]

 بل إن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن، بل..

(( لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد ))

[الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة... مرة ثانية:

((لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))

[ أحمد عن أنس بن مالك]

 و..:

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

اللعن من أشد أنواع الوعيد الذي يتوعَّد الله به العصاة :

 الكفر كلمة أساساً، وهدم بيتٍ زوجيٍ بكلمة، وهدر كرامة إنسان بكلمة، والإيقاع بين شخصين بكلمة، وتسبب بفسادٍ عريض بكلمة، فالإنسان قبل أن يتكلَّم يجب أن يعُد أعداداً كبيرةً جداً حتى لا يحاسب على كلامه، و.. " من عدّ كلامه من عمله فقد نجا ". والآية الكريمة:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا ﴾

[ سورة النور : 23]

 واللعن من أشد أنواع الوعيد الذي يتوعَّد الله به العصاة، إن شاء الله هذا الموضوع يحتاج إلى تتمة، وإلى توسيع في موضوع أن القاذف إذا قذف إنساناً، وهذا الإنسان تاب توبة نصوح، أو القاذف إذا تاب هل يقام عليه الحد؟ هناك عدة أسئلة إن شاء الله نجيب عنها في الدرس القادم، على أساس أن هذا الموضوع أكثر الناس في مجالسهم يتكلَّمون بكلام غير مسؤول، يتهمون، ويوزعون ألقاب العفة وغير العفة، على الرجال والنساء، فلابدَّ من معرفة الأحكام الدقيقة المتعلّقة في موضوع القذف، والقذف يعد جريمة في منهج الله عزَّ وجل، صوناً لكرامة الناس، ولحقوقهم الأدبيَّة، ولعزَّتهم التي يحيون بها.

والحمد لله رب العالمين