English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
pdf file

خطبة جمعة بتاريخ 28 / 12 / 2007 : خ1 : موقف الناس من منهج الله بين موقف الطائعين وموقف العصاة ، الأسباب التي تمنع من المعصية. خ 2: الدور الحقيقي للزائدة الدوديةـ لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِ وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: الناس قسمان لا ثالث لهما :

 

أيها الإخوة الكرام ، طرق سمعي بيت من الشعر :

ما القوم سوى قوم عرفوك        وغــيرهم هـمج همـج

***

هذا المعنى في هذه الأيام يبدو واضحاً جداً ، فهناك انقسام في العالم بين مؤمن وغير مؤمن ، مستقيم ومنحرف ، صادق وكاذب ، أمين وخائن ، المساحات التي بَين بين  اختفت ، والمنطقة الرمادية بين الأبيض الناصع والأسود الداكن اختفت أيضا .

ما القوم سوى قوم عرفوك         وغــيرهم هـمج همـج

***

هذا النص ذكرني بقول الإمام علي رضي الله عنه : << الناس ثلاثة : عالم رباني ، و متعلم على سبيل نجاة ، و همج رعاع ، لم يستضيئوا بنور العلم ، و لم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، فاحذر يا كميلُ أن تكون منهم >> .

أيها الإخوة الكرام ، قال ابن القيم رحمه الله تعالى : " مِن أعجبِ العجب أن تعرفه ثم لا تحبه ، ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه .

موضوع هذه الخطبة قضية واحدة تقسم الناس إلى قسمين ، هي قضية منهج الله ، موقف الناس من منهج الله بين موقف الطائعين موقف العصاة ، بل إن البشر جميعاً لا يزيدون على نموذجين : الأول :عرف الله فانضبط بمنهجه ، وأحسن إلى خلقه ، فسلم ، وسعد في الدنيا والآخرة ، والنموذج الثاني : نموذج غفل عن الله ، وتفلت من منهج الله ، وأساء إلى خلق الله ، فشقي في الدنيا والآخرة ، ولن تجد نموذجاً ثالثاً .

أيها الإخوة الكرام ،

 

 ( سورة الأحزاب)

 

 

 ( سورة الزمر الآية : 15 )

( سورة الكهف )

 

 

( سورة الجاثية الآية : 21 ) .

 

 ( سورة السجدة)

 ( سورة القلم )

 

 ( سورة القصص )

Text Box: الموانع التي تحول بين العبد ومعصية ربِّه :

 

أيها الإخوة الكرام ، ما الذي يمنعك من معصية الله ؟

 

1 – علمُ العبد بقبحِ المعصية :

 

أحد هذه الموانع أن يعلم العبد قبح المعصية ودناءتها ، وأن الله ما حرمها إلا لعلة فيها .

Text Box: الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبحه الشرع :

 

لذلك قالوا : " الحسن ما حسنه الشرع ، والقبيح ما قبحه الشرع " ، لكن القبيح شرعاً قد يكون على الشبكية حسناً فقط ، هذا الحسن الحسي لا قيمة له إطلاقاً ، البطولة في الحسن العقلي .

الطالب يدرس ، وقد ألغى نزهة ، ألغى سهرة ، ألغى لقاء ، على الشبكية هو يتعب ، والطالب الذي لم يدرس انغمس في ملذات مع أصدقائه ، وفي مكان لا يرضي الله ، على الشبكية هو في سرور ، لكن الحسن العقلي يشير إلى أن الذي درس ، وتعب ، وتفوق ، ونال شهادة عليا ، وحقق مركزا اجتماعيا ، ودخلا جيدا ، وأسّس أسرة جيدة ، بالحسن العقلي الأول هو الحسن ، وبالقبح العقلي الذي لم يدرس وانغمس في الملذات ، وأصبح رقماً لا معنى له في المجتمع ضائعاً شارداً ، هذا هو القبح العقلي بعينه ، لذلك العلماء قالوا : " الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع " .

هناك علاقة علمية بين الحسن الشرعي ونتائجه ، وهناك علاقة علمية بين القبح الشرعي ونتائجه ، وينبغي ألا نعبأ بصورة تنطبع على الشبكية ، فالذي يملأ عينيه من الحرام مقطوع عن الله عز وجل ، مع أنه في الظاهر يمتع عينيه بمحاسن النساء ، والذي يغض بصره عن محارم الله يورثه الله حلاوة في قلبه يشعر بها إلى يوم يلقاه ، لذلك البطولة أن يأتي الحسن عندك وفق الشرع ، وأن يأتي القبيح عندك وفق الشرع .

 

2 – الحياءُ مِنَ الله عز وجل :

 

أيها الإخوة الكرام ، سبب آخر يبعدك عن المعصية ، الحياء من الله عز وجل  ، لأن الله ناظرٌ إليك ، ولا تجعل الذات الإلهية أهونَ الناظرين إليك .

 ( سورة الحديد )

أما تستحي منا ويكفيك ما جرى        أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا

أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً        فانتظر به  مـــا جاء عهدنا

***

الحياء من الله يمنعك أن تعصيه وهو معك ، أن تعصيه وهو يراك ، أن تعصيه في أرضه ، وأن تعصيه وأنت تأكل رزقه .

أيها الإخوة الكرام ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ، قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّا نَسْتَحْيِي ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى ، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ.  ((

 [ أخرجه الترمذي ]

لا تجعل الله أهون الناظرين إليك ، حتى لو أضمرت لإنسان سوءًا فإن القلب منظر الرب ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ )) .

[ متفق عليه]

3 – علمُ الإنسان أن المعصية تزيل النِّعَم :

السبب الثالث وهو خطير جداً ينطلق من قاعدة أن المعاصي تزيل النعم ، فما من ذنب يذنبه العبد إلا زالت عنه نعمة من الله بحسب ذلك الذنب ، فإن تاب ورجع رجعت إليه ، وإن أصر لم ترجع إليه ، ولا تزال الذنوب تزيل عنه نعمة تلو نعمة حتى تسلب منها النعم كلها ، قال تعالى :

 ( سورة الرعد الآية : 11 ) .

Text Box: هان أمْرُ الله عند المسلمين فهانوا على الله :

 

أعظم النعم الإيمان بالله ، فإذا تراكمت الذنوب ضعف الإيمان ، وإذا هان أمر الله على الإنسان هان على الله  ، هذه مشكلة المسلمين اليوم ، فقد هان أمر الله على المسلمين ، وهو يعدّون المليار ونصف مليار ، يتربعون على ثروات لا يعلمها إلا الله ، يتربعون على مواقع من أهم المواقع في الأرض ، وعلى ثروات لا يعلمها إلا الله ، لأن أمر الله هان عليهم هانوا على الله ، وأصبح أمرهم بيد غيرهم ، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل ، ولن يُستخلَفوا :

 

 ( سورة النور الآية : 55 )

ولم يُمكَّنوا :

 

 

 ( سورة النور الآية : 55 )

وليسوا آمنين :

 ( سورة النور الآية : 55 )

 

هذه الوعود الإلهية التي يعد زوال الكون أهون على الله من ألاّ تُحقَّق ليست محققة ، لأنه هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله .

قال بعض العارفين : " إذا كنت في نعمة فارْعَهَا ، فإن المعاصي تزيل النعم " ، نعمة الأمن تزول ، نعمة الصحة تزول ، نعمة الوفاق الأُسري تزول ، نعمة التوفيق في العمل تزول ، نعمة الرؤية الصحيحة تزول ، نعمة الحلم تزول ، نعمة الصبر تزول ، نعمة الرضى تزول ، نعمة الحكمة تزول ، هذه النعم العظيمة أن تكون حكيماً ، أن تكون راضياً عن الله ، أن تكون واثقاً بالله ، أن تكون متفائلاً ، أن تكون سديد النظر ، كلامك في محله ، كل هذه النعم تزول بالمعصية .

