English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الخطبة الإذاعية : 41 : بتاريخ 02/08/1996 : خ 1 : رحمة النبي عليه الصلاة والسلام ، خ 2 : الحرص على وحدة الأمة ـ لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

 الحمد لله رب العالمين ، يا رب أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله كان الرحمة المهداة ، والنعمة المجزاة ، نشهد أنه بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الغمة ، وجاهد في الله حق الجهاد ، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد . اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين .

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير .

 

Text Box: حقائق يجب علينا الالتزام بها تجاه نبينا الكريم :

 

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، قبل أيام أطلت علينا ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويحسن بنا وقد جعلت ذكرى مولده موضوعاً لهذه الخطبة أن نضع بين أيدي إخوتنا الكرام الحقائق التالية :

معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية فرض على كل مسلم :

أولاً : معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية والعملية فرض على كل مسلم ، القولية والعملية فرض عين على كلم مسلم ، لأن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ، وقد أمرنا ربنا جل جلاله أن نأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ، وأن نأتمر به ، وأن نأخذ نهيه ، وأن ننتهي عنه ، وأن يكون صلى الله عليه وسلم لنا أسوةً وقدوةً ، أي أمرنا أن نتبعه وأن نقتدي به ، قال تعالى :

 ( سورة الأحزاب )

كيف نأتمر بما أمر ، وننتهي عما نهى عنه وزجر ؟ وكيف يكون لنا قدوةً وأسوة إن لم نعرف أحاديثه الشريفة الصحيحة ، وسيرته الطاهرة الموثقة ؟ فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، هذه الحقيقة الأولى .

أُمِرنا أن نطيع النبي ونقتدي به لأنه معصوم بمفرده بينما أمته معصومة بمجموعها :

الحقيقة الثانية : أن الله سبحانه وتعالى ما أمرنا أن نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن نقتدي به إلا لأنه معصوم في أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، وأحواله ، معصوم بمفرده ، بينما أمته المتبعة له معصومة بمجموعها ، لقوله صلى الله عليه وسلم :

 (( لا تجتمع أمتي على ضلاله )) . 

 [ رواه الترمذي والحاكم وحسنه الغماري]

 فهو صلى الله عليه وسلم فيما يصفه به القرآن الكريم لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، لذلك عدَّ علماء الأصول القرآن وحياً مَتلواً ، وعدُّوا أقواله صلى الله عليه وسلم التشريعية وحياً غير متلوٍ ، وهو الأصل الثاني بعد القرآن الكريم .

الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة لله :

الحقيقة الثالثة : الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين الاستجابة لله، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي عين طاعة الله ، وإرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عين إرضاء الله ، وإليكم الأدلة من القرآن الكريم ، قال تعالى :

 ( سورة  القصص)

وقال :

 ( سورة  النساء)

وقال :

 ( سورة  التوبة)

بضمير المفرد .

دليل محبة الله سبحانه اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم :

الحقيقة الرابعة : الله جل جلاله لا يقبل دعوى محبته إلا بالدليل ، فكل امرئ يستطيع أن يدعي محبة الله ، لكن ما كل مدعٍ بمستطيع أن يقدم الدليل ، لقد جعل الله جل جلاله دليل محبته اتباع رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى :

 ( سورة  آل عمران)

قصته صلى الله عليه وسلم تنور العقول وتطمئن القلوب لأنه أكمل خلق الله أجمعين :

الحقيقة الخامسة : قال تعالى :

 ( سورة  هود)

إذا كان قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق يزداد ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه في المرتبة ، فكيف بمؤمن يستمع إلى قصة سيد الخلق ، وحبيب الحق ، إن قصته صلى الله عليه وسلم تنور العقول ، وتطمئن القلوب ، وتسعد النفوس ، وتبعث في الإنسان روح البطولة ، لأنه أكمل خلق الله أجمعين .

وأجمل منك لم تر قط عيني       وأكمل منك لم تلد النساء

خلقت مبرأ من كل عيــب       كأنك قد خلقت كما تشاء

*    *    *

6ـ معرفة السيرة العملية والسنة القولية للرسول فرض عين على كل مسلم مدى الحياة :

الحقيقة السادسة : نخلص من هذا كله أن معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة سنته القولية الصحيحة ، ومعرفة سيرته العملية الموثقة فرض عين على كلم مسلم ، وهي من صلب الدين ، لا في شهر المولد فحسب ، بل في كل أعوام الحياة .

