موضوعات إسلامية - موضوعات متفرقة - المحاضرة 030: الوقت
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-03-26
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الوقت :

 أيها الأخوة الكرام... لا أبالغ إذا قلت لكم: إن أخطر موضوعٍ في حياة الإنسان موضوع الوقت ، لأن الإنسان وقت، معظم الناس يقضون أوقاتهم لغير ما خلقوا من أجله، أي يضيعون أوقاتهم، ويفرحون بمضيّ هذه الأوقات، مع أن هذا المضيّ يستهلكهم، وسوف تكون هذه الأوقات الضائعة حسرةً عليهم يوم القيامة.
 الوقت وعاء عملك، مَن استهلك وقته استهلاكاً استثمارياً سعد إلى أبد الآبدين، ومَن أتلف وقته، أو ضيّع وقته، أو صرف وقته لغير ما خلق له شقي في الدنيا والآخرة.
 القاعدة الأولى: أنت حينما تعرف قيمة المال، ماذا تفعل ؟ تحافظ عليه، وتسعى إلى أن تنتفع منه، وحينما تعرف قيمة الوقت أيضاً تحافظ عليه، ولا تضيِّع ساعةً بلا طائل، وتسعى أن تنتفع به.
 أحد كبار العلماء يقول: " وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية " أريد أن أوضح؛ وأنت على مقعد الامتحان في الشهادة الثانوية، الساعات الثلاث لو أنك لم تكتب شيئاً، معنى ذلك رسبت، لو أنك كتبت كتابةً رائعة، معنى ذلك نجحت، وقُبلت في كلية الطب وأصبحت طبيباً، فهذه الساعات الثلاث في ساعات الامتحان في الشهادة الثانوية قد تحدد مصيرك، هذا مثل بين أيدينا. وهذا الوقت الذي نحن فيه الآن كيف نستهلكه؟ ماذا نفعل به؟ ننام أم نصلي؟ نطلب العلم أم نطلب المتعة؟ نتحرك فيه وفق مبادئنا أم وفق شهواتنا؟ ننفق الوقت فيما يرضي الله أم فيما لا يرضي الله؟ طريقة إنفاق الوقت تحدد مصيرك الأبدي، فهذا العالم الجليل يقول:" وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المُقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب" فكلكم عشتم السبعينات أو معظمكم، نحن الآن بالألفين، كيف مضت الأعوام الثلاثون الماضية؟ كنت أعمل في منطقة في الجنوب مديراً للثانوية، بعد ثلاثين عاماً دعاني أحد تلامذتي إلى هذه البلدة، وأنا أتناول طعام الغداء قلت: أنا كنت هنا قبل ثلاثين عاماً، كيف مضت هذه الأعوام الثلاثون؟ كلمح البصر، الوقت يمضي سريعاً.
 قال:" يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته، وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً مِن حياته، فإذا قطع وقته في الغفلة، والسهو، والأماني الباطلة كان وبالاً عليه يوم القيامة"، فيجب أن تنتبه إلى أنك وقت، إلى أنك بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، ينبغي أن تعرف قيمة الوقت لأنه وعاء عملك، في الوقت تطلب العلم، في الوقت تُعَلِّم العِلم، في الوقت تعبد الله، في الوقت تستغفره، في الوقت تتوب إليه، في الوقت تعمل الأعمال الصالحة، فلا يمكن أن تعمل شيئاً إلا بالوقت، الوقت وعاء عملك، فإذا أنفق في غير ما خُلق له كنت مِن الخاسرين، وإذا أنفقته فيما خُلِقْتَ له كنت مِن الفائزين.

على الإنسان معرفة شرف زمانه و قدر وقته :

 عالمٌ آخر يقول:" ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيِّع منه لحظةً في غير قربةٍ لله عزَّ وجل".
 واللهِ أيها الأخوة لو وصل الإنسان إلى الجنة لا يتألم إلا على ساعةٍ مضت لم يذكر الله فيها، ولو كان مِن أهل الجنة، لأنه كلما بذل شيئاً كان أقرب من الله، كان عليه الصلاة والسلام يمشي مع أصحابه فرأى قبراً ، قال:

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خيرٌ له من كل دنياكم))

[ رواه ابن المبارك عن أبي هريرة ]

 ألا توجد شركات الآن أرباحها تبلغ أربعمئة مليار؟؟ هناك شركة أدوية أرباحها أربعمئة مليار دولار، أكثر الشركات الكبرى شركات تبيع بضائعها في كل أنحاء العالم، هذه لها ميزانيات تفوق ميزانيات الدول، لو أنك تملك هذه الشركات مجتمعةً، كلها لك..

