التربية الإسلامية - موضوعات مختلفة - الدرس ( 070) : ليلة القدر .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-02-21
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... في آخر سورة الدهر يقول الله عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29)﴾

( سورة الإنسان )

 هذه الآية تؤكد أن الإنسان مخير..

﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾

 الحقيقة مشيئة الإنسان مشيئة اختيار، لكن مشيئة الله عزَّ وجل مشيئة فحصٍ واختبار، الإنسان يختار، لكن الله سبحانه وتعالى يتفحَّص اختياره، فإن كان صادقاً في اختياره، ودفع ثمن اختياره، يشاء الله له ما شاء من طلبٍ للخير، لئلا نقع في سوء فهمٍ لهذه الآية، ولئلا نفهمها فهماً جبرياً ما أراده الله..

﴿ إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

 تماماً كما لو قدَّم طالبٌ طلباً يختار في طلبه كلية الطب، إدارة الجامعة تفحصت الطلب، مجموعه قليل، ترفض هذا الطلب، مجموعة مناسب، تقبل هذا الطلب، مشيئة الإنسان مشيئة اختيار، لكن مشيئة الله عزَّ وجل مشيئة فحصٍ واختبار. فمن كان صادقاً في اختياره، ودفع ثمن اختياره، الله سبحانه وتعالى يحقق له مراده في دخول الجنة.
 في نقطة دقيقة في آخر الآية:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

 لهذا الآية معنىً آخر: لولا أن مشيئة الله شاءت أن تشاءوا لما شئتم، أنت الآن مخير، وهذا الاختيار سبب سعادتك في الدنيا والآخرة، هذه المشيئة التي تتمتع بها أيها الإنسان، لولا أن الله شاء لك أن تكون ذا مشيئة، لما كنت ذا مشيئة..

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾

 الآن توضِّح هذه الآية الأخيرة كيف أن مشيئة الله مشيئة فحصٍ واختبار..

﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (31) ﴾

 فمَن الذي أدخل في رحمته غير الظالمين ؟ معنى هذا أن الله عزَّ وجل فحص مشيئتهم، فلما كانوا صادقين، وكانوا مستقيمين، أدخلهم في رحمته، هذه الآية دقيقةٌ جداً في تأكيد حرية الاختيار، وتأكيد أن مشيئة الإنسان، لولا أن مشيئة الله شاءت له أن يشاء لما شاء، وليس هناك جنةٌ إلا بهذه المشيئة الحرة التي يتمتع بها الإنسان.
 أيها الإخوة... في سورة النازعات آيةٌ تؤكد أن الإنسان في هذه الدنيا لا يرقى إلا إذا خالف طبعه، في آيات تؤكد أن هذا الدين وفق الفطرة، وفي آيات تؤكد أن تكاليف الدين يجب أن تعاكس الطبع. والحقيقة الطبع غير الفطرة، الطبع أقرب إلى الجسد، والفطرة أقرب إلى النفس، فتكاليف الدين مخالفةٌ للطبع ـ وقد ذكرت هذا مراراً ـ طبع الإنسان يميل إلى أن ينام، والتكليف أن يستيقظ ويصلي الفجر حاضراً، طبعه يميل إلى أن ينظر إلى النساء، لكن التكليف يأمره بغض بصره، طبع الإنسان يميل إلى قبض المال، والتكليف إلى إنفاق المال، طبع الإنسان يميل إلى الحديث عن عورات الناس، لكن التكليف يأمره أن يكفَّ لسانه عن الغيبة والنميمة، فكأن التكليف ذو كُلْفَة، والتكليف يتناقض مع طبع الإنسان. إذاً الإنسان لا يرقى إلى الله إلا إذا خالف طبعه، لكن الإنسان حينما يسلك طريق الإيمان، ويطيع الرحمن، ويتصل به، ترتاح نفسه، إذاً هذا الدين موافقٌ للفطرة ومخالفٌ للطبع.
هذا معنى قوله تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

( سورة النازعات )

