English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
pdf file

خطبة جمعة بتاريخ 07 / 11 / 2007 : خ1 : مما ينبغي أن يكون عليه الحاج إذا ذهب إلى بيت الله الحرام. خ2: خطبة النبي عليه الصلاة والسلام  في حجة الوداع : لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِ وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: مقدمة لعبادة الحج :

 

أيها الإخوة الكرام ، نحن على مشارف عبادة كبرى من عبادات الإسلام ؛ إنها عبادات الحج ، والعبادات كما تعلمون تعاملية وشعائرية ، فالشعائرية يقع على رأسها الصلاة ، ولا خير في دين لا صلاة فيه ، ومن أقام الصلاة فقد أقام الدين ، ومن تركها فقد هدم الدين .

أيها الإخوة الكرام ، الصلاة شحنة يومية ، شحنة روحية علمية يومية ، علمية ، لأنه ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ، وإيمانية هي قرب من الله عز وجل :

 (سورة العلق )

هي دعاء وهي ذكر :

 ( سورة طه)

شحنة علمية روحية ، وخطبة الجمعة شحنة أسبوعية ورمضان شحنة سنوية ، لكن الحج شحنة العمر .

 

Text Box: من خصائص الحج :

 

1 – الحج يفتح للمسلم صفحة بيضاء :

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )) .

 [البخاري والنسائي وابن ماجة وأحمد]

كما أن الصيام فرصة كي تفتح مع الله صفحة جديدة كذلك الحج فرصة العمر كي تخرج من ذنوب كيوم ولدتك أمك .

 

2 – الحج مغادرة الأهل والولد والمكانة :

 

أيها الإخوة الكرام ، إلا أن عبادة الحج لها خصائص ، الصلاة والصيام والزكاة والنطق بالشهادة تؤدى وأنت في بيتك ، وأنت في مكان إقامتك ، إلا أن هذه العبادة تحتاج إلى تفرغ تام ، إذاً : ينبغي أن تغادر مدينتك ، تغادر بلدتك ، أن تغادر بيتك ، أن تغادر مركز عملك ، أن تغادر مكانتك في بلدك ، أن تغادر ما أَلِفته من نعيم الدنيا ، إنها رحلة قبل الأخيرة ، كيف أن الرحلة الأخيرة رحلة إلى القبر ، لا يأخذ الإنسان معه إلا الكفن .

 

3 – الحج تذكيرٌ بالرحلة الأخيرة للإنسان إلى ربِّه :

 

وكأن الله أرادنا من خلال هذه العبادة ألا ننسى الموت ، ألا ننسى أن الإنسان ينتقل بالموت من دنياه العريضة إلى قبر صغير ، وليس عليه إلا كفن يسير .

 لذلك رحلة الحج رحلة تذكرنا بالآخرة ، رحلة تذكرنا بأن كل الأقنعة التي يتواضع الناس على قيمتها لا قيمة لها ، لا يستطيع الغني أن يرتدي ثياباً غالية ، ولا يستطيع ذو الرتبة العسكرية أن يضع النياشين وهو يطوف ، كل هذه الأقنعة التي ألِفناها في دنيانا سوف تنزع عنا في الحج ، وكأن الله عز وجل أرادنا أن نَصْحُوَ من غفلتنا .

 

Text Box: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل
 

 

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيل

يا أيها الإخوة الكرام ، إن البيت العتيق هو أول بيت وضع للناس ، هو أول بيت أقيم في الأرض لعبادة الله ، ومجدِّدُ بناءه هو الخليل إبراهيم ، وولده الذبيح إسماعيل ، وهما الرسولان الكريمان اللذان جعل الله في ذريتهما هذه الأمة المسلمة ، واستجاب دعوتهما الخالصة ، وهما يشيدان هذا البناء :

 ( سورة البقرة)

 

 ( سورة البقرة)

دققوا الآن :

 ( سورة البقرة)

لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة أخي عيسى )) .

[ الجامع الصغير عن عبادة بن الصامت بسند صحيح ]

 

4 – الحج دليلُ حبِّ المسلمِ لربِّه :

 

أيها الإخوة ، الحج برهان عملي يقدمه المؤمن لربه ولنفسه على أن تلبية دعوة الله عز وجل ، بدافع محبته وابتغاء رضوانه أفضلُ عنده من ماله وأهله وولده ، وعمله ودياره .

ومما تتميز هذه العبادة أنها تحتاج إلى تفرغ تام فلا تؤدى إلا في بيت الله الحرام ، إذاً : لا بد من مغادرة الأوطان ، وترك الأهل والخلان ، وتحمل مشاق السفر ، والتعرض لأخطاره ، وإنفاق المال في سبيل رضوانه .

 

5 – الحج يمحو الذنوب :

 

وإذا صح أن ثمن هذه العبادة باهظ التكاليف فإنه يصح أيضاً أن ثمرة هذه العبادة باهرة النتائج ، حيث قال المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )) .

 [البخاري والنسائي وابن ماجة وأحمد]

كالصيام تماماً .

وقال أيضاً :

(( وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ )) .

[ مسلم عن عمرو بن العاص ]

(( وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ )) .

(( الحجاج والعمار وفد الله ، إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم )) .

[ البزار عن جابر بسند حسن ، انظر الجامع الصغير ]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ )) .

[ الترمذي ]

6 – الحج راحة من هموم الدنيا :

 

أيها الإخوة الكرام ، بل إن النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله ، يذهب المسلم إلى بيت الله الحرام ، ويخلف في بلدته هموم المعاش ، هموم الرزق ، هموم العمل والكسب ، هموم الزوجة والولد ، هموم الحاضر والمستقبل ، وبعد أن يحرم من الميقات يبتعد عن الدنيا كلياً ، ويتجرد إلى الله عز وجل ، ويقول : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك .

 

Text Box: مقاصد أعمال الحج ومعانيها :

 

1 – التلبية :

 

هذه التلبية ما معناها ؟ أنا أقول لفلان : تعال إلي ، فيقول : لبيك ، هي استجابة لنداء ، ودعوة يقعان في قلبه ، أن يا عبدي خلِّ نفسك وتعال .

تعال يا عبدي لأريحك من هموم كالجبال .

تعال يا عبدي لأريحك من هموم كالجبال تجثم على صدرك .

تعال يا عبدي لأطهرك من شهوات تنغص حياتك .

تعال يا عبدي ، وذق طعم محبتي .

 تعال يا عبدي وذق حلاوة مناجاتي ، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .

تعال يا عبدي لأريك من آياتي الباهرات .

تعال لأريك ملكوت الأرض والسماوات .

تعال لأضيء جوانحك بنوري الذي أشرقت به الظلمات .

تعال لأعمر قلبك بسكينة عزت على أهل الأرض والسماوات .

تعال لأملأ نفسك غنىً ورضىً شقيت بفقدهما نفوس كثيرات .

تعال يا عبدي لأخرجك من وحول الشهوات إلى جنات القربات .

تعال يا عبدي لأنقذك من وحشة البعد إلى أنس القرب .

تعال لأخلصك من رعب الشرك وذل النفاق إلى طمأنينة التوحيد وعز الطاعة ، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .

تعال يا عبدي لأنقلك من دنياك المحدودة ، وعملك الرتيب ، وهمومك الطاحنة إلى آفاق معرفتي ، وشرف ذكري ، وجنة قربي .

تعال يا عبدي ، وحط همومك ومتاعبك ومخاوفك عندي ، أنا أضمن لك زوالها .

تعال يا عبدي ، واذكر حاجاتك وأنت تدعوني فأنا أضمن لك قضائها ، إن بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ، ثم زارني ، وحق على المزور أن يكرم الزائر .

كيف يكون إكرامي لك إذا قطعت المسافات ، وتجشمت المشقات ، وتحملت النفقات ، وزرتني في بيتي الحرام ؟ ووقفت بعرفة تدعوني ، وتسترضيني ، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .

تعال يا عبدي ، وزرني في بيتي لتنزاح عنك الهموم ، ولتعاين الحقائق ، وتستعد للقاء :

(( إن عبدا أصححت له جسمه ، ووسعت عليه في المعيشة تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إلي لمحروم )) .

[ الجامع الصغير بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري]

 

2 – الطواف حول الكعبة :

 

تعال يا عبدي ، وطف حول الكعبة طواف المحب حول محبوبه ، واسعَ بين الصفا والمروى سعي المشتاق لمطلوبه .

تعال يا عبدي وقبّل الحجر الأسود ، واذرف الدمع على ما فات من عمر ضيعته في غير ما خُلِقت له ، وعاهدني على ترك المعاصي والمخالفات ، وعلى الإقبال على الطاعات والقربات ، وكن لي كما أريد أكن لك كما تريد ، كن لي كما أريد ، ولا تعلمني بما يُصلحك ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك وما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ، خلقت لك ما في الكون من أجل فلا تتعب ، وخلقت من أجلي فلا تلعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك .

 

 

3 – الوقوف في عرفة :

 

تعال يا عبدي إلى عرفات ، فيوم عرفة هو يوم اللقاء الأكبر ، تعال لتتعرض إلى نفحة من نفحات تطهر قلبك من كل درن وشهوة ، وتصفي نفسك من كل هم وشائبة ، هذه النفحات تملأ قلبك سعادة وطمأنينة ، وتشيع في نفسك سعادة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم ، عندئذ لا تندم إلا على ساعة أمضيتها في القيل والقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال .

تعال يا عبدي إلى عرفات فيوم عرفة لتعرف أنك المكرَّم الأول من بين كل المخلوقات ، ولك وحدك سخرت الأرض والسماوات ، وأنك حملت الأمانة التي أشفقت من حملها الجبال والأرض والسماوات ، وأني جئت بك إلى الدنيا لتعرفني ، وتعمل صالحاً يؤهلك لجنة الخلد .

تعال إلى عرفات ، فيوم عرفة لتعرف أن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين أمنوا وعملوا الصالحات ، وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ، وإنك أن وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فتُّك فاتك كل شيء .

بعد أن يذوق المؤمن في عرفات من خلال دعائه وإقباله واتصاله روعة اللقاء ، وحلاوة المناجاة ينغمس في لذة القرب ، عندئذ تصغر الدنيا في عينيه ، وتنتقل من قلبه إلى يديه ، ويصبح أكبر همه الآخرة ، فيسعى إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر ، وقد يكشف للحاج في عرفات أن كل شيء ساقه الله إليه مما يكرهه هو محض عدل ، ومحض فضل ، ومحض رحمة ، ويتحقق قوله تعالى :

 ( سورة البقرة)

وبعد أن يفيض الحجاج من عرفات ، وقد حصلت لهم المعرفة ، واستنارت قلوبهم ، وصحت رؤيتهم ، يرون أن السعادة كلها في طاعة الله ، وأن الشقاء كله في معصيته ، عندئذ يرى عداوة الشيطان ، وكيف أنه يعد أولياء بالفقر إذا أنفقوا ، ويخوفهم مما سوى الله إذا عملوا الصالحات ، وإذا أنابوا وتابوا :

 ( سورة النساء)

 ( سورة إبراهيم)

 

4 – رمي الجمرات :

 

عندئذ يعبر الحاج عن عداوته للشيطان تعبيراً رمزياً برمي الجمار ، ليكون الرمي تعبيراً مادياً وعهداً موثقاً في عداوة الشيطان ، ورفضاً لوساوسه وخطراته .

 يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : " اعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى في العقبة ، وفي الحقيقة ترمي بها وجه الشيطان وتقصم ظهره ".

ولا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله تعالى ، فإذا عدت كما كنت قبل الحج كان الشيطان هو الذي رجم هذا الإنسان .

 

5 – الهدي والأضاحي :

 

 

وحينما يتجه الحاج لسَوق الهدي ، ونحر الأضاحي ، وكأن الهدي هدية إلى الله تعبيراً عن شكره لله على نعمة الهدى التي هي أثمن نعمة على الإطلاق ، وكأن ذبح الأضحية ذبح لكل شهوة ورغبة في إرضاء الله عز وجل ، وتضحية بكل غالٍ ورخيص ، ونفس ونفيس في سبيل مرضاة الله رب العالمين .

 ( سورة الحج)

6 – طواف الإفاضة والوداع :

 

ثم يكون طواف الإفاضة تثبيتاً لهذه الحقائق وتلك المشاعر ، ثم يطوف طواف الوداع لينطلق منه إلى بلده إنساناً آخر ، إنساناً استنار قلبه بحقائق الإيمان ، وأشرقت نفسه بأنوار القرب ، وعقد العزم على تحقيق ما عاهد الله عليه ، وإذا صح أن الحج رحلة إلى الله فإنه يصح أن تكون الرحلة قبل الأخيرة ، لتكون الرحلة الأخيرة مفضية إلى جنة عرضها السماوات والأرض .

 

7 – معاني زيارة المدينة النبوية :

 

وبعد أن ينتهي الحجاج من مناسك الحج يتجهون إلى المدينة المنورة التي هي من أحب بلاد الله إلى الله ، يتجهون إليها لزيارة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم ، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( أنه من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي )) .

[ رواه البيهقي بسند ضعيف]

وقد علقت في مكان بارز من الحجرة الشريفة الآية الكريمة :

 ( سورة النساء)

 ( سورة النساء)

وقد أشار الإمام القرطبي إلى أن الآية تصدق على زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته ، وليس هذا لغير النبي عليه الصلاة والسلام .

وقد أورد الإمام القاسمي صاحب التفسير الشهير في تفسير هذه الآية أن في هذه الآية تنويهاً بشأن النبي عليه الصلاة والسلام ، فالرجل حينما يظلم نفسه بمعصية ربه من خلال خروجه عن سنة النبي عليه الصلاة والسلام وجب عليه أن يستغفر الله أولاً ، وأن يعتذر من رسول الله ثانياً ، فلا تتم التوبة إلى الله ولا تقبل إلا إذا ضم إلى استغفار الله استغفار رسوله صلى الله عليه وسلم ، فطاعة الرسول عليه الصلاة والسلام عين طاعة الله ، ورفض سنة النبي عليه الصلاة والسلام عين معصية الله ، وإرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم  هو عين إرضاء الله ، يستنبط هذا من إفراد الضمير في قوله تعالى عند كلمة يرضوه :

 ( سورة التوبة)

بضمير المفرد ، لأن إرضاء النبي عليه الصلاة والسلام عين إرضاء الله ، ومعصية النبي عين معصية الله ، ولا أدل على ذلك من قوله تعالى :

 ( سورة النساء)

 ( سورة آل عمران)

ولعل سر السعادة التي تغمر قلب المسلم حينما يزور مقام النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما إن يرى معالم المدينة حتى يزداد خفقان قلبه ، وما إن يبصر الروضة الشريفة حتى يجهش بالبكاء ، عندئذ تصبح نفس الزائر صافية من كل كدر ، نقية من كل شائبة ، سليمة من كل عيب ، منتشية بحبها له صلى الله عليه وسلم وقربها منه ، هذه الحقيقة هي حقيقة الشفاعة التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام :

(( من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً على الله أن أكون له شفيعاً يوم القيامة )) .

[ إسناده لا يصح ]

وإن شئت الدليل القرآني على ما يشعر به المسلم من سكينة وسعادة حينما يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو أو بآخر هو قوله تعالى :

 ( سورة التوبة)

وقال الرازي في تفسيره : " إن روح محمد صلى الله عليه وسلم كانت روحاً قوية صافية مشرقة باهرة لشدة قربه من الله ، ولأن قلبه الشريف مهبط تجليات الله عز وجل ، فإذا ذكر أصحابه بالخير والود ، أو ذكره المؤمنون بالحب والتقدير فاضت آثار من قوته الروحانية على أرواحهم ، فأشرقت بهذا السبب نفوسهم ، وصفت سرائرهم ، وهذه المعاني تفسر قوله تعالى :

 ( سورة الأحزاب)

روي أن بلالاً رضي الله عنه سافر إلى الشام ، وطال به المقام بعد وفاة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم ، وقد رأى وهو في منامه وهو في الشام رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول له : ما هذه الجفوة يا بلال ؟ أما آن لك تزورني ، فانتبه حزيناً ، وركب راحلته ، وقصد المدينة فأتى قبر النبي عليه الصلاة والسلام ، فجعل يبكي عنده كثيراً ، فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما ، وجعل يضمهما ، ويقبلهما ، فقالا : نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصرا عليه ، فصعد على سطح المسجد ، ووقف موقفه الذي كان يقفه ، ولما بدأ بقوله الله أكبر ، وتذكر أهل المدينة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجت المدينة ، وخرج المسلمون من بيوتهم ، فما رأيت يوماً أكثر باكية وباكياً في المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم ، لقد صدق أبو سفيان رضي الله عنه حينما قال : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمدا .

هذه الحقيقة ينبغي أن تنسحب على كل مؤمن إلى يوم القيامة ، يقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم :

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )) .

[ متفق عليه ] .

أيها الإخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

 

                                *      *      *

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

Text Box: حقائق خطبة الوداع وحاجة الناس إليها اليوم :

 

 

أيها الإخوة الكرام ، لقد خطب النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع خطبة جامعة مانعة ، تضمنت مبادئ إنسانية سيقت في كلمات سهلة سائغة ، كيف لا وقد أوتي جوامع الكلم ، فلقد استوعبت هذه الخطبة جملة من الحقائق الذي يحتاجها العالم الشارد اليوم المعذب ليرشد ويسعد .

 ( سورة طه)

لا يضل عقله ولا تشقى نفسه ، إن الله جل وعلا ربى محمداً صلى الله عليه وسلم ليربي به العرب ، وربى العرب لمحمد صلى الله عليه وسلم ليربي بهم الناس أجمعين ، قال تعالى :

 ( سورة الحج)

الآية الدقيقة :

 ( سورة الحج)

الله عز وجل  حمل هذه الأمة مهمة عظيمة ، وهي نقل هذا الدين إلى بقية الأمم والشعوب ، فما لم نكن في أعلى درجات التفوق ديناً وخلقاً فلن نستطيع أن نقنع العالم بهذا الدين العظيم .

 

1 – الإنسانية متساوية القيمة :

 

الآن من المبادئ التي انطوت عليها خطبة النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع أن الإنسانية متساوية القيمة في أي إهاب تبرز ، وعلى أية حالة تكون ، ووفوق أي مستوى تتربع .

عَنْ أَبِي نَضْرَةَ حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ :

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى ، أَبَلَّغْتُ ؟ قَالُوا : بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ )) .

[ أحمد ]

الناس سواسية لا فرق بين أحمرهم وأبيضهم وأسودهم ، وغنيهم وفقيرهم ، وقويهم وضعيفهم ووسيمهم ، لا فرق بين واحد منهم إن أكرمكم عند الله أتقاكم ، هذا أول مبدأ لحقوق الإنسان ، البشرية متساوية في أي إهاب ، من أي جنس ، من أي طائفة ، من أي لون ، من أي ثقافة ، الكبير والصغير ، والحاكم والمحكوم ، والقوي والضعيف ، والوسيم والدميم .

 

2 – الإيمان بالله واليوم الآخر ضمان لسلامة الإنسان :

 

البند الثاني النفس الإنسانية ما لم تكن مؤمنة بربها ، مؤمنة بوعده ووعيده ، مؤمنة بأنه يعلم سرها وجهرها ، النفس الإنسانية إن لم تكن كذلك تدور حول آثرتها ، ولا تبالي بشيء في سبيل غايتها ، بل ربما بنت مجدها على أنقاض الآخرين ، ربما بنت غناها على فقرهم ، بنت عزها على ذلهم ، بنت حياتها على موتهم ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع :

(( فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ ظ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ )) .

3 – خطورة الربا :

 

والمال أيها الإخوة قوام الحياة ، وينبغي أن يكون متداولاً بين كل الناس ، وأنه إذا ولد المالُ المالَ من دون جهد حقيقي يسهم في عمارة الأرض ، وإغناء الحياة ، فتجمَّع في أيد قليلة ، وحرمت منه الكثرة الكثيرة ، عندها تضطرب الحياة ، ويظهر الحقد ، ويلجأ إلى العنف ، ولا يلد العنف إلا العنف ، والربا يسهم بشكل أو بآخر في هذه النتائج المأساوية التي تعود على المجتمع البشري بالويلات ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع :

(( أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ ، لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ ، لَا تَظْلِمُونَ ، وَلَا تُظْلَمُونَ ، غَيْرَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ )) .

[ الترمذي ]

4 – النساء شقائق الرجال :

 

الفقرة الرابعة : النساء شقائق الرجال ، ولأن المرأة مساوية للرجل تماماً ، من حيث إنها مكلفة كالرجل في العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق ، ومساوية له من حيث استحقاقها الثواب والعقاب ، وأنها مساوية له تماماً في التكليف والتشريف ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع :

(( أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا )) .

[ الترمذي ]

5 – اتقوا الله في دماءِ المسلمين :

 

لكن الفقرة الخامسة تشير إلى ما آلت عليه حال المسلمين في آخر الزمان ، فعَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ :

(( اسْتَنْصِتِ النَّاسَ ، فَقَالَ : لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ )) .

مليون قتيل في العراق ، (( اسْتَنْصِتِ النَّاسَ ، فَقَالَ : لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ )) .

 

6 – التمسُّك بالكتاب والسنة :

 

وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال :

(( إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم ، ولكن رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحاقرون من أعمالكم ، فاحذروا ، إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا ؛ كتاب الله وسنة نبيه )) .

 [رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد ]

(( وَإِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابَ اللَّهِ ، وَأَنْتُمْ مَسْئُولُونَ عَنِّي ، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ ؟ قَالُوا : نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ ، وَأَدَّيْتَ ، وَنَصَحْتَ ، ثُمَّ قَالَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ ، وَيَنْكُبُهَا إِلَى النَّاسِ : اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ )) .

[أبو داود عن جابر ]

 

Text Box: خاتمة :

 

أيها الإخوة الكرام ،  هذه لقطات و ومضات مما ينبغي أن يكون عليه الحاج إذا ذهب إلى بيت الله الحرام ، ولكنك أحياناً تلتقي بحاج حج بيت الله الحرام فيحدثك ساعات طويلة عن كل شيء إلا عن الحج ، عن كل شيء ، عن بيته ، وعن الطرقات ، وعن الماء البارد ، وعن التنظيم الرائع ، عن كل شيء إلا عن الحج ، إلا بماذا شعر وهو يطوف حول الكعبة ، وهو يسعى بين الصفا والمروة ، كيف ناجى ربه في عرفات ، كيف زار سيد الأنام ، فلذلك حينما تبتعد العبادة عن أسرارها وعن حكمتها تقترب من الطقوس التي لا معنى لها .