English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الخطبة الإذاعية : 44 : بتاريخ 24/10/1997 : خ 1 : الحلال والحرام ، خ 2 : فوائد زيت الزيتون ـ لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله رب العاملين ، يا رب خلقت فسويت ، وقدرت وقضيت ، وأمت وأحييت ، وأمرضت وشفيت ، وعافيت وابتليت ، وأغنيت وأقنيت ، وأضحكت وأبكيت ، المرجع والمآل إليك ، ونحن بك وإليك . وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يقول في الحديث القدسي :

 ((لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، وقفوا على صعيد واحد وسألني كل واحد منكم مسألته وأعطيت كل سائل مسألته ، ما نقص ذلك في ملكي ، إن هي إلا أعمالكم أحصيها عليكم ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)) .

[رواه مسلم عن أبي ذر]

وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، قال :

 (( إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها ، وتستوعب رزقها فاتقوا الله عباد الله ، وأجملوا في الطلب ، ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله ، فإن الله تعالى لا ينال ما عنده بمعصيته)) .

[ ابن ماجه وأبو نعيم والحاكم وابن حبان وأخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين .

عباد الله أوصيكم ونفسيَ بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير .

 

Text Box: موضوع الحلال والحرام هو قوام الإسلام ودليل الإيمان :

 

موضوع الخطبة اليوم الحلال والحرام في الإسلام ، فيها مقدمة حول الحلال والحرام في أعمال الجوارح وفي أعمال القلوب ، وفيها إحدى عشرة قاعدة ذهبية أصولية في الحلال والحرام ، وقصة تتصل بالموضوع بشكل أبو بآخر ، وموضوعٌ علميٌ ، وخاتمة .

موضوع الحلال والحرام هو قوام الإسلام ودليل الإيمان وميزان الصدق عند الواحد الديان ، فلا إيمان بلا عمل ، ولا عمل إلا على مقتضى الأمر والنهي ، ولا التزام بأمر آمر ولا نهي ناهٍ إلا عن حب ، والحب دون اتباع كذب ونفاق .

أيها الأخوة الكرام ، من هنا كانت خطورة موضوع الحلال والحرام في الإسلام ، الذي هو شريعة خاتمة ، لبناء حضارة أمة ، هي خير أمةٍ أخرجت للناس ، فكانت جميع الرسالات السابقة تدريباً للبشرية على تقبل تلك الشريعة الخاتمة ، وتمهيداً لاكتمال الوعي في تلك الأمة المختارة ، فما من أمة عدلت عن تشريع الله إلا أخذت بالدمار والهلاك ، وما من فرد أهمل الأمر والنهي إلا اختل قوامه واضطرب حاله ، قال تعالى :

 ( سورة المائدة  ) .

 

Text Box: الحلال والحرام يتصل بأعمال القلوب كما يتصل بأعمال الجوارح :

 

الشريعة رحمة كلها ، عدل كلها ، مصلحة كلها ، حكمة كلها ، إنها تعليمات الصانع الخبير :

 ( سورة فاطر ) .

لقد أراد الإسلام بناء شخصية المسلم متميزةً عن الشخصيات الأخرى من خلال الحلال والحرام ، وقد اتجه الإسلام بأهله إلى بناء مجتمع الجسد الواحد ، والأخوة الإسلامية الصادقة التي تنتهي إلى الأخوة الإنسانية على هدي الحلال والحرام ، لقد احترم الإسلام الإنسان وأعلى قدره حينما نظر إلى الاقتصاد من خلال الإنسان كرامةً وكفايةً وأمناً ، لا من خلال قهره واستغلاله ، فكان الحلال والحرام صوناً لكرامة الإنسان ، شرائع الإسلام أيها الأخوة ، صالحةٌ لاستيعاب كل المعاملات والقضايا العصرية لتضعها في مكانها من الحلال والحرام .

الحلال والحرام يتصل بأعمال القلوب كما يتصل بأعمال الجوارح ، والصحابة الكرام على جلالة قدرهم ، وعمق إيمانهم ، وقربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أحرص الناس على رعاية أعمال القلوب ، حرصهم على رعاية أعمال الجوارح ، إن الإنسان أيها الأخوة لا يتحرك في أعماله سواءً أكانت فعلاً أو تركاً ، حركةً آليةً بلا دافع قلبي يدفعه إلى العمل ، وإلا كان جماداً لا روح فيه ، هذا الدافع القلبي هو الإرادة والنية ، وقد يدخله كثير من ألوان الخداع النفسي ، حتى يتحول عمل الطاعة إلى إثم ، ويتحول ترك الحرام إلى حرام .

 إن أعمال القلوب دقيقة المأخذ ، تتقارب فيها حدود الحلال والحرام تقارباً لا يمكن التمييز بينها إلا بعد تأملٍ دقيق ، على هدى من علم شامل وفقه عميق ، كالنفاق المحرم والمباهاة المباحة ، كيف نميز بينهما ؟ وكالخوف من الماضي واليأس من رحمته ، كيف نفرق بينهما ؟ وكرجاء رحمته والغِرة به ، كإضمار ما يجب ستره ، بنية الدعوة إلى العمل بالقدوة ، ونية الإعجاب بالعمل والرغبة في ثناء الناس كيف نفرق بينهما ؟ وكالعجب والكبر ، والمهابة والوقار ، إن أعمال القلوب دقيقة جداً .

 

Text Box: قواعد أصولية في الحلال والحرام :

 

إن الأعمال تحتاج إلى شروط صحةٍ من زاوية الأحكام الفقهية التي تتعلق بالجوارح ، وهذه الشروط موجودة في كتب الفقه ، وتحتاج أعمال الإنسان إلى شروط صحةٍ أخرى من زاوية قبوله عند الله ، وهذه تتعلق بمعرفة النفس وأحواله مع ربها .

العمل مطلق أيها الأخوة ، والعمل الصالح بخاصة لا يُقبل عند الله إلا إذا كان خالصاً وصواباً ؛ خالصاً ما ابتُغي به وجه الله وهذا من عمل القلب ، وصواباً ما وافق السنة وهذا من عمل الجوارح ، وكل منهما شرط لازم غير كاف .

الأصل في الأشياء الإباحة :

القاعدة الأولى : الأصل في الأشياء الإباحة .

إن أول مبدأ قرره الإسلام أن الأصل فيما خلق الله من أشياء ومنافع هو الحلُّ والإباحة ، ولا حرام إلا ما ورد فيه نص صحيح وصريح بتحريمه ، من الله في كتابه ، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته ، فإذا لم يكن النص صحيحاً ، أو لم يكن صريحاً في الدلالة على الحرمة ، بقي الأمر على أصل الإباحة ، قال تعالى :

 ( سورة الجاثية الآية : 13) .

ما كان الله سبحانه وتعالى ليخلق هذه الأشياء ويسخرها للإنسان ويمنَّ عليه بها ، ثم يحرمه منها بتحريمها عليه ، كيف وقد خلقها ، وسخرها له ، وأنعم بها عليه ؟ والذي حرمه جل جلاله جزئيات منها بسبب وحكمة بالغة ، ومن هنا ضاقت دائرة المحرَّمات في شريعة الإسلام ضيقاً شديداً ، واتسعت دائرة الحلال اتساعاً بالغاً .

ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ، ثم تلا هذه الآية : ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ )) .

[البزار في مسنده و الحاكم من حديث أبي الدرداء]

إن أصل الإباحة تشمل الأفعال والتصرفات التي ليست من أمور العبادة ، ففي الأشياء والأفعال الأصل أنها مباحة ، ولا يُحرم شيئاً منها بنص ، وفي العبادات الأصل هو الحظر ، ولا تُشَّرع عبادة إلا بنصٍ .

التحليل والتحريم من حق الله تعالى وحده :

القاعدة الثانية : التحليل والتحريم من حق الله تعالى وحده .