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خيرٌ له من كل دنياكم))

[ رواه ابن المبارك عن أبي هريرة ]

 لذلك: " ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيِّع منه لحظةً في غير قربةٍ، ويقدِّم فيه الأفضل فالأفضل مِن القول والعمل " يسمونه هذا سلم الأولويات. نضرب أمثلة: إذا عندك امتحان الساعة الثامنة - سنة التخرج- ويبنى على نجاحك عمل له دخلٌ جيّد، ويبنى على العمل الزواج، والمادة أساسية والسنة سنة تخرّج، وأنت ساكن بالمهاجرين فرضاً، وهناك بائع سندويش نوعه جيد جداً في أقصى دمشق بالمخيم، وأنت لا ارتكبت معصية، ولا آذيت إنساناً، ولا عملت عمل سيِّئاً، لكنك ركبت المواصلات من سيارة لسيارة لسيارة، الطريق ساعة، وساعة وقفت بالدور، وساعة رجعت، صاروا ثلاث ساعات، أنت بذلك لم ترتكب أية معصية، لكن بحكم أن هذا الوقت ثمين جداً، ويبنى على نجاحك مستقبل زاهر، أنت الآن ضيَّعت وقتاً ثميناً، أرأيت إلى الساعات التي تسبق الامتحان أنت محاسب على الدقيقة، أرأيت إلى ساعات الامتحان إنها تحدد مصيرك. الوقت العادي الذي تعيشه يحدد مصيرك الأبدي.
أحد العلماء الكبار مشى في الطريق فرأى مقهى، وفيه أناسٌ يلعبون النَرْد، فقال: " يا سبحان الله ! لو أن الوقت يشترى مِن هؤلاء لاشتريناه منهم "
 أكبر أزمة يعانيها المؤمن ضيق الوقت، يتمنى أن يكون النهار خمسين ساعة، في باله أشياء كثيرة، في باله مشاريع كبيرة، في ذهنه طموحات عالية، الوقت لا يسمح له بها، فبالنهاية الأزمة أزمة وقت، لا يوجد وقت، فمِن أجل أن تؤلف، مِن أجل أن تعمل عملاً عظيماً تحتاج إلى وقت، فهذا الوقت محدود، لك عند الله هذه الأيام:" ما مِن يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".

الوقت هو أخطر شيء يملكه الإنسان :

 لدينا قاعدة في التفسير: الله عزَّ وجل إذا أقسم بشيءٍ من خلقه مِن أجل أن ننتبه إلى أهميته وعظمته، ومِن أجل أن يلفت الأنظار إلى قيمته، قال:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾

[ سورة الليل: 1]

 أقسم.

﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ﴾

[ سورة الليل:2]

﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾

[ سورة الفجر : 1-2]

﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾

[ سورة الضحى : 1-2]

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر : 1-2]

 ما دام أقسم الله عزَّ وجل بشيءٍ مِن خلقه ليلفت نظرنا إلى عظمة هذا الشيء، يمكن أخطر شيء تملكه هو الوقت.
 النقطة الثانية ؛ يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ))

[الترمذي عن أبي برزة الأسلمي]

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس ؛ الصحَّة والفراغ ))

[البخاري عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ]

 وحينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾

[ سورة التكاثر : 8]

 قال بعض العلماء: هو الوقت- وقت الفراغ- هناك إنسان من أجل أن يأكل يجب أن يعمل عشرين ساعة، وإنسان عنده باليوم أربع ساعات فراغ أو خمس، ماذا فعل بها؟

واجب المسلم نحو وقته :

 الآن واجب المسلم نحو وقته، الموضوع مسلسل، ما هو واجب المسلم تجاه الوقت؟

1 ـ الانتباه إلى قيمة الوقت و الحرص عليه :

 قال: أول شيءٍ الحرص على الاستفادة من الوقت فيما ينفعه في دينه ودنياه، ويقول الحسن رحمه الله تعالى:" أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشدَّ منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم "
 والدليل، هذا شيء واقعي، لو إنسان لا سمح الله ولا قدَّر أصيب بمرضٍ عُضال، والعملية تقتضي أن يجريها في بلدٍ غربي، وكلفتها تساوي ثمن بيته، لا يتردد لحظةً في بيع البيت وإجراء العملية،، لأنه مركبٌ في أعماقه أن الوقت أثمن من المال، أنفق ماله كلّه مِن أجل أن يعيش عدة سنوات فيما يبدو له زيادةً على أجله فيما يتوهّم هو.
 أول شيء: الحرص على أن تستفيد مِن الوقت، فهذا الوقت أثمن شيءٍ تملكه، رأسمالك الحقيقي، هو أنت، فأنت وقت، فحينما تستهلك ذاتك فيما لا جدوى منه فأنت لا سمح الله ولا قدَّر أشد سفاهةً من الذي ينفق ماله جزافاً. طبعاً الشيء الأول الحرص، هناك شخص يسهر للساعة الثانية فيما لا طائل منه، يمكن أن تسهر حتى الساعة الرابعة في طاعة، في دعوة إلى الله، في عمل صالح، في تمرين إنسان، أما السهر فيما لا طائل منه ؛ في كلامٍ فارغ، وفي غيبةٍ، وفي نميمة، وفي لعبٍ بالنرد، وفي متابعة مسلسلاتٍ لا تنتهي، فهذا الذي ينفق الوقت هكذا هو سفيهٌ، بل أشد سفاهةً مِن الذي ينفق ماله جزافاً.
الآن أول بند: يقتضي أن تنتبه إلى قيمة الوقت.

2 ـ تنظيم الوقت :

 البند الثاني: ينبغي أن تنظم الوقت، إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وإن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل.
 هناك أوقات العبادة، أوقات الجلوس مع الأهل، أوقات العمل، أوقات تربية الأولاد، أوقات طلب العلم، أوقات تعليم العلم، هذا كله يجب أن ينظَّم، والعظماء في المجتمع دائماً ينظِّمون أوقاتهم، هناك تنظيم دقيق، أما الغافلون فيعيشون هكذا، ما عندهم شيء لا يصير، ضيع فروضاً، ضيّع واجبات، ضيّع طلب علم، ضيّع حضور درس علم.
 أحد الصالحين قال:" أوقات العبد أربعةٌ لا خامس لها، وقت نعمةٍ، ووقت بليّةٍ، ووقت طاعةٍ، ووقت معصية، ولكل وقتٍ من هذه الأوقات عبادة، فإن كنت في طاعة فينبغي أن تشكر الله على أنه سمح لك أن تطيعه ". يسَّر لك أن تصلي الفجر، هناك أناسٌ يدخلون بيوتهم بعد الفجر من الملاهي، وهناك إنسان يدخل بيته بعد الفجر من المسجد، وشتان بين هذا وبين هذا، " فإذا كنت في طاعة فينبغي أن تشكر الله على هذه الطاعة، وإن كنت في معصية- لا سمح الله ولا قدر- ينبغي أن تتوب لتوك، وإن كنت في نعمة فينبغي أن تكون شاكراً لها، وإن كنت في بليّة ينبغي أن تكون صابرا"ً. أنت بين الشكر، وبين الصبر، وبين شهود النعمة، وبين التوبة.
 الآن أول شيء: الحرص على الوقت.
 الشيء الثاني: تنظيم الوقت. وقت لأولادك، وقت لزوجتك، وقت كي يرتاح جسمك، وقت لعملك، وقت لصلواتك، وقت لمسجدك، وقت لإخوانك، طبعاً قد يكون الوقت أسبوعياً، جلسة أسبوعية مع بعض الأخوة الكرام، تتذاكر العلم الشريف، زيارة الأقارب، الجمعة مِن الساعة كذا للساعة كذا، اكتب برنامجاً زمنياً، هذا شيء ثمين جداً، هذا نظام حضارة، نظام رقي، برمج حياتك، سجل جدول أعمالك، اكتب الأشياء التي لابدَّ مِن أن تؤديها، لذلك ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

(( اغتنم خمساً قبل خمس - من هذه الخمس- فراغك قبل شغلك ))

[الحاكم في المستدرك، وابن أبي شيبة، والمنذري في الترغيب والترهيب عن ابن عباس ]

 فالإنسان إن لم يعانِ من مشكلة صحية، فلديه وقت فراغ، أما لا سمح الله ولا قدّر هو في مشكلة صحيَّة كبيرة، فصار كل وقته مع الأطباء، والتخطيط، والتحليل، ومن طبيب لطبيب، ومن مستشفى لمستشفى، انشغل وقته، فاغتنم فراغك قبل شغلك.
 يقول بعض الصالحين:" فراغ الوقت من الأشغال نعمةٌ عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة فتح على نفسه باب الهوى، وانجرَّ إلى ممارسة الشهوات، شَوَّشَ الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما في قلبه مِن صفاء ". إذا عندك فراغ استهلكه في طاعة الله، وإلا يستهلك الوقت فيما لا يرضي الله، ويكون نقمةً على صاحبه.
 و قال بعضهم:" الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غُلمة " الفراغ للمرأة يوقظ شهوتها، والفراغ للرجل غفلةٌ عن الله شديدة.

حفظ الوقت يكون بعدة أشياء منها :

1 ـ محاسبة النفس :

 كيف نحاسب على الوقت؟ قال: أول شيء محاسبة النفس، ففي هذا اليوم يا نفس ماذا فعلتِ فيه؟ هل عدت مريضاً؟ هل عاونتِ فقيراً ؟ هل حضرت درس علمٍ؟ هل أمرتِ بالمعروف؟ هل نهيتِ عن المنكر؟ هل ألقيت كلمةً؟ هل نصحت مسلماً؟ ماذا فعلت في هذا الوقت؟ تحتاج لمحاسبة يومية، أحد أسباب حفظ الوقت محاسبة النفس.

2 ـ تربية النفس على علو الهمة :

 السبب الثاني: تربية النفس على علو الهمة، " إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها ودنيها "، المؤمن وقته ثمين، لا يمكن أن ينفقه في سفاسف الأمور، وهناك حديثين للنبي الكريم من أروع ما يكون لنا منهجاً في حياتنا.

(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))

[الديلمي في مسند الفردوس عن أنس تصحيح السيوطي: حسن‏ ]

 و..

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة]

((....ولا تحسَّسوا لا تجسسوا ....))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 التجسس، تتبع الأخبار السيّئة، طلقها، لماذا طلقها؟ هل يا ترى خانته؟ لا نعرف، حتماً خانته، ماذا تريد من هذا الموضوع؟ الأخبار الثانية كم ربحت واشتريت؟ ماذا تريد بربحه؟ حشري، تتبع الأخبار السيئة منهيٌ عنه، وكذلك منهيٌ عن تتبُّع الأخبار الحسنة.

(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))

[الديلمي في مسند الفردوس عن أنس تصحيح السيوطي: حسن‏ ]

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))

[ ابن ماجه عن أبي هريرة]

 ما أنجبوا أولاداً يا ترى العيب منه أم منها؟ لا دخل لك بهذا، فربما يكونا متفقين معاً، فتجده يدخل في كلمات كأن الشيطان يتفوه بها، قال:

إذا ما علا المرء رام العلا  ويقنع بالدون مَن كان دونَا
* * *

 هناك شخص سخيف، يعيش في سفاسف الأمور، في مشكلات الناس، في قضاياهم الجُزْئِيَّة لأنه ما عرف الله عزَّ وجل، كل إنسان تعرف إلى الله تجده مقدساً، اهتماماته مقدسة؛ اهتمامه نشر الحق، اهتمامه خدمة الخلق، اهتمامه إصلاح ذات البَيْن، اهتمامه إسعاد الناس، وكل إنسان كان غافلاً عن الله اهتماماته دنيَّة، يصير حشرياً.
 أول شيء: من أجل أن نحاسب على الوقت ينبغي أن نحاسب أنفسنا حساباً يومياً، كيف أمضينا هذا الوقت؟ أحياناً الإنسان يسهر سهرة فيقول: يا رب لك الحمد أنطقتني بالحق، تركت أثراً طيباً.

(( ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا قاموا عن أنتن جيفة ))

[ كنز العمال عن جابر]

 أما إذا ذكروا الله في هذه الجلسة يقول لك: بالفعل عشنا بجنة، عشنا وكأننا في جنة.
 الشيء الثاني: تربية النفس على علو الهمة. ربِّ نفسك أن تهتم بالقضايا الكبرى، ربِّ نفسك أن تحمل همَّ المسلمين، فلا تجد إنساناً يحمل همّ المسلمين إلا كفاه الله همومه الشخصية، هذه نصيحة اقبلوها مني بلا دليل، إن كان همك همّ المسلمين كفاك الله همَّك الشخصي، وإن لم تعبأ بالمسلمين، وإن لم تعبأ بعملٍ صالحٍ يرقى بك، أشغلك الله بهموم نفسك.

3 ـ صحبة الرجال المحافظين على أوقاتهم :

 قال: ينبغي أن تصحب أقواماً يحافظون على أوقاتهم، صحبة هؤلاء الرجال تعينك على الحفاظ على وقتك، فعاشر شخصاً الوقت عنده ثمين، تجد مواعيده دقيقة، كلامه ملآن، علاقاته إيجابية، ليس عنده وقت للكلام الفارغ، أو وقت للمزاح الرخيص، صاحب إنساناً يحافظ على وقته تقتبس منه.
قال:

إذا كنت في قومٍ فصاحب خيــــارهم  ولا تصحب الأردى فتردى مع الرديّ
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه  فكل قــرينٍ بالمقـــــــــــــــــــــــارن يقتدي
* * *

 محاسبة النفس، تربية النفس على علو الهمة، صحبة الرجال المحافظين على أوقاتهم.

4 ـ معرفة حال السلف الصالح مع الوقت :

 الآن يجب أن تعرف حال السلف الصالح مع الوقت، فالإمام النووي رحمه الله تعالى عاش أقل مِن خمسين سنة، ترك " بغية المحتاج" وهو من أوسع كتب الفقه الشافعي، ترك "شرح الإمام مسلم"، ترك "رياض الصالحين"، ترك "الأذكار"، وكل هذه الكتب فيها بركاتٌ لا يعلمها إلا الله في العالم الإسلامي، فمن أرقى كتب الحديث " رياض الصالحين "، إنسان عاش أقل من خمسين سنة ترك كتباً، فلا تجد بيتاً أو مسجداً بأنحاء العالم إلا وينتفع بهذا الكتاب. الإمام الشافعي عاش أقل من خمسين سنة، مات بوقت مبكر، ترك كتاب" الأم "، ترك أول كتاب في أصول الفقه، في بعض العلماء أحصوا كتبهم، وقسَّموا صفحات كتبهم على حياتهم منذ أن ولدوا فكان مجموع ما كتبوه كل يوم تسعين صفحة، فهل تستطيع قراءة تسعين صفحة؟ تستطيع القراءة فقط؟ سبحان الله ! الوقت الآن يستهلك أبشع استهلاك، فيلم مدته ثلاث ساعات، هذه هي، وبعد هذا تزوجها، خير إن شاء الله؟ الناس مشغولون بعقدة الفيلم، فهل ينقصك هموم أساساً؟ تريد أن تضيف هموماً جديدة لك؟ أنا والله لا أبالغ، لا أرى إنساناً أسخف ممن يمضي وقته في شيء كله تمثيل بتمثيل، ثم يضحك على المشاهد دائماً.
 فيجب أن تعرف حال السلف الصالح كيف بارك الله في أوقاتهم، وكيف استفادوا من علمهم، وكيف نشروا العلم، والله مرة ألقيت خطبة اقتبستها من كتاب تفسير للإمام القرطبي رحمه الله تعالى، وجدت أنه كان لها قبول حسن جداً في الإخوان الكرام، قلت: سبحان الله ! هذا الإنسان ألَّف كتاب تفسير ومات قبل ألف سنة تقريباً، فكم عالم، وكم خطيب مسجد، وكم إنسان انتفع من هذا التفسير، هذه الصدقة الجارية، اعمل عملاً يستمر بعد وفاتك، نشر العلم، وتربية الأولاد، والصدقة الجارية أشياء تستمر بعد الموت.
 ذات مرة كنت في لبنان، عدة علماء توفاهم الله عزَّ وجل وأصواتهم في الإذاعات تنشر ذكر الله عزَّ وجل، هناك مغنون كذلك أغنياتهم لا تزال مستمرة، هم تحت أطباق الثرى، وأغنياتهم الفاجرة منتشرة في كل مكان، وقُرَّاء للقرآن الكريم قراءاتهم منتشرة بعد وفاتهم، و علماء كبار دروسهم تلقى في كل أنحاء العالم الإسلامي وهم تحت أطباق الثرى.
 الحقيقة إذا كنت طموحاً فابحث عن عملٍ يستمر بعد موتك، إذا كنت طموحاً.
 الإمام الغزالي كان يحضر درسه أربعمئة عمامة، أي أربعمئة عالم في درس الإمام الغزالي، عندما مات انتهى الدرس، أما كتاب الإحياء فبقي، تأليف القلوب أعمق أثراً وأكثر أمداً، لكن تأليف الكتب لعله أقل أثراً ولكنه أطول أمداً، أنت نوِّع، ألّف القلوب وألِّف الكتب، اترك عملاً يستمر بعد وفاتك، هذه بطولة، هناك أعمال تنتهي.
 مرة أخ حضر للمسجد وله صوت شجي، فكلَّفته أن يؤذن، صار هناك لقاءات أسبوعية، وبعدها توفاه الله عزَّ وجل، فخرجت لتشييع الجنازة، هو كان تلميذ لأحد علماء دمشق، وكان هذا العالم في طليعة المُشَيِّعين، فلما صلى عليه أراد أن يؤبِّنه، فقال: ترحموا على أخيكم أبو فلان كان مؤذِّناً. فقط، حكى عنه في أقل من دقيقة، ماذا يستطيع أن يحكي عنه غير ذلك؟ يحكي عن بيته؟ يحكي كم سيارة عنده؟ لا يحكى، أنا قلت: والله معه حق، فليس من الممكن أن يحكي كلمة أخرى عنه، إلا: كان مؤذناً. قلت: الإنسان يعمل عملاً صالحاً يتكلمون عنه دقيقتين فقط، ممكن أن يتكلموا عنك ربع ساعة، اعمل عملاً يُذكر عند الموت، أما مستوى البيت، مستوى المركبة، الدخل، فهذه كلها أشياء لا تذكر عند الموت. معرفة حال السلف الصالح مع الوقت، وكيف كانوا حريصين عليه.

5 ـ تنويع ما يستغل به الوقت :

 تنويع ما يستغل به الوقت، ذات مرة سألني أخ فقال لي: كيف أدرس؟ ما هي الطريقة كي أدرس اثنتي عشرَة ساعة ولا أمل؟ قلت له: كم كتاب عندك؟ قال لي: اثنا عشر كتاباً مثلاً، قلت له: أي كتاب أصعب شيء عليك؟ قال لي: الرياضيات. قلت له: بعده. قال الفيزياء، وبعده، الكيمياء، وبعده التشريح، وبعدها التاريخ، سلسلهم، فقلت له: ابدأ بأصعب مادة، اقرأ فصلاً واحداً ثم ارتح عشر دقائق، إذا الإنسان حمل كيلو ورفعه مئة مرة يصاب بحالة اسمها الإعياء، إذا حمل نصف كيلو يرفعه مئة مرة ثانية، إذا حمل ربع كيلو يرفعه مئة ثالثة، كلما خفَّ الوزن النشاط يتجدد، قلت له: ابدأ بأصعب مادة وارتح عشر دقائق، عندما ينزل مستوى المادة أنت ترتاح، اقرأ ساعة ثانية، قبل أن تنام اقرأ كتاب التاريخ مثلاً، أو كتاباً سهلاً جداً، هذه الطريقة إذا نوَّعت، أما إذا أخذ كتاب الفيزياء فقط فيذهب نصف الوقت ضياعاً لأنه يمل، وهذا الكتاب كتاب صعب، هذه نصيحة للطلاب، اقرأ باليوم الواحد المواد كلها، مِن كل مادة فصل، وابدأ بأصعب مادة وانزل للمستوى، كلما تعبت ستأتي مادة سهلة جداً، قبل النوم اقرأ كتاباً سهلاً جداً، قصة مثلاً، يوجد بالشهادات كتاب قصة، قبل النوم اقرأ القصة، من أجل أن تستفيد من الوقت كله، كذلك إذا قرأت كل الوقت قرآناً تمل، قرآن، كتاب فقه، زيارة أخ، عيادة مريض، طلب علم، تعليم علم، عمل صالح، خدمة إنسان، نوِّع، كلما نوعت العمل الصالح صرت أقدر على الاستفادة من الوقت، وأنت كن حكيم نفسك، هناك إنسان أحياناً يتمنى أن يجلس أكثر، إن للنفس إقبالاً و إدباراً، فإن أقبلت فاحملها على النوافل، وإن أدبرت فاحملها على الفرائض.

6 ـ الاعتقاد الجازم أن ما مضى من الوقت لن يعود :

 يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن ما مضى من الوقت لن يعود، ما مضى فات، والمؤمَّل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها. الإمام الحسن البصري يقول:" ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".
 والإنسان ينبغي أن يتذكَّر ساعة الموت، فأشد شيءٍ على النفس فراق الدنيا، فإن ذَكَر فراق الدنيا حرص على وقته، والنبي علمنا فقال:

(( صلِّ صلاة مودِّع ))

[ المعجم الأوسط للطبراني عن عبد الله بن عمر]

علامات حفظ الوقت :

1 ـ الابتعاد عن صحبة مضيعي الوقت :

 الآن مِن علامات حفظ الوقت أن تبتعد عن صحبة مضيِّعي الأوقات، الذي وقته لا قيمة له عنده لا تصاحبه، لأنه يعلمك على الكسل، فيقول لك: ماذا حدث؟ استيقظ متأخراً غداً، ماذا سيفعل لك المعلم؟ علَّمه أن يسهر ويستيقظ متأخراً ولا يصلي الصبح، ويذهب إلى العمل متأخِّراً، لا تصاحب إنساناً مضيعاً للوقت، ليس لك معه مصلحة أبداً، صاحب إنساناً جدياً، وقته ثمين.

2 ـ التذكر بأن كل إنسان سيسأل عن وقته يوم القيامة بكل تفصيلاته :

 شيءٌ آخر: يجب أن تذكر أنه سوف تسأل عن وقتك يوم القيامة بكل تفصيلاته، "عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه ؟"

أحوال السلف الصالح مع الوقت :

 أحوال السلف الصالح مع الوقت: الإمام الحسن البصري يقول": يا بن آدم إنما أنت بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، يا بن آدم نهارك ضيفك فأحسن إليه، فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّك، وكذلك ليلتك ". كيف أمضيت هذا الليل؟ في معصيةٍ أم في طاعة؟ كيف أمضيت هذا النهار أفي معصيةٍ أم في طاعة؟ ولعلي لا أبالغ إذا قلت: المؤمن يمضي وقت نزهته في طاعة، في دعوةٍ إلى الله عزَّ وجل.
 الإمام ابن مسعود يقول:" ما ندمت على شيءٍ ندمي على يومٍ غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي".
 بعضهم قال:" الدنيا ثلاثة أيام ؛ أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غداً فلعلك لا تدركه، وأما اليوم فاعمل فيه".
 أحد أخواننا عمله إنشاء البيوت، قال لي: إنسان اشترى مني بيتاً في منطقة المصايف، اختار أجمل بيت، مساحته كبيرة و موقعه جميل و له إطلالة خلابة جداً، بالغ بالكسوة مبالغة كبيرة، لم يقبل إلا أن يكون الرخام إيطالياً، والألمنيوم برونزياً، ما قبل إلا أن يكون المطبخ من الدرجة الأولى، مساحات واسعة، ومواد أولية مِن أرقى المواد، بقي سنتين و هو ينظمه، وفي النهاية قرر أن يسكن فيه، وقتها كان اليوم يوم خميس، ينقص البيت منظماً، فقال له: أريد منظماً؟ قلت له: حاضر، طبعاً جاءت بعض السيارات تحمل الأغراض، وهو لم يأتِ بعد، الخميس موعده ليسكن، لينام أول ليلة، لم يأتِ، الجمعة عطلة، السبت أخبروه فقالوا: لقد توفي، قال لي: والله ما دخله، كان يأتي طبعاً يرى الكسوة، أما لم ينم فيه ولا ليلة، هذا الشيء يقع كثيراً، لأن الوقت ليس بيدك، أنت وقت، فكان الأجل قبل أن يستمتع بهذا البيت. قال:" أما الأمس فقد ذهب بما فيه، وأما غداً فلعلك لا تدركه، وأما اليوم فلك، فاعمل فيه" . هذا معنى قول الشاعر: ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
 ابن القيِّم يقول:" إضاعة الوقت أشد من الموت" لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وقد ينقلك إلى الجنة، فإضاعة الوقت أشد من الموت.
 وقال بعضهم:" إن اغتممت بما ينقص مِن مالك، فابكِ على ما ينقص مِن عمرك".

كيفية استثمار الوقت :

1 ـ تعلُّم كتاب الله و تعليمه :

 الآن بما ننهي به الدرس: بما نستثمر أوقاتنا، وهذا شيء مهم جداً.
 قال: أولاً بتعلّم كتاب الله وتعليمه، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( خياركم من تعلم القرآن وعلمه ))

[ الجامع الصغير عن سعد]

 هذا أول شيء.

2 ـ طلب العلم الشرعي :

 الشيء الثاني: في طلب العلم، إن أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإن أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإن أردتهما معاً فعليك بالعلم.
 العلم هو الذي يؤكِّد إنسانيتك، العلم تلبية الحاجة العُليا في الإنسان، الحاجات السفلى أنت والحيوان سواء، أما العلم فتلبيةٌ لحاجات الإنسان العُليا، والقيمة التي اعتمدها القرآن قيمة العلم، أما في قيمة المال فقال:

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

[ سورة القصص: 76 ]

 قال: هذا ذاماً له، أما القيمة التي اعتمدها القرآن فهي العلم والعمل، قال:

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الزمر: 9]

 فمثل العالم والجاهل كمثل الحيّ والميّت، ليس هناك قيمة أكدها القرآن كقيمة العلم..

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[ سورة المجادلة: 11]

 طلب العلم، طبعاً طلب العلم النافع، والمسعد، العلم النافع قد يكون في الدنيا؛ معك اختصاص نادر، له دخل كبير، لكن يأتي مَلَك الموت ينتهي هذا الاختصاص، الذي معه أعلى شهادة وتدر عليه أموالاً طائلة إذا جاء الموت انتهت الشهادة، أما إذا طلبت العلم الشرعي فهو علمٌ نافعٌ ممتعٌ مسعد، لكن هناك علماً ممتعاً غير نافع، وهناك علماً نافعاً غير مُسْعِد، فاطلب العلم الشرعي فهو علم مسعد وممتعٌ ونافع.

3 ـ ذكر الله تعالى :

 ثالثاً: ذكر الله تعالى. كما قال النبي الكريم:

(( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ ، فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ ، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا : وَذَلِكَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[مالك والترمذي وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء ]

 هناك ذكر تعبدي، وذكر تعرفي، وذكر معرفة الأمر والنهي، التلاوة ذكر، التفكر ذكر، ومعرفة الفقه ذكر، والدعوة إلى الله ذكر، وتعريف الناس بالله ذكر، والعمل الصالح ذكر، فأوسع نشاط يفعله الإنسان هو ذكر الله عزَّ وجل، لذلك ما مِن ساعةٍ يندم عليها المؤمن يوم القيامة إلا ساعةٌ مضت لم يذكر الله فيها. تعلم القرآن وتعليمه، طلب العلم الشرعي، الثالثة ذكر الله تعالى.
 أخ من أخواننا هو خطيب مسجد الآن، عنده ابن وضعه بالحضانة، قال لي: مرة استيقظنا متأخرين والوقت ضيق جداً، فجهزنا له شطيرة وقلت له: كلْها بالطريق بابا، ابنه بالحضانة، قال له: يا أبت قال عليه الصلاة والسلام:

(( الأكل في السوق دناءة ))

[الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 جميل جداً أن يعرف الطفل الحديث، أو القرآن، يعرف ما ينبغي وما لا ينبغي، فليست هناك قيمة أحسن مِن تعلم العلم، لا يوجد قيمة أعظم من قيمة العلم ولاسيما العلم الشرعي.

4 ـ الإكثار من النوافل :

 الإكثار من النوافل، يمكن أن تنتفع بالوقت بأن تكثر من النوافل لقول النبي صلى الله عليه وسلَّم في الحديث الصحيح:

(( لا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 لديك وقت، احفظ القرآن، صلِّ الضحى، صلِّ قيام الليل.

5 ـ الدعوة إلى الله :

 وعندنا شيء عظيم جداً هو صنعة الأنبياء ؛ الدعوة إلى الله، والدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، فرض عين والدليل:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

[ سورة يوسف: 108 ]

 فإن لم تدع على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، لكن في حدود ما تعلم، ومع من تعرف فقط، هذه الدعوة فرض عين، لا يوجد لديك أولاد أخ أو بنات أخوات؟ ليس لك أولاد، جيرانك، أصدقاؤك، اتخذ جلسة أسبوعية اقرأ لهم فيها آية واشرحها لهم، أو اشرح حديثاً أو حكماً فقهياً أو قصة صحابي، علِّم. قال: الدعوة إلى الله أيضاً مما يمكن أن يغتني به الوقت.

6 ـ زيارة الأقارب و صلة الأرحام :

 وزيارة الأقارب وصلة الأرحام أيضاً هذا مما يملأ به وقت المؤمن.

7 ـ استغلال الأوقات الفارغة بأشياء نافعة :

 الآن عندنا أوقات يومية فارغة، وقت السحر، قبل الفجر، بين المغرب والعشاء مثلاً، يوم الجمعة، عشرة أيام ذي الحجة، وبعدها تعلُّم الأشياء النافعة، الآن هناك أجهزة إن لم يستخدمها الإنسان فهو أميّ، فتعلمها ليكون المسلمون أقوياء، كتعلم الحاسوب مثلاً، أشياء نافعة تنتفع بها، إنجازات، أشياء مباحة وتعين المسلمين على حياتهم، تعلمها أيضاً، اللغات مثلاً، إنسان يتقن لغة أجنبية، يقدِّم خدمات لأمته كبيرة جداً.

آفات تقتل الوقت :

 آخر شيء بالدرس: آفاتٌ تقتل الوقت، أول آفة الغفلة، هناك إنسان إرجائي، كله غداً، حتى إذا الإنسان راح لبلد غربي يتهمون الإنسان الشرقي، لن أقول المسلم، فالمسلم إنسان عظيم، يتهمون الإنسان الشرقي بثلاث صفات يجمعونها بثلاثة حروف ( إ، ب، م ) الإي، إن شاء الله، لكنها غير إسلامية، إذا كان غير ناو أن يدفع يقول لك: إن شاء الله، لا ينوي أن يأتي على الوقت يقول لك: إن شاء الله آتي، كل إنسان منافق يستخدم إن شاء الله لعدم التنفيذ، و" بي"، بكرة، كله بكرة، و"ميم "، معلش، أي ما صار شيء، متفلِّت، فالتسويف، قال الحسن:" إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك ".
أختم هذا الدرس بأبياتٍ ثلاثة:

تــــــــزود من التقـوى فإنك لا تـدري  إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفـــــجر؟
فكم من سليمٍ مات من غير عــلَّةٍ  وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر
وكم من فتىً يمسـي ويصبح آمناً  وقد نســــــــــجت أكفـانه وهو لا يدري
***

الاستعداد ليوم اللقاء مع الله عز وجل :

 أخواننا الكرام... يمكن هذا الموضوع قد عالجته سابقاً ولكن ليس بهذا التوسُّع، واللهِ لا أرى موضوعاً أخطر بحياتنا من الوقت، مَن منا يضمن أن يعيش بعد ساعة؟
 لي صديق زارني فقال لي: أنا أصلي الفجر في الجامع الفلاني، هناك رجل مِن رواد المسجد عنده دعابة، كلَّما خرجنا يروي طرفة لنا، هو لطيف، قال لي: البارحة خرجنا معاً من المسجد وروى لنا طرفة، وودعنا بعضنا، لمحته الظهر على موقف أحد السيارات أقسم لي أنه صلَّى عليه العصر، العصر كان في المسجد يصلي عليه، الحياة مثل الخيال، كم إنسان بحياتنا مات فجأةً بلا أسباب إطلاقاً؟ كم إنسان ختم عمله للأبد؟ والله شيء خطير، عليك حقوق؟ هناك تقصيرات؟ هناك أشياء ما أنجزتها؟ بأي لحظة ممكن أن نغادر الدنيا. مرة أحد أخواننا في خطبة الجمعة قلب ومات، راح مشياً رجع محمولاً، مرة كنت مدعواً لمولد بجامع الحنابلة، هناك لجنة هيأت المولد، سبحان الله !! كان هناك واحد استقبلني استقبالاً حاراً جداً، وعانقني، أنا جلست بالاحتفال وجدت أن هناك ارتباكاً بالموضوع، ولم أفهم ماذا يحصل، الكلمات ألقيت سراعاً، وبعدها بلغني أن هذا الذي استقبلني وقع ميتاً، ذهبنا إلى مستشفى أمية، وهو ممدد على طاولة العملية، منته، قلت: هكذا بثوان؟!! هذه القصص كثيرة يا أخواننا الكرام، كل واحد منا بأي لحظة ممكن أن يغادر الدنيا، هل هيأت نفسك؟
 أنا لي كلمة أقولها: فشيب الشعر، ووضع النظارة، وتركيب البدلة، هذه كلها إشارات من الله لطيفة: أن يا عبدي اقترب اللقاء بيننا هل أنت مستعد؟ انحنى ظهره، وضعف بصره، وشاب شعره، ووضع نظارة، وغيّر أسنانه، معه مفاصل، ومعه ديسك، ومعه أسيد أوريك، معنى هذا قربت، فهذه إشاراتٌ لطيفة من الله: أن اللقاء قد اقترب يا عبدي فهل أنت مستعدٌ له ؟

إلى متى و أنت باللذات مشـــغولُ  وأنت عن كل ما قدمت مسؤولُ
* * *
تعصي الإله وأنت تظـــهر حبه  ذاك لعمري في المقال شـنيع
لو كان حـبـك صادقاً لأطعــتــــه  إن المحـب لمن يحب يطـيـع
***

 أخواننا الكرام... يجب أن نكون مستعدين للقاء الله، اكتب وصية، اضبط أمورك، أدِّ ما عليك مِن حقوق، انه علاقاتك، وإلا الحساب عسير، والموقف صعب.

والحمد لله رب العالمين