شَكَوتُ إِلى وَكيعٍ سوءَ حِفظي       فَأَرشَدَني إِلى تَركِ المَعاصي

وَ أَخبَرَنـي بِأَنَّ العِلمَ نـورٌ        وَنورُ اللَهِ لا يُهدى لِعـاصي

***

المعاصي كالنار ، تأكل النعم أكلاً ، كيف أن النار تأكل الحطب ، كذلك المعاصي تأكل النعم .

 

4 – علمُ العبد أن لكل معصيةٍ عقابًا :

 

أيها الإخوة الكرام ، هناك سبب رابع يمنع الإنسان أن يعصي الله ، وهو أن لكل معصية عقاباً ، هناك مؤيد قانوني لشرع الله ، هل تصدقون أن قانون سيرٍ في الأرض ليس فيه عقوبات ؟ إذاً هو ليس قانون سير ، فما من مخالفة سير إلا ولها عقاب ، أي قانون يقننه الإنسان لا بد له من مؤيد قانوني ، وهو العقوبات ، ولكل معصية عقوبة ، المتكبر ينتظره عذاب مهين ، والمسرف ينتظره ضيق في الدخل ، والذي يطلق بصره في الحرام ينتظره شقاء زوجي ، والذي يأكل المال الحرام ينتظره إتلاف هذا المال ، فلكل معصية عقاب ، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر .

لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت ، وهناك عقاب قد لا يرى بالعين ، لكن يشعر به المؤمن ، تؤكده هذه الحكاية الصغيرة : أن شاباً سمع من شيخه أن لكل معصية عقاباً ، فغلط مع الله ، انتظر العقاب فلم يأته عقاب ، مضى أسبوع وأسبوعان ، ولم يحدث شيء ، ففي أثناء الصلاة ناجى ربه وقال : يا رب ، لقد عصيتك فلم تعاقبني ، فوقع في قلب هذا الشاب : أنْ يا عبدي ، قد عاقبتك ولم تدرِ ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟ ألا تكفيك هذه العقوبة ؟

إنسان له صلة بالله ، إذا وقف في الصلاة فهو خاشع ، إذا قرأ القرآن تجلى الله على قلبه ، إذا ذكر الله فاضت عيناه بالدموع ، هذه سعادة كبيرة جداً ، هذه تحرمها مع المعصية ، وإن لم يصبك شيء ، بل إن أهل القرب من الله يعدّون أكبر عقاب لهم أن أنهم حُجِبوا عن الله .

 ( سورة المطففين )

أكبر عقاب ينزل بالمؤمن المتصل بالله أن الله يحجبه بالذنوب ، لذلك من أدعية بعض الصالحين : اللهم لا تقطعنا بقواطع الذنوب ، ولا بقبائح العيوب .

 

5 – الخوف من الحجبِ عن الله بالمعصية :

 

سبب آخر يمنعك أن تعصي الله ، لكن هذا السبب لا يعرفه إلا من ذاقه ، أنت بطاعتك واستقامتك تشعر في أعماق أعماقك أن الطريق إلى الله سالك ، وأنه في لحظة تنعقد صلة مع الله ، هذا الطريق السالك إلى الله إذا قرأت القرآن ، إذا وقفت بين يدي الله عز وجل  في الصلاة ، إذا ذكرت الله تشعر أنك قريب منه ، لكن الذي يمنعك أن تعصي الله أنك إذا عصيته حجبت عنه ، فخوفك من أن تزول عنك نعمة القرب من الله ، لعل هذا الخوف يعد أكبر مانع يمنعك أن تعصي الله ، فالتوفيق ، والتأييد ، والنصر ، والحفظ ، والإلهام نعمٌ تأتي بالقرب من الله ، واعلمْ أن الله يدافع عنك ، وكل هذه النعم حينما يرتكب الإنسان معصية يفقدها ، ويصبح أحمقَ في تصرفاته ، وتكون ردود فعله قاسية جداً ، ويصير متسرعا ، متشائما ، عنده إحباط ، كل خصائص الإيمان من سكينة ووقار ، وحكمة ورؤية ، واتصال ورضى ، وتفاؤل واستسلام ، هذه النعم تزول عن المؤمن إذا عصى الله عز وجل .

لكن هناك من يقول : هناك عقاب مادي ، وهذا صحيح ، إن لكل سيئة عقاباً .

 

Text Box: لابد للمؤمن أن يجمع بين حب الله وإجلاله له :

 

ولكن مرتبة المؤمن أكبر فيما أتصور من أنه يخاف الله ، فيستقيم على أمره خوف العقاب لا خوف الانقطاع  ، لأن رأس الحكمة مخافة الله ، المؤمن قريب من الله ، يخشى على هذه الصلة أن تضيع منه ، يخشى على هذا القرب أن يخسره ، يخشى على هذه المودة أن يفقدها ، لكن العلماء قالوا : " لا يكفي أن تحبه ، يجب أن تحبه وأن تجلّه " ، فالحب وحده يجعل الإنسان في بحبوحة فيتساهل ، ويقول : الله يحبني ، الحب وحده قد يحملك على التقصير ، فلا بد من أن يجتمع الحب مع الإجلال ، قال تعالى :

( سورة المطففين )

بقدر ما هو كريم تحبه ، فينبغي أن تجلّه بقدر ما هو عظيم ، فلا بد من أن تضيف إلى الحب إجلالاً ، لذلك :

(( يا رب ، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال : أحب عبادي إلي تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، وأحب من أحبني ، وحببني إلى خلقك ، قال : يا رب إنك تعلم إني أحبك ، وأحب من يحبك ، فكيف أحببك إلى           خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي )) .

[ ورد في الأثر ]

ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني ، وذكرهم ببلائي كي يخافوني .

Text Box: الشريف يأبى الدنية :

 

أيها الإخوة الكرام ، قال العلماء : " الشرف مِعوان " ، فالإنسان الشريف يأبى الدنية ، يأبى أن يكون في موقف ضعيف ، يأبى أن يكون مهاناً ، يأبى أن يعتذر ، إياك وما يعتذر منه ، قال بعض العلماء : " شرف النفس وزكاتها وفضلها وأنفتها وحميتها تمنعها أن تختار الأسباب التي تضع من قدرها " .

قال تعالى :

 ( سورة النساء )

حينما تأخذ المال الحرام جعلت لله عليك سلطاناً أن يؤدبك ، وأنت حينما تغتاب المسلمين جعلت لله عليك سلطاناً ، رجل اغتاب إنساناً ، هذا الإنسان على علم بالله ، اشترى له هدية ثمينة ، طبق من الرطب ، وأرسله إليه ، وقال : هذه هديتي إليك ، لأنني سآخذ كل حسناتك ، وهي بالتأكيد أكثر من هذه الهدية .

لأن النبي عليه الصلاة والسلام وعدنا لمن اغتيب بريئاً أن يأخذ حسنات المغتاب ، وهذا الذي قال له أحدهم : لقد اغتبتني ! فقال له : ومَن أنت حتى أغتابك ؟ لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أبي وأمي ، لأنهما أولى بحسناتي منك .

حينما تعلم أن هذا الذي اغتبته ستأخذ سيئاته ، وستعطيه حسناتك ، هذه حقيقة جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام الذي ولا ينطق عن الهوى ، فلذلك أيها الإخوة الكرام ،  شرف النفس يمنعها أن تقف في موقف ضعيف أن تكذب ، المؤمن لا يكذب ، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ )) .

[ أحمد ]

شرف المؤمن يمنعه أن يحتال أن يسلك طريقاً ملتوياً ، أن يتآمر ، أن يظهر شيئًا ، ويخفي شيئًا ، أعظم ما في صفات المؤمن أنه موحِّد ، ما على لسانه في قلبه ، ما في قلبه على لسانه ، ظاهره كباطنه ، علانيته كسره ، جلوته كخلوته ، واضح ، يعمل تحت ضوء الشمس ، ما عنده غمز ولا لمز ولا مظهر ، ولا موقف معلن وموقف آخر غير معلن ، هذا الكلام من صفات المنافقين .

 

6 – اليقين بعاقبة المعصية :

 

أيها الإخوة الكرام ، سبب آخر وهو السبب السادس الذي يمنعك أن تعصي الله اليقين بعاقبة المعصية ، فأيّ إنسان أطاع الله هو في أعلى علين في الدنيا والآخرة .

 ( سورة الرحمن)

والذي عصى الله في أسفل سافلين في الدنيا والآخرة ، هذا اليقين القطعي .

أنت أمام قانون ، واضع القانون قوي ، ولا يعفو ، إذا أيقنت أن علم واضع القانون يطولك ، وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه ، وأوضح دليلٍ أن تركب مركبة ، وتقف عند الإشارة الحمراء ، والشرطي واقف ، فلو تآمرت معه فهناك شرطي آخر على دراجة يلحقك ، ولو تآمرت مع الثاني فهناك ضابط في السيارة نقيب في المرور ، وأنت مواطن عادي من الدرجة الخامسة ، هل يمكن أن تتجاوز الإشارة الحمراء ؟ لا ، ليقينك القطعي أن واضع القانون يطولك من خلال هؤلاء الثلاثة ، وأن قدرته تطولك لأنك مواطن عادي ، متى تتجاوزها ؟ في حالة واحدة ، بعد الساعة الثالثة ليلاً ، لأن علم واضع القانون لا يطولك ، أو إذا كنت أقوى من واضع القانون ، أما في الوضع الطبيعي فلا يمكن أن تعصيه إذا أيقنت أن علم واضع القانون يطولك ، وأن قدرته تطولك .

لذلك العلم أكبر رادع يردعك على أن تعصي الله عز وجل ، المال الحرام يتلف ، ومن يزني يزنى به ولو بجداره ، والكسب غير المشروع حينما يكشف يسقط الإنسان من عين مجتمعه ، يجب أن تؤمن أن هناك علاقة علمية بين الطاعة ونتائجها والمعصية ونتائجها ، علاقة علمية ، علاقة سبب بنتيجة ، ففي الطاعات بذور نتائجها ، وفي المعاصي بذور نتائجها .

7 – قِصَرُ الأملِ :

 

أيها الإخوة الكرام ، سبب آخر يبعدك عن المعصية ، وقد لا يستطيعه بعض الناس ، قصر الأمل ، الدنيا ساعة اجعلها طاعة .

أذكر أن رجلاً من الناس حدثني في ساعة عن خططه لعشرين سنة قادمة ، وقرأت نعيه في اليوم نفسه ، الموت على الأبواب ، والموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً ، ولا شاباً ولا شيخاً ، ولا قوياً ولا ضعيفاً ، ولا صحيحاً ولا مريضاً ، فلذلك قصر الأمل يدعوك إلى طاعة الله عز وجل ، فأنت بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، الدنيا ساعة اجعلها طاعة ، سنوات تمضي ، الطائع في جنة عرضها السماوات والأرض ، والذي عصى الله مضى زمن المعصية سريعاً ، وبقيت تبعاتها ، الطائع تنتهي متاعب الطاعة وتبدأ ثمار الطاعة ، والعاصي تنتهي لذائذ المعصية ، وتبدأ تبعات المعصية ، لذلك إذا مات الإنسان مؤمناً كما قَالَت عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ اللَّهَ لَيَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ )) .

[ متفق عليه ]

يرى مكانه في الجنة فيتألم أشد الألم من بكاء أهله عليه ، هو في جنة عرضها السماوات والأرض .

وبعضهم قال : " مجانبة الفضول في المطعم والمشرب والملبس والمنام وكثرة اجتماعه بالناس ، وانغماسه في المباحات ، هذه تودي على بعض المعاصي والآثام ، فقليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي شكره ، وقليل يكفيك خير من كثير يطغيك .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا : هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوْ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ ، أَوْ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ )) .

 [ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 

8 – الإيمانُ القويُّ بوعد الله ووعيده :

 

أيها الإخوة الكرام ، آخر هذه الأسباب التي تمنعك أن تعصي الله إيمانك القوي بوعد الله ووعيده ، هذه كلها أسباب تمنع من المعصية ، والذي يعصي الله هو مع الهمج ، مع الرعاع ، مع الهمج الرعاع الذين يصغون إلى كل ناعق ، ويخضعون لكل صرعة ، يعيشون لحظتهم ، وينسون آخرتهم .

أيها الإخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

 

                                *      *      *

Text Box: الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

Text Box: الزائدة الدودية :

 

1 – خَلقُ الله كامل مُحكَمٌ :

 

أيها الإخوة الكرام ، فيما أذكر من خمسة وعشرين عاماً أو أكثر ، بل من خمسة وثلاثين عاماً ، وأنا أؤكد في كل مناسبة أن كلمة الزائدة الدودية غير صحيحة ، لأنه من منطلق الإيمان فقط لا يعقل ولا يقبل أن يخلق الله في الإنسان شيئاً زائداً على الحاجة ، لأن كمال الله مطلق ، وصنعته محكمة ، الذي أتقن كل شيء :

 ( سورة التين ) .

الشيء الزائد لا يقبل في حق الله عز وجل ، فأنا والله من وقت أن دعوت إلى الله إلى الآن أقول : ليس اسمها كذلك ، اسمها الذائدة الدودية المدافعة ، والفرق كبير بين الزائدة والذائدة ، ذاد بمعنى دافع ، أما الزائدة فبمعنى أكثر مما يحتاج الإنسان .

 

2 – الطبُّ الحديث أثبت عملَ ودورَ الزائدة الدودية :

 

جاءتني رسالة بالبريد الإلكتروني ، ملخص هذه الرسالة أن فريقا طبيًّا لدولة عظمى متفوقة في الطب اكتشف الدور الحقيقي للذائدة الدودية ، كان برهاني إيمانيًّا فقط ، الآن يضاف إلى هذا البرهان الإيماني البرهان العلمي .

كشف فريق طبي الدور الحقيقي للزائدة الدودية التي تحير العلماء ، وأنها مسؤولة عن إنتاج وحفظ مجموعة متنوعة من البكتيريا والجراثيم التي تلعب دوراً مفيداً للمعدة ، ولفت هذا الفريق التابع لجامعة كبيرة إلى أن هذا الاكتشاف قد يحسم الجدل حيال الدور المفترض للزائدة الدودية ، بعد أن اعتبرت مدارس الطب الرسمية لعقود طويلة أنها عضو فقَد دورة مع تطور الإنسان ، وبات من الممكن إزالته دون ارتدادات سلبية ، وفقاً لهذه الدارسة التي أجراها الفريق ، ونشرها في مجلة مرموقة علمية ، أن عدد الجراثيم والبكتيريات التي يحويها جسم الإنسان تفوق عدد خلاياه ، لكن السواد الأعظم من هذه الكائنات الدقيقة يمارس دوراً إيجابياً داخل الجسم ، ويساعد على هضم الأطعمة ، وتشير هذه الدراسة إلى أن أمراضاً معينة ، كالكوليرا أو الإسهال الشديد ، قد تؤدي إلى إفراغ الأمعاء من هذه البكتيريا والجراثيم المفيدة ، وهنا يبدأ دور الزائدة التي يتوجب عليها في هذه الحالة العمل على إعادة إنتاج وحفظ تلك الجراثيم ، وللتأكيد من صحة ما ذهب الفريق إليه أن موقع الزائدة الدودية في الطرف الأسفل من الأمعاء الغليظة ، التي تعتبر ممراً أحادياً لتجاه للطعام  تشكل دليلاً على ذلك ، ورأت الدراسة أن هذا الدور الذي حددته للزائدة كان دوراً مصيرياً خلال الفترة البدائية ، التي كان خلالها البشر يعيشون في عزلة وفي مجموعات محدودة .

