English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
pdf file

خطبة جمعة بتاريخ 14/03 / 2008 : خ1: صدق التوكل عليه وحسن التسليم له. خ2: الاقتصاد في المعيشة أفضل من بعض التجارة -  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِ وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: مقدمة لأسباب زيادة الرزق :

 

أيها الإخوة الكرام ، لازلنا في سلسلة خطب تتمحور حول الرزق ، ولأنّ حرص الإنسان على حياته وعلى رزقه حرص لا حدود له لذلك أردت ـ والله الموفق ـ أن أربط بين طاعة الله واتباع سنة نبيه وبين تطبيق منهجه وتحقيق حاجات الإنسان الأساسية ، فحينما يتوجه الدين إلى معالجة مشكلات الإنسان ، والإنسان بحسب حرصه على وجوده ، وعلى سلامة وجوده ، وعلى كمال وجوده ، وعلى استمرار وجوده عندئذ يصغي .

 

Text Box: أسباب زيادة الرزق :

 

1 ـ الاستقامة والتقوى :

أيها الإخوة ، تقوى الله عز وجل أحد أكبر الأسباب التي تزيد في الرزق :

)  سورة الجن )

 ( سورة المائدة الآية : 66 )

ويقاس على هذه الآية ولو أنهم أقاموا القرآن :

 ( سورة المائدة الآية : 66 )

وفي خطبة سابقة تحدثت عن موانع الرزق ، وهي عشرة .

 

2 ـ صدق التوكل على الله وحسن التسليم له :

 

واليوم مع سبب آخر يضاف إلى تقوى الله ، وهو صدق التوكل عليه وحسن التسليم له .

 

Text Box: علاقة التوحيد بالرزق :

 

الحقيقة الأولى في هذا الموضوع : علاقة التوحيد بالرزق ، كلكم يعلم أن الله جل جلاله لحكمة بالغة جعل نظام الكون وفق مبدأ السببية ، فجعل لكل نتيجة سبباً ، ولكل سبب نتيجة ، إلا أن الناس أحياناً بدافع من ضعف توحيدهم يتوهمون أن السبب وحده هو الذي يخلق النتيجة ، هذا نوع من أنواع الشرك ، لذلك هناك من يأخذ بالأسباب ويعتمد عليها ، وينسى مسبب الأسباب ، بل يؤلّه الأسباب كحال أهل الغرب ، وهناك من لا يأخذ بها أصلاً كحال أهل الشرق ، الغرب حينما أخذ بالأسباب ، واعتمد عليها ، واكتفى بها ، وألّهها ، ونسي الله عز وجل وقع في الشرك الأكبر ، والشرق حينما لم يأخذ بالأسباب وقع في المعصية ، دائماً وأبداً التطرف سهل ، كإنسان وقع ابنه في ذنب ، أن يضربه ضرباً مبرحاً يتشفى منه القضية سهلة جداً ، أيّ أب بعيد عن الدين بعيد عن الحكمة وعن الفهم يفعل هذا ، أو يتساهل فلا يحاسبه أبداً ، لكن البطولة أن يحبك ابنك بقدر ما يخاف منك ، هذا الوضع الوسطي الحكيم يحتاج إلى جهد كبير ، فأن نأخذ بالأسباب ، وأن نؤلهها ، وأن ننسى الله قضية سهلة جداً ، كالعالم الغربي ، وألا نأخذ بها ، ونتواكل على الله بسذاجة ما بعدها سذاجة أيضاً القضية سهلة ، لكن الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء ، هذا الموقف الكامل في طلب الرزق ، في النجاح بالعمل ، في العناية بالصحة ، في تربية الأولاد ، أن تأخذ بالأسباب ، وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله ، وكأنها ليست بشيء .

 

Text Box: الصدقة بمنطق الحساب الرياضي والحقيقة الشرعية :

 

أيها الإخوة ، على الإنسان أن يسعى في طلب الرزق ، لكن بالتأكيد لو توهم أن هناك أسباباً تجلب له الرزق ، ولو أنها تتناقض مع منهج الله وقع في الشرك الأكبر ، ووقع في خطأ لا يتصور ، لذلك من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب مما اتقى ، وأوضح مثل أنك إذا أقرضت قرضاً ربوياً بالحسابات بالآلة الحاسبة وبمنطق الرياضيات يزداد مالك ، أقرضت مئة ألف عادت هذه المئة ألف مئة ألف وزيادة بالفائدة ، لكن الله عز وجل يقول :

 ( سورة البقرة)

وأنك إذا تصدقت قلّ مالك بالحساب والآلة الحاسبة ، ومنطق الرياضيات ، صدقة تُنقِص المال ، والربا يزيده ، أما الواقع فعكس ذلك ، الله عز وجل ينمي المال الذي تصدق منه ، بل إن الزكاة سميت زكاة من معنى النمو ، فالمال ينمو بالزكاة .