 ( سورة  المؤمنون)

 

Text Box: رحمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم :

 

أيها الأخوة الكرام ، هذه مقدمة والى الموضوع الأساسي :

في تاريخ البشرية كلها بروادها ، بصفوتها ، بقادتها لا نكاد نعرف حياةً نقلت إلينا أنباؤها ، وحفظت لنا وقائعها في وضوح كامل ، وتفصيل عميم شامل كما حفظت ، وكما نقلت إلينا حياة محمد بن عبد الله ، رسول الله رب العالمين ، ورحمته المهداة إلى الناس أجمعين ، فكل كلمة قالها ، وكل خطوة خطاها ، وكل بسمة تألقت على محيّاه ، وكل دمعة تحدرت من مآقيه ، وكل نفس تردد في صدره ، وكل مسعىً سار لتحقيق أمره ، كل مشاهد حياته حتى ما كان منها من خاصة أمره ، وأسرار بيته وأهله ، كل ذلك نقل إلينا بحروف كبار ، موثقاً بأصدق ما عرف التاريخ الإنساني من وسائل وبينات ، لقد رحل النبي صلى الله عليه وسلم عن دنيانا من قرابة ألف وأربعمئة عام وزيادة ، ومع هذا فنحن إذ نقرأ سيرته وتاريخه اليوم لا نحس أننا نقرأ عنه ، بل كأننا نسمعه ونراه ونعيش المشاهد نفسها التي نطالعها مكتوبة ومسطورة ، ولا عجب في هذا فمادام الله قد اختاره ليختم به النبوة والأنبياء ، فمن الطبيعي أن تكون حياته منهجاً جليلاً لأجيال لا منتهى لأعدادها ، وأن تكون هذه الحياة بكل تفاصيلها أشد وضوحاً وتألقاً من فلق الصبح ورابعة النهار ، لا بالنسبة إلى عصره فحسب بل بالنسبة إلى كل العصور والأجيال . 

أيها الأخوة الكرام ، حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، وشمائله ، وجوانب شخصيته ، ونتائج دعوته لا تستوعبها مجلدات ولا خطب في سنوات ، فالرحمة مهجته ، والعدل شريعته ، والحب فطرته ، والسمو حرفته ، ومشكلات الناس عبادته ، وحسبنا في هذه الخطبة أن نقف عند الفقرة الأولى من هذه المقولة ، رحمته صلى الله عليه وسلم ، هذا هو الموضوع المحدد لهذه الخطبة .

 

Text Box: الرحمة عند النبي الكريم خير من الإفراط في العبادة وأزكى :

 

لقد قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه :

(( إنما أنا رحمة مهداة )).

[ أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]

 لكنها رحمة الأقوياء الباذلين لا رحمة الضعفاء البائسين ، لقد حدث عنها حديث خبير بقيمها محيط بجوانبها فقال عليه الصلاة والسلام :

((الراحمون يرحمهم الله)) .

[الترمذي عن عبد الله بن عمرو]

وحدَّثَ عن ربه فقال :

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي )).

[الديلمي عن أبي بكر]

لقد أعلن النبي الكريم أن الرحمة عنده خير من الإفراط في العبادة وأزكى ، لقد خرج صلى الله عليه وسلم عام الفتح إلى مكة في رمضان حتى بلغ موضعاً يدعى كراع الغنيم فصام وصام الناس ، ولما رأى صلى الله عليه وسلم بعض الناس قد شق عليهم الصيام بسبب جهد السفر ، دعا بقدح من ماء ، فرفعه حتى نظر الناس جميعاً إليه ثم شرب ، ولما قيل له : إن بعض الناس لا يزال صائماً ، قال عليه الصلاة والسلام :

 (( أولئك العصاة )) .

[رواه مسلم والترمذي عن جابر بن عبد الله]

إن مشقة السفر عذر مبيح للإفطار في رمضان ، إن الرفق بالنفس يفوق في ميزان النبي صلى الله عليه وسلم كل شيء ، هؤلاء الذين صاموا في السفر حتى أدركهم العياء ، فلم يتخلوا عن صيامهم يدمغهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعصيان ، لأنهم رفضوا رخصة أرحم الراحمين ، إنهم حولوا العبادة إلى تعذيب ، إنهم تخلوا عن أعظم فضائل الإنسان ألا وهي الرحمة ، ولا سيما الرحمة بالنفس ، واستبقاء عافيتها وقوتها ، لأنها رأس مالها .

أيها الأخوة الكرام ، لا شيء يكشف عن قيمة الرحمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن توضع الرحمة والعبادة في كفتي ميزان عندئذ ترجح كفة الرحمة أيّما رجحان.

 

Text Box: أحاديث تُظهر رحمته عليه الصلاة والسلام بالنفس والوالدين والأهل والزوجة :
:

 

رجل يسرع الخطى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يغشاه الفرح الكبير ، تغمره الفرحة العارمة ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة معه ، وعلى الجهاد في سبيل الله تحت رايته ، يقول له النبي الكريم :

((هل من والديك أحد حي ؟ قال الرجل : نعم كلاهما حي ، فقال عليه الصلاة والسلام : فارجع إلى والديك وأحسن صحبتهما )) .

[متفق عليه عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

يسأله رجل آخر يا رسول الله إني أشتهي الجهاد معك ولا أقدر عليه ، فيقول عليه الصلاة والسلام :

((هل بقي من والديك أحد ؟ فيقول الرجل : نعم يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : قابل الله في برهما فإن فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد)) .

[رواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجميه الأوسط والصغير عن أنس]

إن بسمة تعلو شفتي أبٍ حنون ، وتكسو وجه أمٍ ملهفة لا تقّدر عند محمد صلى الله عليه وسلم بثمن ، حتى حينما يكون الثمن جهاداً في سبيل الله يثبت الدعوة ، وينشر الراية في الآفاق ، وإذا كانت العبادة تتحول إلى تعذيب حينما تكون على حساب الرحمة بالنفس فإنها ـ أي العبادة ـ تتحول إلى عقوق إذا تمت على حساب الرحمة بالوالدين ، هذا عن رحمته بالنفس ، وعن رحمته بالوالدين ، فماذا عن رحمته بالأهل والزوجة .

أما رحمته بالأهل فشيء عجيب ، لقد ربط صلى الله عليه وسلم الخيرية المطلقة برحمة المرء بأهله وإحسانه إليهم ، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :

 (( خيركم خَيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي )) .

[ الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]

وقال عليه الصلاة والسلام :

(( استوصوا بالنساء خيراً )) .

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

وقال عليه الصلاة والسلام :

 ((اتقوا الله في الضعيفين المرأة واليتيم)) . 

[أخرجه ابن عساكر عن ابن عمر]

وقال عليه الصلاة والسلام :

 (( أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم ولا أهانهن إلا لئيم ، وفي زيادة لهذا الحديث ، يغلبن كل كريم ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون كريماً غالباً)) .

[ ابن عساكر عن علي بسند فيه مقال كبير ]

ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( خَيرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي )) .

[ ابن ماجه عن ابن عباس]

 

Text Box: رحمة النبي الكريم في :

 

1 ـ الأزواج و الزوجات :

وتتجلى رحمته صلى الله عليه وسلم بالأزواج من خلال هذه القصة القصيرة :

(( أتينا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً بنا رفيقاً ، فلما ظن أنا قد اشتقنا لأهلنا ، سألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه ، فقال : ارجعوا إلى أهليكم ، فأقيموا فيهم ، وعلموهم ، ومروهم ، وذكر أشياء أحفظها أو لا أحفظها ، وصلوا كما رأيتموني أصلي ، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم )) .

 [متفق عليه عن أبي قلادة رضي الله عنه ]

تتجلى رحمته بالزوجات من خلال زوجة الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضي الله عنه إذ دخلت على السيدة عائشة تشكو بثها وحزنها ، فعثمان زوجها مشغول عنها بالعبادة ، يقوم الليل ويصوم النهار ، لقي النبي عليه الصلاة والسلام عثمان بن مظعون فقال له : يا عثمان أما لك بي أسوة ؟ قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ماذا قال عليه الصلاة والسلام تصوم النهار وتقوم الليل ، قال : إني لأفعل هذا ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( إن لربك عليك حقاً ، و لنفسك عليك حقاً ، و لأهلك عليك حقاً ، فأعطِ لكل ذي حق حقه )) .

[ أخرجه البخاري عن عون بن أبي جحيفة ]

امتثل عثمان نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزم أمره ، وقرر أن يؤدي حق أهله ، وفي صبيحة اليوم التالي ذهبت زوجة عثمان إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم عطرة نضرة كأنها عروس ، واجتمع حولها النسوة ، وأخذن يتعجبن من فرط ما طرأ عليها من بهاء وزينة ، قلن لها : ما هذا يا زوج بن مظعون ، فقالت وهي تضحك : أصابنا ما أصاب الناس .

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم وعد المرأة التي تحسن تبعُّل زوجها بأن لها درجة عند الله تعدل درجة المجاهد في سبيل الله ، والجهاد كما تعلمون ذروة سنام الإسلام .

قال صلى الله عليه وسلم مجيباً عن سؤال لها :

 ((اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله)) .

[ ورد في الأثر ]

2 ـ الأولاد :

هذا عن رحمته بالأهل والزوجة فماذا عن رحمته بالأولاد ، كان صلى الله عليه وسلم إذا رأى طفلاً يظهر له البشر والسرور إيناساً له ، كان يأخذ أطفال أصحابه بين يديه يحملهم ويداعبهم ، كان إذا مر بصبية يقرئهم السلام ، يقول : السلام عليكم أيها الصبية .

حدث جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبية يتسابقون فجرى معهم تطييباً لهم ، وكان يلقى الصبي وهو يركب ناقته ، فيدعوه إلى ركوب الناقة ليدخل السرور على قلبه . قالت عائشة رضي الله عنها :

 ((جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أتقبلون الصبيان ، نحن لا نقبلهم ، فقال عليه الصلاة والسلام : وماذا أملك لك إن نزع الله من قلبك الرحمة)) .

[متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها]

مات لإحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم طفل صغير ، فلما رفع إليه فاضت عيناه ، فقال سعد بن عبادة : يا رسول الله ما هذا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

 (( هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء )).

[أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد رضي الله عنه ]

ورد عنه أنه أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت : من هذه يا جبريل ، قال : هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً صغاراً فأبت الزواج من أجلهم " ، هذا المقام الرفيع الذي حظيت به هذه المرأة بسبب رحمتها بصغارها ، فكم هي رحمته بالصغار . وورد عنه أيضاً :

 ((أن لاعب ولدك سبعاً وأدبه سبعاً وراقبه سبعاً ثم اترك حبله على غاربه )) .

[ ورد في الأثر ]

3 ـ الصغار و الجيران :

 

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، هذا عن رحمته بالأولاد فماذا عن رحمته بالصغار عامةً ، يقول بن سويد : " رأيت أبا ذر رضي الله عنه وعليه حلة وعلى غلامه مثلها ، فسألته عن ذلك فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ((هم أخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم من العمل مالا يطيقون ، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه)) .

[ متفق عليه عن الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ]

 أرأيتم إلى رحمته بالصغار عامة إذا كانوا مستخدمين في مكان ما ، وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم بصحابي يضرب غلاماً له ، فقال له : اعلم أبا ذر أن الله أقدر عليك منك عليه .  وكأنه بهذا ينهاه عن ضربه .

وقد سأله رجل يا رسول الله عندي يتيم أفأضربه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : " مم تضرب منه ولدك " ، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ينفي عن المرء انتماءه للإسلام إن لم يرحم الصغير ، قال عليه الصلاة والسلام :

 (( لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ  )) .

[ أحمد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ]

وعن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( إني لأقوم إلى الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه )) .

[البخاري عن أبي قتادة ]

هكذا كانت رحمته صلى الله عليه وسلم ، فماذا عن رحمته بالجيران ؟ من رحمته صلى الله عليه وسلم أنه حرص على أن يشيع الأمن والاستقرار بين المؤمنين ، فالإساءات قلما تقع بين أناس متباعدين ، إنها تقع نتيجة الاحتكاك اليومي ، ومن يحتك مع أخيه يومياً ؟ إنهم الجيران ، لذلك يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجار :

 (( مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُوَرِّثُهُ )) .

[متفق عليه من حديث ابن عمر]

يشدد النبي عليه الصلاة والسلام في وصيته تلك لئلا يطغى الجار القوي على الجار الضعيف ، فكان عليه الصلاة والسلام ينفي الإيمان نفياً أكيداً عن كل جار يخافه جاره ، ولا يأمن شروره ، قال عليه الصلاة والسلام :

 (( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، كررها ثلاثاً ، : قيل من هو يا رسول الله ، قال من لا يأمن جاره بوائقه )) .

