English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الخطبة الإذاعية "42"  بتاريخ 28/ 03/ 1997  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الموضوع        :  الحج والقدس .

تفريغ            :  الأستاذ هشام قدسي .

التدقيق           : السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

     الحمد لله ، الحمد لله الذي جعل كلمة التوحيد لعباده حرزاً وحصناً ، وجعل البيت العتيق مثابة للناس وأمناً ، وأكرمه بالنسبة إلى ذاته تشريفاً وصوناً ، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

 
(سورة المائدة)

وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، خير نبيٍ اجتباه ، وللعالمين أرسله ، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ، ولو كره المشركون ، اللهم صلِّ ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد ، سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، أمناءِ دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنهم ، وعنا يا رب العالمين .

     عباد الله ، أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .

     أيها الإخوة الكرام في كل مكان ، إن المَقْصِد الأول من العبادات هو الامتثال لأمر الله ، والوفاء بحقه ، ومع هذا لا يخفى أن وراء العبادات أثاراً طيبةً ، ومنافع جمةً في حياة الفرد والجماعة ، والحجُّ هو أكثر هذه العبادات اشتمالاً على الأمور التعبدية التي لا تُعْرَفُ حكمتها معرفة تفصيلية على وجه التأكيد ، لكن الحج أوضح هذه العبادات أثراً في حياة المسلمين أفراداً و شعوباً ، كيف لا و قد قال الله عز وجل :


(سورة الحج)

إن هذا التعليل القرآني لهذه الرحلة المباركة ، التي يقطعها الناس قادمين من كل فج عميق ، يفتح لنا باباً رحباً للتأمل في هذه المنافع المشهودة التي قدمها القرآن الكريم .

     أيها الإخوة الكرام ، حضوراً ومستمعين ، الحج شحنة روحية كبيرة ، يتزود بها المسلم فتملأ جوانحه خشيةً ، وتقىً وعزماً على طاعة الله ، وندماً على معصيته ، و تغذي فيه عاطفة الحب لله ولرسوله ، ولمن عزَّرُوه ، ونصروه ، واتَّبَعُوا النور الذي أُنْزِلَ معه ، وتوقظ في المسلم مشاعر الأخوة لأبناء دينه في كل مكان ، وتوقد في صدره شُعْلَةَ الحماسة الدينية لدينه ، والغَيْرَةِ على حرماته .

      أيها الإخوة الكرام ، إن الأرض المقدسة وما لها من أثرٍ في النفس ، و قوةَ الجماعة ، وما لها من إيحاءٍ في الفكر و السلوك ، كل هذا يترك أثراً واضحاً في أعماق المسلم ، فيعود من رحلته أصفى قلباً ، وأطهرَ مسلكاً ، وأقوى عزيمةً على الخير ، وأصلبَ عُوداً أمام مغريات الشر ، وكلما كان الحجُّ مبروراً خالصاً لله عز و جل ، كان أثرُه في حياة المسلم المستقبلية واضحاً ، لأن هذه الشحنة الروحية العاطفية تهز كيانه المعنوي هزاً ، بل تُنْشِئُهُ خلقاً آخر ، وتعيده كأنما هو مولود جديد يستقبل الحياة ، وكله طُهْرٌ ونقاء ، لهذا قال عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح : ((من حج فلم يرفث و لم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه)) .

     أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة و الإسلام ، أداء فريضة الحج ، تمام نعمة الله على المؤمن ، لقد جعل الله البيت الحرام قبلةً للمؤمن يتجه إليه كل يومٍ خمس مرات في صلاته ، وهكذا شاءت إرادة الله أن ينشغل فؤادُ المؤمن بهذا البيت ، وهو بعيدٌ عنه إلى أن يؤدي فريضة الحج ، والحج تمام نعمة الله على المؤمن ، لأن المؤمن لا يحج إلا إذا كان مستطيعاً ببدنه الذي سلمه الله له ، وقوَّاه ، وبماله الذي ادخره للحج فائضاً عن حاجاته الأساسية ، وبنفقة أهله ، وعياله في غيبته فهو نوع من الغنى ، ومن تمام نعمة الله على المؤمن في الحج أن إيمانه بالله ورسوله كان في المستوى الذي حمله على مغادرة الأوطان ، وترك الأهل ، والخلان ، وإنفاق الأموال ، ومن تمام نعمة الله على المؤمن أنه ما حج بيت الله الحرام إلا وهو مؤدٍ لجميع ما كلف به من عبادات شعائرية كالصلاة ، والزكاة ، والصيام ، وعباداتٍ تعاملية من توبة نصوح ، وأداءٍ لجميع الوجبات ووفاءٍ لكل الحقوق .

     أيها الإخوة الأكارم في كل مكان ، الحج عبادة شاملة لكل أركان الإسلام ففيه من الصلاة : أنك تذهب إلى بيت الله الحرام لتصلي فيه ، وقد قال عليه الصلاة و السلام : ((صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه)) ، و في الحج مـن الزكاة : إنفاق الأموال في التنقل ، والسُكْنَى والطعام ، والشراب ، و الرسوم ، و في الحديث الشريف : ((النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله )) ، و في الحج من الصوم : أنك تبتعد عن المباحات من لبس المخيط ، والتطيب ، والحلق ، والتقليم ، وكلها مباحة خارج الحج ، و في الحج من معنى شهادة أن لا أله ألا الله ، وأن محمداً رسول الله : أنك تحج بيته الحرام تلبيةً لأمره ، وطاعةً له ، ولا أدل على ذلك من قولك في التلبية  : لبيك الهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، وتؤدي مناسك الحج كما علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال : " خذوا عني مناسككم)) .

أيها الإخوة الكرام ، حضوراً ومستمعين ، الحج عبوديةٌ لله عز وجل ، عبوديةٌ لخالق السماوات والأرض رب العالمين ، إنَّ عبودية الإنسان لله تقتضي أن يبتعد عن التعالي على أخيه الإنسان ، ففي المسجد مثلاً من يَصِلُ أولاً يجلس في الصف الأول ، ومن يأتي متأخراً يجلس في الصف الأخير ، والذي يحدث أنك تجد من كان في مجتمعه في الصف الأخير قد تجده في المسجد في الصف الأول ، إنَّ هذه المساواة في العبودية لله عز وجل تخرج الإنسان عن التعالي ، وتجعله يتواضع حيث يُحسُّ جميع المؤمنين أنهم يقفون أمام إلهٍ واحد ، لا ينظر إلى صورهم ، وهيئاتهم ، وإنما ينظر إلى قلوبهم وأعمالهم ، هذا في بيئة المسجد ، ولكن الله جل جلاله أراد أن يجعل هذه المساواة ، وهذا الخضوع ليس في بيئة محدودة ، ولكن في نطاق عالمي ، وفي بيئةٍ عالمية تجمع كل أجناس البشر ، نتميز كما نشاء في بلادنا ، وبين أهلينا ، ولكن عندما نصل إلى بيت الله الحرام لابد أن نقف أمام الله متساوين كما خَلَقَنَا ، وكما سنقف أمامه يوم القيامة .

      أيها الإخوة الكرام ، الحج أدبٌ رفيع مع عناصر الكون كلها ، فمن لوازم العبودية لله في الحج أن الله ألزم الحاج بالتأدب مع كل أجناس الكون ، مع الجماد في تقبيل الحجر الأسود ، ومع النبات في النهي عن قطعه ، ومع الحيوان في تحريم صيده ومع الإنسان في حرمة التشاجر معه ومجادلته .

      ويا أيها الإخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام ، البكاء في بيت الله الحرام من لوازم العبودية لله في الحج ، وحينما يدخل الحاج بيت الله الحرام ، ويطوف حول الكعبة المشرفة تنهمر عيناه بالدموع ، هذا البكاء تعبيرٌ عن الندم على ما سبق منه من ذنوب ، وتضرعٌ إلى الله أن يقبل توبته ، وأن يعفو عنه ، هذا البكاء تعبيرٌ عن ترك العُجْبِ والكبرياء والتذلل لخالق الأرض و السماء ، هذا البكاء تعبير عن أن الحاج تخلى عن كل شيء ، وخضع إلى الله في كل شيء ، ومع أن البكاء أيها الإخوة في الأصل مظهرٌ من مظاهر الضعف ، والحزن فإنه في الحج ليس كذلك ، هذا البكاء في الحج إحساسٌ عميق بأن السعادة الحقيقية هي في القرب من الله ، "لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " ، "يا ربّ ماذا وجد من فقدك ، وماذا فقد من وجدك " ، هذا القرب الشديد من الله عز وجل في أثناء البكاء هو الذي يجعل لهذا البكاء روحانيةً مفعمةً بالفرح ، فرح التخلص من الآثام ، ونيل رضى خالق الأكوان ، فرحة الانضمام إلى عباد الله الصالحين .

     أيها الإخوة الكرام  في دنيا العروبة والإسلام ، في بيت الله الحرام آياتٌ بينات ، مقام إبراهيم ، أي أن هناك آياتٍ كثيرة في مقام إبراهيم ، من هذه الآيات أنَّ إبراهيم عليه السلام كان أمة وحده ، فقد اجتمعت فيه من خصال الخير ما لا تجتمع إلا في أمَّة ، تقول : هذا أمين ، وهذا صادق ، وهذا كريم ، ولكن خِصال الخير كلها اجتمعت في إبراهيم عليه السلام ، ومن هذا مقولة أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم معصومةٌ بمجموعها ، بينما النبي صلى عليه و سلم معصومٌ بمفرده ، ومن هذه الآيات البينات أنَّ حجم الإنسان عند الله بحجم عمله ، و أن إبراهيم عليه السلام من حيث العمل الذي أجراه الله على يديه ، عملُهُ يساوي عملَ أمَّة ، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ، وهذا يذكرنا بقول الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة و السلام  :

                                            

(سورة الأنبياء)        

 من هذه الآيات البينات أنَّ إبراهيم عليه السلام أقبل على بناء الكعبة ، وإعلائها تنفيذاً لأمر الله تعالى ، بإتقانٍ شديد ، والإتقانُ في تنفيذ الأمر دليل قطعي على محبة الآمر ، وهذا يذكرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه)) ، من هذه الآيات البينات أيها الإخوة في مقام إبراهيم : أن الله خلق الكون ، وجعله يعمل بالأسباب ، فالذي يأخذ بالأسباب ، ويتقنها تعطيه هذه الأسباب النتائج مؤمناً كان أو كافراً ، لكن هناك حقيقةً كبرى هي أن خالق الأسباب فوق الأسباب ، بل هو مسببها ، إن شاء أعطاك من دون سبب ، و إن شاء منعك ، و أنت آخذٌ بالسبب ، فالسبب في علم التوحيد لا يخلق النتيجة ، لذلك في حركة الإنسان في الحياة ، ينبغي ألا يغفل عن أن خالق الأسباب ومسببها هو كل شئ ، سيدنا إبراهيم عليه السلام جاء بزوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى موقع الكعبة ، الذي لا زرع فيه ، ولا ماء ، ولا وسائل للحياة ، في هذا المكان الخالي من وسائل بقاء الحياة ، ترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع إسماعيل ، وانطلق راجعاً ، فأمسكت هاجر بزمام دابته ، وقالت له : يا إبراهيم لمن تتركنا ، فلم يجب إبراهيم ، قالت هاجر: آالله أمرك بهذا ، فأشار إليها أن نعم ، قالت : إذاً لن يضيعنا ، هذه قضية إيمانية كبرى ، وهي أن الله إذا أمرك بأمرٍ فبدا لك أنه يضر بمصالحك ، أو يحول بينك وبين ما تتمناه فاعلم علم اليقين أن الآمر ضامن، و أن العاقبة للمؤمن ، و أن الدنيا تأتي ، وهي راغمة ، فمن أصبح و أكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قُدِّر له ، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وأتته الدنيا ، وهي راغمة ، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوق دوني ، أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ، وما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا .

     أيها الإخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام ، من هذه الآيات البينات في مقام إبراهيم ، أنه أُمِرَ أن يذبح ابنه الوحيد إسماعيل ، وهو في سن الشباب ، فلما بلغ معه السعي ، وأبوه شيخٌ كبير ، وزوجته عاقر ، فلم يتباطأ في التنفيذ ، ولم يدعُ الله أن يرحم شيخوخته ، وأن يعفو عن ابنه ، وعلى الرغم من قسوة الابتلاء فقد شَرَعَ في التنفيذ ، أن يقدم الإنسان على ذبح ابنه الوحيد الشاب ، والأب شيخٌ كبير ، والزوجة عاقر لا تنجب ، إنَّ من يفعل هذا يحب الله حباً يفوق الدنيا وما فيها ، حباً أعلى من كل حب ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب أليه من والده وولده والناس أجمعين)) .

    يا أيها الإخوة الكرام ، هذا ابتلاء حاد ما كلف به المؤمن ، ولكن نستفيد من هذه القصة أنه لو استقبلنا كل حكمٍ من الله بالرضى نأخذ ثواب الطاعة لأمر الله ، ويرفع الله عنا القضاء ،

[سورة الصافات]

      أيها الإخوة الكرام ، حينما يقبل المؤمن على تنفيذ أمر الله ، وهو يرى رؤيةً قاصرة أن تنفيذ هذا الأمر يضر بمصالحه المادية والمعنوية ، لكنه يؤثر طاعة الله ، والقرب منه على دنياه ، ينال عندئذٍ ثواب الطاعة ، وسعادة القرب ، وبقانون خفي لا نعرفه تتحقق مصالحه الدنيوية في أعلى مستوى ، وهذا معنى القول المأثور : "من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً" .

      أيها الأخ الكريم ، إذا كلفك مساوٍ لك ، نِدٌ لك ، إذا أمرك بأمر تسأله دائماً : لماذا أفعل هذا ؟ و لكن إذا أمرك الله جل جلاله خالق السماوات والأرض ، العليم الحكيم ، الرحمن الرحيم ، إذا أمرك الله أمراً ينبغي أن تأخذ أمره بالطاعة بمقدار ثقتك في علمه ، ورحمته ، وحكمته ، فالله جل جلاله لا يريد لنا إلا الخير ، ولا يقضي لنا إلا بالخير ، وكلما قصر الفكر البشري عن إدراك الخير كان الخير أضخم وأكبر ، لأن الخير في هذه الحالات أكبر من أن يدركه الإنسان بعقله القاصر ، قال تعالى:

(سورة البقرة)

الله جل جلاله حينما يخاطب خلقه لا يخاطبهم بالتكليف ، افعلوا ، ولا تفعلوا ، إنما يدعوهم إلى الإيمان به ، فمن آمن به يكلفه ، لذلك تجد كل تكليف مسبوقاً في القرآن الكريم بـ : يا أيها الذين آمنوا ، لأن الإنسان حينما يدخل مع الله في عقدٍ إيماني فقد آمن إيماناً قطعياً أن لله الكمال المطلق ، فإذا تلقيت الأمر الإيماني ، ولم تفهمه ، ونفذته فإنك ستجد الراحة في قلبك ، والصفاء في نفسك ، وحينما تقبل على تنفيذ أمر الله لثقتك بعلمه ، وحكمته ، ورحمته يكشف لك الحكمة منه فتعود بثمرتين : ثواب العابد ، وفهم العالم .

     أيها الإخوة الكرام ، إلى الموضوع العلمي : بيت الله الحرام مركز لدائرة تمر بأطراف قارات العالمَيْن القديم والجديد ، والأرض اليابسة موزعة حول بيت الله الحرام بصورة منتظمة ، هذه الحقيقة أكدتها أحدث الدراسات العلمية لمركز البحوث الفلكية في أحد الأقطار العربية الشقيقة ، وذلك باستخدام الحاسب الآلي في حساب المسافات بين مكة المكرمة ، وعدد من المدن التي تقع في أطراف العالمين القديم والحديث ، و قد ثبت بعد الحسابات التي أجريت على الحاسب الآلي أن أقصى أطراف الأرض في إفريقيا ، وأوربا ، وآسيا ، وهذا العالم القديم تقع على مسافة ثمانية ألاف كيلو متر من مكة المكرمة ، وأما بالنسبة لأطراف العالم الجديد ، وهو القارة الأميركية شمالاً ، وجنوباً ، وأستراليا ، والقارة المتجمدة الجنوبية جميع أطراف هذه القارات الثلاث تقع على مسافة ثلاث عشر ألف كيلو متر من مكة المكرمة ، ولا يقابل مكة المكرمة على سطح الأرض من الطرف الآخر يابسة ، بل بحرٌ ، إنه المحيط الهادي ، إذاً بحسب هذه الدراسة التي أجريت على الحاسب الآلي تبين أن بيت الله الحرام هو المركز الهندسي لليابسة .

[سورة آل عمران]

     اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، والحمد الله رب العالمين .

     الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

     أيها الإخوة الكرام ، عشنا في الخطبة الأولى في أجواء بيت الله الحرام ، وها نحن أولاء ننتقل الآن بحضراتكم إلى مدينة القدس ، حيث المسجد الأقصى ، ثاني المسجدين ، وثالث الحرمين الشريفين ، متعبد الأنبياء السابقين ، ومسرى خاتم النبيين ، ونعود بكم القهقرى عَبْرَ بُعْدِ الزمان إلى يوم الجمعة الواقع في السابع والعشرين من شهر رجب عام خمسمئة وثلاث وثمانين للهجرة ، الموافق للثاني من تشرين الأول عام ألف ومئة وسبع و ثمانين للميلاد ، ففي هذا اليوم تم فتح مدينة القدس من قبل المسلمين ، وبقيادة صلاح الدين ، وتم تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين ، وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح ، والوجوه قد عمها البشر ، ونسمع الألسنة ، وقد لهجت بالشكر ، لقد علت الرايات ، وعلقت القناديل ، ورفع الأذان ، وتلي القرآن ، وَصَفَتِ العبادات ، وأقيمت الصلوات ، وأُديمت الدعوات ، و تجلت البركات ، وانجلت الكربات ، وزال العُبُوس ، وطابت النفوس ، وفرح المؤمنون بنصر الله ، وها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى ، فإذا المسلمون ، وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض ، لا تتفاوت مقاعدهم ، ولا يمتاز أميرهم عن واحد منهم ، قد خشعت جوارحهم ، وسكنت حركاتهم ، هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة استحالوا رهباناً خُشَّعَا ، كأن على رؤوسهم الطير في حرم المسجد ، وها هو ذا خطيب المسجد محي الدين القرشي قاضي دمشق يصعد المنبر ، ويلقي خطبةً لو ألقيت على رمال البيد لتحركت وانقلبت فرسانا ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة ، وها نحن أولاء  نستمع معكم إلى فقرات من خطبته.

 لقد افتتحها بقوله تعالى :


(سورة الأنعام)

يقول هذا الخطيب : أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى ، والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة ، وردِها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مئة عام ، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ، ويذكر فيه اسمه من رجز الشرك و العدوان ، ثم قال محذراً : إياكم عباد الله أن يستزلكم الشيطان ، فيخيل لكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد ، وخيولكم الجياد ، لا والله ، ما النصر إلا من عند الله ، فاحذروا عباد الله بعد أن شرفكم الله بهذا الفتح الجليل أن تقترفوا كبيرةً من مناهيه ، انصروا الله ينصركم ، خذوا في حسم الداء ، وقطع شأفة الأعداء ، وها نحن أولاء نخرج من المسجد ، ونلتقي بأحد الفرنجة الذين شهدوا فتح القدس ، وها هو ذا يحدثنا ويقول : إن المسلمين لم يؤذوا أحداً ، ولم ينهبوا مالاً ، ولم يقتلوا مسالماً ، أو معاهداً ، و أن من شاء منا خرج ، وحمل معه ما شاء ، و أننا بعناهم ما فضل من أمتعتنا فاشتروها منا بأثمانها ، وأننا نغدو ، ونروح آمنين مطمئنين لم نر منهم إلا الخير والمروءة ، فهم أهل حضارة و تمدن ، وصَدَقَ من قال : ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم ، وليته قال : إن المسلمين لم يهدموا بيتاً ، ولم يصادروا أرضاً ، ولم ينشؤوا مستوطنة ، ولم يكسروا عظماً ، و نعود الآن بحضراتكم إلى دمشق لنتابع خطبة الجمعة ..

      أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، ماذا حول المسجد الأقصى اليوم ، حينما تسلب أرض شعبٍ ، وتنهب ثرواته ، وتنتهك حرماته ، وتدنس مقدساته ، وتداس كرامته ، وتقهر إرادته ، وتفسد عقائده ، وتفرغ قِيَمُه ، ويزوَّر تاريخه ، ويحمل على الفساد والإفساد ، وتمارس عليه ألوان التجهيل ، والتجويع ، والتعذيب على يد أعدائه ، أعداء الله ، أعداء الحق ، أعداء الخير ، أعداء الحياة ، عندئذٍ لا بد لهذا الشعب أن يتحرك ليسترد حقه في الحياة الحرة الكريمة .

أيها الأخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام ، هذه الحركة لا يمكن أن تسمى إرهاباً ، ولا تخريباً ، ولا انتحاراً ، إن تعنت إسرائيل أوصل عملية السلام إلى طريق مسدود ، كما قال السيد الرئيس فهي ترفض رفضاً مطلقاً كل مقومات السلام ، وتنهج نهج المراوغة ، والخداع ، وتستفز الضمير الإسلامي ، والعربي ، والإنساني بإنشاء مزيد من المستوطنات ، ويضيف السيد الرئيس قائلاً : إن الخلاص في الإسلام الذي عندما كنا متمسكين به ، لم يستطع أحدٌ أن يذلنا ، الإسلام دين الحق ، والعدالة ، و المساواة بين البشر ، الإسلام مصدر قوةٍ لنا جميعاً ، إن هذا يفرض علينا أن نناضل بكل قوانا ، وبصدق ، وإخلاص لحماية الدين الحنيف من هذه المؤامرات الاستعمارية لنحفظ له مهابته ، وجلاله ، وليبقى مصدر عزةٍ و قوة للمسلمين ، وليبقى حافزاً لتقدمهم في كل مجال .

      يا أبنائنا في الأراضي المحتلة ، بوركت سواعدكم ، وسلمت أيديكم ، لقد كنتم رمز البذل والعطاء لقد ضربتم المثل الأعلى في التضحية والفداء ، لقد تحركت فيكم معاني العزة ، والإباء فأقلقتم مضاجع الأعداء .

      استمعوا معي أيها الإخوة إلى وصية سيدنا عمر بن الخطاب إلى سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما ، قال له : أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله عز وجل ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي ، فإنها أضر عليكم من عدوكم ، وإنما تنصرون بمعصية عدوكم لله ، فإن استويتم في المعصية كان لهم الفضل عليكم بالقوة ، لهذا قيل المعركة بين حقين لا تكون ، لأن الحق لا يتعدد والمعركة بين حقٍ وباطل لا تدوم ، لأن الله مع الحق والمعركة بين باطلين لا تنتهي .

  إني داعٍ فأمنوا :

  اللهم انصر الإسلام والمسلمين ، وأعلي بفضلك كلمة الحق والدين ، اللهم انصر من نصر الدين، واخذل من خذل الدين ، اللهم يا رب العالمين انصرنا نصراً عزيزاً مؤزرا ، وارزقنا فتحاً  قريباً مبيناً ، ارزقنا يقيناً بأنه لا فعَّال ، ولا ناصر في الأرض إلا أنت ، اللهم انصرنا على أنفسنا، حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصرنا على أعدائنا ، لأنك قلت ، وقولك الحق: ولينصرن الله من ينصره ، إن الله قوي عزيز .

اللهم اغفر لنا ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا ، وأفرغ علينا صبراً ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين ، اللهم انصر إخوتنا في الأراضي المحتلة ، على أعدائهم ، واجعل تدميرهم في تدبيرهم ، واجعل الدائرة تدور عليهم ، اللهم أعلي كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيزٍ مقتدر ، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi