English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان
pdf file

خطبة جمعة بتاريخ 25/04 / 2008 : خ1: من أسباب زيادة الرزق الشكر .خ2: شكر من أسدى لكم معروف - لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِ وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

 

Text Box: مقدمة :

 

1 – مِن نعمِ الله الكبرى ثباتُ خصائص الأشياء :

 

أيها الإخوة ، لازلنا في سلسلة خطب تتمحور حول أسباب زيادة الرزق ، ولأن الله سبحانه وتعالى ثبّت مليارات القوانين ، ثبّت خصائص المواد ، ثبّت دورة الأفلاك ، ثبّت كل شيء استقراراً للنظام ، وتطميناً للإنسان ، فلو بدل خصائص الحديد ، وأنشأت بناءً من ثلاثين طابقاً ، فإذا بدل خصائصه انهار البناء ، فثبات خصائص المواد ، وثبات خصائص البذور ، وثبات خصائص الأفلاك نعمة عظمى ، هذه النعمة مؤدّاها استقرار النظام ، استنباط القوانين ، التعامل مع الكون تعاملا علميا .

 

2 – الرزق والصحة متغيِّران لا ثبات لهما :

 

لكن لحكمة بالغة حرّك شيئين ، حرك الصحة ، وحرك الرزق ، ليكون الرزق والصحة سببين لتربية الإنسان .

وأذكِّركم بالآيات الثلاث :

 

)  سورة الجن )

 

 ( سورة الأعراف الآية : 96 )

 

 ( سورة المائدة الآية : 66 )

ويقاس عليهما ما في القرآن .

إذاً : في هذه الآيات الثلاث ربط الله الرزق الوفير بالاستقامة ، وبالتقوى ، وبإقامة منهج الله عز وجل ، ولأن العالَم كله يشهد أزمات اقتصادية طاحنة لأسباب لا مجال لذكرها الآن ، ولأن هذا الدين يصلح أن يكون دين الأمة ، ويصلح أن يكون دين الفرد ، فإذا استقمت وحدك ، وأقمت أمر الله وحدك ، وطبقت سنته وحدك فلك معاملة خاصة ، لذلك في خطب عديدة تقترب من عشر كنت أعالج في كل خطبة أحد أسباب زيادة الرزق .

 

Text Box: مِن أسباب زيادة الرزق : الشكرُ :

 

الآن محور هذه الخطبة الشكر ، والآية الواضحة الصارخة :

 ( سورة إبراهيم : الآية 7 )

1 – عوِّدْ نفسك على شكر النعم المألوفة :

 

عوِّد نفسك إذا استيقظت صباحاً تتمتع بحواس تامة ، وبقوة ، وبأجهزة سليمة أن تقول : يا رب ، لك الحمد ، الحمد لله الذي أحياني بعد أن أماتني ، النوم موت ، وبعده تتمتع بالقوة ، ترى ، تسمع ، تنطق ، تتكلم ، جلست إلى الطعام ، عندك طعام ، ومعك ثمن طعام ، قد يكون طعام قوتٍ يكفيك ، عندك زوجة أمامك تلبي حاجتك بالرعاية ، عندك أولاد ، حاول أن تشكر على النعم المألوفة التي لو تبدلت واحدة منها لكانت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق .

للتقريب : يكون عند الإنسان هموم لا تعد ولا تحصى ، لكن صحته طيبة ، أولاده بصحة جيدة ، زوجته كذلك ، يسكن في بيت ، لا سمح الله ولا قدر ولا قدر ، وعافاكم الله جميعاً من كل داء لو ظهر ورم في الجسم لنسيت كل هذه الهموم ، أليس كذلك ؟

مرة مات ملِك ، قلت في خطبة ، وأنا أعني ما أقول : لو عُرِض على هذا الملِك أن يرجع عاملا على آلة كاتبة في قصره ، وأن يُعافى من مرضه ، والله الذي لا إله إلا هو لا يتردد ثانية واحدة أن ينقلب مِن ملِكٍ إلى عامل على آلة كاتبة على أن يعافى من مرضه الخبيث .

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ـ ليس مُلاَحقًا ، هو حر ، له مأوى ، معه مفتاح بيت ـ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ـ سمعه ، بصره ، قوته ، جهاز الهضم ، جهاز القلب ، جهاز الدوران ، الكليتان  .