أيها الإخوة الكرام ، هذه حقيقة جاء بها الفريق الطبي ، مع أنني والله في هذا المسجد ، وفي أي درس أقول : لا يعقل ولا يقبل أن يكون في جسم الإنسان شيء زائد ، هذا يتناقض مع كمال الله .

 

Text Box: غدة التيموس :

 

1 – أهمية عمل غدة التيموس :

قبل خمس سنوات ماضية أو عشر سنوات ماضية غدة إلى جانب القلب ، وهي غدة صغيرة جداً ، اسمها التيموس ، أكد العلماء لعقود طويلة أنه لا وظيفة لها إطلاقاً ، السبب أنها تضمر ضموراً تاماً بعد عامين ، ثم اكتشف أن هذه الغدة التيموس هي أخطر غدة في جسم الإنسان ، هي مدرسة حربية بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، تدخلها الكريات البيضاء أول ما يولد الإنسان تبقى فيها سنتين ، تتعلم هذه الكريات البيضاء المحاربة مَن هو العدو ، ومن هو الصديق ، وبعد سنتين هذه الكريات البيضاء تتخرج من هذه الكلية بمخرجين امتحانيين ، الأول يُعطى الممتحن عنصراً صديقاً ، فإذا قتله رسب وقُتِل ، وإذا لم يقتله نجح وسَلِم ، وفي المخرج الثاني يُعطى عنصراً عدواً ، فإذا قتله نجح وسلم ، وإن لم يقتله رسب وقُتِل ، هذا الجيل المتخرج هو الذي سيتولى تعليم الأجيال الصاعدة ، وتنتهي مهمة المدرسة الحربية ، وتُغلق أبوابها ، وتضمر وتنتهي ، لخمسين سنة ماضية كل أطباء الأرض ، وكل الجامعات تؤكد أن هذه الغدة لا وظيفة لها إطلاقاً ، ثم اكتشف أنها أخطر غدة في الإنسان .

 

2 –غدة التيموس وحالة الخرف المناعي :

 

بعد سن الستين أو السبعين يضعف التعليم ، فتنشأ حالة اسمها الخرف المناعي ، عنصر مقاتل قوي ، لكن ما تعلم الذي علموه ، أحد الأمراض الكبرى التهاب المفاصل ، التهاب المفاصل الرثوي ، هذا نتيجة حرب أهلية داخل الجسم ، العنصر القوي بدل أن يقتل العدو يقتل الصديق ، وهناك سبعة أمراض الآن يعاني منها البشر ، سببها ضعف التعليم في سن الخرف المناعي ، هذه الغدة التي قال عنها الأطباء لأربعين سنة ماضية : لا وظيفة لها إطلاقاً ، وهذا الشاهد الثاني الزائدة الدودية ، ليس هناك أي آثار سلبية من استئصالها ، لذلك أول التهاب تستأصل ، وانتهى الأمر ، اكتشف الآن أنها تولد البكرتريات النافعة ، موقعها استراتيجي .

لذلك أيها الإخوة الكرام :

 ( سورة الإسراء)

قل لمن يدعي في العلم فلسفة