English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الخطبة الإذاعية : 42 : بتاريخ 28/03/1997 : خ 1 : الحج ، خ2 : فتح مدينة القدس من قبل المسلمين ـ لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله ، الحمد لله الذي جعل كلمة التوحيد لعباده حرزاً وحصناً ، وجعل البيت العتيق مثابة للناس وأمناً ، وأكرمه بالنسبة إلى ذاته تشريفاً وصوناً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

 ( سورة  المائدة)

وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، خير نبيٍ اجتباه ، وللعالمين أرسله ، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، اللهم صلِّ ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد ، سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنهم ، وعنا يا رب العالمين .

عباد الله ، أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .

 

Text Box: المَقْصِد الأول من العبادات هو الامتثال لأمر الله والوفاء بحقه :

أيها الأخوة الكرام في كل مكان ، إن المَقْصِد الأول من العبادات هو الامتثال لأمر الله ، والوفاء بحقه ، ومع هذا لا يخفى أن وراء العبادات أثاراً طيبةً ، ومنافع جمةً في حياة الفرد والجماعة ، والحجُّ هو أكثر هذه العبادات اشتمالاً على الأمور التعبدية التي لا تُعْرَفُ حكمتها معرفة تفصيلية على وجه التأكيد ، لكن الحج أوضح هذه العبادات أثراً في حياة المسلمين أفراداً و شعوباً ، كيف لا و قد قال الله عز وجل :

   

( سورة  الحج)

إن هذا التعليل القرآني لهذه الرحلة المباركة ، التي يقطعها الناس قادمين من كل فج عميق ، يفتح لنا باباً رحباً للتأمل في هذه المنافع المشهودة التي قدمها القرآن الكريم .

 

Text Box: الحج أوضح العبادات أثراً في حياة المسلمين أفراداً و شعوباً :

 

أيها الأخوة الكرام ، حضوراً ومستمعين ، الحج شحنة روحية كبيرة ، يتزود بها المسلم فتملأ جوانحه خشيةً ، وتقىً ، وعزماً على طاعة الله ، وندماً على معصيته ، و تغذي فيه عاطفة الحب لله ولرسوله ، ولمن عزَّرُوه ، ونصروه ، واتَّبَعُوا النور الذي أُنْزِلَ معه ، وتوقظ في المسلم مشاعر الأخوة لأبناء دينه في كل مكان ، وتوقد في صدره شُعْلَةَ الحماسة الدينية لدينه ، والغَيْرَةِ على حرماته .

أيها الأخوة الكرام ، إن الأرض المقدسة وما لها من أثرٍ في النفس ، و قوةَ الجماعة ، وما لها من إيحاءٍ في الفكر و السلوك ، كل هذا يترك أثراً واضحاً في أعماق المسلم ، فيعود من رحلته أصفى قلباً ، وأطهرَ مسلكاً ، وأقوى عزيمةً على الخير ، وأصلبَ عُوداً أمام مغريات الشر ، وكلما كان الحجُّ مبروراً خالصاً لله عز و جل ، كان أثرُه في حياة المسلم المستقبلية واضحاً ، لأن هذه الشحنة الروحية العاطفية تهز كيانه المعنوي هزاً ، بل تُنْشِئُهُ خلقاً آخر ، وتعيده كأنما هو مولود جديد يستقبل الحياة ، وكله طُهْرٌ ونقاء ، لهذا قال عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح :

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ )) .

[ متفق عليه أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 

Text Box: الحج تمام نعمة الله على المؤمن :

 

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة و الإسلام ، أداء فريضة الحج ، تمام نعمة الله على المؤمن ، لقد جعل الله البيت الحرام قبلةً للمؤمن يتجه إليه كل يومٍ خمس مرات في صلاته ، وهكذا شاءت إرادة الله أن ينشغل فؤادُ المؤمن بهذا البيت ، وهو بعيدٌ عنه إلى أن يؤدي فريضة الحج ، والحج تمام نعمة الله على المؤمن ، لأن المؤمن لا يحج إلا إذا كان مستطيعاً ببدنه الذي سلمه الله له ، وقوَّاه ، وبماله الذي ادخره للحج فائضاً عن حاجاته الأساسية ، وبنفقة أهله ، وعياله في غيبته فهو نوع من الغنى ، ومن تمام نعمة الله على المؤمن في الحج أن إيمانه بالله ورسوله كان في المستوى الذي حمله على مغادرة الأوطان ، وترك الأهل ، والخلان ، وإنفاق الأموال ، ومن تمام نعمة الله على المؤمن أنه ما حج بيت الله الحرام إلا وهو مؤدٍ لجميع ما كلف به من عبادات شعائرية كالصلاة ، والزكاة ، والصيام، وعباداتٍ تعاملية من توبة نصوح ، وأداءٍ لجميع الوجبات ووفاءٍ لكل الحقوق .