[متفق عليه من حديث أبي هريرة ]

قيل له يوماً : يا رسول الله ، إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها وصدقتها وصيامها غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها ، فماذا كان جواب النبي ؟ قال : هي في النار " ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام ليشير إلى حقوق الجار مطلق الجار فكيف بالجار المسلم ؟ فكيف بالجار المسلم القريب ؟ فكيف بالجار المسلم القريب الأدنى ؟ يقول عليه الصلاة والسلام فيما يروى عنه : أتدرون ما حق الجار إن استعان بك أعنته وإن استنصرك نصرته ، وإن استقرضك أقرضته ، وإن مرض عدته ، وإن أصابه خير هنأته ، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإن مات شيعته ، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له منها فإن لم تفعل فأدخلها سراً ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقُتار قدرك إلا أن تغرف له منها .

4 ـ الإنسان :

هذه رحمته بالجيران فكيف رحمته بالناس عامة ؟!

الرحمة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ صاحب هذه الذكرى ـ ليست نافلة من نوافل البر ، بل هي واجب من واجبات الرشد ، وتبعة من تبعات الحياة ، لهذا تعبر عن نفسها في كثير من صور الخير والمشاركة والأعمال النافعة ، يقول أبو ذر رضي الله عنه : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ماذا ينجي العبد من النار ؟ قال عليه الصلاة والسلام : الإيمان بالله ، فقال أبو ذر : يا نبي الله أمع الإيمان عمل ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أن تعطي مما رزقك الله ، قلت : يا نبي الله فإن كان فقيراً لا يجد ما يعطي؟ قال عليه الصلاة والسلام : يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، قال : فإن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ، ولا يستطيع أن ينهى عن المنكر ، فقال عليه الصلاة والسلام : فليعن الأخرق ـ أي ضعيف الرأي ـ ، قلت : يا رسول الله أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع ، قال : فليعن مظلوماً ، قلت : فإن كان ضعيفاً لا يستطيع أن يعين مظلوماً ؟ فتعجب النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال : أما تريد أن تترك لصاحبك من خير ليمسك أذاه عن الناس ؟ قلت : يا رسول الله أو إن فعل هذا يدخل الجنة ؟ قال : ما من عبد يصيب خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تدخله الجنة " .

5ـ الحيوان :

بقي شيء قد لا يخطر ببالكم ، رحمته عليه الصلاة والسلام بالحيوان ، هل وقفت رحمة محمد صلى الله عليه وسلم عند الإنسان وحده ؟ لا لقد شملت كل كائن حي لتدفع عنه الغوائل والشرور ، هذه المخلوقات الضعيفة يفيض قلب النبي صلى الله عليه وسلم الكبير رحمة بها ، يؤكد حقها في الحياة والرزق ، بل لعلها أحق من غيرها لأنها لا تملك أن تشكو أو أن تتوجع ، كان صلى الله عليه وسلم لا يطيق أن يرى دابة تحمل فوق طاقتها كان يقول :

 ((عذبت امرأة في هرة حبستها حتى ماتت  لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض)).

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر] .

وفي رواية أخرى لهذا الحديث :

 ((دخلت امرأة النار في هرة حبستها)) .

من فرط إحساس النبي صلى الله عليه وسلم بحاجة الحيوان إلى الرحمة كان كأنه يستمع إلى شكوى الحيوان المعذب وكأنه نداء النجدة ، يقول عبد الله بن جعفر : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بستاناً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل ، فما إن رأى النبي صلى الله عليه وسلم حتى حن إليه ، وذرفت عيناه ، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح ذفريه فسكن الجمل ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام :

 (( من صاحب هذا الجمل ؟ قال فتى من الأنصار : هو لي يا رسول الله ، قال له النبي الكريم : ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه)) . أي تتعبه .