التحليل والتحريم من حق الله تعالى وحده وليس من حق أحدٍ من خلقه ، أياً كانت درجته في دين الله أو دنيا الناس ، فمن فعل ذلك من بني البشر فقد تجاوز حده ، واعتدى على حق الربوبية في التشريع للخلق ، ومن رضي بعمله هذا واتبعه فقد جعله شريكاً لله ، وعُدَّ اتباعه هذا شركاً ، قال تعالى :

 ( سورة الشورى) .

وقال :

 ( سورة النحل) .

كان السلف الصالح لا يصف شيئاً بأنه حرام ما لم يكن في كتاب الله ، أو في سنة رسوله بيناً بلا تفسير ، وكانوا لا يطلقون الحرام إلا على ما عُلم تحريمه بالضرورة قطعاً يقيناً ، وكان أحمد ابن حنبل يقول حين يُسأل : "أكرهه ، لا يُعجبني ، لا أحبه ، لا أستحسنه ".

تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر :

القاعدة الثالثة : تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر .

تحليل الحرام وتحريم الحلال يقترن بالشرك ، يقول عليه الصلاة والسلام ، فيما يرويه عن ربه :

(( إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً .))

[مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي]

وقد حارب النبي صلى الله عليه وسلم نزعة التنطع والتشدد من دون موجب وذمها ، وأخبر بهلاك أصحابها ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون)) .

[رواه مسلم عن ابن مسعود ]

التحريم أيها الأخوة يستطيعه كل إنسان ، حتى الجاهل ، لكن العلماء المتمكنين العاملين بعلمهم ، المخلصين في علمهم ، هم الذين يبينون للناس ما هو حلال وما هو حرام ، بالدليل والتعليل ، فالتبليغ مهمة الأنبياء والرسل ، والتبيين مهمة العلماء من بعدهم .

الحلال طيب والحرام خبيث :

القاعدة الرابعة : الحلال طيب والحرام خبيث .

من حق الله تعالى ، لكونه خالقاً ومربياً ومسيراً ومنعماً على خلقه بنعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، ونعمة الهدى والرشاد ، من حقه أن يحل لهم وأن يحرم عليهم ما يشاء ، كما له أن يتعبدهم بالتكاليف والشعائر بما يشاء ، فهو حق ربوبيته لهم ، ومقتضى عبوديتهم له ، ولكنه تعالى ، رحمة منه بعباده ، جعل التحليل والتحريم لأسباب معقولة راجعةٍ لمصلحة البشر أنفسهم ، فلم يحل سبحانه إلا طيباً ، ولم يحرم إلا خبيثاً ، قال تعالى :

 ( سورة الأعراف) .

الطيبات هي الأشياء التي تستطيبها النفوس المعتدلة المتوازنة ، ويستحسنها مجموع الناس ذوي الفطر السليمة ، استحساناً غير ناشئ عن أثر العادة ، فالعلاقة بين الحلال ونتائجه علاقة علمية ، أي علاقة سبب بنتيجة ، والعلاقة بين الحرام ونتائجه علاقة علمية أي علاقة سبب بنتيجة .

في الحلال ما يُغني عن الحرام :

القاعدة الخامسة : في الحلال ما يُغني عن الحرام .

من محاسن الشريعة الإسلامية أنها لم تُحرم شيئاً إلا عوضت خيراً منه ، مما يسد مكانه ويغني عنه ، فالله تعالى لم يضيق على عباده من جانب إلا وسَّع عليهم من جانب آخر من جنسه ، فإنه سبحانه وتعالى لا يُريد بعباده عنتاً ولا إرهاقاً ، بل يُريد بهم اليُسرَ والخير والهداية والرحمة ، قال أحد العلماء : حرم الله عباده الاستقسام بالأزلام وعوضهم عنه دعاء الاستخارة ، حرم عليهم الربا وعوضهم التجارة الرابحة ، حرم عليهم القمار وأعاضهم عنه المسابقة في الدين ، حرم عليهم الحرير وأعاضهم عنه الملابس الفاخرة ، حرم عليهم الزنا وأعاضهم عنه الزواج الحلال ، حرم عليهم شرب المسكرات وأعاضهم عنها بالأشربة اللذيذة، حرم عليهم الخبائث من الأطعمة وأعاضهم عنها بالمطاعم الطيبات .