 

Text Box: الحج عبادة شاملة لكل أركان الإسلام :

 

أيها الأخوة الأكارم في كل مكان ، الحج عبادة شاملة لكل أركان الإسلام ، ففيه من الصلاة : أنك تذهب إلى بيت الله الحرام لتصلي فيه ، وقد قال عليه الصلاة و السلام :

(( صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ )) .

[ أحمدعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

و في الحج مـن الزكاة : إنفاق الأموال في التنقل ، والسُكْنَى ، والطعام ، والشراب، و الرسوم ، و في الحديث الشريف :

 ((  النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ  )) .

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ]

و في الحج من الصوم : أنك تبتعد عن المباحات من لبس المخيط ، والتطيب ، والحلق ، والتقليم ، وكلها مباحة خارج الحج .

و في الحج من معنى شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله : أنك تحج بيته الحرام تلبيةً لأمره ، وطاعةً له ، ولا أدل على ذلك من قولك في التلبية  : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك ، وتؤدي مناسك الحج كما علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال :

 (( خذوا عني مناسككم )) .

[مسلم عن جابر]

 

Text Box: من لوازم العبودية لله في الحج :

 

1 ـ أن يبتعد الإنسان عن التعالي على أخيه الإنسان :

أيها الأخوة الكرام ، حضوراً ومستمعين ، الحج عبوديةٌ لله عز وجل ، عبوديةٌ لخالق السماوات والأرض رب العالمين ، إنَّ عبودية الإنسان لله تقتضي أن يبتعد عن التعالي على أخيه الإنسان ، ففي المسجد مثلاً من يَصِلُ أولاً يجلس في الصف الأول ، ومن يأتي متأخراً يجلس في الصف الأخير ، والذي يحدث أنك تجد من كان في مجتمعه في الصف الأخير قد تجده في المسجد في الصف الأول ، إنَّ هذه المساواة في العبودية لله عز وجل تخرج الإنسان عن التعالي ، وتجعله يتواضع حيث يُحسُّ جميع المؤمنين أنهم يقفون أمام إلهٍ واحد ، لا ينظر إلى صورهم ، وهيئاتهم ، وإنما ينظر إلى قلوبهم وأعمالهم ، هذا في بيئة المسجد ، ولكن الله جلّ جلاله أراد أن يجعل هذه المساواة ، وهذا الخضوع ليس في بيئة محدودة ، ولكن في نطاق عالمي ، وفي بيئةٍ عالمية تجمع كل أجناس البشر ، نتميز كما نشاء في بلادنا ، وبين أهلينا ، ولكن عندما نصل إلى بيت الله الحرام لابد أن نقف أمام الله متساوين كما خَلَقَنَا ، وكما سنقف أمامه يوم القيامة .

2 ـ التأدب مع كل أجناس الكون :

أيها الأخوة الكرام ، الحج أدبٌ رفيع مع عناصر الكون كلها ، فمن لوازم العبودية لله في الحج أن الله ألزم الحاج بالتأدب مع كل أجناس الكون ، مع الجماد في تقبيل الحجر الأسود ، ومع النبات في النهي عن قطعه ، ومع الحيوان في تحريم صيده ، ومع الإنسان في حرمة التشاجر معه ومجادلته .

3 ـ البكاء في بيت الله الحرام :

ويا أيها الأخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام ، البكاء في بيت الله الحرام من لوازم العبودية لله في الحج ، وحينما يدخل الحاج بيت الله الحرام ، ويطوف حول الكعبة المشرفة تنهمر عيناه بالدموع ، هذا البكاء تعبيرٌ عن الندم على ما سبق منه من ذنوب ، وتضرعٌ إلى الله أن يقبل توبته ، وأن يعفو عنه ، هذا البكاء تعبيرٌ عن ترك العُجْبِ والكبرياء والتذلل لخالق الأرض و السماء ، هذا البكاء تعبير عن أن الحاج تخلى عن كل شيء ، وخضع إلى الله في كل شيء ، ومع أن البكاء أيها الأخوة في الأصل مظهرٌ من مظاهر الضعف ، والحزن فإنه في الحج ليس كذلك ، هذا البكاء في الحج إحساسٌ عميق بأن السعادة الحقيقية هي في القرب من الله ، "لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " ، "يا ربّ ماذا وجد من فقدك ؟ وماذا فقد من وجدك ؟" ، هذا القرب الشديد من الله عز وجل في أثناء البكاء هو الذي يجعل لهذا البكاء روحانيةً مفعمةً بالفرح ، فرح التخلص من الآثام ، ونيل رضا خالق الأكوان ، فرحة الانضمام إلى عباد الله الصالحين .

 

Text Box: من الآيات البينات في بيت الله الحرام :

 

1 ـ مقام إبراهيم عليه السلام :

أيها الأخوة الكرام  في دنيا العروبة والإسلام ، في بيت الله الحرام آياتٌ بينات ، مقام إبراهيم ، أي أن هناك آياتٍ كثيرة في مقام إبراهيم .

2 ـ أنَّ إبراهيم عليه السلام كان أمة وحده :

من هذه الآيات أنَّ إبراهيم عليه السلام كان أمة وحده ، فقد اجتمعت فيه من خصال الخير ما لا تجتمع إلا في أمَّة ، تقول : هذا أمين ، وهذا صادق ، وهذا كريم ، ولكن خِصال الخير كلها اجتمعت في إبراهيم عليه السلام ، ومن هذا مقولة أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم معصومةٌ بمجموعها ، بينما النبي صلى عليه و سلم معصومٌ بمفرده .

3 ـ أن حجم الإنسان عند الله بحجم عمله :

ومن هذه الآيات البينات أنَّ حجم الإنسان عند الله بحجم عمله ، و أن إبراهيم عليه السلام من حيث العمل الذي أجراه الله على يديه ، عملُهُ يساوي عملَ أمَّة ، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، وهذا يذكرنا بقول الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة و السلام  :

( سورة  الأنبياء)

4 ـ أنَّ إبراهيم عليه السلام أقبل على بناء الكعبة وإعلائها تنفيذاً لأمر الله بإتقانٍ شديد :

من هذه الآيات البينات أنَّ إبراهيم عليه السلام أقبل على بناء الكعبة ، وإعلائها تنفيذاً لأمر الله تعالى ، بإتقانٍ شديد ، والإتقانُ في تنفيذ الأمر دليل قطعي على محبة الآمر ، وهذا يذكرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم :

 (( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه)).

[الجامع الصغير عن عائشة]

5 ـ أن الله خلق الكون وجعله يعمل بالأسباب :

من هذه الآيات البينات أيها الأخوة في مقام إبراهيم : أن الله خلق الكون ، وجعله يعمل بالأسباب ، فالذي يأخذ بالأسباب ويتقنها تعطيه هذه الأسباب النتائج مؤمناً كان أو كافراً، لكن هناك حقيقةً كبرى هي أن خالق الأسباب فوق الأسباب ، بل هو مسببها ، إن شاء أعطاك من دون سبب ، و إن شاء منعك ، و أنت آخذٌ بالسبب ، فالسبب في علم التوحيد لا يخلق النتيجة ، لذلك في حركة الإنسان في الحياة ، ينبغي ألا يغفل عن أن خالق الأسباب ومسببها هو كل شيء ، سيدنا إبراهيم عليه السلام جاء بزوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى موقع الكعبة، الذي لا زرع فيه ، ولا ماء ، ولا وسائل للحياة ، في هذا المكان الخالي من وسائل بقاء الحياة، ترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع إسماعيل ، وانطلق راجعاً ، فأمسكت هاجر بزمام دابته ، وقالت له : يا إبراهيم لمن تتركنا ؟ فلم يجب إبراهيم ، قالت هاجر: آالله أمرك بهذا ، فأشار إليها أن نعم ، قالت : إذاً لن يضيعنا ، هذه قضية إيمانية كبرى ، وهي أن الله إذا أمرك بأمرٍ فبدا لك أنه يضر بمصالحك ، أو يحول بينك وبين ما تتمناه فاعلم علم اليقين أن الآمر ضامن، و أن العاقبة للمؤمن ، و أن الدنيا تأتي ، وهي راغمة ، فمن أصبح و أكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قُدِّر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا ، وهي راغمة ، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوق دوني ، أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ، وما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا .

6 ـ أن حبّ إبراهيم عليه السلام لله عز وجل يفوق الدنيا وما فيها وهو أعلى من كل حبّ:

أيها الأخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام ، من هذه الآيات البينات في مقام إبراهيم ، أنه أُمِرَ أن يذبح ابنه الوحيد إسماعيل ، وهو في سن الشباب ، فلما بلغ معه السعي ، وأبوه شيخٌ كبير ، وزوجته عاقر ، فلم يتباطأ في التنفيذ ، ولم يدعُ الله أن يرحم شيخوخته ، وأن يعفو عن ابنه ، وعلى الرغم من قسوة الابتلاء فقد شَرَعَ في التنفيذ ، أن يقدم الإنسان على ذبح ابنه الوحيد الشاب ، والأب شيخٌ كبير ، والزوجة عاقر لا تنجب ، إنَّ من يفعل هذا يحب الله حباً يفوق الدنيا وما فيها ، حباً أعلى من كل حب ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ )) .

[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]

 

Text Box: من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً :

 

يا أيها الأخوة الكرام ، هذا ابتلاء حاد ما كلف به المؤمن ، ولكن نستفيد من هذه القصة أنه لو استقبلنا كل حكمٍ من الله بالقبول نأخذ ثواب الطاعة لأمر الله ، ويرفع الله عنا القضاء :

 ( سورة  الصافات)

أيها الأخوة الكرام ، حينما يقبل المؤمن على تنفيذ أمر الله ، وهو يرى رؤيةً قاصرة أن تنفيذ هذا الأمر يضر بمصالحه المادية والمعنوية ، لكنه يؤثر طاعة الله ، والقرب منه على دنياه ، ينال عندئذٍ ثواب الطاعة ، وسعادة القرب ، وبقانون خفي لا نعرفه تتحقق مصالحه الدنيوية في أعلى مستوى ، وهذا معنى القول المأثور : "من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً" .

 

Text Box: الله جلّ جلاله لا يريد لنا إلا الخير ولا يقضي لنا إلا بالخير :

 

أيها الأخ الكريم ، إذا كلفك مساوٍ لك ، نِدٌ لك ، إذا أمرك بأمر تسأله دائماً : لماذا أفعل هذا ؟ و لكن إذا أمرك الله جلّ جلاله خالق السماوات والأرض ، العليم الحكيم ، الرحمن الرحيم ، إذا أمرك الله أمراً ينبغي أن تأخذ أمره بالطاعة بمقدار ثقتك في علمه ، ورحمته ، وحكمته ، فالله جلّ جلاله لا يريد لنا إلا الخير ، ولا يقضي لنا إلا بالخير ، وكلما قصر الفكر البشري عن إدراك الخير كان الخير أضخم وأكبر ، لأن الخير في هذه الحالات أكبر من أن يدركه الإنسان بعقله القاصر ، قال تعالى:

 ( سورة  البقرة)

الله جلّ جلاله حينما يخاطب خلقه لا يخاطبهم بالتكليف ، افعلوا ، ولا تفعلوا ، إنما يدعوهم إلى الإيمان به ، فمن آمن به يكلفه ، لذلك تجد كل تكليف مسبوقاً في القرآن الكريم بـ : يا أيها الذين آمنوا ، لأن الإنسان حينما يدخل مع الله في عقدٍ إيماني فقد آمن إيماناً قطعياً أن لله الكمال المطلق ، فإذا تلقيت الأمر الإيماني ، ولم تفهمه ، ونفذته فإنك ستجد الراحة في قلبك ، والصفاء في نفسك ، وحينما تقبل على تنفيذ أمر الله لثقتك بعلمه ، وحكمته، ورحمته يكشف لك الحكمة منه فتعود بثمرتين : ثواب العابد ، وفهم العالم .