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا )) .

[ أخرجه الترمذي وابن ماجة عن عبد الله بن محصن ] 

 

2 – كثرة الشكوى مخالفة للشكر ، وهي مِن طُرُق الشيطان :

أيها الإخوة ، نكون غارقين في نعم لا تعد ولا تحصى ، ونشكو ، نتعلم الشكوى ، لذلك هذه الشكوى من أين تأتي ؟ استمعوا إلى هذه الآية الكريمة ، يقول الله عز وجل  في معرض حديثه عن الشيطان :

 ( سورة إبراهيم  )

يكون دخْله بالملايين ، ثم يقول لك : لا يعاش في هذا البلد ، التجارة مقيَّدة ، ] وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [ .

الذي يتأفف ، ويتشكى ، وينسى نعم الله عليه ، ينسى أنه في بلد مسلم مسموح له أن يأتي إلى المسجد ، ولا يُساءل ، هذه نعمة أنتم لا تعرفونها ، أما في بلاد أخرى مسلمة والله لو دخلت المسجد مرة واحدة لأصبحت مسؤولاً عن هذا الدخول ، ولو أن فتاة ارتدت ثيابًا نصف يدها عار ، لكن القبة مرتفعة قليلاً ، وثوبها إلى ركبتها هذه تعد محجَّبة ، ويسرح كل أقاربها من وظائفهم ، نحن والحمد الله نساؤنا محجبات ، والحجاب بأعلى درجة الآن ، المساجد ممتلئة ، هذه نعم لا نعرفها نحن إلا إذا فقدناها ، لذلك من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم : (( اللهم أرنا نعمك بدوامها لا بزوالها )) .

ألا تذكرون قبل خمسين عامًا يوم كان هناك توازن بين المعسكرين كيف أن الدول الصغيرة تتمتع بحرياتها ، وتأتيها المساعدات بالمليارات ، فإذا شحت المساعدات من معسكر غازلت المعسكر الآخر فبادر الثاني إلى إكرامها ، الآن هناك العصا فقط من غير حبة جَزَرٍ ، والحمار أحياناً توضع أمامه حبة جزرٍ ، والعصا مع صاحبها ، الآن العصا فقط تساق بها الشعوب ، وتقهر بها ، وتؤخذ ثروات الشعوب ، ويقتل أبناء الأمة .

 

3 – عوِّدْ نفسك على رؤية الإيجابيات :

 

أيها الإخوة الكرام ، عوِّد نفسك أن ترى الإيجابيات ، عوِّد نفسك أن تشكر الله ، أنا لا أقول لك : انسَ همومك ، الهموم هموم ، والمشكلات مشكلات ، لكن لا تغفل عن الإيجابيات .

مرة جاءني إنسان يستأذنني في تطليق زوجته ، أنا أردت أن أستفزه ، قلت له : هل تخونك ؟ قال : معاذ الله ، هي طاهرة شريفة ، قلت :هل هي قذرة ؟ قال : أعوذ بالله ، إنها نظيفة جداً ، قلت له : لا تعتني بك ؟ قال : بل تعتني ، هو استحى بحاله ، فلم يكمل الحديث ، فلا تنسَ أن زوجتك عفيفة ، لا تنسَ أن زوجتك أمينة ، تحسن إدارة البيت ، مع أن ثمة خلافيات لا تتعامى عن كل ذلك .

هذا الذي دخل المسجد ، وأحدث جلبة وضجيجا ، وشوش على الصحابة صلاتهم ، لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته ماذا قال له ؟ فعَنْ الْحَسَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ رَاكِعٌ ، فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ :

(( أَيُّكُمْ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ : أَنَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ، وَلَا تَعُدْ )) .

نوَّه إلى حرصه ، وقال له : (( وَلَا تَعُدْ )) .

 إن الإنسان الناجح لا يتعامى عن الإيجابيات في حياته ، أمّا الإنسان الذي يشكو لي سوء ظنه بزوجته ، يخشى أن تخونه ، أراه كالمرجل ، الذي عنده زوجة صالحة يسافر مدة طويلة ولا يخطر في باله خاطر سيئ ، أليست هذه نعمة كبيرة ؟

الإيجابيات التي لا تنتبه إليها هذه نعم كبيرة جداً .

 

4 – إذا أردت الزيادة في كل شيء فاشكر ما أنت فيه :

 

الآن إذا أردت الزيادة في كل شيء فاشكر ما أنت فيه .

 ( سورة إبراهيم  )

إن أردت الزيادة في مكانتك فاشكر أن الله رفع ذكرك ، لتزداد مكانتك ، إن أردت الزيادة في رزقك فاذكر أن لك نعماً سلبية ، وهي أنك معافى ، وأقلُّ تحليلٍ يكلفك الآلاف ، المرنان بعشرات الألوف ، والآن هناك أجهزة حديثة بخمسة وعشرين ألفًا ، وأقلّ حركة صحية تحتاج إلى ألوف ، فإذا عافاك الله من كل هذه الأمراض فمعنى ذلك أن معك رزقًا سلبيًّا وفر الله عليك ألوفا .

 أحد الإخوة الكرام قال لي : الإنسان إذا جاءه طفل معافى فمع هذا الطفل مليون ليرة ، قلت له : ما فهمت عليك ، اشرح لي ذلك ، قال لي : هناك طفل شريانه مكان الوريد ، الجراح طلب أربعمئة ألف في لبنان ، والمستشفى ثلاثمئة ألف ، ونقله بعد الولادة بساعات إلى لبنان بخمسين ألفا ، قال : سبعمئة وخمسون ألفًا دفِعت خلال ساعتين ، الذي عنده ولد سليم معافى فهذه نعمة كبيرة جداً ، وقد يأتي الطفل منغوليا فتصبح حياة الأسرة جحيماً لا يطاق ، ابحث عن الإيجابيات ، طريق كله حفر ما إيجابياته ؟ هذا الطريق لا تنام فيه إطلاقاً ، أما الطرق الواسعة والسريعة فاحتمال النوم قائم ، وبعد النوم حادث مروع ، وهذه من باب الطرفة طبعاً .

ابحث عن الإيجابيات في واقعك تَسعد وتُسعد ، تَرض وتُرض ، لا تنسَ نعم الله :

 ( سورة لقمان الآية : 20 )

Text Box: ما هو الشكر ؟

 

ما هو الشكر ؟ ما دام الشكر طريق الزيادة ، في صحتك إذا شكرت الله عز وجل  على ما أنت عليه من أجهزة سليمة ازدادت صحتك ، إذا شكرت ربك أن لك دخلاً تعيش به زاد دخلك ، إن شكرت ربك على زوجة إجمالاً صالحة تزداد صلاحاً ، إن شكرت ربك على أولاد أمامك يحترمونك ازدادوا احتراماً لك :

 ( سورة إبراهيم  )

اجعل هذه الآية شعارك ، ولكن ما الشكر ؟

 

1 – تصَوُّرُ النعمةِ وعزوُها إلى الله :

 

أيها الإخوة ، لمجرد أن تتصور أن هذه نعمة من الله فهذا أحد أنواع الشكر ، الله عز وجل وفّقني ، ونلت شهادة عليا ، وفقني وتعينت بعمل له دخل معقول يغطي نفقاتي ، الله عز وجل أكرمني بمأوى قد يكون بمساحة خمسين مترًا ، لكنه مأوى معك مفتاح بيت ، الله عز وجل أكرمني بأولاد صالحين ، عود نفسك أن تقول : الله أكرمني ، الله وفقني ، الله مكنني ، إياك أن تعزو ما أنت فيه إلى قدراتك فتكون من أتباع قارون :

 ( سورة القصص الآية : 78 )

 ( سورة القصص الآية : 81 )

الابن مريض ، حرارته أربعون ، أخذته إلى الطبيب ، الله عز وجل سمح لهذا الطبيب أن يصف له دواءً مناسباً ، وهذا الدواء أزال الداء ، إياك أن تعزو شفاء ابنك إلى طبيب ، الطبيب عبد ، لأن الشفاء بيد الله عز وجل ، فإذا أراد الشفاء لإنسان ألهم الطبيب صحة التشخيص والدواء المناسب .

إن الطبيب له علم يدل بـه        إن كان للناس في الآجال تأخير

 متى ينفع علم الطبيب ؟ إن كان للناس في الآجال تأخير :

حتى إذا ما انتهت أيام رحلته           حار الطبيب و خانته العقاقير

كم من إنسان شكا تعطلَ إحدى كليتيه ؟ فلا بد من استئصالها ، ماذا فعل الطبيب الأول ؟ استأصل السليمة .

أيها الإخوة ، أنا أقول : حينما تنجح العملية الجراحية ، هكذا أقول : والله إذا أراد الله لك الشفاء تكون يد الطبيب بيد الله فتنجح العملية ، فعوّد نفسك أن تعزو الفضل إلى الله ، هذا ليس تواضعا ، هذه حقيقة وواقع .

أيها الأخوة ، أول مستوى من مستويات الشكر أن تعزى النعمة إلى الله ، إلى أن يكون هذا من جبلتك ، الله وفقني ، الله أكرمني ، الله سمح لي أن أدعو له ، من أنت ؟ لولا أن الله أطلق لسانك ، لولا الله أمدك بذاكرة ، لولا أن الله ألقى محبتك في قلوب الخلق فلا أحد يستمع إليك ، لذلك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم :

(( ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي )) .

[ أحمد عن أبي سعيد الخدري ]

ما قال : فهديتكم .

إذاً : المستوى الأول أن تعزو النعمة إلى الله ، وهذه حقيقة ، وكاستنباط بعيد إذا قال الله عز وجل :

 ( سورة يس )

النبي صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر ، لو خاطبنا شاعراً كبيراً : مَن الذي أعطاك هذه الملَكة ؟ الله عز وجل .

استنباط آخر دقيق :

 ( سورة النحل)

أكمل الآية :

 ( سورة النحل)

إلى من عزي خلق الطائرة ؟ كفكرة ، إلى الله عز وجل ، هو مِن ألهم ، حتى العلماء الكبار المكتشفون يقولون لك : الاكتشاف ومضة وقفزة وتألق في المجهول ، حتى قال بعض العلماء : العبقرية تسعة وتسعون منها عرَق ، يعني جهدا ، وواحد بالمئة إلهام .

الله عز وجل على الحقيقة يعزى إليه كل شيء ، وكل ما أنت فيه من صحة ، من زواج ، من أولاد ، من ذكاء أحياناً من الله ، هناك إنسان الله عز وجل آتاه فهما دقيقا جداً ، إذا عزوت كل شيء إلى الله عز وجل فأنت شاكر ، هذا أول مستوى ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما أنعم الله على عبد من نعمة فقال : الحمد لله إلا وقد أدى شكرها )) .

[ الجامع الصغير عن جابر بسند فيه ضعف ]

دخلت إلى بيتك قل : الحمد لله الذي آواني ، وكم ممن لا مأوى له .

نظرت إلى المرآة ، ورجلت شعرك ، قل : يا رب لك الحمد ، الحمد لله يا رب كما حسنت خلقي حسن خُلقي ، وجه مقبول ، ما فيه شيء منفّر ، والله نحن غارقون في نعم لا تعد ولا تحصى .

 سأل ملك وزيره : مَن الملِك ؟ قال : أنت ، قال : لا ، الملك رجل لا نعرفه ، ولا يعرفنا ، له بيت يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورق يكفيه ، هذا ملك ، الملك الذي له بيت صغير ساكن فيه ، مدفّأ في الشتاء ، عنده مروحة في الصيف ، وله زوجة يحبها وتحبه ، ومعه وظيفة تغطي مصروفه من دون بحبحة ، هذا ملك   .

قال : له بيت يؤويه ، وزوجة ترضيه ، ورق يكفيه .

يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ما أنعم الله على عبد من نعمة فقال : الحمد لله إلا وقد أدى شكرها ، فإن قالها ثانية جدد الله له ثوابها ، فإن قالها ثالثة غفر الله له بها ذنوبه )) .

[ الجامع الصغير عن جابر بسند فيه ضعف ]

الله عز وجل أكرمني بهذه الشهادة ، شهادة عليا في الطب ، هذا المستوى الأول .

 

2 – أن يمتلأ قلبك محبة لله :

 

المستوى الثاني : أن يمتلأ قلبك محبة لله ، من أعماقك الله أكبر ، سبحان ربي العظيم ، سبحان ربي العظيم ، سبحان ربي العظيم ، اسمعوا الآن ، سمع الله لمن حمده ، يا رب ، لك الحمد والشكر والنعمة والرضا ، حمداً كثيراً طيباً ، يا رب ، غمرتني بفضلك ، غمرتني برحمتك ، غمرتني بحلمك ، غمرتني بتوبتك ، سمع الله لمن حمده ، يا رب ، غمرتني بعطائك ، غمرتني بسترك ، غمرتني بحلمك ، غمرتني برحمتك ، غمرتني بحبك ، سمع الله لمن حمده .

 

3 – أن تشكر جوارحُك :

 

أما المستوى الثالث : يا الله هذا أرقى مستوى ، أول مستوى أن تعزو النعمة إلى الله ، المستوى الثاني أن يمتلأ قلبك حباً لله على هذه النعم ، المستوى الثالث أن تشكر جوارحك ، معنى قوله تعالى :

 ( سورة سبأ )

إطعام الهرة شكر لله ، وكذا إطعام المساكين .

أحد إخواننا الأطباء زارته معلمة عندها إشكال في أسنانها في المقدمة ، الكلفة ستون ألفًا ، ما تملك المبلغ ، قالت له : شكراً ، وهي خارجة قال لي : انكسر قلبي من أجلها ، معلمة ، قال لها : يا أختي ، تقبلي مني أن أقدم لك هدية ؟ قالت له : جزاك الله خيراً ، قال لي : بقيت ستة أشهر أعالجها حتى قومت لها أسنانها ، قال : أنا أعيش ستة أشهر في جنة ، لأن هذا العمل لله .

يقول لي طبيب آخر : أذهب إلى مستشفى عام ، في العالم كله المشافي العامة فيها إهمال ، قال لي : أعامل المرضى كأنهم بأرقى مستشفى ، التحليل ، الإيكو ، المرنان ، قال لي : أنا أعيش في جنة ، لأن هذا الفقير لا أحد مهتم به إطلاقاً ، أنا أهتم به ، أهتم بأدق تطورات مرضه .

قال لي مرة أخ جاء من منطقة الزبداني الساعة الثانية عشر ليلاً في الصيف : وجدت امرأة تقف في الطريق تمسك طفلا ، وهي تبكي ، وإلى جانبها زوجها ، توقفت ، خير إن شاء الله ؟ حرارته إحدى وأربعون درجة ، هم من لبنان في أثناء أحداث الحرب الأهلية ، وما يعرفون أحدا في الشام ، قال لي : أخذتهم من مستشفى إلى صيدلية مناوبة حتى انخفضت الحرارة ، ورجع الوضع طبيعيًا ، وأوصلتهم الساعة الرابعة إلى البيت ، قال : جلست معهم أربع ساعات ، أقسم لي بالله قائلا : طيلة أسبوعين وأنا أعيش في جنة ، ألا تريدون أن تعيشوا في الجنة ؟ اخدم الناس ، ارحم الضعفاء ، المريض عالجه ، الفقير أطعمه ، اليتيم اعتنِ به ، شغله عندك ، .

ملخص الملخص :

 ( سورة الكهف )

بربكم في أي جيش في العالم هل يستطيع مجنَّد غرّ التحق البارحة بقطعة عسكرية ، هل يستطيع الدخول على هذا اللواء الكبير بحكم التسلسل العسكري بلا إذن ؟ أمامه مئة رتبة ، إلا في حالة واحدة يستطيع الدخول على هذا اللواء الكبير بلا إذن ؛ إذا وجد ابنه يسبح ، وكاد يغرق ، فألقى بنفسه في الماء وأنقذه ، يقول له : أهلاً وسهلاً ، تفضل ، اجلس ، هاتوا لنا الشاي ، أليس كذلك ؟

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا (110)  

( سورة الكهف )

تحب أن تصلي وتبكي في الصلاة ؟ تحب أن تشعر أن الله يحبك ؟ تحب أن تشعر أن لك ميزة خاصة ؟ أنت غالٍ على الله ؟ اخدم له عباده ، لا تقل له : أنت مِن أين ، هذا عبد لله عز وجل ، كن إنسانيا ، واخدم من كان .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا ، فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا ، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنْ الْمَاءِ ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ )) .

[ البخاري ]

باب النجاة مفتوح بين أيديكم جميعاً .

 

4 – انظر إلى مَن هو أسفل منك ، ولا تنظر إلى مَن هو فوقك :

 

انظر إلى من هو أسفل منك ولا تنظر إلى مَن هو فوقك ، فذلك أجدر ألا تزدري نعمة الله عليك .

أحيانا تشاهد إنسانا معاقا ، وأنت لست معاقًا ، تشاهد ابنا عنده مرض التوحد ، أنت ابنك عادي ، يجب أن تعرف سلبيات مَن حولك ، لكن بأدب ، لا تقل : يا رب ، لك الحمد ، أمامهم ، هذا سوء أدب ، بينك وبين نفسك ، شاهدت إنسانا فَقَد حاسة من حواسه ، يا رب ، لك الحمد ، تفضلت علي ، رأيت إنسانًا بلا عقل ، يا رب ، أنا عندي عقل ، يا رب ، لك الحمد ، إنسان ما عنده ولد ، يموت على ولد ، أنت عندك عدة أولاد ، ما عندك هذه المشكلة ، إنسان عنده زوجة وليس مرتاحًا لها ، أنت مرتاح لزوجتك ، هذه نعمة كبيرة ، فحاولْ دائماً أن تنظر لمن هو أدنى منك ، بالمقابل من دخل على الأغنياء خرج مِن عندهم وهو على الله ساخط ، يقول لك : هذه السجادة ثمنها ثلاثة ملايين ، أنت ما عندك سجادة بهذا الثمن ، عندك سجادة ثمنها ألفان  .

 

Text Box: الدنيا فيها تفاضل ، والآخرة أكبر درجات :

 

مرة دخلت إلى بيت رجل ، وأنا لم أدخل بعد قال لي : هذا الطقم إيطالي ، الله يهنئك ، البلاط أحضرناه بشحن جوي من إيطاليا ، ضاقت نفسي منه ، قلت له : ما قولك بطبيب قلب جرّاح ؟ قال لي : نعم ، وممرض بمستشفى مهمته تنظيف المرضى ، قلت له : حالة حادة ، ما قولك أستاذ جامعي ؟ رئيس قسم ؟ أستاذ ذو كرسي ؟ وأستاذ في قرية كمعلم ابتدائي يحمل طعامه معه ، ما قولك : رئيس غرفة تجارة وبائع صحون في سوق الحميدية ما قولك : رئيس أركان و مجند على الخط الأول في الشتاء ، ذكرت له حالات نادرة جداً ، اسمع القرآن الكريم :

 

 ( سورة الإسراء)

حظوظ الدنيا لا معنى لها ، وقد تعني العكس ، لكن مراتب الآخرة مراتب أبدية :

 ( سورة القلم)

لذلك حاول أن تنظر إلى من هو أدنى منك فذلك أحرى ألا تحتقر نعمة الله عليك ، تحبون نصيحة من القلب إلى القلب : في أمر الدنيا عش مع مَن هم أدنى منك ، وفي أمر الآخرة عش مع من هم فوقك ، بميزان الآخرة هذا حافظ لكتاب الله ، هذا مستقيم تماماً ، هذا له أعمال كالجبال ، في أمر الآخرة صاحب مَن هو أرقى منك إيماناً ليقدم لك حوافز ، وفي أمر الدنيا صاحب مَن هو أدنى منك لترى نفسك في نعمة كبيرة .

لو وسعنا الأمر ، سافر إلى بلد غربي تجد نظافة ، نظاما ، وحضارة ، وخدمات ، مطارات ، طرقا معبدة ، مترو أنفاق ، والأمور ميسرة بشكل يفوق حد الخيال ، وقد سافرت إلى بلد في إفريقيا بيننا وبين أكبر دولة متطورة حضارياً خمسون ضعفًا ، لكن بيننا وبين الدولة الإفريقية ألف ضعف ، بلاد ما في عندها شيء إطلاقاً ، صيدلية دواء ، مطعم ، بيوت ، كهرباء ، ماء ، حتى على مستوى الدول انظر لمن هو أدنى منك ، فذلك أحرى ألا تحتقر نعمة الله عليك .

الأسعار مرتفعة ، لكن في الخارج دماء تسيل ، أليس كذلك ؟ كل يوم خبر لثلاثين قتيلا وسبعين جريحا ، أربعين قتيلا ، ثمانين قتيلا ، مئة وعشرة ، ومئتي جريح كل يوم ، إذا كنت في آمن فهذه نعمة لا يعرفها إلا مَن فقدها ، فحاول أن تشكر ما أنت فيه .

 

Text Box: الأدلة النبوية على زيادة الرزق بالشكر :

 

أيها الإخوة ، الدليل على أن الشكر سبب الرزق الوفير :

 

الدليل الأول :

 

يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة ، لأن الله تعالى يقول : ]  لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ )) .

[ رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه محمود بن العباس وهو ضعيف ]

الدليل الثاني :

 

وقال أيضاً :

(( ما من عبد أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه ، ثم جعل من حوائج الناس إليه ، فتبرم ، فقد عرض تلك النعمة للزوال )) .

[رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما]

يقال لك : يا أخي ما أرتاح ، هل تحب أن ترتاح ؟ تأتي يوم القيامة مفلساً ، لو أزعجك الناس ليلاً ونهاراً ، لو حمّلوك فوق ما تطيق ، لأن الله جعل حوائج الناس عندك ، لأنه أحبك ، لأن الله أحب أن يهبك عملاً صالحاً ، فجعل حوائج الناس عندك ، فمن جعل الله حوائج الناس عنده ، وتبرم عرض هذه النعم إلى الزوال ، جعلك غنيا ، الكل عقد عليك الآمال ، يا أخي ما أتحمل ، الله جعلك غنيا كي تنفق .

 

الدليل الثالث :

 

حديث آخر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إن لله أقواماً اختصهم بالنعم لمنافع العباد ـ دققوا الآن ـ  يقرهم فيها ما بذلوها ، هناك بيت في منطقة العمارة فيه شجرة ليمون تحمل خمسمئة حبة ، وفي هذا البيت تقليد ، هذه الحارة كل واحد يلزمه حبة ليمون يطرق الباب ، أعطونا ليمونة ، امرأة كبيرة وقورة طاهرة عفيفة جعلت شجرة الليمون هذه وقفًا لكل الحي ، فمَن طرق الباب تعطيه ليمونة ، ماتت هذه الجدة الراقية ، جاءت كَنة شابة ، طُرق الباب ، قالت : ما عندنا ليمون ، فيبست الشجرة ، وانتهت ـ فإذا منعوها نزعها منهم فحوّلها إلى غيرهم )) .

[رواه الطبراني في الأوسط والكبير عن  عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، وسنده حسن ]

أقسم لي بالله أحدهم في منطقة خان الشيح ثمانية وثلاثون مزرعة ، في سنة جدباء سبعة وثلاثون مزرعة جفت آبارها إلا مزرعة واحدة ، الرعاة كانوا يدخلون المزارع فيطردهم أصحابها ، إلا هو فعمل مجرى لسقي الغنم ، فإذا جاء الراعي يدخله مع الغنم ليشربوا ، هذه المزرعة الوحيدة الذي بئرها ما جف .

(( إن لله أقواماً اختصهم بالنعم لمنافع العباد ، يقرهم فيها ما بذلوها ، فإذا منعوها نزعها منهم فحوّلها إلى غيرهم )) .

[رواه الطبراني في الأوسط والكبير عن  عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ]

الدليل الرابع :

 

وفي حديث آخر :

(( ما أعطي أحد أربعة فمنع أربعة ـ مستحيل ، إن أعطيت هذه النعمة أعطيت الثانية ـ ومن أعطي الشكر أعطي الزيادة ، لأن الله تعالى يقول : ] لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [ )) .

إن تعطِ فهناك زيادة ، ومن لوازم العطاء الزيادة ، (( ومن أعطي الدعاء أعطي الإجابة ، لأن الله تعالى يقول : ] ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [ ، ومن أعطي الاستغفار أعطي المغفرة ، لأن الله تعالى يقول : ] اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ، وما أوتي أحد التوبة فمُنِع التقبل ، لأن الله تعالى يقول : ] وَهُوَ