 فالإنسان في عنده غرائز وفي عنده عقل، العقل يأمره بطاعة الله، يأمره بالعمل للآخرة، والغريزة تأمره أن ينحرف إلى الدنيا.
 بالقرآن الكريم إشارات إلى القرابات، في هذه السورة ـ سورة عبس ـ وقد يفهم الناس هذه السورة على خلاف ما أراد الله عزَّ وجل، النبي عليه الصلاة والسلام حينما عبس وتولى، الله عزَّ وجل وصف ولم يقيِّم، وصف فقال:

﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) ﴾

 ليس هناك تكليف، لا معصية من دون تكليف، لكن الله سبحانه وتعالى أظهر أن هذا النبي عليه الصلاة والسلام حينما خُيِّر بين أمرين ؛ أمرٍ سهلٍ جداً عليه ؛ أن يجلس مع أحد أصحابه، أو أن يجلس مع صناديد قريش الكفار المعاندين، اختار الأصعب رحمةً بهؤلاء، فلعل الله يهديهم، وترك هذا الصحابي الجليل عبد الله ابن أم مكتوم لوقتٍ آخر، اختار الأصعب وعبَّر باختياره عن حبه لهداية الخلق، لكن الله سبحانه وتعالى وصف حاله ولفت نظره إلى وضعٍ آخر قال:

﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2)﴾

 مادام ما في تكليف ما في معصية، والنبي اختار الأشد، لذلك قال العلماء: " إن الله سبحانه وتعالى لم يعتبْ عليه بل عَتِبَ له ". وفرقٌ كبير بين أن يعتَب عليه وبين أن يعتَب له، فالأب الذي يرى ابنه يقرأ ليلاً نهاراً يعتب له فيقول: كفاك قراءةً، اذهب ونم واسترح، هذا عتاب، لكن هذا العتاب يؤكد اجتهاد ابنه وتفانيه في الدراسة، فإذا صحَّ أن في هذه السورة عتابٌ للنبي فهو عتابٌ له لا عليه، لأنه اختار الأصعب ولا معصية من دون تكليف.
 ثم إن الله سبحانه وتعالى أقحم بين السوَرة المكية التي تتحدث عن الكون، وعن الدار الآخرة، وعن كليات الدين، أقحم سورةً متعلقةً بحكمٍ فقهي، قال:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)﴾

( سورة المطففين )

 قال علماء التفسير: إن هذه السورة المتعلقة بحكمٍ شرعيٍ فقهيٍ في البيع والشراء، أقحمت بين السور المكية، لبيان عِظَمِ المخالفة التي يقع بها بعض الناس، فحقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة، وحقوق الله عزَّ وجل مبنيةٌ على المسامحة.
 وكل إنسان أيها الإخوة يتوهَّم إذا ذهب إلى الحج، أو إذا صام رمضان، أو إذا فعل بعض العبادات تسقط عنه ذنوبه كلها، هذا وهمٌ خاطئ، لا تسقط عنه إلا الذنوب التي كانت بينه وبين الله، لكن التي بينه وبين العباد لا تسقط إلا بحالين: بالأداء أو المسامحة. لو ذهبت إلى الحج، لو اعتمرت كل عام، لو صمت رمضان، لو صمت الاثنين والخميس، لو صليت الأوابين وقيام الليل، مهما فعلت من عبادات حقوق العباد لا تسقط إلا بالأداء والمسامحة، لذلك قال تعالى:

﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾

( سورة الأحقاف: من آية " 31 " )

 وهذه الـ(من) للتبعيض، أي أن الله عزَّ وجل يغفر لكم ما كان بينكم وبينه، لكنه ما كان بينكم وبين العباد لا يغفرها إلا العباد، فانتبهوا قضية حقوق العباد ما في معها حل وسط إطلاقاً، لذلك ربنا عزَّ وجل في خضم السور المكية أقحم سورةً تتحدث عن حكمٍ فقهي..

﴿ وَيْلٌ﴾

 أي الهلاك. يعني لما الإنسان يتعدى على حقوق الآخرين، حينما يعتدي على حقوقهم المادية أو الأدبية، أو حينما يعتدي على أعراضهم، فقد جعل الطريق إلى الله مقطوعاً..

﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9)﴾

 بعضهم قال: ( مرقوم ) من الرقْم، أي من الصورة. وبعضهم قال: مرقوم من الرَّقم. فإذا قلنا مرقوم من الرَّقْم أي أن كل مخالفةٍ ومعها صورتها، فإذا فتح الكتاب يوم القيامة الإنسان يرى المعاصي كلها وصورته في أثناء المعصية..

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14)﴾

( سورة الإسراء )

 وإذا كان من الرَّقَم فهذه الصفحات لا يمكن أن ينتزع منها شيء، كلها مسلسلة.
 وربنا عزَّ وجل في سورة البروج يقول:

﴿ ) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

قبلها يقول:

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14)﴾

 صفتين متناقضتين، أي إذا تبت إليه، وأقبلت عليه هو غفور ودود، يريك من وده ما لا يصدق، أي يعطيك من المودة، والتوفيق، والتيسير، والحفظ، والدعم، والطمأنينة، والسكينة، والبُشرى الشيء الكثير لأنه ودود. وإن أعرضت عنه، وأردت الدنيا، وكنت عدوانياً، وبغيت في الأرض..

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

 يعني عنده علاجاتٌ قد لا تحتمل، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾

( سورة البقرة: من آية " 286 " )

 أحياناً مَرَضين، أدوية المرض الأول تزيد في المرض الثاني، وأدوية المرض الثاني تزيد في المرض الأول، قد يجمع الله للإنسان الفقر والمرض، أو الفقر والقهر، أو الشقاء البيتي والشقاء الخارجي..

﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾

 هناك أمراضٌ وبيلة، هناك أمراض لها آلام لا تحتمل، هناك إهاناتٌ، هناك فقرٌ، هناك ذلٌ، هناك إلخ..

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)﴾

 فكل إنسان لا يخاف الله عزَّ وجل هذا إنسان أحمق وغبي، ورأس الحكمة مخافة الله، وخوفك من الله يتناسب مع علمك به.
 ومرةً ثانية في قوله تعالى في سورة الفجر:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾

 فأيها الإخوة... كل الحظوظ التي يمنحها الله للإنسان بالتأكيد ليست نعمةً وليست نقمةً، إنها موقوفة على طريقة التعامل بها، فهذه الحظوظ إما أن ترقى بها، وإما أن تهوي بها. إذا وظفتها في الحق ترقى بها، وظفتها في الباطل تهوي بها..

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ﴾

 هو، هذه مقالته والله لم يعترف بهذه المقالة..

﴿ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) ﴾

 والعوام دائماً إذا كان الواحد في بحبوحة مادية وعمل سياحة، يقولون لك: الله يحب عبده فيريه ملكه. هذا كلامه هو..

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) ﴾

 ليس عطاء الله إكراماً إنما هو ابتلاء، وليس حرمانه إهانةً إنما هو دواء، وهذه الحظوظ البطل هو الذي يوظفها في طاعة الله، وظف مالَك، فراغك، صحتك، إمكاناتك، عقلك، لسانك، قلمك، مالَك، هذه حظوظ الدنيا، بيتك، زوجتك، أولادك كل هذه الحظوظ وهذه الطاقات ينبغي أن توظَّف في طاعة الله.
 في سورة البلد يقول الله عزَّ وجل:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) ﴾

 يعني طبيعة الحياة الدنيا قائمةٌ على بذل الجُهد..

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾

( سورة الانشقاق )

 لكن طبيعة الحياة الآخرة قائمةٌ على الطلب..

﴿ لهم وَمَا تَشَاءُونَ فيها ﴾

( سورة ق: من آية " 35 " )

 فقط الطلب، بل الخاطر وحده يكفي، لمجرَّد أن تختار شيئاً هو أمامك، هذا نظام الآخرة. لكن نظام الدنيا لابدَّ من كدحٍ، وسعيٍ، وتكبُّد مشقةٍ لأنها ثمن الآخرة، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5)﴾

 ذرَّة من دمه، نقطة من دمه إذا تجمَّدت في أي مكان في دماغه إما أنه فقد ذاكرته، أو فقد حركته، أو فقد سمعه، أو فقد بصره، أو فقد بعض حواسه الأساسية..

﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7)﴾

 أي كيف جمع هذا المال، بأية طريقةٍ ؟ وكيف أنفقه ؟ وما مصير هذا الإنفاق ؟..

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) ﴾

 مائة وثلاثين مليون عصية ومخروط في الشبكية، تسعمائة ألف عصب ضمن العصب البصري الموحَّد، ثمانمائة ألف درجة من اللون العين السليمة تفرق بين درجتين..

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً﴾

 كل حرف تسهم في صنعه سبعة عشر عضلة، إذا الكلمة تتكون من خمس حروف، والجملة خمس كلمات، والخطبة عشرة آلاف كلمة أو خمسة آلاف كلمة، كم حركة للسان تحرَّك ؟..

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾

 قال ابن عباس: ( النجدان ) هما الثديان، فيهما حليبٌ دافئٌ في الشتاء باردٌ في الصيف، نسبته تتغير كل يوم وفق طاقة الطفل ونمّوه، عيارات يومية، فيه مناعة الأم، فيه مواد تمنع التصاق الجراثيم بالأمعاء، فيه أشياء لا تقدر بثمن، وهذا الحليب هديةٌ من الله عزَّ وجل، معقم، جاهز، أحياناً الطفل بينما تكون غليت الحليب له، وتبرده يطق من البكاء، لكن مع أمه جاهز، حليب معقم دافئ، جاهز للاستعمال الفوري، وأحد أسباب سرطانات الثدي عدم إرضاع الأم ابنها، لذلك حليب الأم لا يعدله حليب..

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9)﴾

 أما الشفتان، علماء نفس الطفل يقولون: الإنسان حينما يولد لا يملك أي قدرات، ولا مهارات، ولا أي شيء إلا منعكس واحد وهو منعكس المص، وهو منعكس معقَّد، لولا هذا المنعكس لما بقي أحدٌ منا على وجه الأرض، يضع شفتيه على حلمة ثدي أمه، ويحكم الإغلاق، ويسحب الهواء، الآن وُلِد من دون تعليم، هذا اسمه منعكس المَص وهذه غريزةٌ تولد مع الإنسان.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾

هنا الآية:

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)﴾

 أي ما دامت رقبتك منقادةً للشهوات، فالطريق إلى الله غير سالك، العقبة الوحيدة التي إذا أزلتها صار الطريق إلى الله سالكاً هي الشهوات، فكَّ رقبتك من الشهوات، لذلك: " تعس عبد الدرهم والدينار، تعس عبد الفرج، تعس عبد البطن، تعس عبد الخميصة ـ الثياب ـ ". الإنسان مادام عبد لشهواته فالطريق إلى الله غير سالك، إذا أزال هذه العقبة..

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16)﴾

 إذا فعل هذا، واقتحم العقبة، وفكَّ الرقبة، فكَّ رقبته من أسر الشهوات..

﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)﴾

 لما الإنسان يستقيم ويصطلح مع الله، يحس أن جبال جاثمة على صدره أُزيحت، صرت خفيف، إذا أرضى الإنسان ربه، وسار على منهجه، واصطلح معه يشعر بالطمأنينة، يحس بالأمن، يحس أن الله راضٍ عنه، يحس أن له عند الله مكانة كبيرة، يحس أن الله سيكرمه، هذا كله..

﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)﴾

 وفي سورة الليل، الإنسان إذا نظر إلى طريق مزدحم ؛ مزدحم بالأشخاص، والسيارات، كل إنسان يتحرك نحو هدفه، لو أتيح لنا أن نشق على صدور هؤلاء الناس، أو أن نفتح عقولهم كل إنسان في بباله شيء ؛ هذا ذاهب يعقد صفقة، هذا ذاهب يقيم دعوى على فلان، هذا ذاهب يتنزَّه، هذا ذاهب يحدث مشكلة، هذا يذهب لحل مشكلة، قال:

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4)﴾

( سورة الليل )

 لكن السعي الناجح..

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

 ربنا عزَّ وجل بكلمات قليلة لخَّص الدين، قال:

﴿ أَعْطَى﴾

 المؤمن ـ بالتعبير الحديث ـ استراتيجيته العطاء، الكافر الأخذ. يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، أساس حياة المؤمن العطاء، يعطي من علمه، من ماله، من وقته، من خبرته، من جاهه، من خصائصه كلها، والكافر باني حياته على الأخذ، وعلى مصِّ دم الآخرين..

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) ﴾

 أن يعصي الله عزَّ وجل، يعني مع العمل الصالح في استقامة..

﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) ﴾

 آمن، إيمان، استقامة، عمل صالح..

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)﴾

 ممكن أن تقول: هذه الآية فيها قانون التيسير، ألا تحب أن تيسر أمورك ؟ ألا تحب أن تذلل العقبات أمامك ؟ قال:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ﴾

 بنى حياته على الأخذ..

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) ﴾

 عن طاعة الله، أي عصاه..

﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) ﴾

 هذا الدين رفضه، رفض الجنة، رفض عطاء الله عزَّ وجل، رفض الإيمان، قال:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) ﴾

 أمامه مطبات، ومصائب، ومضايقات، وإحباطات، ومشكلات.. إلخ. هذه الآية فيها قانون التيسير والتعسير، فلا تقل حظ، بل قل توفيق الله عزَّ وجل، الإنسان إما موفقاً أو غير موفق، بإيمانه بالله، واستقامته على منهجه، وعمله الصالح يوفق في أعماله الدنيوية والأخروية، وبكفره بالله، وتفلُّته من منهج الله، وأعماله السيئة تُعَسَّر أموره وتجعل العقبات أمامه.
 في آية دقيقة جداً في سورة العلق، قال:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) ﴾

 الآية انتهت، فماذا رأينا ؟ هذا الذي ينهى عن الصلاة انظر إلى أخلاقه، انظر إلى أمانته، انظر إلى علاقاته الخاصة، انظر إلى بيته، انظر إلى عمله، أعماله السيئة دليل أنه جاهل، أنه كاذب..

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) ﴾

 إنسان آخر:

﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (11) ﴾

 انظر إلى أمانته، إلى استقامته، إلى صدقه، إلى تواضعه، إلى إنصافه، إلى حبه للخير، إلى رحمته، فالأهم من الكلام العمل، العمل ينطق بتقييم صاحبه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر..
وأما ليلة القدر قال:

﴿ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

( سورة القدر )

 والألف شهر أي ثمانين عام، ثمانون عاماً من العبادات ؛ صيام، وصلاة، وحج، وزكاة، من دون معرفة لله عزَّ وجل، يفوقها لحظةٌ واحدة تقدِّر الله حق قدره، أي..

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

( سورة فاطر )

 " فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ".. " كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ".. " لعالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"، فرقٌ كبير بين أن تكون عالماً وبين أن تكون عابداً، والعلم فرض عينٍ على كل مسلم، لذلك:

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾

 يعني في الليلة التي تقدِّر الله فيها حق قدره لقوله تعالى:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

( سورة الأنعام: من آية " 91 " )

 إذا إنسان مثلاً يملك مائة مليون، أنت تظنه يملك مائة ألف، فهل قدرته حق قده ؟ إذا إنسان معه دكتوراه، وأنت ظننته يقرأ ويكتب فقط، فهل قدرته حق قدره ؟ من قدر الله حق قدره هذا هو العلم، لذلك الإنسان إذا ما طلب العلم يكون تخلى عن إنسانيته.. " لا خير في الحياة إلا لعالمٍ ناطق، ومستمعٍ واعٍ ".. " كن عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك ".
 حينما تطلب العلم تؤكد إنسانيتك، الله ميزك عن كل المخلوقات، بالوزن في أوزن منك، بالبصر الصقر يرى ثمانية أضعاف ما يراه الإنسان، بالشم بعض الحيوانات تشم مليون ضعف عن الإنسان، الكلاب البوليسية. فبالشم، بالسمع، بالبصر، بالوزن، بالحجم، بالسباحة، بالطيران، أية صفةٍ يمتاز بها الإنسان هناك حيوانٌ أعجم يفوقه بها، لكن الإنسان ميزه الله بالقوة الإدراكية، فإذا عطلها، أو استخدمها و أساء استخدامها، فقد هبط عن مستوى إنسانيته.
 لذلك:

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) ﴾

 والإنسان يجب بعد رمضان يطلب العلم، ويطلب العلم بشكل حثيث حتى يرتفع لمستوى إنسانيته.
 سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام التقى مع أعرابي قال له:
 ـ عظني ولا تطل ؟
 ـ قال له: قل آمنت بالله ثم استثقم.
 ـ قال: أريد أخف من ذلك.
 ـ قال: إذاً فاستعد للبلاء.
 الشغلة واضحة مثل الشمس؛ إما أن تستقيم على أمر الله أو فاستعد للبلاء.
 أعرابي آخر قال له: عظني ولا تطل. فقال له:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8)﴾

( سورة الزلزلة )

 ـ قال له: كفيت.
 ـ فقال عليه الصلاة والسلام: فقه الرجل.
 ما قال: فقِه أي علم الحكم، فقُه صار فقيهاً، فأعرابي في آية واحدة، والنبي لا ينطق عن الهوى ويقول فقُه الرجل، ونحن أمام ستمائة صفحة من كتاب الله، ثلاثين جزء، مائة وأربعة عشر سورة نقرأها، آيةٌ واحدة تكفينا..

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)﴾

( سورة النساء )

 تكفي هذه الآية..

﴿ وَالْعَصْرِ (1)﴾

( سورة العصر )

 تكفي هذه الآية، إذاً:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

 أما التكاثر أيها الإخوة أن تشتغل بالسفيه عن النفيس، أن تشتغل بالشيء الخسيس وأن تنسى النفيس، فجمع المال بالنسبة إلى مقامات الآخرة شيءٌ خسيس، قال:

﴿ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2)﴾

 يأتي الموت فينتزع منك كل شيء في ثانيةٍ واحدة، قال:

﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) ﴾

 فالإنسان لابد من أن يعلم، لكن بطولته أن يعلم قبل أن يعلم، أن يعلم وهو في الدنيا ؛ وهو في صحته، وماله، وقوته، وأوْجِهِ قبل أن يعلم بعد فوات الأوان..

﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)﴾

 آخر آية:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1)﴾

( سورةالماعون )

 هو نفسه فذلك..

﴿ آالَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص: من آية " 50 " )

 هذا الترابط بين الخُلُق القويم وبين التدين الصحيح، إذا لم يكن هناك ترابط بين الخلق القويم والتدين الصحيح فهناك خلل في الدين.
 ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3)﴾

( سورة النصر )

 هذه نعوة النبي عليه الصلاة والسلام، العظماء حينما يحققون أهدافهم، ويبلغون رسالات ربهم، تنتهي مهمتهم، فهذه السورة فهمها ابن عباس رضي الله عنه على أنها نعوة النبي عليه الصلاة والسلام.
وأما:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)﴾

( سورة المسد )

 فأبو لهب لو قال: أشهد ألا إله إلا الله لأبطل القرآن، لكن الله سبحانه وتعالى إذا أراد إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبٍ لبه، وعلم الله أنه لن يؤمن، لذلك ما تمكن أن ينطق بالشهادة، والإنسان وضعه عند الموت يلخِّص كل حياته، يقول لك: ما تشاهد، لأنه قضى كل حياته بالمعاصي، لا يمكن أن ينطق بالشهادة، فالله سبحانه وتعالى يلهم العبد عند نزع روحه بسلوكٍ يلخص كل حياته، " يشيب المرء على ما شب عليه، ويموت على ما شاب عليه، ويحشر على ما مات عليه ".
 الشيطان إذا وسوس سمَّاه الله خنَّاساً، الوسواس الخناس، لمجرد أن تقول: يا رب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ينتهي فعل الشيطان، لا يملك إلا الوسوسة، وبالاستعاذة بالله تنتهي هذه الوسوسة.
والحمد لله رب العالمين