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]

اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

 

*  *  *

 

Text Box: الخــطــبـة الثانية :

 

Text Box: الحرص على وحدة الأمة :
:

 

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، أما رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته من بعده فقد كان حريصاً على وحدتهم من بعده ، فكل ما من شأنه أن يوحد أمته من بعده ، وأن يجمع شملها ، وأن يرص صفوفها أمر به ، وكل ما من شأنه أن يفرقها ، أو أن يشتتها ، أو أن يضعفها نهى عنه ، ما من منهج دعا إلى الأخوة الحقيقية التي تتجسد في الاتحاد ، والتضامن ، والتساند ، والتآلف ، والتآزر ، والتعاون ، والتكاتف إلا منهج النبي عليه الصلاة والسلام ، لقد حذر من التفرق ، والاختلاف ، والعداوة ، والبغضاء ، والتشرذم ، هذا من صلب منهج النبي عليه الصلاة والسلام ، يتبدى ذلك من سنته القولية والعملية ، حدث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جاهلياً في المدينة المنورة غاظه ما رأى من ألفة المسلمين ، غاظه ما رأى من صلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم من العداوة والبغضاء في الجاهلية ، أمر شاباً على شاكلته أن يجلس مع الأوس والخزرج ، وأن يذكرهم بيوم بعاث ، يوم اقتتالهم ، وما كان قبله ، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوه فيه من أشعار ، فتفاخر القوم ، ثم تنازعوا ، ثم تواثب رجلان من الحيين وتقاولا ، فقال أحدهما : إن شئتم رددناها الآن جذعةً ، أي حامية ، وغضب الفريقان ، وكادت تقع فتنة ، بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم غاضباً فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين ، الله ، الله ، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ أبعد أن هداكم الله إلى الإسلام ، وأكرمكم به، وقطع به عنكم دعوى الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألَّف به بينكم ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ، فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدو لهم ، وبكوا وعانق الرجال بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين .

لقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخصومة بالكفر ، ثم إن الله جل جلاله أنزل بهذه الحادثة قرآناً فقال :

 ( سورة  آل عمران)

ورد في أسباب النزول أن هذه الآيات نزلت في تلك الحادثة التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، صدق الله العظيم .

 

Text Box: حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على وحدة أمته من بعده :

 

قال تعالى :

 ( سورة  التوبة)

لقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على وحدة أمته من بعده ، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 (( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ )) .

[ البخاري عَنْ جَرِيرٍ]

وحينما نحتفل بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يجب أن نذكر حرصه صلى الله عليه وسلم على وحدتنا ورفعتنا بعده ، فما من مرحلة في تاريخ أمتنا المعاصر تشتد فيها الحاجة إلى رأب الصدع ، ولمِّ الشمل ، وتضميد الجراح ، ورصّ الصفوف كهذه المرحلة التي نحن فيها ، ولن نستطيع أن ننتزع حقنا وأرضنا إلا بالتعاون ، والتضامن ، والتساند ، والتكاتف ، والتآزر ، والتآلف ، وهذا ما يسعى إليه بلدنا الطيب ، وأما السلام الذي ندعى إليه فنحن حريصون عليه راغبون فيه على أن يكون سلاماً عادلاً تسترد قبله الأرض ، وتتوافر فيه الكرامة ، هذا بعد أن نستوعب مضمون الآية الكريمة وأن نعمل بها :

 ( سورة محمد)

 

Text Box: الدعاء :

 

اللهم طهر قلوبنا من النفاق ، وأعمالنا من الرياء ، وألسنتنا من الكذب ، وأعيننا من الخيانة ، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، نبرأ من الثقة إلا بك ، ومن الأمل إلا فيك ، ومن التسليم إلا لك ، ومن التفويض إلا إليك ، ومن التوكل إلا عليك ، ومن الطلب إلا منك ، ومن الرضا إلا عنك ، ومن الصبر إلا على بلائك . نسألك خفايا لطفك وتوفيقك ، ومألوف برك ، وعوائد إحسانك ، وجميل سترك ، وروح قربك ، وجفوة عدوك . اللهم احرسنا عند الغنى من البطر ، وعند الفقر من الضجر ، وعند الكفاية من الغفلة ، وعند الحاجة من الحسرة ، وعند الطلب من الخيبة ، وعند المنازلة من الطغيان . إنه لا عز إلا في الذل لك ، ولا غنى إلا في الفقر إليك ، ولا أمن إلا في الخوف منك .

اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين . اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر .

اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى . اللهم ألف بينهم ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى . اللهم انصرهم على أعدائهم يا قوي يا متين .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi