English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
pdf file

خطبة جمعة بتاريخ 09 / 11 / 2007 : خ1:  الآثار المترتبة على معرفتك بأسماء الله الحسنى ـ . خ 2: لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه : لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِ وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: ثلاثة بنود محور خطبة سابقة :

 

أيها الإخوة الكرام ، في الخطبة السابقة كان الحديث عن أسماء الله الحسنى ، وفي هذه الخطبة أتابع الموضوع ، وسأذكركم بالبنود الثلاثة الأساسية التي كانت محور الخطبة السابقة .

 

1 – الله جل جلاله له الكمال المطلق :

 

أولاً :

 ( سورة الأعراف)

كمال الله كمال مطلق ، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك ، وينبغي أن تؤوِّل أيَّ شيء متعلق بالذات الإلهية بالكمال الذي يليق بالذات الإلهية ، لأن الله عز وجل يقول :

 

 ( سورة الأعراف)

 

2 – دعاء الله بأسمائه وصفاته  :

 

المحور الثاني : فادعوه بها .

 

Text Box: معنى : فَادْعُوهُ بِهَا

 

لهذه الكلمة معنيان :

المعنى الأول :

الأول أنت حينما تعرف قدرته تسأله ، وحينما تعرف رحمته تستغفره ، وحينما تعرف أنه الرزاق تسترزقه من دون أن تبذل ماء وجهك لإنسان ، من دون أن تتضعضع أمام غني ، لا يمكن إلا أن يكون فهمك لأسماء الله الحسنى منعكساً على سلوكك .

إذاً : فادعوه بها من أجل أن يكون الدعاء مستجاباً ، من أجل أن يكون الدعاء واثقاً ، من أجل أن يكون الدعاء محكماً يجب أن تعرف من تدعو .

المعنى الثاني :

والمعنى الثاني : حينما تدعوه تتقرب إليه بكمال مشتق منه ، إن دعوت العدل فينبغي أن تكون عادلاً بين أولادك ، إن دعوت الرحيم فينبغي أن ترحم خلق الله عز وجل ، إن دعوت اللطيف فينبغي أن تكون رقيقاً ، وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ )) .

[ مسلم ]

أي تعرفه ، فيكون دعاءك محكماً مستجاباً ، وتعرفه فتكون معرفتك قربة إليه به .

Text Box: بين الإحصاءِ والعدِّ :

 

أما :

] لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) [

( سورة مريم)

من هذه الآية يتبين أن الإحصاء شيء ، وأن العد شيء آخر ، العد أن تقول : في هذا الصف أربعون طالباً ، أما الإحصاء فأن تعرف طَالباً طالباً ، وضعه الصحي والاجتماعي ، والنفسي والديني ، والأسري ، وتقدمه ، ووتيرة التقدم ، وخصائصه ، وبأي شيء متفوق ، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :

(( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ـ لم يقل : مَن عدّها ـ مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ )) .

[ متفق عليه]

 

Text Box: الآثار المترتبة على معرفة أسماء الله الحسنى :

 

تعد الأسماء الحسنى أكبر ركيزة في الإيمان ، وسوف نرى في هذه الخطبة الآثار المترتبة على معرفتك بأسماء الله الحسنى .

الأثر الأول : تعظيم الله عز وجل :

يجب أن نؤمن إيماناً قطعياً أن الإيمان بالله شيء ، وأن الإيمان به عظيماً شيء آخر ، الدليل قوله تعالى :

 ( سورة الحاقة )

أي : مًن استحق دخول النار .

التركيز على كلمة ( عظيم ) .

للتقريب : الله عز وجل يقول :

 ( سورة الأحزاب )

الأمر ينصب لا على الذكر ، لماذا ؟ لأن المنافقين يذكرون الله ، قال تعالى :

 ( سورة النساء)

المنافق يذكر الله ، لكنه يذكره الذكر القليل ، لذلك حينما قال الله عز وجل :

 (سورة الأحزاب)

الأمر منصب على الكثرة لا على الذكر .

الآن :

 ( سورة الحاقة )

الأمر منصب على العظيم لأن إبليس آمن بالله :

 [ سورة ص]

آمن به رباً وعزيزاً وخالقاً :

 

 

( سورة الأعراف)

وآمن باليوم الآخر ، ومع ذلك هو إبليس ، فالذي يؤمن دون أن يستقيم يمكن أن نسمي إيمانه إيماناً إبليسياً ، الذي يؤمن دون أن يلتزم ، الذي يؤمن دون أن يقف موقفاً يؤكد إيمانه ، لأن الإيمان ما وقر في القلب ، وأقر به اللسان ، وأكده العمل ، نحن أمام مليار وستمئة مليون مسلم ، لا تجد في أعمالهم ما يؤكد أنهم مؤمنون باليوم الآخر ، فيهم اغتصاب أموال ، وغش ، ووقوع  في المحرمات ، وغيبة ، ونميمة ، وما أدخلوا اليوم الآخر في حساباتهم إطلاقاً ، فلذلك ادعاء الإيمان لا قيمة له .

أيها الإخوة ، أول شيء من آثار الإيمان بأسماء الله الحسنى تعظيم الله ، ويجب أن تؤمن أن هناك علاقة مطردة بين تعظيم الله و طاعته .

هناك مثل أضربه كثيراً : قد تأتيك ورقة من دائرة البريد ؛ أن تعال يوم الخميس لتسلُّم رسالة مسجلة ، هذه الورقة لا تحرك فيك شعرة ، وقد تذهب وربما لا تذهب ، قد تأتيك ورقة بالقياس نفسه من جهة أخرى فلا تنام الليل ثلاثة أيام ، لأنك سمعت قصصاً كثيرة عن الذين دخلوا ، ولم يرجعوا ، لذلك صار عندك ترقب ، فحينما تؤمن بالله العظيم تستقيم على أمره ، لأنه كما قيل : " أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً " .

 

Text Box: كلما ازداد إيمانُك ازدادت خشيتُك :

 

كلما ازداد إيمانك ازدادت خشيتك ، لأن مقياس إيمانك هو استقامتك ، هؤلاء الذين يقول أحدُهم : أنا مؤمن ، ما دمت مؤمناً فلمَ تعصي الله ؟

تعصي الإله وأنت تظهر حبه       ذاك لعمري في المقال شنيع

لو كان حبك صادقاً لأطـعته        إن المحب لمن يحب مطيع

***

أيها الإخوة الكرام ، حينما تتعرف إلى اسم ( الحليم ) ، الحليم يمهل ولا يهمل ، الحليم لا يعني أنه لا يعاقب ، لكن لا يسرع في العقاب ، وحينما تعرف اسم ( الغفور ) تستغفر الله ، حينما تعرف اسم ( الرحيم ) تسأله التوبة ، حينما تعلم أنه شديد العقاب ، حينما تعلم أنه منتقم ، منتقم أي يوقف الكافر عند حده ، من هو أغبى الأغبياء ؟ الذي لا يدخل الله في حساباته .

صدقوا أيها الإخوة الكرام أن أسماء الله الحسنى يمكن أن تكون أكبر ركن من أركان الإيمان بالله .

أذكر مرة كنت في مسجد ، ودخل إنسان قصير القامة ، منحني الظهر ، يرتدي ثيابا بيضاء ليصلي المغرب ، أنا وصديق لي ما إن رأيت هذا الإنسان حتى أسرعت إليه ، وسلمت عليه سلاماً في أعلى درجات الأدب ، الذي كان معي لفت نظره هذا الاهتمام ، قال لي : من هذا ؟ قلت : هذا عميد كليتنا في الأدب العربي ، وعلّمنا أربع سنوات ، وهو من أكبر علماء النحو في البلد ، هو يراه إنسانا كبيرا في السن ، منحني الظهر ، دخل ليصلي ، أما أنا فاستمعت إلى دروسه أربع سنوات ، فحجمه عندي كبير جداً .

كلما تعمقت في أسماء الله الحسنى كان تعظيمك لله أكبر ، وكانت طاعتك أشد ، وكانت مسارعتك إلى رضوانه أكثر ، فأصل الدين معرفة الله .