 

Text Box: بيت الله الحرام هو المركز الهندسي لليابسة :
 

 

أيها الأخوة الكرام ، إلى الموضوع العلمي : بيت الله الحرام مركز لدائرة تمر بأطراف قارات العالمَيْن القديم والجديد ، والأرض اليابسة موزعة حول بيت الله الحرام بصورة منتظمة ، هذه الحقيقة أكدتها أحدث الدراسات العلمية لمركز البحوث الفلكية في أحد الأقطار العربية الشقيقة ، وذلك باستخدام الحاسب الآلي في حساب المسافات بين مكة المكرمة وعدد من المدن التي تقع في أطراف العالمين القديم والحديث ، و قد ثبت بعد الحسابات التي أجريت على الحاسب الآلي أن أقصى أطراف الأرض في إفريقيا ، وأوربا ، وآسيا ، وهذا العالم القديم تقع على مسافة ثمانية آلاف كيلو متر من مكة المكرمة ، وأما بالنسبة لأطراف العالم الجديد ، وهو القارة الأميركية شمالاً ، وجنوباً ، وأستراليا ، والقارة المتجمدة الجنوبية جميع أطراف هذه القارات الثلاث تقع على مسافة ثلاثة عشر ألف كيلو متر من مكة المكرمة، ولا يقابل مكة المكرمة على سطح الأرض من الطرف الآخر يابسة ، بل بحرٌ ، إنه المحيط الهادي ، إذاً بحسب هذه الدراسة التي أجريت على الحاسب الآلي تبين أن بيت الله الحرام هو المركز الهندسي لليابسة .

 ( سورة  آل عمران) .

اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، والحمد الله رب العالمين.

 

***

 

Text Box: الخــطــبـة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

Text Box: فتح مدينة القدس من قِبل المسلمين :

 

أيها الأخوة الكرام ، عشنا في الخطبة الأولى في أجواء بيت الله الحرام ، وها نحن أولاء ننتقل الآن بحضراتكم إلى مدينة القدس ، حيث المسجد الأقصى ، ثاني المسجدين ، وثالث الحرمين الشريفين ، متعبد الأنبياء السابقين ، ومسرى خاتم النبيين ، ونعود بكم القهقرى عَبْرَ بُعْدِ الزمان إلى يوم الجمعة الواقع في السابع والعشرين من شهر رجب عام خمسمئة وثلاث وثمانين للهجرة ، الموافق للثاني من تشرين الأول عام ألف ومئة وسبع و ثمانين للميلاد ، ففي هذا اليوم تمّ فتح مدينة القدس من قبل المسلمين ، وبقيادة صلاح الدين ، وتمّ تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين ، وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح ، والوجوه قد عمها البشر ، ونسمع الألسنة ، وقد لهجت بالشكر ، لقد علت الرايات ، وعلقت القناديل ، ورفع الأذان ، وتلي القرآن ، وَصَفَتِ العبادات ، وأقيمت الصلوات ، وأُديمت الدعوات ، و تجلت البركات ، وانجلت الكربات ، وزال العُبُوس ، وطابت النفوس ، وفرح المؤمنون بنصر الله ، وها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى ، فإذا المسلمون ، وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض ، لا تتفاوت مقاعدهم ، ولا يمتاز أميرهم عن واحد منهم ، قد خشعت جوارحهم ، وسكنت حركاتهم ، هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة استحالوا رهباناً خُشَّعَا ، كأن على رؤوسهم الطير في حرم المسجد .

 

Text Box: فقرات من خطبة محي الدين القرشي قاضي دمشق عند فتح مدينة القدس من قبل المسلمين:

 

ها هو ذا خطيب المسجد محي الدين القرشي قاضي دمشق يصعد المنبر ، ويلقي خطبةً لو ألقيت على رمال البيد لتحركت وانقلبت فرساناً ، ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة ، وها نحن أولاء  نستمع معكم إلى فقرات من خطبته.

 لقد افتتحها بقوله تعالى :

 ( سورة  الأنعام )

يقول هذا الخطيب : " أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى ، والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة ، وردِها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مئة عام ، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ، ويذكر فيه اسمه من رجس الشرك و العدوان ، ثم قال محذراً : إياكم عباد الله أن يستزلكم الشيطان ، فيخيل لكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد ، وخيولكم الجياد ، لا والله ، ما النصر إلا من عند الله ، فاحذروا عباد الله بعد أن شرفكم الله بهذا الفتح الجليل أن تقترفوا كبيرةً من مناهيه ، انصروا الله ينصركم ، خذوا في حسم الداء ، وقطع شأفة الأعداء ، وها نحن أولاء نخرج من المسجد ، ونلتقي بأحد الفرنجة الذين شهدوا فتح القدس ، وها هو ذا يحدثنا ويقول : " إن المسلمين لم يؤذوا أحداً ، ولم ينهبوا مالاً ، ولم يقتلوا مسالماً ، أو معاهداً ، و أن من شاء منا خرج ، وحمل معه ما شاء ، و أننا بعناهم ما فضل من أمتعتنا فاشتروها منا بأثمانها ، وأننا نغدو ونروح آمنين مطمئنين لم نر منهم إلا الخير والمروءة ، فهم أهل حضارة و تمدن "، وصَدَقَ من قال : "ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم "، وليته قال : " إن المسلمين لم يهدموا بيتاً ، ولم يصادروا أرضاً ، ولم ينشؤوا مستوطنة ، ولم يكسروا عظماً ".

و نعود الآن بحضراتكم إلى دمشق لنتابع خطبة الجمعة ..

 

Text Box: المعركة بين حقين لا تكون والمعركة بين حقٍ وباطل لا تدوم والمعركة بين باطلين لا تنتهي:

 

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، ماذا حول المسجد الأقصى اليوم؟ حينما تسلب أرض شعبٍ ، وتنهب ثرواته ، وتنتهك حرماته ، وتدنس مقدساته ، وتداس كرامته ، وتقهر إرادته ، وتفسد عقائده ، وتفرغ قِيَمُه ، ويزوَّر تاريخه ، ويحمل على الفساد والإفساد ، وتمارس عليه ألوان التجهيل ، والتجويع ، والتعذيب على يد أعدائه ، أعداء الله ، أعداء الحق ، أعداء الخير ، أعداء الحياة ، عندئذٍ لا بد لهذا الشعب أن يتحرك ليسترد حقه في الحياة الحرة الكريمة .

أيها الأخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام ، هذه الحركة لا يمكن أن تسمى إرهاباً ، ولا تخريباً ، ولا انتحاراً ، إن تعنت إسرائيل أوصل عملية السلام إلى طريق مسدود، كما قال السيد الرئيس فهي ترفض رفضاً مطلقاً كل مقومات السلام ، وتنهج نهج المراوغة ، والخداع ، وتستفز الضمير الإسلامي ، والعربي ، والإنساني بإنشاء مزيد من المستوطنات ، ويضيف السيد الرئيس قائلاً : إن الخلاص في الإسلام الذي عندما كنا متمسكين به ، لم يستطع أحدٌ أن يذلنا ، الإسلام دين الحق ، والعدالة ، و المساواة بين البشر ، الإسلام مصدر قوةٍ لنا جميعاً ، إن هذا يفرض علينا أن نناضل بكل قوانا ، وبصدق ، وإخلاص لحماية الدين الحنيف من هذه المؤامرات الاستعمارية لنحفظ له مهابته ، وجلاله ، وليبقى مصدر عزةٍ و قوة للمسلمين ، وليبقى حافزاً لتقدمهم في كل مجال .

أيها الأخوة الكرام في الأراضي المحتلة ، بوركت سواعدكم ، وسلمت أيديكم ، لقد كنتم رمز البذل والعطاء ، لقد ضربتم المثل الأعلى في التضحية والفداء ، لقد تحركت فيكم معاني العزة ، والإباء فأقلقتم مضاجع الأعداء .

استمعوا معي أيها الأخوة إلى وصية سيدنا عمر بن الخطاب إلى سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ، قال له : " أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله عز وجل ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي ، فإنها أضر عليكم من عدوكم ، وإنما تنصرون بمعصية عدوكم لله ، فإن استويتم في المعصية كان لهم الفضل عليكم بالقوة " .

لهذا قيل : المعركة بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد ، والمعركة بين حقٍ وباطل لا تدوم ، لأن الله مع الحق ، والمعركة بين باطلين لا تنتهي .

 

Text Box: الدعاء :

 

إني داعٍ فأمنوا :

اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، وأعل بفضلك كلمة الحق والدين ، اللهم انصر من نصر الدين ، واخذل من خذل الدين ، اللهم يا رب العالمين انصرنا نصراً عزيزاً مؤزراً ، وارزقنا فتحاً قريباً مبيناً ، ارزقنا يقيناً بأنه لا فعَّال ، ولا ناصر في الأرض إلا أنت ، اللهم انصرنا على أنفسنا ، حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصرنا على أعدائنا ، لأنك قلت ، وقولك الحق : ولينصرن الله من ينصره ، إن الله قوي عزيز .

اللهم اغفر لنا ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا ، وأفرغ علينا صبراً ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين ، اللهم انصر أخوتنا في الأراضي المحتلة ، على أعدائهم ، واجعل تدميرهم في تدبيرهم ، واجعل الدائرة تدور عليهم ، اللهم أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيزٍ مقتدر ، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi