English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
pdf file

خطبة جمعة بتاريخ 30 / 11 / 2007 : خ1 : اللقاء العالمي حول الوسطية في الإسلام. خ 2:  مخترع البريد الساخن : لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِ وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: مقدمة حول التطرف :

 

1 – تطرُّف التفلت وتطرُّف التشدُّد :

 

أيها الإخوة الكرام ، شاع مصطلح في السنوات الأخيرة هو التطرف الديني ، والحقيقة أيها الإخوة أن هناك مَرَضين خطيرين ، تطرف إباحية ، وتطرف تشدُّدٍ ، وكلا التطرفين بعيدان عن حقيقة الدين ، تطرف تفلت ، تطرف تشدد ، لذلك ظهر بشكل أو بآخر مصطلح ثالث هو الإسلام الوسطي .

 

2 – الإسلام واحد ليس فيه إسلام وسط وإسلام متطرِّف :

 

والحقيقة أن حول هذا المصطلح كلام كثير ، ليس هناك إسلام وسطي لأن الإسلام هو الإسلام ، الإسلام دين الله ، الإسلام توقيفي :

 

] الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (3) [

( سورة المائدة )

3 – الإسلام دين الله خالق البشر :

 

الإكمال نوعي والإتمام عددي ، فعدد القضايا التي عالجها الدين تام عدداً ، وطريقة المعالجة كاملة نوعاً ، لأن الإسلام ليس منتجا بشرياً ، إنما هو وحي من السماء ، إذاً : هو لا يخضع لا للتطوير ، ولا للتعديل ، ولا للإضافة ، ولا إلى للتحديث ... وكل ما يطرأ على صنع البشر يحتمل التحديث والتطوير ، والحذف والزيادة ، وما شاكل ذلك ، أما دين الله عز وجل فهو من عند الخالق العظيم ، من عند الخالق الذي تنزهت صفاته عن كل نقص .

ولكن اضطر المسلمون إلى استخدام هذا المصطلح عقب تطرف تفلتي وتطرف تشددي ، وكنت في الأسبوع الماضي في ملتقى دولي حول الوسطية ، وقلت في هذا اللقاء كلمة .

 

Text Box: حقائق مهمة :

 

الحقيقة الأولى : الجمعُ بين المصادر الدينية والمصادر الدنيوية :

 

الحقيقة الأولى أيها الأخوة ، لا بد من أن نجمع بين مصادر المعرفة الدينية والدنيوية ، لأن العلم بخلق الله أصل في صلاح الدنيا ، وصلاح الدنيا سبب قوة المسلمين ، فإذا قال الله عز وجل :

 

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ .

( سورة الأنفال الآية : 60 )

أن نعرف العلوم أن نتفوق بها أن نستخدمها كوسيلة لقوتنا هذا جزء من ديننا ، فلذلك لا يكفي أن نبحث في شؤون الدين وحده ، يجب أن نتفوق في العلوم العصرية ، لأنها مصدر قوتنا ، لذلك قالوا : هناك علم بخلقه ، هذا اختصاص الجامعات في الأرض ، وهناك علم بأمره ، هذا اختصاص كليات الشريعة في الأرض ، وهناك علم به ، وهذا هو المنجي ، والذي قال عنه الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : " حيثما وردت كلمة العلم به في القرآن الكريم فتعني العلم به " ، فالعلم بخلق الله عز وجل أصل في صلاح الدنيا ، والعلم بأمره أصل في العبادة ، لكن العلم به أصل الدين أن تعرفه .

(( يا ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء )) .

[ ورد في الأثر ] . 

 

Text Box: إتقان العلوم المادية قوةٌ للمسلمين ، وجزءٌ من الدين :

 

فحينما يفهم المسلم أن إتقان علم ما ، أن إتقان خبرة ما ، أن إتقان حرفة ما ، أن تطوير صناعة ما ، أن تلبية حاجة المسلمين فيما هم في أمسّ الحاجة إليه من أجل أن نستغني عن الآخر ، وعن بضاعة الآخر ، وعن هيمنة الآخر ، وعن تحكم الآخر فهذا عمل إسلامي عظيم ، حينئذ نكون قد فهمنا الإسلام فهماً وسطياً .

هناك كتاب الله المسطور ، وهناك كتاب الله المنظور ، وهو الكون ، فتتبعُ قوانين الكون ، ومعرفة أسرار الكون ، واستغلال هذه القوانين لصالح المسلمين ، أن تزداد قوة المسلمين بهذه المعرفة ، هذا جزء من دينهم ، لقوله تعالى :

 

 

﴿ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ .

( سورة الأنفال الآية : 60 )

من أجل أن محرك طائرة واحد نحتاج إلى خمسة ملايين دولار ، أربعة محركات بعشرين مليون ، مليار ليرة ، المليار ليرة كم طنًّا من القمح ؟ نبيع معظم ما نملك من مواد أولية ، ونأخذ بعض تقنيتهم وبعض خبرتهم ، فلابد من أن يقوى المسلمون بإتقان علوم العصر ، هذا جزء من دينهم ، ألم يشر النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك حينما قال :

(( من تعلم لغة قوم أمن مكرهم )) .

[ ورد في الأثر ]

ومن تعلم صناعة أساسية في حياتنا خرج من سيطرتهم .

هذه الحقيقة الأولى ، لا بد من أن نقرأ في كتاب الله المنظور ولا بد من أن نقرأ في كتاب الله المسطور ، المسطور هو القرآن ، والمنظور هو الكون :

] اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) [

( سورة العلق )

أؤكد لكم أيها الإخوة ، وهذا من أعماق الأعماق : لا ينجح داعية على وجه الأرض الآن إن لم يستوعب ثقافة العصر ، إن لم يفهم مراكز القوة فيه ، إن لم يطلع على ما يجري عند الآخر ، هذا من قوة الإنسان في هذا العصر ، لذلك الجهاد البنائي أساسه التمكُّن من ثقافة العصر .

الطالب الذي يدرس الرياضيات ، الفيزياء ، الكيمياء ، يتقنها ، ماذا أقول لكم في الخطبة التالية ، أؤكد لكم تأكيداً لهذه الحقيقة .

 

الحقيقة الثانية : توافقُ النقل مع العقل :

 

أيها الإخوة ، نحن حينما نقدس النص التشريعي ، النص القرآني ، النص النبوي الصحيح طبعاً ، هذا لا يعني أن نحتقر العقل ، العقل أصل في الدين أيضاً ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن يتناقض النقل مع العقل ، لأن النقل من عند الله ، والعقل مقياس أودعه الله فينا ، بل إنّ بعض الأئمة الكرام أكد في كتاب دقيق حتمية توافق النقل مع العقل ، وأعظم ما في هذا الدين العظيم أن الدين يتوافق مع العقل مئة بالمئة ، بل ما من حقيقة علمية صارخة يمكن أن يكون في القرآن الكريم ما يناقضها ، هذا مستحيل ، لكننا نثني على العلم إذا وافق القرآن الكريم ، ولا يليق بنا أن نثني على القرآن إذا وافق العلم ، القرآن الكريم وحي السماء ، القرآن الكريم هو الأصل ، والنقل هو الأصل ، والعقل لفهم النقل ، والعقل للتأكد من صحة النقل ، إذاً : فقد تطرف بعض المسلمين بأن يقدس أحدُهم النص ويحتقر العقل ، العقل لا يحتقر ، لأن الآيات التي تشير إليه مع فنون العلم والتذكر ، والتفكر والمحاكمة تقترب من ألف آية :

 

] أَفَلَا يَعْقِلُونَ (68) [

( سورة  يس)

 

] أَفَلَا يَنْظُرُونَ (17) [

( سورة  الغاشية )

إذاً : من خصائص الوسطية ـ إن صح التعبير ـ في الإسلام أننا كما نقدس النص الشرعي ، ونحتفي به يجب أن نحترم العقل .

 

Text Box: ماذا لو وُجِد تعارضٌ بين النقل والعقل ؟

 

يجب أن نعتقد أنه لا يمكن للعقل أن يناقض النقل إلا في حالتين :

هاتان الحالتان هما :

عدم حَدية أحدهما ، بفهمٍ خاطئ لآية كريمة ، أو فهمٍ خاطئ لحديث شريف ، أو نظرية لم تثبت بعد .

ويتناقض النقل مع العقل إذا كان النقل غير صحيح ، أو أوِّل تأويلاً غير صحيح ، ويتناقض النقل مع العقل إذا كان العقل غير صريح كأن كان عقلاً تبريرياً.

 

الحقيقة الثالثة : الاتِّباعُ في الدين والابتداع في الدنيا  :

 

أيها الإخوة الكرام ، هناك حقيقة دقيقة ، يمكن أن تكون أحد خصائص الوسطية في الإسلام ، أن المسلم عليه أن يقلد في دينه ، وأن يبتدع في دنياه ، يجب أن نطور حياتنا ، يجب أن نطور معيشتنا ، وسبل رزقنا ، أن نحل مشكلات شبابنا ، ألاّ ندع مشكلة تعيق تطورنا ، هذا تطوير وتحديث من أجل قوتنا ، أما الدين فلا يطوَّر ، الدين لا يضاف عليه ، ولا يحذف منه ، الدين توقيفي ، فكيف بالمسلمين إذا قلّدوا في حياتهم ، ولم يخترعوا ، ولم يطوروا صناعتهم ، ولم يستخرجوا ثرواتهم ، ولم يستصلحوا أراضيهم ، ولم ينشئوا السدود ، لم يطوروا الزراعات ، قلّدوا في دنياهم ، وارتضوا أن يكونوا مستوردين من الطراز الأول ، وطوروا في دينهم ، إذْ أضافوا إلى الدين ما ليس منه ، وحذفوا ما ينبغي أن يعلم بالضرورة ؟!

أكبر خطر أن نطور في الدين ، وأن نقلِّد في الدنيا ، وأفضل ميزة للأمة أن تطور في دنياها ، وأن تقلد في دينها ، لأن الدين كما قلت قبل قليل : توقيفي ، لا يحتمل الزيادة ولا النقصان .

أيها الإخوة الكرام ، ((  وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ...)) .

[ مسلم والنسائي ، واللفظ له عن جابر]

هذا في شؤون الدين ، في شؤون العقائد والعبادات ، أما في شؤون الدنيا فيجب أن نطوّرها ، يجب أن نحل قضية السكن ، يجب أن نحل قضية الطاقة ، يجب أن نحل قضية الإسكان ، يجب أن نلبي حاجات الشباب ، يجب أن نطور في دنيانا ، وأن نقلد في ديننا ، والطامة الكبرى أن نقلد في دنيانا ، وأن نبتدع في ديننا .

 

الحقيقة الرابعة : لا بد من تلازم وتوافق بين الظاهر والباطن :

 

أيها الإخوة الكرام ، لا بد من تلازم وتوافق بين الظاهر والباطن ، قال تعالى :

 

] فَاعْبُدِ اللَّهَ (2) [

( سورة  الزمر)

الأمر موجَّه إلى الجوارح ، فاعبد الله أي : صلِّ ، فاعبد الله صم ، فاعبد الله حجَّ بيت الله الحرام ، فاعبد الله أدّ زكاة مالك ، فاعبد الله كن صادقاً ، فاعبد الله كن أميناً ، فاعبد الله كن عفيفاً ، فاعبد الله مخلصاً .

إنّ عبادة القلب الإخلاص ، وعظمة المؤمن أنك لا ترى فرقاً بين ظاهره وباطنه ، ولا بين علانيته وسريرته ، ولا بين خلوته وجلوته ، ولا بين ما يقول وما يعتقد ، فهو يقول ما يعتقد ، ويعتقد بما يقول ، وسريرته كعلانيته ، وخلوته كجلوته ، وسره كظاهره ، هذا هو التوافق ، وأعظم ما عند الأنبياء وهم قمم البشر الذين غيّروا تاريخ البشر ، الذين غيروا بيئات البشر ، هؤلاء لا تجد مسافة إطلاقاً بين أقوالهم وأفعالهم ، فما أَمَر النبيُّ عليه الصلاة والسلام  بشيءٍ إلا كان أسبق الناس إليه ، ولا نهى عن شيء إلا كان أبعد الناس عنه ، هذه المسافة المعدومة بين الأقوال والأعمال هي سر قوة الإنسان .

التقيت بداعية كبير في مصر قبل عشر سنوات تقريباً ، وقد توفي ـ رحمه الله ـ ففي نهاية اللقاء سألته أن يقدم نصيحة إلى الدعاة إلى الله ، وكنت أظنه أنه سيتكلم ساعة أو أكثر ، فإذا هي جملة واحدة ما زاد عليها كلمة قال : " ليحذر الدعاة أن يراهم المدعوون بخلاف ما يدعونهم إليه " .

أكبر قوة تملكها أن تفعل ما تقول ، وأن تقول ما تفعل فقط ، هذا الدرس يحتاجه الأب والأم والمعلم ورئيس الدائرة ، وكل من يحتل منصبا قياديا ، إياك أن يراك الذين حولك في حالة تتكلم عكسها ، أو تدعو إلى غيرها ، هذا نسميه التلازم بين الظاهر والباطن ، قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى : " الأعمال صور قائمة ، أرواحها وجود سر الإخلاص فيها " .

 

الحقيقة الخامسة : مراعاةُ مقاصد الشريعة :

 

شيء آخر ، ينبغي أن نراعي مقاصد الشريعة ، أضع بين أيديكم حالة صارخة :

قبل وقت طويل كان الحجاج في منى يذبحون الأضاحي بإحصاء قريب من الصحة حوالي مليون رأس غنم يُذبح في الأرض ، ويترك فيها ، هل تتصور أن شرعاً إلهياً يأمرك أن تذبح مليون رأس غنم في جو تزيد الحرارة فيه على خمسين درجة ، ويترك في العراء ؟

حدثني أخ يسكن في منى قال : والله روائح الجيف تستمر أشهراً عديدة ، هل هذه هي الشريعة ؟ مستحيل أن يكون هذا شرع الله عز وجل ، هذا الهدي يجب أن يصل إلى أصحابه المحتاجين ، هذه هي الشريعة ، أما أن تذبح ، وتترك الذبيحة في العراء حتى تتفسخ بعد حين ، ليس هذا من شرع الله عز وجل ، فلذلك الآن الحمد لله كل هذه الذبائح تبرَّد وتشحن إلى بلاد فقيرة ليأكلها الجياع في العالم ، هذا هو الشرع .

إذا فهمت مقاصد الشريعة ، فاتجه الفقيه اتجاهاً صحيحاً عند البحث في الفقه ، وعند الاجتهاد ، وإذا فهمت مقاصد الشريعة اتجه المفتي إفتاءً صحيحاً عند الإفتاء ، وإذا فهم الإنسان مقاصد الشريعة اتجه الباحث اتجاهاً صحيحاً عند إبداء الرأي ، فالذي لا يحسن ضبط الكليات لا يحسن فهم ومعالجة الجزئيات ، يجب أن نذكر دائماً مقاصد الشريعة .

حينما نغفل المقاصد نغرق في الجزئيات ، فإذا الجزئيات تتناقض مع مقاصد الشريعة ، لذلك هناك كلمة لا أرتوي من تردادها لعالم جليل يقول : " الشريعة عدل كلها ـ مقاصد الشريعة العدل بين الناس ـ مصلحة كلها ، رحمة كلها ، حكمة كلها ، وأية قضية خرجت من العدل إلى الجور ، ومن الرحمة إلى القسوة ، ومن المصلحة إلى المفسدة ، ومن الحكمة إلى خلافها فليست من الشريعة ، ولو أدخلت عليها بألف تأويل وتأويل " .

هذه عظمة منهج الله عز وجل .

 

الحقيقة السادسة : التأدُّبُ مع قوانين الله :

 

أيها الإخوة ، وأنا أرى ، وأكدت هذا كثيراً في أكثر من خطاب : لا تكون مسلماً إلا إذا احترمت قوانين الله عز وجل ، دعك من الشريعة ، إذا احترمت قوانين الله في صحتك تكون عبداً لله ، حذرك الطبيب مثلا من تناول الملح في الطعام لارتفاع ضغط عندك ، أن تقول : سمِّ بالله وكل ، ولا تعبأ بكلام الأطباء ، أنت بهذا لا تتأدب مع منهج الله ، الله عز وجل لن يخرق من أجلك القوانين ، هذه القوانين من خَلْق الله عز وجل ، فمن علامة عبوديتك لله التأدب مع هذه القوانين ، تأكل الفاكهة من دون أن تغسلها ، وتقول : سمِّ بالله ، ولا يضر مع اسمه شيء ، هذا كلام غير صحيح ، (( مَن أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه )) .

[ الطبراني عن سلمان بسند ضعيف ، وانظر الجامع الصغير ]

هناك قوانين ÷ وقد قلت قبل قليل : دعك من المنهج الإلهي ، أنت الآن مع الطعام والشراب ، مع صحة الجسد ، مع قوانين الكون ، مع قوانين الفيزياء والكيمياء ، والفلك والرياضيات ، إياك أن تتصور أنها تخرق لك ، فمن علامات عبوديتك لله الخضوع لها ، والتأدب معها .

مثلاً : الابن مريض ، ماذا يأمرك الدين ؟ أن تأخذه إلى أمهر طبيب ، وأن تشتري الدواء الجيد ، وأن تعطيه الدواء في أوقاته ، وبعد ذلك تقول : يا رب ، أنت الشافي ، .

لابد أن تراجع مركبتك مراجعة تامة قبل السفر ، المكابح ، الميزان ، الأشرطة ، الزيت ، تراجعها مراجعة كاملة ، وتقول من أعماق أعماقك : يا رب ، أنت الحافظ ، أن تأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، هذا هو الدين .

الغربيون أيها الإخوة أخذوا بالأسباب ، واعتمدوا عليها ، وألّهوها ، واستغنوا بها عن الله عز وجل ، فأشركوا ، ووقعوا في الشرك ، والشرقيون بسذاجة حمقاء لم يأخذوا بها ، يتوكلون بل يتواكلون ، لا يفعلون شيئاً ، يقولون : كل شيء ترتيب سيدك ، الله هو المعطي ، هو المانع ، هو المقدر ، يا رب ، عليك بهم ، فإنهم لا يعجزونك ، يا رب ، دمرهم ، يا رب أهلكهم ، والله لا يهلكهم ، ولم يدمرهم ، لأنهم أخذوا بالأسباب ، هذه الدنيا بالأسباب ، أي إنسان أخذ بالأسباب تملكها ، من هنا قال بعض العلماء : " إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة " ، ومن هنا قال بعض العلماء : " الدنيا تصلح بالعدل و الكفر ، ولا تصلح بالإيمان والظلم " ، قال تعالى :

 

﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ .

( سورة الأنعام ) .

نظام الدنيا نظام آخر ، بل إن بعض العلماء يفهم الآية الكريمة :

 

 

] وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)[

( سورة الأنبياء)

الصالحون لإدارتها ، الصالحون لإعمارها ، هؤلاء الذين حلوا مشكلات الناس ، أعطوا الإنسان حقه ، أعطوه كرامته ، هؤلاء يتولون الأمور في الدنيا ، هذه حقيقة مؤلمة ، تقول لي : مسلم ، وأنت تظلم زوجتك ؟! تصلي خمسة أوقات ولا تؤدي الحقوق ؟! ما قيمة إسلامك ؟  

   (( ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام )) .

[ ورد في الأثر ]

دانق من حرام .

(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافي في مسجدي هذا )) .

[ الترغيب والترهيب عن ابن عباس بسند ضعيف]

Text Box: من لوازم الوسطية : الوعيُ بسنن الله في الخَلق والكون :

 

لذلك أيها الإخوة ، من تعريفات الوسطية الوعي بسنن الله في الخلق والكون .

مرَّ سيدنا عمر برجل معه جمل أجرب ، قال له : << يا أخ العرب ، ما تفعل به ؟ قال : أدعو الله أن يشفيه ، قال له : هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ؟ >> .

هل من المعقول لإنسان أن يركب مركبته ، وانطفأ محركها فجأة ، ماذا يفعل ؟ خرج من المركبة وقال : يا رب لا إله غيرك ، يا رب أصلحها ، لن تسير السيارة ، افتح غطاء المحرك ، وابحث عن الخطأ ، فكر تفكيرا علميا ، الله موجود ، الله عز وجل يصلحها إذا بحثت عن السبب وحللته ، الله يعطي بسبب ، ويأخذ بسبب ، الله يلهمك موضع الخطأ ، افتح الغطاء ، وانظر أين الخطأ ، وأصلحه حتى تسير ، لا أتحرك ، ولا أفكر ، ولا أبحث ، ولا آخذ بالأسباب ، وأقول : يا رب ، لا إله غيرك ، عليك بهم ، فإنهم لا يعجزونك ، اللهم دمرهم ، اللهم اجعل تدبيرهم في تدميرهم ، كلما دعوت لا يدمرهم الله ، بل يزدادون قوة ، لأننا نمشي في الطريق الخطأ ، نمشي في طريق مسدود ، نحن متواكلون ، قدم شيئاً ثميناً لأمتك ، وانتظر نصر الله لك ، نصر الله لك له ثمن ، وثمن باهظ ، مهما دعوت ، مهما رفعت صوتك ، القرار الإلهي واضح :


﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ .

( سورة محمد الآية : 7 ) .

كما فعل صلاح الدين ، أزال كل المنكرات ، وعلّم الجيد الصاعد ، تغلب على سبعة وعشرين جيشاً أوربياً ، وفتحُ القدس مفخرة من مفاخر صلاح الدين ، كيف فتحها ؟ بالدعاء ، لا والله ، فتحها بالعمل ، فتحها بإزالة المنكرات ، فتحها بتعليم الشباب ، فتحها بالعلم ، وبعد ذلك جاءت معونة الله .

أيها الإخوة الكرام ، من رحمة الله بنا أن الله ما كلفنا أن نعد لأعدائنا القوة المقابلة ، هذا أمرٌ مستحيل ، الفرق كبير جداً ، لكنه كلفنا أن نعد القوة المتاحة ، وهو يتولى الباقي ، كلفنا أن نعد القوة المتاحة فقط ، الدليل :

 

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾ .

( سورة الأنفال الآية : 60 ) .

هذا الذي تستطيعه افعله وقدمه .

من منا لا يستطيع أن يكون صادقاً في عمله وأميناً ؟

من منا لا يستطيع أن ينفع المسلمين من خلال حرفته ؟

إذا كان الموظف يلبي المواطن ، وما أجّله ، تعال غداً ، وبعد غدٍ ، وما ابتز ماله ، والطبيب إذا لم يكلف المريض إلا بالقدر المقبول علمياً ، كذلك المهندس ، والمدرس علّم الطلاب تعليماً جيداً ، فلا يجري لهم مذاكرة فوق مستواهم فيأخذون الأصفار ، وبعدئذ يدعوهم إلى دروس خاصة ، من منا لا يستطيع أن يخدم أمته ضمن حرفتك ، ضمن عملك ، ضمن اختصاصك ؟ ذلك بالإمكان ، فإذا فعلنا هذا نصرنا الله ، عندئذ ننتظر نصره .

 

الحقيقة السابعة : الارتباط بالأصل والاتصال بالعصر :

 

أيها الإخوة الكرام ، من الذي قيل في هذا اللقاء الدولي ينبغي أن نرتبط بالأصل وأن نتصل بالعصر ، يعني أن تبتعد عن طبيعة العصر ، ألا تعبأ بوسائل النشر الحديثة ، يقول أحدُهم : في الجامع ألف شخص يسمعون الخطبة ، ويمكن أن يسمعها الآن عشرون مليونًا بوسائل العصر الحديثة ، يمكن أن تصل إلى عشرين مليونا ، يمكن أن يصل الدرس إلى ثمانين مليون إنسان ، والدرس هو هُو ، هذه المنجزات العصرية ينبغي أن تُؤَسلَم ، أن يستخدمها المسلمون لقوة هذا الدين .

صدقوا أيها الإخوة الكرام ، جاءتنا رسالة من سيبيريا في روسيا ، وهم يتابعون موقع الإنترنت المعلوماتي ، ومن أطراف الدنيا ، من كندا ، مرة من ألاسكا ، وجاءتنا رسالة من جنوب إفريقيا ، ومن أستراليا ، الآن هناك وسائل ذات انتشار واسع جداً ، هذه ينبغي أن نستغلها لقوة هذا الدين .

 

الحقيقة الثامنة : ثبات الأهداف ، ومرونة الوسائل :

 

أيها الإخوة ، مشكلتنا بين الثبات الجامد والمرونة الماحقة ، فنحن إمّا في ثبات جامد وإما في مرونة ماحقة ، والحقيقة ثبات في الأهداف ، ومرونة في الوسائل ، الآن لو فرضنا أن ثمة توجيها نبويا أن تقدم الزكاة طعاما ، أعطِ إنسانا ساكنا في حي شعبي فقير جداً مساحة بيته خمسون مترا ، وهو تحت الأرض شمالي ، أعطِه كيس قمح كصدقة ، هذا بلاء ، أين يغسله ؟ أين يطحنه ؟ أين يخبزه ؟ الإنسان المقيم في مدينة أعطه مالا ، أما المقيم في قرية فالتنور جاهز ، والمطحنة جاهزة ، أعطه كيس قمح لا مانع ، فالمسألة تحتاج إلى مرونة ، عليك أن تؤدي زكاة مالك ، لكن في مكانها ، ولصالح الفقير ، أن تعطيه مالاً ، وفي مكان آخر لصالح الفقير أن تعطيه قوتاً ، الهدف أداء الزكاة ، أما المرونة فبحسب مصالح الفقير .

 

الحقيقة التاسعة : قوّةُ المضمون وجمالُ العرض :

 

 شيء آخر ، قد يذهب الإنسان إلى بلاد الآخرين ، هذه البلاد فيها أناقة ، وجمال ، ونظام ، ثم يأتي إلى بلاد المسلمين فلا يرى هذا الجمال ، ما الذي يمنع أن نكون مع عمق الموضوع ، مع سلامة المنهج ؛ أن يكون مظهرنا مقبولا جميلا أنيقا ، فالجمال حاجة أساسية في الإنسان ، والجمال لا يحتاج إلى مال إطلاقاً ، الجمال يحتاج إلى ذوق فقط ، فقد ترى بيتًا فيه لمسات جمالية ، فيه ألوان متناسبة ، من الذي قال : إن الجمال والأناقة من نصيب الكفار ؟ من قال هذا الكلام ؟ هذا من أساسيات المسلمين ، يعني

قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

((  إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ )) .

[ أبو داود وأحمد ]

لماذا صيدلية المسلم مهملة ، والغبار على الأدوية ، وأحيانا يبحث عن الدواء ربع ساعة ؟ لماذا إذا دخلت صيدلية أخرى تجد كل دواء ي مكانه ؟ والبلور يلمع لماذا ؟ أنا أريد مع قوة المضمون جمال العرض ، مع عمق الأخلاق جمال المظهر ، لذلك : (( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ )) .

حينما أهملنا بلادنا ، أهملنا مرافقها هرب أولادنا إلى الغرب ، واستقروا هناك ، ألا يؤلمك أن سبعة عشر ألفًا خارج سوريا ، بدتيرويت فقط خمسة آلاف طبيب مقيم ، هؤلاء من حق سورية ، من حق بلادنا ، هؤلاء لحم كتفهم من خير هذا البلد ، فينبغي أن يعودوا إليه .

القضية أيها الإخوة الكرام يجب أن نجمّل حياتنا ، وهذا من وسطية الإسلام ، يجب أن نجذب الناس إلى بلادنا ، إلى مرافقنا ، إلى جامعاتنا ، إلى مدارسنا .

الشيء الذي يلفت النظر هناك أينما ذهبت ترى نظافة عجيبة ، ونظاما عجيبا ، وأناقة عجيبة ، وترتيبا عجيبا ، والأمر لا يكلف إلا تفكيراً وذوقاً ، لذلك مما قيل في هذا اللقاء الدوري : لا بد من قوة المضمون مع جمال العرض .

هذا الكأس يبدو أنه غالي الثمن ، إذا فيه مياه آسنة هل تشربه ؟ مع أن الكأس نفيس جداً ، لو أن الأمر بالعكس ، أغلى شراب مع وعاء فيه صدأ هل تشربه ؟ ينبغي أن تقدم لنا أجمل شراب في أجمل كأس ، لذلك قالوا : الطرف الآخر يسوّق أسوء بضاعة بأحلى طريقة ، والمسلمون يسوقون أعظم شيء في الحياة بأسوأ طريقة ، الطرف الآخر يعملون في الظلام ، ونحن نائمون في ضوء الشمس ، كل مسلم ، طالب ، مدرس ، صاحب محل تجاري ، اجعل من النظام والجمال والأناقة جزءا من حياتك ، حتى يشار إليك بالبنان ، هذا مسلم نظيف .

هناك شابان سوريان في لندن لهم صديق بريطاني ، كلما اقترب منهم تكلموا الإنكليزية ، فلفتوا نظره ، سألهم فقالوا : نبينا عليه الصلاة والسلام نهانا إذا كنا ثلاثة أن يتناجى اثنان دون الثالث ، لأن هذا يحزنه ، فأسلم ، وقال عبارة مشهورة : نبيكم حضاري .

كن حضاريا بلباسك ، بأناقتك ، في بيتك .

أقول مرة عاشرة : الأناقة الجمال والترتيب لا يحتاج إلى مال ، يحتاج إلى فكر وذوق فقط .

 

الحقيقة العاشرة : الإنصاف والموضوعية :

 

شيء آخر ، من عادة المسلمين أنهم إذا غضبوا على جهة جعلوها في الوحل ، وإذا رضوا عن جهة قدسوها إلى الأوج ، هذا خطأ ، كن موضوعياً في أحكامك ، الإمام الشافعي يقول : أنا على حق ، وقد أكون مخطئاً ، وخصمي على باطل ، وقد يكون مصيباً ، كن معتدلاً ، لا تصدر أحكاما قطعية مبالغا بها ، تواضع للآخر ، يجب أن تكسبه إلى جانبك ، الطرف الآخر يحتاج إلى تواضع ، الدليل أن الله عز وجل علمنا في القرآن الكريم في أثناء الحوار مع الطرف الآخر :

 

] وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى (24) [ .

( سورة سبأ : 24)

الحق كرة ، فإما أنها عندنا أو عنكم ، نتناقش في تواضع ، قال تعالى :

] قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ [

( سورة سبأ : 25)

هل هناك من تواضع بعد هذا التواضع ؟ هكذا علّمنا الله .

 

الحقيقة الحادية عشرة : أنزلوا الناس منازلهم :

 

أيها الإخوة الكرام ، ينبغي أن ننزل الناس منازلهم ، بربكم ؛ النجاشي ماذا فعل مع المسلمين ؟ هل أقام شرع الله كله في بلاده ؟ لا والله ما أقامه ، إلا أنه حمى المسلمين المهاجرين ، فلما جاء وفده إلى المدينة ماذا فعل معهم النبي عليه الصلاة والسلام ؟ أصر على خدمة الوفد بنفسه ، أما الآن إذا كان الطرف الآخر ما طبق الدين مئة بالمئة فهو كافر ! مهلاً أيها الأخ .

يجب أن ننزل الناس منازلهم ، بربكم ؛ قيصر الروم هل هو عظيم حقيقةً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أجيبوني ، ليس عظيماً ، فكيف أرسل له رسالة قال فيها : من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم ، هذا لقبه يا أخي ، فإذا نادى إنسان إنسانا بلقبه يقيم عليه النكير ، هذا لقبه ، والنبي فعل هذا ، من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم .

 

الحقيقة الثانية عشرة : الرحمة والعدل والإحسان :

 

كأن الغلظة والقسوة والتكفير ورعٌ وقربة من الله ، لا ، اسمع القرآن ، من هو أكفر كفار أهل الأرض ؟ فرعون ، لماذا ؟ لأنه قال :

 

 

] أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) [

( سورة النازعات)

ولأنه قال :

] مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي (38) [

( سورة القصص)

اسمع القرآن الكريم :

 

] اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [

( سورة طه)

يا الله :

 

لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)

( سورة طه)

أحد أصحاب سيدنا عمر شرب الخمر ، وسافر إلى الشام ، أرسل له رسالة قال فيها : << أحمد الله إليك ، غافر الذنب ، قابل التوب ، شديد العقاب ، ذي الطول >> ، تروي الروايات أن هذا الصاحب قرأ الرسالة ، وبكى ، وتاب من خطئه ، فقال عمر : << هكذا اصنعوا مع أخيكم إذا ضل ، كونوا عوناً له على الشيطان ، ولا تكونوا عوناً للشيطان عليه >> .

تحتاج إلى رقة ، أمامك إنسان ، تقول له : من أنت ؟!! كن لطيفاً ، كن مهذباً ، كن رحيماً ، تكلم بالتي هي أحسن .

كنت في فندق فيه برانس ، كلما نزل نزيل يأخذها معه ، فكتبوا رسالة رقيقة فيها : إن نجاح البرانس في فندقنا نجاح باهر ، بدليل أن معظم النزلاء يأخذونها معهم ، وهذا الأمر دعاية لفندقنا ، ولكن نتمنى عليكم أن تبقوها في الفندق ، هو يخاطب السارقين ، بأي لغة خاطبهم ؟ نجاح البرانس في فندقنا نجاح باهر ، السبب أن معظم النزلاء يأخذونها معهم ، وهذا عمل يشهر فندقنا ، ولكن نتمنى عليكم أن تبقوها في الفندق .

هذا أسلوب من أساليب وعظ إنسان يسرق ، فكلما كان المسلم لطيفاً رقيقاً اختار عباراته ، دقق ، قال تعالى :

 

] ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (125) [

( سورة النحل)

هناك فرق أن تلقي محاضرة بالموعظة الحسنة ، أما بالحوار فموضوع كرامة ، موضوع مشادة