 

Text Box: هذه هي مشكلة المسلمين اليوم :

 

يمكن أن أقول لكم ، وأنا واثق مما أقول : إن مشكلة المسلمين الأولى ، المليار وستمئة مليون مسلم في المدارس ، وفي المساجد عرفوا أمْر الله ، لكنهم ما عرفوه ، لو عرفوه لعدّ الواحد إلى المليون قبل أن يعصيه ، فما بال المسلمين يأكلون أموال بعضهم ظلماً وعدواناً ، سبعمئة ألف دعوى في قصر العدل اغتصاب بيوت ، وشركات ، وأموال ، وميراث ، لأنهم لا يعرفون الله .

أيها الإخوة الكرام ، سامحوني لو قسوت ، لما يبني إنسان ربحه على مضرة الآخرين ، أنا أقول له : ألغيت صلاتك وصيامك إنسان وحجك وزكاتك إلغاء كليا ، لما تبني منفعة كبيرة على الإضرار بالناس بمادة غذائية لا تصلح للاستهلاك البشري ، بأساليب ملتوية ، أدخلتها ، وبعتها ، وحققت أرباحاً كبيرة ، لو حججتَ سبعًا وثلاثين حجة فاعتبر نفسك أنك ألغيتها كلها ، لو اعتمرتَ ثماني وثلاثين عمرة ، لو صليت في الصف الأول ، لو حفظت كتاب الله كله ، ما دمت بنيت منفعة خاصة على إضرار الناس فقد ألغيت عبادتك ، هذا ليس كلامي ، السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : << قولوا لفلان : إنه ألغى جهاده مع رسول الله >> .

 ( سورة الفرقان)

والله أيها الإخوة الكرام ، لو اطلعتم على أساليب الغش التي يمارسها التجار رواد المساجد من أجل الربح لشِبْتُم .

قد توضع مادة كيميائية مسرطنة في مادة غذائية حتى يزداد بياضها ، فيرتفع سعرها ، ما صلاته ؟ ما صيامه ؟ ما حجه ؟ ما زكاته ؟

حينما تعرف أسماء الله الحسنى تعد للمليار قبل أن تأكل مالاً حراماً :

 (( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام )) .

[ ورد في الأثر ]

المسلمون الآن همُّهم اغتصاب بيوت ، اغتصاب محلات ، اغتصاب شركات ، وأكثر شيء يأتيني عبر الهاتف أن الإنسان إذا مات لا يعطون بناته شيئاً ، فقط للذكور ، ترك ثلاث محلات تجارية ، الأبناء أخذوا قرارا أن المحلات لنا فقط ، البنات ما لهم شيء ، لو صلوا الجمعة ، ولو لبس ثوبا أبيض ، وتعطر بعطر مسكي ، وأمسك مسبحة ، ووضع مسواكا في جيبه ، على قدر ما تستطيع أقِم في نفسك مظاهر إسلامية ، لكن لا قيمة لكل هذه المظاهر ، ضع مصحفا في سيارتك ، اكتب : ] إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًاً مُبِيناً [ ، في المحل التجاري ، افعل ما تريد ، و : ] وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [ ، في عيادة الطبيب ، وهو لا يستقيم على أمر الله ، يبتز المرضى ، الذي سحقنا المظاهر ، الذي سحقنا المظاهر الفارغة .

(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ )) .

[ متفق عليه]

أيها الإخوة الكرام ، حينما تعرف أسماء الله الحسنى تعد للمليار قبل أن تعصيه ، قبل أن تأكل مالاً حراماً ، قبل أن تغشّ المسلمين ، قبل أن تبيع بضاعة فاسدة ، يمكن أن يكون الدواء ثمنه ألف ومئتان ، وفي غفلة منك مضى وقت صلاحيته ، تحكه بالشفرة ، يأتي طفل فتبيعه الدواء ، لقد ألغيت صلاتك وصيامك ، وحجك وزكاتك ، لأنك بنيت ربحك على مضرة إنسان .

أيها الإخوة الكرام ، الدين ليس في هذا المسجد ، في أعمالكم ، في بيوتكم ، في الأسواق ، في العيادة ، في المكتب الهندسي ، في مكتب المحاماة ، الدين هناك ، حينما تقف عند الحدود ، وحينما تخشى ربك المعبود ، وحينما تستقيم على أمرك ، بأيّ مظهر كنت فأنت مقبول عند الله ، بأية طريقة كنت أنت مقبول عند الله ، وتعلُّقُ المسلمين بالمظاهر أوردهم المهالك .

أيها الإخوة الكرام ، أول أثر من آثار الإيمان بأسماء الله الحسنى تعظيم الله ، ومع التعظيم الخشية ، لذلك قد تكون في المركبة ، وفي المركبة عدّادان : عداد السرعة وعداد حركة المحرك ، أحياناً العقارب تتحرك معاً ، أنا أقول لكم : عقرب الخوف من الله والخشية منه يرافقه الاستقامة على أمر الله ، وكلما عظمته كلما ازددت طاعة له ، لا تمتحن إيمانك بأنك تقر بأن لا إله إلا الله ، امتحن إيمانك بطاعتك لله ، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله إيمان إبليسي لا يقدم ولا يؤخر ، ماذا نفعل بهذا الحديث الصحيح ؟

(( ... وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ )) .

[ أبو داود عن ابن عباس ]

عمرة رمضان فيها أربع ملايين مسلم ، والحديث :

(( ... وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ )) .

أعطني مؤمناً وقّافاً عند حدود الله ، وخذ نصراً مؤكداً ، الله عز وجل لا يتخلى عنا ، لكن النصر له أسباب ، وما لم ندفع ثمن النصر فلا يمكن أن نرى نصراً ، هذا الأثر الأول تعظيم الله عز وجل ، الله عظيم عندك ، فلا تعصه ، لا تأكل المال الحرام :

(( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام )) .

[ ورد في الأثر ]

الأثر الثاني : تعظيم القربات إلى الله وتعظيم المؤمنين :

من تعظيم الله تعظيم القربات إليه ، أن يتاح لك عمل صالح ترفض أيّ موعد آخر من أجله ، عندك درس علم ، عندك خدمة ، عندك صلة رحم ، عندك دعوة إلى الله ، هذه مقدَّمة على كل النشاطات ، تعظمه ، وتعظم القربة إليه ، تعظمه وتعظم العمل الصالح ، وقد تعظم حاجباً في دائرة مستقيماً مؤمناً ، وقد لا تكترث بأعلى مرتبة في الدائرة إن لم تكن مستقيما .

من لوازم تعظيم الله أن تعظم المؤمنين ، لا أن تتهمهم بالغباء والفقر ، والتخلف ، وهؤلاء الذين يقترفون المعاصي والآثام يتبادلون الزوجات ، يقرون المثلية الجنسية ، هؤلاء تراهم أناسا أذكياء كبراء متبحرين في العلوم ، متمكنين من الصناعة والتجارة ، يجب أن يكون ولاءك لله ، الولاء والبراء ركن سادس من أركان الدين ، أن توالي المؤمنين ، ولو كانوا ضعافاً فقراء ، وأن تتبرأ من الآخر غير المؤمن ، ولو كان قوياً وغنياً .

أيها الإخوة الكرام ، الطاعة مرتبطة بالتعظيم ، والتعظيم مرتبط بمعرفة أسماء الله الحسنى ، وشيء مبذول .

من لوازم معرفة الله أنك لا تعظم المخلوقين غير الملتزمين ، وحينما تعظم إنساناً تراه قوياً ، فتعصي الله إرضاء له فأنت لا تعرف الله أبداً ، وحينما تعصي الله من أجل زوجتك فأنت لا تعرف الله أبداً ، وحينما تعظم ربحاً كبيراً من غش المسلمين فأنت لا تعرف الله أبداً .

صدقوا أيها الإخوة ، ولا أبالغ ، أحياناً أرى مسلما يرتكب عملا كبيرا ، وهو عند الله عظيم ، أقول : والله ما عرف الله ولا واحدا بالمليار ، لو عرفه لاستقام على أمره ، لو عرفه لكان وقافاً عند حدوده ، أن يراك حيث أمرك ، وأن يفتقدك حيث نهاك ، وأحياناً تكرم إنسانا تكريما غير معقول ، ويرتكب المعاصي جهاراً بعمل فني ، وأنت تكرمه تكريما غير معقول ، هذا التكريم على ماذا يدل ؟ على أن مبادئ الدين لا قيمة لها عندك .

أيها الإخوة الكرام ، لا أقول : الاستهانة بالمخلوقين ، لا أقصد احتقارهم ، ولكن أقصد إذا دعوك إلى معصية أن لا تعبأ بهم ، لا برضاهم ، ولا بغضبهم ، قال تعالى :

 ( سورة طه)

حينما تعرف الله فلا تعصي ربك من أجل مخلوق ، كائناً من كان ، لا تتضعضع أمام قوي ، ولا أمام غني ، ومن تضعضع أمام غني ذهب ثلثا دينه ، ويقاس عليه من تضعضع أمام قوي ذهب ثلثا دينه .

 ( سورة طه ) .

 ( سورة الشعراء ) .

 

( سورة الأنبياء ) .

القصص كثيرة جداً :

تعرفون مَن الحَجّاج ، أحد التابعين في عهده قام بواجب البيان ، فبين ، فغضب الحجاج ، وقال لجلسائه : والله يا جبناء لأروينكم مِن دمه ، أمر بقتله بكلمة لا تحتاج إلى محكمة ، ولا محامي دفاع ، ولا محامي إثبات ، فاستدعي للقتل ، وجيء بالسياف ، ومد النطع ، لما دخل الحسن البصري على الحجاج رأى السياف واقفًا ، والنطع ممدودا ، ففهِم كل شيء ، أنه مقتول ، حرك شفتيه ، وما فهم أحد ماذا قال ، فإذا بالحجاج يقف له ويقول : أهلاً بأبي سعيد ، أنت سيد العلماء ، وما زال يقربه من مجلسه حتى أجلسه على سريره واستفتاه ، وأكرمه ، وعطره ، وضيفه ، وشيعه إلى باب القصر ، السياف صُعق ، لماذا جيء به ؟! جيء به ليقتله ، صُعق الحاجب ، وتبعه ، وقال له : يا أبا سعيد ، ماذا قلت ؟ قال له : قلت : يا ملاذي عند كربتي ، يا مؤنسي في وحشتي ، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً ، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم .

أيها الإخوة الكرام ، كلمتان ، والله لو رددت هاتين الكلمتين مليار مرة لا أرتوي منهما ، الله كبير ، وما مِن إلهٍ إلا الله ، فهمكم كفاية ، ما مِن إلهٍ إلا الله ، ثم يقال لك : استعمار ، صهيونية عالمية ، الموساد ، ما مِن إلهٍ إلا الله ، والطريق إلى الصلح معه سالك ، وهو ينتظرنا .

(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إلى ، هذه إرادتي بالمعرضين ، فكيف بالمقبلين )) .

[ ورد في الأثر ] .

الذي قال أنا ربكم الأعلى فرعون ، الذي قال :

 ( سورة القصص : 38)

ماذا قال الله لموسى وأخيه هارون :

 ( سورة طه )

ناجى أحدُهم ربه ، وقال : يا رب ، إذا كانت هذه رحمتك بمن قال : أنا ربكم الأعلى ، فكيف رحمتك بمن قال : سبحان ربي الأعلى ؟ وإذا كانت رحمتك بمن قال :

] مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [ .

( سورة القصص : 38)

فكيف رحمتك بمن قال : لا إله إلا الله ؟ الله ينتظرنا ، والأمر بيدنا ، ونصرنا بينا ، وصلاحنا بيدنا ، والكرة في ملعبنا ، أما أن تتمنى على الله الأماني فإن الأماني بضائع الحمقى ، فمن أراد الآخرة سعى لها سعيها ، اللهم انصرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك ، حتى نستحق أن تنصرنا على أعدائنا .

من نتائج معرفة أسماء الله الحسنى أن الله عز وجل عظيم جداً عندك ، وكلما عظمت الذات الإلهية عندك خضعت له ، ومقياس إيمانك خضوعك لله عز وجل ، وأحياناً يتاح لك أن تأكل مليارات ، ولست مداناً على وجه الأرض ، لكن المؤمن والله لا يستطيع أن يأكل قرشاً واحداً ، والنبي عليه الصلاة والسلام وجد تمرة على السرير في غرفته ، قال : يا عائشة ، والله لولا أن أخشى أن تكون هذه التمرة من تمر الصدقة لأكلتها ، يبدو أنه اشتهاها ، تمرة ، لكنه خشي أن تكون من تمر الصدقة ، هكذا كان ورع النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط .

(( من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية اللّه إذا خلا بها لم يعبأ اللّه بسائر عمله شيئاً )) .

[ رواه الديلمي عن أنس ] .

إذا عرفت أسماء الله الحسنى يكون الله عندك عظيماً ، وإذا عرفت أسماء الله الحسنى  يكون المخلوق عندك صغيراً ، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

قال الحجاج لسعيد بن جبير : أنا سأقتلك ، قال : والله لو علمت أن حياتي بيدك لعبدتك ، لكن حياتي ليست بيدك ، بيد الله ، ولو قتلتني أنا أموت في الوقت الذي أراده الله .

يجب أن تؤمن أن الله قطع العباد عن الأرزاق والأعمار ، لذلك كلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرب أجلاً ، قال تعالى :

 ( سورة الحجر )

لا تأخذك في الله لومة لائم ، من أين تأتيك الشجاعة ؟ من التوحيد ، ومن معرفة أسماء الله الحسنى ، من أين يأتي الجبن والنفاق ؟ من ضعف التوحيد ، ومن ضعف معرفتك بأسماء الله الحسنى .

الأثر الثالث : التوبةُ :

شيء آخر ، معرفة أسماء الله الحسنى من نتائجها التوبة ، لأن الله عز وجل ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا ، لأنه رحيم بنا ، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا ، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليجيب لنا ، معك دعاء وتحزن ؟ معك أقوى سلاح في الكون ، الدعاء سلاح المؤمن ، معك الدعاء وتحزن ؟

للتقريب : هل يمكن لجندي غرٍّ التحق بثكنة ، وعريف هذا الجندي والده قائد الجيش ، فلما هدده هذا العريف صار يبكي ، هذا أحمق ، حينما تؤمن أن أمرك بيد الله ، وما سلّمك إلى أحد ، ولو سلّمك إلى أحد كيف تعبده ؟ تقول : يا رب ، أنا مضطر أن أعبد غيرك الذي سلمت أمري إليه :

 ( سورة هود)

أمرك بيده ، صحتك بيده ، زوجتك بيده ، رزقك بيده ، أولادك بيده ، مكانتك بيده ، راحتك النفسية بيده ، الرضى الذي ترضى به بيديه ، أمنك بيده ، خوفك بيده ، لذلك أكبر ثمرة أو أكبر نتيجة سيئة للشرك :

 ( سورة آل عمران الآية : 151 ) .

حينما تشرك يمتلأ القلب خوفاً فتنافق ، تكذب ، وتفعل كل المعاصي بدافع من خوفك الشديد ، والخوف بسبب عدم معرفتك بالله عز وجل .

أيها الإخوة الكرام ، وحينما تعرف الله تعرف أسماء الله الحسنى تدعو إليه ، ولا تأخذك في الله لومة لائم ، لا تجامل ، لا تنافق ، لا تقول : لا علاقة لي ، لا تقول : أسلم لي ألا أدعو إلى الله ، ترى أن الله معك ، وأن الله بيده كل شيء :

 ( سورة الزخرف ) .

مرة ثانية ما من إله إلا الله ، والله كبير .

أَحَبَّ راكب سيارة أن يبرز مهارته بالقيادة  ، وفي الطريق جرو صغير على طريق المطار في أيام الشتاء ، الطريق المعبد أدفأ من التراب ، لونه أسود فيمتص الحرارة ، فهذا الجرو الصغير جالس على طرف الطريق ويداه خرجت عن حجم جسمه بخمسة سنتمترات ، فاستطاع هذا السائق الماهر أن يقص يديه فقط دون أن يقتله ، وأطلق ضحكة هسترية ، كان إلى جانبه رجلٌ أعرفه معرفة جيدة ، وحدثني عن هذه القصة بأنه رآها بنفسه ، قال : في يوم السبت المُوالي في هذا المكان أصاب العجلة عطب ، فبدلها ، في أثناء التبديل فسدت الرافعة ، ووقعت العجلة بعد أن فكها من السيارة على رسغيه ، والمركبة فوق العجلة ، فهرست رسغاه ، ذهبوا به إلى المستشفى فاضطروا لقطع يديه ، يقسم بالله العظيم إنه بعد أسبوع فقَدَ يديه .

الله كبير ، لسبب تافه يجعل الله الحياة جحيماً لا يطاق ، ما مِن إلهٍ إلا الله ، هذا التوحيد ، وعدّ للمليار قبل أن تعصي الله ، قبل أن تقتل حيوانا بغير ذنب ، قبل أن تأكل مالاً حراماً ، قبل أن تغش مسلماً .

هناك سائق سيارة حديثة ، لكنه جاهل بميكانيكها ، فيها خطأ بسيط يحل في خمس دقائق ، أوهم المصلح صاحبها أن بها خللاً خطيراً يحتاج إصلاحها إلى أيام ثلاثة ، وطلب منه عشرة آلاف ليرة ، وهي تصلح تصلَّح في ثانية ، قال لي جاره : أول يوم أخذ بها أهله إلى مصيف جميل ، واليوم الثاني ذهب إلى طريق المطار ، واليوم الثالث إلى مكان آخر ، أصلحها في دقائق ، واستخدمها أياماً ثلاثة ، فعاتبه جاره ، قال له : معقول ؟ قال له : هكذا الشغل ، أنت لا تفهم ، يقسم لي بالله العظيم إنه بعد أيام دخلت نثرة من فولاذ في عين ابنه كلّفته عمليه نزعها ثلاثين ألفًا ، الله كبير ، فإياك أن تغلط مع الله .

سيدنا ابن عمر حينما التقى راعياً قال له : بعني هذه الشاة ، وخذ ثمنها ، قال له الراعي : ليست لي ، يقول : قل لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب ، يقول الراعي : ليست لي ، يقول له : خذ ثمنها ، يقول له الراعي : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها : ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني ، فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟

هذا الراعي لا عنده إنترنت ، ولا عنده فضائيات ، ولا عنده مكتبة ضخمة من الأرض إلى السقف ، ما عنده هذا ، وضع يده على جوهر الدين ، والذي يستطيع أن يتكلم عشر ساعات من دون تحضير ، وله معصية جاهل عند الله عز وجل ، يستطيع أن يتكلم عشر ساعات ، طليق اللسان ، عندك معلومات غزيرة جداً ، إذا ما كنت مستقيما فهذا الراعي أعلم عند الله منك ، لذلك احفظوا هذا النص : كفى بالمرء علماً أن يخشى الله ، وكفى به جهلاً أن يعصيه .

لو فرضنا منصبا دينيا رفيعا جداً ، وهناك حاجب أمّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب ، وجاءت امرأة إلى صاحب هذا المنصب الرفيع ، وملأ عينيه من محاسنها ، وهذا الحاجب غض بصره عنها ، لكنه أميّ ، من هو العالم عند الله ؟ هذا الحاجب ، مقاييس الله غير مقاييسنا ، مقاييسنا دكتوراه ، وشهادات ، ومؤتمرات ، ومظاهر صارخة ، هذه مقاييس البشر ، لكن مقاييس خالق البشر شيء آخر .

الأثر الرابع : الدعوة إلى الله وعدم خشية الناس :

 

أيها الإخوة الكرام ،  الثمرة الرابعة : أنْ تدعو إلى الله ، ولا تخشى إلا الله .

الأثر الخامس : مراقبة الله عز وجل :

 

الثمرة الخامسة مراقبة الله عز وجل ، الله سميع ، كلامك يسمعه ، تقول كل يوم ، سبعا وعشرين مرة تقريباً : سمع الله لمن حمده ، الله سميع ، ما تكلمتَ ، تحركت فهو بصير ، لا تحركت ، ولا تكلمتَ ، ضمرت في نفسك شيئا الله به عليم ، فهو سبحانه سميع بصير عليم .

معرفة أسماء الله الحسنى  تدعوك إلى مراقبة الله ، تدعوك إلى تعظيم الله ، فتطيعه ، تدعوك إلى تعظيم أمره فتأتمر به ، تدعوك إلى عدم تعظيم مخلوق يأمرك بمعصية ، فإذا أمرك مخلوق بطاعة فعلى العين والرأس ، تدعوك إلى عدم تعظيم مخلوق يأمرك بمعصية .

والشيء الرابع : أنك تدعو إلى الله .

والشيء الخامس : أنك تراقب الله عز وجل ، لذلك معرفة أسماء الله الحسنى أحد أكبر أجزاء العقيدة التي ينبغي أن تكون سليمة عندك .

أيها الإخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .