الفقه الإسلامي - أحكام فقهية عامة - آيات الأحكام - الدرس ( 16 - 25 ) : آية الرضاع ، الآية 223 سورة البقرة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-12-15
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

آية الرّضاع :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس عشر من: "آيات الأحكام" والآية اليوم آية الرضاع قال الله تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

 الوالدات جمع والدة، والوالدان جمع والد، لكن التي تلد هي المرأة، فلم سمي زوجها والداً؟ قال بعض العلماء: روعي في إطلاق كلمة والد على الأب أنه وزوجته أصلٌ في إنجاب المولود، فالوالدان الأب والأم، هذا اسمه في اللغة التغليب، الشمسان الشمس والقمر، القمران الشمس والقمر، الأسودان التمر واللبن، في اللغة العربية طريقة اسمها التغليب، لو دخل تسع وتسعون امرأة ورجل نقول: دخل الرجال، لو دخل تسع وتسعون طالبة و طالب نقول: تسع وتسعون طالب وطالبة، فالوالدان يعني الوالد والوالدة، أي الرجل والمرأة، الأب والأم،

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾

 الحولين: السنتين، من حال الشيء إذ انقلب، والحول كما قال الراغب في كتابه (كلمات القرآن): السنة اعتبارها بانقلابها، ودوران الشمس في مطالعها ومغاربها،

﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا﴾

 أي فطاماً، عن تشاور عن استشارة واتفاق

﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾

 أن تطلبوا الإرضاع.

في الآيات السابقة لطائف بلاغية منها :

1 ـ إن جاء الأمر على صيغة الخبر فهو أكثر تأثيراً :

 أيها الأخوة: في هذه الآيات لطائف بلاغية، وأحكام فقهية، فاللطيفة البلاغية الأولى أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾

 هذه صياغة خبرية، لكن هذه الصياغة تفيد الأمر، أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن، قال العلماء: إن جاء الأمر على صيغة الخبر فهو أكثر تأثيراً، أي شأن الوالدة أنها ترضع وليدها، ولا تسمى الوالدة والدة إن استنكفت عن إرضاع ولدها، فهذا أمر جاء على صيغة الخبر،

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾

 أي يا أيتها الوالدات أرضعن أولادكن حولين كاملين، هذه الآية يشبهها ومن دخله كان آمناً، أي يا أيها المؤمنون اجعلوه آمناً أمراً تكليفياً وليس أمراً تكوينياً، هناك آية ثالثة مشابهة:

﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾

[ سورة النور: 26 ]

 أي اجعلوا الطيبين للطيبات، واجعلوا الطيبات للطيبين، هذا أمر تكليفي وليس أمراً تكوينياً، لو أنك فهمت الآية على أنها أمر تكويني لوجدت زوجاً صالحاً عنده زوجة شريرة، فإذا كان الأمر تكوينياً فهذا الشيء مستحيل أن يكون، لو أن الأمر تكويني كيف تنشأ فتنة في بيت الله الحرام وتنشأ ضحيتها مئات الألوف قبل عدة أعوام؟ ومن دخله كان آمناً! أي اجعلوه آمناً، واحرصوا أن يكون الطيبات للطيبين، والوالدات يرضعن أولادهن، أي أرضعن أولادكم، هذه نماذج، الطيبون للطيبات، ومن دخله كان آمناً، والوالدات يرضعن أولادهن، الصياغة خبرية، أي أمر تكويني، أما الحقيقة فالأمر إنشائي، أمر تكليفي، أرضعن أولادكن وينبغي أن يكون الطيبون للطيبات، واحرصوا على أن يكون بيت الله الحرام آمناً، هذا هو المعنى.

2 ـ الشيء الكامل في الرضاعة هو أن يرضع الابن من ثدي أمه حولين كاملين :

 اللطيفة الثانية في هذه الآية قال تعالى:

﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

 أن الله عز وجل قال:

﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

 لما قال الله عز وجل وعلى المولود له؟ المرأة هي التي تنجب، هي التي تلد، ولكن الولد ينسب لأبيه، استنباطاً من قوله تعالى:

﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

 الشيء الكامل في الرضاعة هو أن يرضع الابن من ثدي أمه حولين كاملين، لكن للتأكيد على أن يبقى على ثدي أمه حولين كاملين، جاءت كلمة كاملين هذا من باب التأكيد.
 بالمناسبة أخ كريم أمضى في أميركا ثلاثين عاماً وهو يحمل أعلى شهادة في الطب، قرأ دراسة جادة، عميقة، دقيقة، حول حليب الأم، ووجد أن حليب الأم له أثر كبير وخطير في نمو الدماغ، وفي القدرات العقلية، وقد أجريت تجارب للذكاء في أكثر شعوب العالم، فكانت دولة من دول المحيط الهادي إحدى جزر الباسفيك نتائج امتحان أطفالها كان في المقام الأول، وأميركا كان ترتيبها في الدرجة السابعة عشرة من حيث ذكاء الأطفال، الشيء الذي لا يصدق أن هذه الجزيرة ليس فيها إرضاع صناعي إطلاقاً، الأطفال جميعاً يرضعون من أثداء أمهاتهم، الآن حليب الأم له أثر خطير في نمو الذكاء عند الطفل.

حليب الأم له أثر خطير في نمو الذكاء عند الطفل :

 المقام لا يسمح بالتفاصيل لكن بعض اللقطات: حليب الأم يتبدل في أثناء الرضعة الواحدة، وهذا فوق طاقة البشر، لو فحصنا نسب الدسم إلى الماء في أول الرضاع أي المصة الأولى وحللنا نسب الدسم إلى الماء مع المقارنة بالمصة الأخيرة لوجدنا اختلافاً، عشرون بالمئة الماء يزيد عن الدسم في نهاية الرضعة، عشرون بالمئة الدسم يزيد عن الماء في بداية الرضعة، هل بإمكان إنسان مهما علا شأنه ومهما دق علمه ومهما تملك من أدوات التحليل أن يغير تركيب الحليب في أثناء الرضعة الواحدة؟ حليب الأم فيه مناعة الأم، فكل ما في دمها من مناعات ومن طاقات ينتقل إلى وليدها، حليب الأم يهضم في غضون أقل من ساعة، بينما حليب القوارير يحتاج إلى ثلاث ساعات، حليب الأم يؤخذ معقماً، ولا يحتاج للتعقيم، ويكون بارداً في الصيف ودافئاً في الشتاء، جاهزية قصوى، حليب الأم فيه مواد تمنع التصاق الجراثيم على الأمعاء، حليب الأم في أوله فيه مادة مذيبة، الطفل الصغير بعد ولادته لئلا تلتصق الأمعاء بعضها ببعض هناك مادة شحمية سوداء تملأ الأمعاء أثناء الولادة، ففي أكثر من عشرين ساعة ثدي الأم يفرز مادة صمغية تذيب الشحم الأسود من أجل أن يكون الطريق سالكاً، هذا كله من تقدير الله عز وجل، جميع معامل حليب الأطفال في العالم ملزمة أن تكتب على عبواتها: لا شيء يعادل حليب الأم، مهما رأيت في الأسواق من علب حليب للأطفال، ومهما قرأت على لصاقاتها من نسب، ومقادير، وتعليلات، ومن توافقات، لا شيء يعدل حليب الأم، وأحد أسباب سرطان الثدي عند النساء امتناع المرأة عن الإرضاع، حليب الأم شيء لا يصدق من مكوناته، وخصائصه، وتعقيمه، وجاهزيته، وحرارته، ومناعة الأم، ومضادات الجراثيم الذي يحويها، وأكثر الأولاد الذين يرضعون إرضاعاً صناعياً يصابون بإنتانات معوية، وهو من أكثر أمراض الأطفال، فلذلك المؤمن يطبق منهج الله عز وجل ، ولاسيما في هذا التصميم الرائع أن الطفل يجب أن يرضع من ثدي أمه:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

 كثيرات جداً النساء اللواتي من أجل الحفاظ على شبابهن يمتنعن عن إرضاع أولادهن، هؤلاء النسوة معرضات أكثر من غيرهن إلى سرطان الثدي، كأنه عقاب لأنها امتنعت عن تغذية طفلها بحليبها، بالمناسبة هذا الحليب حساس جداً فالهزات النفسية والشدة النفسية التي تصيب الأم قد تفقدها حليبها، لذلك الزوج الشاب إذا أنجبت له زوجته ينبغي أن يحيطها بكل رعاية، وبكل عناية، واسترخاء، حفاظاً على هذا الحليب الذي لا يقدر بثمن، والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة.

3 ـ العداوة بين الزوجين لا ينبغي أن تكون سبباً لإيذاء المولود البريء :

 اللطيفة الثالثة:

﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

 أحياناً إذا حصل فراق بين الزوجين، ويوجد طفل رضيع، المرأة المطلقة تمتنع عن إرضاع ابنها كيداً لزوجها، والزوج أحياناً يأخذ ابن امرأته المطلقة من بين يديها ليؤلمها، فهذا لا يجوز:

﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

 تطلق المرأة ويأتيها خاطب جديد، والخاطب لا يقبل الولد فينبغي على الزوج المطلق ألا يؤذي زوجته التي خطبت وتزوجت بإلزامها أن ترضع هذا الولد، وإذا تعلقت به تعلقاً شديداً لا ينبغي للزوج أن يحرمها منه، وإذا أرادت أن تغيظ زوجها بأن تدع له هذا الطفل الرضيع وليس في إمكانه أن يرضعه فقد عصت ربها، إنها آية دقيقة.
 فالعداوة بين الزوجين لا ينبغي أن تكون سبباً لإيذاء المولود البريء لكن قبل أن تطلق عد للمليون، بالحقيقة الطلاق أبغض الحلال إلى الله لأن كسر المرأة طلاقها، كيف أن عقد الزواج أقدس عقد، أما الفصل بين الزوجين فله آثار سلبية جداً على الأولاد، فالابن يتمزق، هذه أمه وهذا أبيه، فإذا انحاز إلى أمه غضب أبوه وبالعكس، فالمعلمون يعرفون هذه الحقيقة، تجد طفلاً غير متوازن، شرساً، عنيفاً، مهملاً، مقصراً، لو بحثت في أمره لوجدت أمه مطلقة، فاقد الحنان، فاقد الركن الركين، فتربية الأولاد مسؤولية كبيرة، وأتمنى من كل زوجين إن أنجبا ولداً واحداً أن يضعا حظوظهما تحت أقدامهما من أجل أولادهما، الأب الراقي الذي يرجو الله والدار الآخرة لو حصل مشكلة مع زوجته مادام هناك أولاد فمن الجريمة أن تحقق مصالحك على حساب أولادك، امرأة كانت أو رجلاً.

4 ـ الولد أضيف مرة للأب ومرة للأم ليستعطف الله قلبهما :

 قال بعض العلماء: إضافة الولد إلى كل منهما:

﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

 هذا الولد أضيف مرة للأب ومرة للأم، قال: ليستعطف قلبهما، فهذا الطفل طفلكما أنتما الاثنان، فلا ينبغي من أجل عداوة بينكما أن تسحقاه.

5 ـ الالتفات في سياق الكلام يعطي الكلام حيوية ونشاطاً :

 واللطيفة الخامسة في قوله تعالى:

﴿ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

 التفات من الغيبة إلى الخطاب، كلكم يعلم أن في اللغة ثلاثة أساليب: أسلوب الغائب والمتكلم والمخاطب، القرآن الكريم فيه أسلوب اسمه الالتفات الحديث والوالدات غائب،

﴿ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 كل هذا الكلام غائب فجأة،

﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ﴾

 أصبح الكلام خطاباً، الالتفات في سياق الكلام يعطي الكلام حيوية ونشاطاً، الكلام على أسلوب الغائب فجأة على أسلوب المخاطب، الأحكام الشرعية: من هم هؤلاء الوالدات اللواتي ينبغي أن يرضعن أولادهن حولين كاملين؟ هم النساء المطلقات أم الزوجات؟ العلماء قالوا: هن المطلقات، ودليل هؤلاء بأن النفقة واجبة على الزوج المطلق،

﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 فهذه النفقة الواجبة تكون عند الطلاق، أما في أثناء بيت الزوجية فمن الطبيعي أن ينفق على زوجته وهي ترضع ابنها، فسياق الآيات رأى بعض العلماء أنها تعني المطلقات، وقال بعضهم: إنها تعني الزوجات، والدليل أن المرأة التي ترضع ابنها بعد طلاقها ليس على زوجها الكسوة لها عليه النفقة فقط، فالكسوة تعني أنها عنده، أما الرأي الثالث وهو الأرجح أن المراد بالوالدات العموم، جميع الوالدات سواءً كن متزوجات مع أزواجهن أو مطلقات، فأية أم لها طفل في سن الرضاع زوجة كانت أو مطلقة عليها أن ترضع ابنها.

قضية إلزام المرأة بإرضاع ابنها :

 الآن قضية إلزام المرأة بإرضاع ابنها قال بعض العلماء: أنه على الأم إرضاع ولدها لظاهر قوله تعالى:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾

 فهو أمر في سورة الخبر هذا مذهب مالك، الرضاع واجب على الأم في حال الزوجية وهو حق عليها، أو إذا لم يقبل الصبي ثدي غيرها، سيدنا موسى قال: وحرمنا عليه المراضع قال العلماء: تحريم منع لا تحريم تكليف، من أجل أن يعيد أمه إليه حرم عليه كل المراضع، وجاءت أخته تراقبه عن بعد وقد أشارت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن، لذلك قالوا: هناك أمران ونهيان وبشارتان،

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾

 أمران،

﴿ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي﴾

 نهيان، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ﴾

بشارتان، قال: المرأة إذا كانت عند زوجها يجب عليها في المذهب المالكي أن ترضع ولدها، وهناك حالة ثانية: إذا لم يقبل الصبي ثدي غير أمه فيجب على أمه أن ترضعه وجوباً، ولو كانت مطلقة أو إذا فقد الأب، أما المطلقة طلاق بينونة فلا رضاع عليها، والرضاع على الزوج، امرأة طلقت طلاقاً باتاً بينونة كبرى، ليس عليها وجوباً الإرضاع، أما جوازاً فيجوز أن ترضع، فعليه أن يستأجر مرضعة اسمها ظئر إلا أن تشاء هي إرضاعه فهي أحق بذلك، ولها أجرة المثل بمذهب الإمام مالك يجب على الأم إرضاع ولدها إن كانت عند الأب أو امتنع ابنها عن التقام أي ثدي آخر، أو كان الأب مفقوداً، أما إذا طلقت المرأة طلاقاً بائناً فليس عليها الإرضاع وجوباً ولكن على الزوج أن يؤمن مرضعة، فإن طلبت الأم أن ترضع ابنها فهي أولى به، ولكن لها نفقة وأجر المثل. أما جمهور الفقهاء فقد ذهبوا إلى أن هذا الأمر أمر ندب كقوله تعالى:

﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ﴾

[ سورة النور: 32 ]

 فعل أمر، وكلكم يعلم أن هناك أمر وجوب:

﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾

 هناك أمر ندب:

﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾

 وهناك أمر تهديد:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

 وهناك أمر إباحة:

﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾

 الجمهور قال: هذا أمر ندب، الدليل عند الجمهور أن الله عز وجل قال:

﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾

[ سورة الطلاق: 6 ]

 الله عز وجل ألم يكن يعلم أنه سيكون هناك حليباً مجففاً للأطفال وقوارير خاصة؟ ما هذه الآيات مادام العالم كله يرضع إرضاعاً صناعياً؟ فلم هذه الأحكام؟ هنا الاستنباط الخطير لا يجوز أن يرضع الطفل إلا من ثدي أمه أو امرأة أخرى لأن البوم شاسع جداً بين حليب الأم أو المرضعة وبين القوارير، فحليب البقر فيه مواد بروتينية خمسة أمثال ما يحتمل جهاز الطفل الهضمي، لذلك هناك آفات قلبية ووعائية، تنشأ مع هذا الطفل حينما يكبر بسبب الإرضاع الصناعي، فالله عز وجل يعلم السر وأخفى وما سيكون، الآن العالم كله حليب قوارير وخفيفة الوزن ومعقمة وكل شيء جاهز.

أي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به :

 لم يقول الله عز وجل؟

﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾

[ سورة الطلاق: 6 ]

 معنى ذلك في أي وقت لابد أن يرضع الابن من امرأة، أمه أو مرضعة، الآن موضوع الإرضاع يحرم كما يحرم النسب، أي نسب يحرم؟ قال الجمهور: إن الرضاع التي يتعلق به حكم التحريم ويجري به مجرى النسب بقوله عليه الصلاة والسلام:

((يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب))

[متفق عليه عن عروة بن الزبير]

 فأي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به، رجل عمره ثمانون عاماً يقول: أنا يتيم، اليتيم من كان دون الحلم، وأي إرضاع بعد الحولين لا يعتد به، الإرضاع الذي يحرم والذي يجري مجرى النسب، والذي ينطبق عليه قول النبي عليه الصلاة والسلام هو:

((....ما كان في الحولين))

[ الدار قطني عن ابن عباس]

 وتستدل بقوله عز وجل:

﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾

[ سورة الطلاق: 6 ]

 واستدلوا أيضاً بما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((لا رضاع إلا ما كان في الحولين))

[ الدار قطني عن ابن عباس]

 أبو حنيفة رحمه الله تعالى ذهب إلى أن مدة الرضاع المحرم سنتان ونصف، بقول الله عز وجل:

﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾

[ سورة الأحقاف: 15]

الصفات الخاصة بالنساء لا تؤنث بل تذكر :

 الحكم الرابع: كيف تقدر نفقة المرضع؟ ملاحظة الصفات الخاصة بالنساء لا تؤنث بل تذكر، تقول: امرأة طالق، وامرأة مرضع، وامرأة ثيب، وامرأة بكر، وامرأة حائض، كلها صفات مذكرة، لأن التأنيث والتذكير نحتاجه إذا كان هناك صفة يشترك بها النساء والرجال نقول: عامل وعاملة، معلم ومعلمة....أما امرأة طالق فلا يوجد رجل مطلق، امرأة حائض، ثيب، بكر،...إلا أن هناك لفتة بلاغية: لو قلت: امرأة حاملة، أو قلت: امرأة حامل،هل بينهما فرق؟ أيهما أصح؟ إذا قلنا: حاملة على ظهرها، أما حامل ففي بطنها، فالحمل على الظهر قاسم مشترك بين الذكور والإناث، وهذا يسهل التفريق، امرأة مرضعة، وامرأة مرضع، يوجد كلمة مرضعة:

﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ*يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

[ سورة الحج: 1-2]

 المرأة المرضعة هي امرأة تضع ولدها على صدرها، لأن الرجل أيضاً بإمكانه أن يضع طفلاً على صدره، أما المرأة المرضع فهي المرأة التي في طور الإرضاع، قد تكون هي في الشام وابنها في بيروت، بعد قليل تسافر إلى بيروت كي ترضعه، وهي في الشام اسمها امرأة مرضع، هي في طور الإرضاع، أما إذا وضعت ابنها على صدرها فصارت مرضعةً، فالآية الكريمة:

﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾

 وابنها على صدرها وهي في طور الإرضاع تلقيه من شدة الخوف، والله سمعت عن أسرة من بعض البلاد وقع زلزال ومن شدة الخوف حملت الكيس فيه أحذية مكان ابنها، وخرجت مسرعة وكل ظنها أنه ابنها، هذه القصة ذكرتني بهذه الآية ولما أصبحت في عرض الطريق تذكرت أن ابنها في البيت:

﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

[ سورة الحج: 2]

نفقة المرضع تكون على قدرة حال الأب من السعة والضيق :

 قال: النفقة تكون على قدرة حال الأب، من السعة والضيق لقوله تعالى:

﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

 وقد دلّ على هذا أيضاً قوله تعالى:

﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ﴾

[ سورة الطلاق: 7 ]

 والنفقة على الأب وجوباً، لقوله تعالى:

﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

[ سورة البقرة: 233 ]

ملخص للأحكام المستنبطة من الآيات السابقة :

 ملخص الأحكام: أن الأم أحق بإرضاع ولدها في الحولين، وأنه ليس للأب أن يسترضع له غيرها إذا رضيت بأن ترضعه.
 الحكم الثاني: أن الذي يلزم الأب في فترة الرضاع إنما هو عامان،

﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾

 تفسيرات كثيرة أوجهها: أن الذي يرث هذا الطفل هو المكلف بالإنفاق عليه، لقاعدة أصولية "الغرم بالغنم"، أحياناً طفل يولد قد يرث ملايين، فإذا مات بعد ساعة تنتقل هذه الملايين إلى ورثته، إخوته الكبار أحياناً أو أمه أو أبوه،

﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾

 الغرم بالغنم، الذي يرث هذا الغلام هو مكلف في إرضاعه، بعضهم قال: المراد بالوارث هو وارث الأب، وبعضهم قال: المراد بالوارث هو الباقي، من والي الولد بعد وفاة الآخر؟ أقرباء الأم أو أقرباء الأب، هؤلاء هم الورثة، أما أرجح الأقوال فوارث الطفل هو المكلف على إرضاعه، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون واضح لديكم أن الله عز وجل لا يغيب عنه شيء حينما قال:

﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾

[ سورة الطلاق: 6 ]

 فلابد بمنهج الله، وبعلم الله، ولسلامة الطفل، ولسلامة الأم من أن ترضعه امرأة، أماً كانت أو مرضعة، أما الإرضاع الذي يفعله معظم الناس اليوم فهذا له مضاعفات، والذي قرأته بمصادر موثوقة أنه يسبب آفات وعائية قلبية في المستقبل، ويضعف القدرات العقلية، حدثني طبيب أن جزيرة في بريطانية ولنفرض فيها خمسة آلاف، فحص أهل الجزيرة واحداً واحداً من حيث الضغط، فكان الجميع بخير، السبب هؤلاء لا يأكلون الملح والإنسان يأخذ حاجته من الملح من التفاحة، إذا أراد الجسم يأخذ حاجته من الملح من أي شيء يأكله، أكثر الأغذية فيها كلور الصوديوم، أما استعمال الملح بشكل كثيف فهذه عادة غذائية سيئة، وكلما تقدم العلم تجده يقترب من المنهج الإلهي، ومن أصل الفطرة، وأكمل الكمال أن تكون وفق الفطرة، فهذا درس للشباب إذا تزوجتم إن شاء الله لا تفكر إطلاقاً إلا بالإرضاع الطبيعي، وهيئ للزوجة الجو المريح، والحالة النفسية المريحة، لأن هناك انعكاسات سلبية على المرضع، هذه بعض الحكم من ذلك.

التربية تبدأ والطفل في بطن أمه :

 حينما كنا في الجامعة حدثنا أستاذ الصحة النفسية قال: هناك تجارب أجريت لو أن أُماً أرضعت ولدها بقسوة، هناك تجارب تحتاج بعض الوقت فالطلاب يتابعون البحث لمدة ثلاثة أعوام، وهناك فريق عمل آخر يتابعه لبعد سنوات محددة، ففي تجارب أجريت على أطفال أرضعوا بعنف، وأطفال أرضعوا برقة وحنان، فكان هذا واضح في سلوكهم المستقبلي، الطفل العنيف مربى تربية قاسية، ومحروم من الرحمة والعطف من قلب كبير، لذلك حتى الإرضاع الأم ترضع ابنها، بين أن ترضعه بحنان وبترميم وبرحمة وتضمه وتقبله كثيراً، والآن من أغرب ما قرأت هناك كتاب يبحث في علم نفس الجنين: أن الأم إذا كانت نادمة على هذا الحمل يعذبها الطفل في بطنها كثيراً، وأن الأم المدخنة يتأثر جنينها كثيراً بالدخان، وقد نسيت من هذا الكتاب ما قرأته، لكن يوجد به شيء عجيب: بل إن الأم التي تقرأ القرآن يسكن جنينها، فالتربية تبدأ والطفل في بطن أمه، إذا وجد الفرح بهذا المولود فهذا ينعكس عليه، تراه حملاً خفيفاً، الله عز وجل قال:

﴿ حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا ﴾

 وهناك حمل ثقيل جداً ومتعب لا تنام أمه الليل، إذا كانت كارهة لهذا المولود، هذا الجنين يتعبها كثيراً، فعندما نستقبل المولود كأنه هدية من الله عز وجل، الأم والأب سعيدا،ن هذا يهيئ جواً نفسياً للمولود وهو في بطن أمه، الصلاة والتلاوة تنعكسان على الجنين، الدخان والشدة النفسية تنعكس على الجنين، وهناك أبحاث كثيرة جداً لا أذكرها كلها، أنا قرأت عن طفل ليس له دماغ دماغه سائل، أي الإدراك معدوم تماماً، عاش شهراً أو شهرين، يبكي بكاء مراً فإذا دخلت أمه عليه سكت، هذا الطفل لا يدرك ما حوله فكيف لا نعرف؟ أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لتحقيق الفطرة، فالإنسان أحياناً يطبق منهج الله عز وجل ينعكس هذا على أسرته سعادة وتوفيقاً وطمأنينة.

والحمد لله رب العالمين