ليس في الدين حرمان كما يتوهم الجهلة ، فكل شهوة أودعها الله في الإنسان جعل لها قناةً نظيفةً تتحرك من خلالها ، وكل حاجة ألجأ الله إليها عباده ، جعل لهم أكثر من سبب لتحقيقها ، فالحلال يُغني عن الحرام أيما غناء .

ما أدى إلى حرام فهو حرام :

القاعدة السادسة : ما أدى إلى حرام فهو حرام .

من المبادئ التي قررها الإسلام أنه إذا حرَّم شيئاً حرم ما يُفضي إليه من وسائل ، وسد الذرائع الموصلة إليه ، فإذا حرَّم الزنا حرم كل مقدماته ودواعيه ، من تبرج جاهلي ، وخلوة آثمة ، واختلاط عابث ، وصور فاضحة ، وأدب مكشوف ، وغناء فاحش فما أدى إلى حرام فهو حرام .

وقرر أيضاً أن إثم الحرام لا يقتصر على فاعله المباشر وحده ، بل تتسع الدائرة لتشمل كل من شارك فيه بجهد مادي أو أدبي ، كل يناله من الإثم على قدر مشاركته ، ففي الخمر لعن شاربها ، وعاصرها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وآكل ثمنها .

التحايل على الحرام حرام :

القاعدة السابعة : التحايل على الحرام حرام .

وكما حرَّم الإسلام كل ما يفضي إلى المحرمات من وسائل ظاهرة حرم أيضاً التحايل على ارتكابها بالوسائل الخفية ، والحيل الشيطانية ، ومن الحيل الآثمة تسمية الشيء الحرام بغير اسمه ، وتغيير صورته مع بقاء حقيقته ، ولا ريب أنه لا عبرةَ بتغيير الاسم إذا بقي المسمى ، ولا بتغيير الصورة إذا بقيت الحقيقة ، فمن باع سلعةً ديناً لستة أشهر بمئة ، ثم اشتراها نقداً بثمانين ، وادعى أن هذا بيع وشراء ، نجيبه : بأنه لا عبرة لصورة البيع والشراء إنه أقرض ثمانين ليستردها مئة وهذا هو الربا بعينه .

8 ـ النية الحسنة لا تبرر الحرام :

القاعدة الثامنة : النية الحسنة لا تبرر الحرام .

الإسلام يقدر الباعث الكريم ، والقصد الشريف ، والنية الطيبة في تشريعاته وتوجيهاته كلها ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول :

 (( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى )) .

[ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ] .

بالنية الطيبة تصبح المباحات والعادات طاعات وعبادات ، فمن تناول غذاءه بنية حفظ الحياة ، وتقوية الجسد على طاعة الله ، وأداء واجبه نحو ربه وأمته ، كان طعامه وشرابه عبادة وقربة ، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني :

(( من طلب الدنيا حلالا ، وتعففاً عن المسألة ، وسعيا على عياله ، وتعطفا على جاره ، لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر)) .

لبيهقي في شعب الإيمان من حديث أبي هريرة بسند ضعيف ]

وهكذا كل عمل مباح يقوم به المؤمن يدخل فيه عنصر النية ، فتحيله إلى عبادة ، أما الحرام فشيء آخر ، الحرام هو حرام مهما حسنت نية فاعله ، وشرف قصده ، ومهما كان هدفه نبيلاً ، لا يرضى الإسلام أبداً أن يُتخذ الحرام وسيلةً إلى غاية محمودة ، لأن الإسلام يحرص على شرف الغاية وطُهْر الوسيلة معاً ، ولا تقر شريعة الإسلام بحال مبدأ الغاية تبرر الوسيلة ، أو مبدأ الوصول إلى الحق بالخوض في كثير من الباطل ، بل توجب شريعة الإسلام الوصول إلى الحق عن طريق الحق وحده ، فمن جمع مالاً من ربا أو سحت أو لهوٍ حرام ليبني مسجداً ، أو يُقيم مشروعاً خيرياً ، لم يشفع له نبل قصده ، لأن الحرام في الإسلام لا تؤثر فيه المقاصد والنيات ، فالله طيب لا يقبل إلا طيباً .