(( مَا نَقَّصَ مَالَ عَبْدٍ صَدَقَةٌ )) .

[ أحمد عن أبي كبشة الأنماري ]

(( يا عبدي ، أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ )) .

[ الترغيب والترهيب بسند صحيح ]

(( أنفق بلال ، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا )) .

 [ الطبراني في الكبير والبزار عن أبي هريرة بسند صحيح ]

الحسنة بعشرة أمثالها .

واللهِ في هذا المسجد مرة حدثني أخ كريم ميسور توفي ابن عمه الأستاذ الجامعي  ، فزار أولاده ، وقال لهم : دَيْن أبيكم عليّ ، لكنه لا يعلم كم الدين ، تصور الديون عشرة آلاف إلى عشرين ألفًا ، فوجئ أنها ثلاثمئة وثمانون ألفًا فدفعها ، لأن وعد الحر دين ، وحدثني عن قصته في صحن المسجد ، وبكى ، قال : والله بعد أيام جاءني مبلغ من صفقة لبضاعة كاسدة من سنوات طويلة جاء من يشتريها ، وكنت آيساً من بيعها ، ونصيبي من هذه الصفقة المبلغ الذي دفعته .

والله معي آلاف القصص ، هذه واحدة ، بمنطق الإيمان إن دفعت صدقة يزداد مالك ، بعكس منطق الآلة الحاسبة والرياضيات ، بمنطق الإيمان إن أكلت الربا يمحق مالك ، بعكس الحساب والرياضيات والآلة الحاسبة ، فلذلك من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا ، وأقرب مما اتقى .

 

Text Box: دَعِ المال الحرام والمشبوه فإن الله يعوِّض عليك خيرا منه :

 

شيء آخر ، لحكمة بالغة يعرض عليك مبلغ كبير تحل به كل مشكلاتك ، لكن فيه شبة ، وأخْذه لا يرضي الله ، فالمؤمن الصادق قوي الإيمان يركل هذا العرض بقدمه ، ويقول : معاذ الله ، إني أخاف الله رب العالمين ، والله الذي لا إله إلا هو هذا إيماني ، أن زوال الكون أهون على الله من ألا يعوضك خيراً منه بالحلال .

واللهِ أخ كريم حدثني عن قصة ، ورجاني أن أنقلها لكم ، وقد نقلتها لكم كثيراً ، أنه جاءه عرْضٌ أرباحه من هذا العرض حوالي مئتي ألف ليرة ، لكن تبين أن هذا العرض من أجل صناعة الخمور ، فرفضه ، الذي طلب منه هذا العرض أغراه بأشياء كثيرة ، يقسم بالله العظيم بعد اثنين وعشرين يوماً جاءه عرض أرباح الصفقة الثانية أكثر من مئة ضعف ، احفظوا هذا الحديث :

(( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) .

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

لذلك الأسباب وحدها لا تكفي ، بل لا بد من أن يأذن مسبّب الأسباب .

الإنسان أحيانا من ضعف توحيده يتوهم أن الرزق بيد فلان ، فإذا أرضاه ولو بمعصية الله يزداد رزقه ، وإن أغضبه ولو بطاعة الله ينقطع رزقه ، الذي يحصل أنك إذا لم تعبأ بغضب زيد ، ولا بغضب عبيد وقصدت إرضاء الله عز وجل عندئذ يخضعك الله عز وجل لقانون العناية الإلهية ، فيزداد رزقك ، مع أن القواعد المستنبطة من حركة الحياة تؤكد أنك ستخسر هذا الرزق ، الله عز وجل موجود ، وما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، هو الرزاق ، ذو القوة المتين .

أول حقيقة في هذا الموضوع ينبغي أن تكسب رزقك من طريق مشروع ، لأن ما عند الله لا ينال بمعصية الله ، وإذا توهمت أنك إذا أقمت منهج الله عز وجل سوف ينقطع رزقك ، أو يقلّ فهذا وهم من الشيطان :

 ( سورة آل عمران)

(( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) .

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

Text Box: الأخذ بالأسباب والتوكل على الله :

 

لكن هناك حقيقة ، النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ )) .

[ أبو داود]

ليس هناك عمل ، ولا وظيفة ، ماذا أفعل ؟ أنا محتاج إلى عمل ، إلى دخل ، إلى زواج ، إلى بيت ، لكنك جالس في البيت لا تتحرك ، الله عز وجل أمرنا أن نأخذ بالأسباب ، ثم نتوكل على رب الأرباب ، فترك الأخذ بالأسباب معصية ، وأن تأخذ بها وتنسى الله عز وجل شرك ، لذلك أعيد وأقول : ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .

الآن اقتربنا من لب الموضوع ، معظم المسلمين يتوهمون التوكل ألاّ تأخذ بالأسباب ، الحقيقة الخطيرة أنه لا تناقض إطلاقاً بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله أبداً ، تأخذ بالأسباب تعبداً .

هناك مثل صارخ ، النبي صلى الله عليه وسلم ماذا فعل ؟ أخذ بالأسباب كلها ، اتجه في الهجرة مساحلاً بخلاف الاتجاه نحو المدينة ، وقبع في الغار أياماً ثلاثة ليخف عليه الطلب ، هيأ من يأتيه بالزاد ، هيأ من يمحو الآثار ، هيأ من يأتي له بالأخبار ، اختار دليلاً رجح فيه الخبرة على الولاء ، وكان مشركاً ، أخذ بالأسباب كلها ، ومع ذلك وصلوا إليه ، ما حكمة أنهم وصلوا إليه ؟ ليبين الله لأمته من بعده أنه أخذ بالأسباب تعبداً ، لكنه في حقيقته متوكل على الله ، فلما وصلوا إليه ، واضطرب سيدنا الصديق ، قال له : يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا ، قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( يَا أَبا بَكْرٍ مَا ظَنّكَ بِاثْنَيْنِ الله ثَالِثُهُمَا )) .

[ متفق عليه ]

انظر إلى الموقف المتوازن ، أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ووصلوا إليه فلم يضطرب ، هو متوكل .

نحن بتطبيقاتنا العملية حينما تسافر تجري مراجعة لمركبتك ، مراجعة تامة ، العجلات ، الزيوت ، المكابح ، مراجعة تامة ، وأنت في أعماق أعماقك موقن أن الله هو المسلّم ، تقول : يا رب ، أنا راجعت المركبة تنفيذاً لأمرك ، لكنني متوكل عليك ، مستسلم لك ، وأنا موقن أنك أنت الحافظ ، وأنت المسير ، هذا هو الموقف الصحيح .

إذا مرض الابن ، آخذه لأمهر طبيب ، أشتري له الدواء الجيد ، أشرف بنفسي على إعطاء الدواء ، ومن أعماق أعماقي أقول : يا رب ، أنت الشافي ، ولا شفاء إلا شفاءك ، أن تجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على رب الأرباب ، لذلك الكلمة الشائعة التي أصبحت مثلاً هي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن أعرابياً دخل عليه ، وترك ناقته بغير رباط ، فَعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ : قَالَ رَجُلٌ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ ؟ قَالَ : اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ )) .

[ الترمذي ]

خذ بالأسباب وتوكل على الله .

أيها الإخوة ، هذا الذي يقوله معظم الناس : اعقل وتوكل ، خذ بالأسباب ، ثم توكل على رب الأرباب .

هناك حديث يتوهمه بعض المسلمين أنه يريحهم من الأخذ بالأسباب .

(( لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ـ الطير ماذا فعلت ؟  ـ تَغْدُو خِمَاصًا ، وَتَرُوحُ بِطَانًا )) .

[ أحمد ، النسائي ،  ابن ماجه ، الحاكم ،  وقال الترمذي حسن صحيح  ]

الطير لم تقبع في عشها ، بل تحركت ، وتوجهت إلى السوق على أسباب الرزق ، فالحديث حجة على مَن فهمه فهماً خاطئاً ، يرزق الله الطير ، ولكنها تحركت وطارت .

((  لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ ، تَغْدُو خِمَاصًا ، وَتَرُوحُ بِطَانًا )) .

سيدنا عمر بن الخطاب لقي أناساً من أهل اليمن قال : من أنتم ؟ رآهم يتكففون الناس ويتسولون ، قال : من أنتم ؟ قالوا : نحن المتوكلون ، وهذا النموذج موجود في كل زمان ، ماذا تفعل ؟ الأمر بيده ، ترتيب سيدك ، قاعد في البيت لا يتحرك ولا يسأل ، ولا يبحث عن عمل ، الله لم يأذن ، حتى يأذن ، فقال : كذبتم ، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ، ثم توكل على الله .

أيها الإخوة الكرام ، سئل الإمام أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد ، وقال : لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي ، فقال : هذا الرجل جهل العلم ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ... وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي ، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي ... )) .

[ أحمد عن ابن عمر ]

Text Box: بين فقر الكسل وفقد القدر وفقر الإنفاق :

 

وأنا أقول لكم : هناك فقر الكسل ، وهذا الفقر مذموم ، صاحبُه لا يتحرك ، ولا ينطلق إلى عمله ، ولا يضبط مواعيده ، ولا يسجل على دفتره جدول أعماله ، هكذا بلا تخطيط ، بلا انضباط ، بلا نشاط ، بلا همة ، هذا فقير ، لكن هذا فقر مذموم ، لا تقل لإنسان يهمل عمله ، ولا يداوم ، ويؤثر الراحة على العمل ، ويقبع في بيته يتواكل ، ويرجئ كل شيء ، لا تقل له : أنت فقير مسكين ، هذا فقره عقاب له ، هذا فقر الكسل ، ونعوذ بالله من فقر الكسل ، لكن هناك فقر القدر ، إنسان معه عاهة تمنعه من كسب المال ، صاحبه معذور ، أما الفقر الذي صاحبه ممدوح فهو فقر سيدنا الصديق ، يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال : الله ورسوله ، أنفق كل ماله .

وفي بعض الروايات أن رجلاً قال :

(( يا رسول الله إني أحبك ، قال : انظر ما تقول ، قال : والله إني أحبك قال : انظر ما تقول ، قال : والله إني أحبك ، قال : إن كنت صادقاً فيما تقول للفقرُ أقرب إليك من شرك نعليك )) .

[ ورد في الأثر]

إذا كان معك مال ، وأخوك المسلم بحاجة إلى المال هل من المعقول ألاّ تساعده ؟ يكون قلبك قاسيًا ، أنت معك مال احتياطي ، وعندك أموال طائلة ، ومِن حولك أناس يموتون من الجوع ، لكنك تبخل عليهم ، إذاً أنت لا تحب رسول الله ، انظر ما تقول ؟ إن كنت صادقاً فيما تقول ، هنا الفقر يعني أنه لا بد من أن تنفق من مالك ، لكن الحقيقة الدقيقة حينما قال الله عز وجل :

 ( سورة البقرة )

قال : إن لم تنفقوا ، إن لم تنفقوا ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة ، وقال بعض العلماء : أما إذا أنفقتم كل أموالكم أيضاً باستثناء سيدنا الصديق فله خصوصية ، ألقيتم بأيديكم إلى التهلكة .

الإنسان الذي لا يعمل ، ويدّعي أنه متوكل فهو كاذب ، والدليل أنه يخاف أن يعمل فيفتن ، يخاف أن يعمل فيحب الدنيا ، يخاف أن يعمل فتستهويه الدنيا ، إذاً لا يعمل ، فاقرأ قوله تعالى :

 ( سورة النور الآية : 37 )

يتاجرون ، ويدهم عليا ، وينفقون ، ويعطون ، وهم عند الله أبطال ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( التزموا الرزق في خبايا الأرض )) .

[ الجامع الصغير عن عائشة بسند فيه ضعف ]

إذا قامت الساعة والله هذا لحديث يلفت النظر ، إذا قامت الساعة انتهى كل شيء .

(( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ )) .

 [ رواه أحمد في المسند ]

في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شاباً يصلي في أثناء النهار ، قال له :

(( من يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك )) .

[ ورد في الأثر ]

 أمسك النبي عليه الصلاة والسلام يد عبد الله بن مسعود فرآها خشنة من العمل ، رفعها ، وقال :

(( هذه اليد يحبها الله ورسوله )) .

[ ورد في الأثر ]

وسيدنا عمر يقول : << إني أرى الرجل لا حرفة له فيسقط من عيني >> .

أقسم لكم بالله ولا أبالغ الشاب الذي ينطلق إلى عمله باكراً ، ويتقن عمله ، وينمي خبرته ، ويأتي بمال ، ثم يتزوج ، بالتعبير العامي جبر خاطر فتاة ، الفتاة إذا تزوجت نجحت في حياتها ، أسس عشًّا إسلاميا ، جاءه بأولاد فرباهم تربية صالحة ، نفعوا الناس من بعده ، هل تصدقون أن عمله نوع من العبادة .

أنا أقول دائماً : عملك الذي ترتزق منه ، حرفتك ، مهنتك ، إذا كانت في الأصل مشروعة ، إصلاح كهرباء ، إصلاح مركبات ، لا شيء عليه ، بيع أخشاب ، بيع أقمشة ، إذا كانت الحرفة مشروعة في الأصل ، وسلكت بها الطرق المشروعة ، لا فيها كذب ، ولا غش ، ولا تدليس ، ولا احتيال ، ولا بيع باطل ، ولا بيع ربوي ، وابتغيت منها كفاية نفسك  وأهلك ، وخدمة المسلمين ، ولم تشغلك عن فريضة ، ولا عن واجب ، كمن يترك أربع صلوات ، ويقول : يا سيدي ، أليس الشغل عبادة ؟ الشغل عوض الصلاة ؟! أعوذ بالله !!! ولم تشغلك عن فريضة ، ولا عن واجب ، وابتغيت خدمة المسلمين ، وكفاية نفسك وأهلك ، وهذه الحرفة مشروعة صدّق ولا أبالغ انقلبت إلى عبادة ، لذلك قالوا : عبادات المنافق سيئات ، وعادات المؤمن عبادات .

 

Text Box: محل التوكل ومحلُّ الأخذِ بالأسباب :

 

أيها الإخوة ، ما هو الدليل القطعي على أن التوكل أحد أسباب زيادة الرزق ؟

بالمناسبة أين محل التوكل ؟ لأن التوكل له محل ، أين محل الأخذ بالأسباب ؟ وأين محل التوكل ؟ محل التوكل القلب ، محل الأخذ بالأسباب الجوارح ، تنطلق لتعمل ، المسلمون اليوم عكسوا المحلَّيْن ، يتوكل بجوارحه ، ويتمنى بقلبه أن يرزقه الله ، هو جالس لا يتحرك ، لا يعمل ، لا يسأل ، وبقلبه يتمنى أن يرزق ، وكأن القضية قضية معجزة ، والآن المسلمون باعتبار هم مؤمنون والله واعدهم بالنصر في عندهم حلم ساذج أن الله عز وجل  يخلق معجزة يدمر إسرائيل ، عليك بهم يا رب إنهم لا يعجزونك ، أنت ماذا أعدت لهم ألم يقل الله عز وجل :

 ( سورة الأنفال الآية : 60 ) .

الخطورة أن تجعل قلبك محل تمنياتك وأن تجعل جوارحك محل توكلك ، هذا ليس توكل ، بل تواكل ، التوكل محله القلب والأخذ بالأسباب محلها الجوارح .

 

Text Box: الدليل على زيادة الرزق بالتوكل :

 

الدليل القطعي على أن التوكل على الله يزيد في الرزق قوله تعالى :

 ( سورة الطلاق )

يا إخوتي الشباب ، هذه الآية لكم ، أنتم على مفترق طرق ، أنتم مقبلون على الدنيا ، أنا أعلم علم اليقين أن كل شاب يحتاج إلى زواج ، هذه سنة الله في خلقه ، يحتاج إلى مأوى ، يحتاج إلى رزق ، هذه أهداف ثلاثة ، عمل ترتزق منه ، وزوجة صالحة تسرك إن نظرت إليها ، وتحفظك إذا غبت عنها ، وتطيعك إن أمرتها ، عمل وزوجة ومأوى ، الطريق إليها :

﴿ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

وزوال الكون أهون على الله من أن تتقي الله ثم لا تجد ما وعدك الله به من رزق وفير ، فضع أملك بالله ، وخذ بالأسباب ، وتوكل على الله .

الآية :

 ( سورة الطلاق )

الوقفة عند كلمة : ( مخرجًا ) : متى تبحث عن مخرج ؟ إن رأيت الأبواب كلها مغلقة ، قدمت مسابقة فما نجحت ، بعثة دراسية ما سُمح لك فيها ، قدمت عرضًا لعمل فلم يوافق عليه ، الأبواب كلها مغلقة ، الله عز وجل يقول :

 ( سورة الطلاق )

بعد أن رأيتَ الأبواب كلها مغلقة اطرق باب الله عز وجل :

 ( سورة الطلاق )

الشاهد :

 (سورة الطلاق)

وفي الحديث :

(( ينْزِلُ رَبّنَا كُلّ لَيْلَةٍ إِلى السّمَاءِ الدّنْيَا حَتّى يَبْقَى ثُلثُ اللّيْلِ الآخر ـ دققوا الآن قبل الفجر ـ فَيَقُولُ : مَنْ يَدْعُونِي فأسْتَجِيبَ لَهُ ؟ مَنْ يَسْألُنِي فأُعْطِيَهُ ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فأَغْفِرَ لَه ؟ حتى ينفجر الفجر )) .

[ مسلم عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ]

ساعات ما قبل الفجر :

(( وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا )) .

 [ متفق عليه ]

(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ )) .

[ مسلم ]

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ :

(( جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُو عَلَيَّ هَذِهِ الْآيَةَ : ] وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْآيَةِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ ، لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُمْ )) .

[ أحمد ]

واللهِ إن العالم الإسلامي يعاني من المشكلات ما يعاني ، والله يعاني من المشكلات ما لا سبيل إلى وصفه ، ويقع في رأس هذه المشكلات الفقر ، هناك بلاد إسلامية تعد من أفقر شعوب الأرض ، وعندها ثروات لا يعلمها إلا الله :

(( يَا أَبَا ذَرٍّ ، لَوْ أَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُمْ ، قَالَ : فَجَعَلَ يَتْلُو بِهَا وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ حَتَّى نَعَسْتُ )) .

(( من انقطع إلى الله كفاه الله كل مؤونة ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكّله الله إليها )) .

[ رواه الطبراني في الأوسط ]

أيها الإخوة الكرام ، أحد أكبر أسباب زيادة الرزق التوكل على الله ، والتوكل على الله يعني الحركة ، مرَّ سيدنا عمر برجل معه جمل أجرب ، قال له : << يا أخ العرب ، ما تفعل به ؟ قال : أدعو الله أن يشفيه ، قال له : هلا جعلت مع الدعاء قطراناً ؟ >> .

اسأل الطبيب ، تحرك .

تصور إنسانا يركب مركبة فتوقفت ، خرج من المركبة وهو يقول : يا رب ، أنقذنا ، لو دعا مليون مرة ، نقول له : افتح غطاء المحرك ، وانظر أين الخلل ، واطلب من الله أن يلهمك أين الخلل ، واطلب من الله أن يعينك على إصلاح الخلل ، هذا موقف علمي عملي ، أما ألاّ تفعل شيئاً ، وتكتفي بالدعاء ، فالدعاء من دون سعي لا يقبل ، بل هو استهزاء بالدعاء .

أيها الإخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

                                *      *      *

Text Box: الخــطــبـة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

Text Box: الاقتصاد في المعيشة أفضل من بعض التجارة :

 

أيها الإخوة الكرام ، أنا لا أنكر أن النفس إذا أحرزت قُوتَها اطمأنت ، لأن فيها اضطرابا ، وهذا الاضطراب يسكنه أن يكون لك رزق يكفيك ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( اللهم مَن أحبني فاجعل رزقه كفافاً )) .

[ الجامع الصغير بلفظ : " إن الله إذا أحب عبدًا جعل رزقه كفافا " ، وسند عن علي فيه ضعف]

هناك رزق لا يكفي صاحبه ، فهو فقير ، وهناك رزق فوق ما يكفي صاحبه ، فهو مفتون ، فقليل يكفيك خير من كثير يطغيك ، والاقتصاد في المعيشة أفضل من بعض التجارة ، تجارة فيها مهربات بضربة واحدة تخسر كل شيء ، تجارة فيها مواد محرمة ، والاقتصاد في المعيشة أفضل من بعض التجارة ، فلذلك لا تبحث عن رزق يطغيك ، النبي عليه الصلاة والسلام دعا لمن أحبه بالكفاف ، أي برزق يكفيه .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ )) .

 [ أخرجه الترمذي وابن ماجة ]

الصحة طيبة ، وأن تعرف الله ، ومستقيم على أمره ، وعندك زوجة صالحة ، وأولاد أبرار ، ودخل معقول ، فقد حِيزت لك الدنيا بحذافيرها ، وليس فوق هذه الشروط من شرط مسعد .