اتقاء الشبهات أولى :

القاعدة التاسعة : اتقاء الشبهات أولى .

من رحمة الله تعالى بالناس أنه لم يدعهم في ظلمة من أمر الحلال والحرام ، لقد بيَّن الحلال وفصل الحرام ، قال تعالى :

 ( سورة الأنعام) .

أما الحلال البين فلا حرج في فعله ، وأما الحرام البين فلا رخصة في اتباعه ، وهناك منطقة بين الحلال البين والحرام البين ، هي منطقة الشبهات التي يلتبس بها أمر الحل بالحرمة على بعض الناس لا على كلهم ، إما لاشتباهٍ في الأدلة عليه ، أو لاشتباه في تطبيق النص على الواقعة ، وقد جعل الإسلام من الورع أن يتجنب المسلم هذه الشبهات حتى لا يجره الوقوع فيها إلى مواقعة الحرام الصرف ، قال عليه الصلاة والسلام :

 (( الحلال بيِّن والحرام بيِّن ، وبينهما أمور مشتبهات لا يدري كثير من الناس ، أمن الحلال هي أم من الحرام ، فمن تركها استبراءً لدينه وعرضه ، فقد سلم ، ومن واقع شيئاً منها يوشك أن يُواقع الحرام )) .

[رواه البخاري عن النعمان بن بشير]

10ـ الحرام حرام على الجميع :

القاعدة العاشرة : الحرام حرام على الجميع .

الحرام في شريعة الإسلام يتسم بالشمول والاطراد ، فليس هناك شيء حرام على الأعجمي حلال على العربي ، وليس هناك شيء محظور على الملون مباح للأبيض ، وليس هناك جواز أو ترخيص ممنوح لفئة من الناس ، تقترف باسمه ما طوع لها الهوى ، بل ليس للمسلم خصوصية تجعل الحرام على غيره حلالاً له ، كلا إن الله رب الجميع ، والشرع سيد الجميع ، فما أحل الله بشريعته فهو حلال للناس كافة ، وما حرَّم فهو حرام على الجميع كافة إلى يوم القيامة .

السرقة مثلاً حرام ، سواء أكان السارق ينتمي إلى المسلمين أو لا ينتمي ، وسواء أكان المسروق ينتمي إلى المسلمين أو لا ينتمي ، والجزاء لازم للسارق أياً كان نسبه أو مركزه ، وهذا ما صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلنه حينما قال :

((إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)) .

[ البخاري عن عائشة رضي الله عنها ]

11ـ ضابط الكسب الحلال :

القاعدة الحادية عشرة : حول ضابط الكسب الحلال ، هي قاعدة مهمة جداً من القاعدة العامة في الكسب ، أن الإسلام لا يُبيح لأبنائه أن يكتسبوا المال كيفما شاؤوا وبأي طرق أرادوا ، بل هو يفرِّق بين الطرق المشروعة باكتساب المعاش ، نظراً إلى المصلحة الجماعية ، وهذا التفريق يقوم على المبدأ الكلي وهو : إن جميع الطرق لاكتساب المال التي لا تحصل فيها المنفعة للفرد إلا بخسارة فرد غيره غير مشروعة ، وإن الطرق التي يتبادل فيها الأفراد المنفعة فيما بينهم بالعدل والتراضي مشروعة ، هذا المبدأ يبينه قوله تعالى :

 ( سورة النساء) .

لقد أشارت كلمة ﴿ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ـ ولم يقل الله عز وجل لا تأكلوا أموال غيركم ـ في الآية إلى حقيقة أساسية ، وهي ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون من أخوة صادقة ، ومشاركة وجدانية حانية ، يجسدها شعور المؤمن الحق أن مال أخيه هو ماله من زاوية واحدة ، وهي وجوب الحفاظ عليه وصونه من التلف والضياع ، فلأن يمتنع عن أكله بالباطل من باب أولى ، وأن مال أخيه هو ماله من زاوية ثانية ، وهي أن المؤمن إذا أكل مال أخيه أضعفه ، وفي إضعافه إضعاف لذاته ، فهو حمل عليه ، فالمؤمن إذا أكل مال أخيه فكأنما أكل ماله ، لذلك ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم :

 (( كل المسلم على المسلم حرام ، ماله ودمه وعرضه )) .

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]

 

Text Box: في الدين حقائق يجب أن تُعلم بالضرورة وهي فرض عين على كل مسلم :
:

 

هناك في الدين حقائق يجب أن تُعلم بالضرورة وهي فرض عين على كل مسلم ذكراً كان أو أنثى ، بصرف النظر عن اختصاصه العلمي ، وعمله المهني ، ودوره الاجتماعي ، وحاله النفسي ، فإن لم يعلمها شقي وهلك في الدنيا والآخرة ، حقائق يجب أن تعلم بالضرورة ، أضرب على هذا مثلاً ، حينما يهبط إنسان من طائرة بالمظلة ، هناك حقائقُ كثيرة عن المظلة ، نوع قماشها ، مساحته ، شكله ، لونه ، نوع حبالها ، أطوالها ، أقطارها ، ألوانها ، وطريقة فتح المظلة ، فقد يجهل الذي يستخدم المظلة للهبوط من الطائرة نوع قماشها ومساحته وشكله ولونه ، ونوع حبالها وأطوالها وأقطارها وألوانها ويهبط سالماً ، أما إذا جهل طريقة فتح المظلة فلا بد من أن يصل إلى الأرض ميتاً ، طريقة فتح المظلة يجب أن تُعلم بالضرورة لأي مظلي ، والحلال والحرام جزء من الدين ، وهو من أخطر أجزائه ، وهو الذي ينبغي أن يُعلم بالضرورة ، وحاجة المسلم إلى معرفة الحلال والحرام ، كحاجة المظلي إلى معرفة طريقة فتح المظلة .

إليكم هذه القصة ؛  قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعد فتح خيبر الحجاج بن علاط السلمي ، فأسلم ، وكان غنياً كثير المال ، فقال : يا رسول الله ، إن مالي عند امرأتي أم شيبة بمكة ، ومتفرق في تجار مكة ، فأذن لي يا رسول الله أن آتي مكة لآخذ مالي قبل أن يعلموا بإسلامي ، عندئذ لا أقدر على أخذ شيء منه ، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال الحجاج : يا رسول الله ، لا بد من أن أقول أي أتقول ـ أذكر ما هو خلاف الواقع ـ حتى أحتال به لأخذ ماله ، فقال عليه الصلاة والسلام لرحمته وكماله : قل ما شئت ، قال الحجاج : فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالاً من قريش يستمعون الأخبار ، ويسألون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر ، وهي من أقوى قرى الحجاز ، وهم يتجسسون الأخبار من الركبان ، وكان بينهم تراهن عظيم على مئة بعير حول من سيغلب ، أهل خيبر أم رسول الله ؟ فلما رأوا الحجاج ولم يكونوا علموا بإسلامه ، قالوا : الحجاج والله عنده الخبر اليقين ؛ يا حجاج ، إنه قد بلغنا أن القاطع ـ يقصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قد سار إلى خيبر ، فقال الحجاج : عندي من الخبر ما يسركم ، فاجتمعوا عليه يقولون إيه يا حجاج ، قال الحجاج : فقلت لهم : لم يلق محمد وأصحابه قوماً يحسنون القتل مثلهم ، فهزم هزيمةً لم يُسمع بمثلها ، وأسر محمد وقالوا : لا نقتله حتى نبعث فيه إلى مكة ، فنقتله بين أظهرهم ، بمن كان أصاب من رجالهم ، فانطلق هؤلاء الرجال فرحين أشد الفرح إلى أهل مكة ، فقيل لهم : قد جاءكم الخبر ، هذا محمد ، إنما تنتظرون أن يُقدم به عليكم فيُقتل بين أظهركم ، ثم قال لهم الحجاج : أعينوني على غرمائي أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك، فجمعوا إلي مالي على أحسن ما يكون ، ففشا ذلك بمكة وأظهر المشركون الفرح والسرور ، وانكسر من كان بمكة من المسلمين ، وسمع بذلك العباس بن عبد المطلب ، فجعل لا يستطيع أن يقوم من شدة حزنه بهذا الخبر ، ثم بعث العباس إلى الحجاج غلاماً ليقول له : يا حجاج ، الله أعلى وأجل من أن يكون الذي جئت به حقاً ، فقال الحجاج للغلام : اقرأ على أبي الفضل السلام ، وقل له : ليُخِلِ لي بعض بيوته لآتيه بالخبر على ما يسره ، واكتم عني ، فأقبل الغلام فقال : أبشر أبا الفضل فوثب العباس فرحاً كأن لم يمسه شيء ، وأخبره بذلك ، فأعتقه العباس رضي الله عنه لوجه الله ، وقال : لله علي عتق عشر رقاب على هذا الخبر السار ، فلما كان الظهر ، جاءه الحجاج ، فناشد العباس أن يكتم عنه ثلاثة أيام ، وقال : إني أخشى الطلب ، فإذا مَضَتْ ثلاثٌ فأظهر أمرك ، وطالت على العباس تلك الأيام الثلاث ، عمد العباس رضي الله عنه إلى حُلة فلبسها ، وتخلق بخلوقٍ ـ أي تطيب بنوع من الطيب ـ وأخذ بيده قضيباً ، ثم أقبل يخطر حتى أتى مجالس قريش ، وهم يقولون إذا مر بهم لا يصيبك إلا الخير يا أبا الفضل ، هذا والله من التجلد بحر المصيبة ، قال : كلا والله الذي حلفتم به ، لم يصبني إلا خير بحمد الله ، أخبرني الحجاج أن خيبر فتحها الله على يد رسوله صلى الله عليه وسلم ، وجرت فيها سهام الله وسهام رسوله ، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت ملكهم ، وإنما قال لهم ذلك ليخلص ماله منكم ، وإلا فهو ممن أسلم فرد الله الكآبة التي كانت بالمسلمين على المشركين فقال المشركون : ألا يا عباد الله ، انفلت عدو الله ـ يعنون حجاجاً ـ أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن ، ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر بذلك .

تتصل هذه القصة من زاوية واحدة من زواياها بموضوع الخطبة ، ويستنبط منها ثلاث حقائق ؛ الحقيقة الأولى تتعلق بسنة من سنن الله في خلقه ، والثانية تتعلق بخلق عظيم من أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والثالثة تتعلق بحكم فقهي في المال ، أترك لضيق الوقت للأخوة المستمعين الإجابة عن هذه الأسئلة الثلاثة .

أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن تُوزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

 

***

 

Text Box: الخــطــبـة الثانية :

 

Text Box: فوائد زيت الزيتون :
:

 

تطبيقاً لقول الله عز وجل :

 (سورة الأعراف )

إليكم هذا الموضوع العلمي : أهمل الطب الحديث البحث عما في غذاء الإنسان من فوائد وقائية ، وعلاجية ، وغذائية ، لكن في عام ألف وتسعمئة وستة وثمانين ، ظهرت أول دراسة موضوعية عن أثر زيت الزيتون في تخفيض شحوم الدم ، ثم أظهرت دراسة أخرى تبعتها ، أن أمراض شرايين القلب واحتشاء العضلة القلبية ، كانت نادرةً بل شبه معدومة في جزيرة كريت ، بسبب أن أهل هذه الجزيرة يأكلون زيت الزيتون بكميات كبيرة ، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح :

(( كلوا الزيت وادهنوا به ، فإنه يخرج من شجرة مباركة)) .

[رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب ]

يقول العلماء : زيت الزيتون أسهل أنواع الزيوت هضماً ، فيه قيمة وقائية وعلاجية وغذائية ، والأطباء الآن أجمعوا على أن هذا الزيت له تأثير علاجي عجيب ، من هذا التأثير أنه يمكن أن يُستخدم لخفض الكولسترول الضار في الإنسان ، ورفع الكولسترول النافع ، ويستخدم أيضاً لخفض الضغط المرتفع ، ويُستخدم أيضاً لمرضى السكر ، ويستخدم لوقاية الشرايين والأوعية من تصلبها ، وفيه مادة تمنع تخثر الدم وتقي الشرايين من ترسب المواد الدهنية ، ومن التحليلات الدقيقة أن مئة غرام من زيت الزيتون فيه غرام بروتينات ، وأحد عشر غرام من الدسم ، وفيه البوتاسيوم والكالسيوم والمغنيزيوم والفسفور والحديد والنحاس والكبريت ، وفيه ألياف ، وهو غني بأهم الفيتامينات المتعلقة بتركيب الخلايا ونشاطها ، والمتعلقة بالتناسل وبالعظام ، وهو غذاء جيد للدماغ ، وغذاء للأطفال ، وله تأثير في تفتيت الحصيات ؛ حصيات المرارة والمثاني ، وله أثر ملطفٌ لالتهابات الجلد ، ولبعض الأمراض الجلدية ، هذا الزيت له أثر طيب ونافع حتى في الاستعمال الخارجي والنبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يُوحى . هناك أحاديث كثيرة عن الزيت ، اخترت لكم منها هذا الحديث :

(( كلوا الزيت وادهنوا به ، فإنه يخرج من شجرة مباركة)) .

[رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب ]

يكاد بلدنا الطيب بفضل الله تعالى أن يصل إلى البلد الأول في العالم في زراعة شجرة الزيتون .

 

Text Box: تفوق الإنسان في الدين بالاستقامة والعمل الصالح :

 

ختاماً لهذه الخطبة أضع بين أيديكم الحقيقة التالية ، يتفوق الإنسان في الدين لا بحجم ثقافته الدينية ، ولا بحجم عواطفه الجياشة نحو الإسلام والمسلمين ، ولا بحجم المظاهر الدينية التي يحيط بها نفسه ، ولكن يتفوق في الدين بمدى استقامته على منهج ربه قال تعالى :

 ( سورة الحجرات الآية : 13 )

يتفوق أيضاً بحجم عمله الصالح ، الذي يعود نفعه على المسلمين بخاصة ، وعلى الإنسانية بعامة ، قال تعالى :

 ( سورة الأنعام)

هذه الاستقامة وهذا العمل الصالح لا يُقبلان عند الله في الآخرة إلا إذا بُنيا على معرفة بالله صحيحة ومتينة ، قال تعالى :

 ( سورة يونس)

قيل لأحد العارفين : " من هو الولي ، أهو  الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال : لا ، قالوا : أهو الذي يطير في الهواء ؟ قال : لا ، قال : الولي كل الولي ، الذي تجده عند الحرام والحلال " .

أن يجدك حيث أمرك ، وأن يفتقدك حيث نهاك ، وقد لفت نظري أيها الأخوة ، كلمة قالها السيد الرئيس في الاتحاد الدولي للعمال العرب في عام واحد وثمانين ، قال : " إن القريب من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو القريب بعمله ، بخلقه ، بقيمه ، بجهاده " ، هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

Text Box: الدعاء :

 

اللهم ارزقنا طيباً واستعملنا صالحاً ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .

اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونُبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين .

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى . اللهم ألف بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى . اللهم انصر المسلمين في كل مكان ، انصرهم على أعدائك أعداء الحق والخير والسلام .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi