English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الخطبة الإذاعية "46"  بتاريخ 08/ 01/ 1999  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الموضوع        :  خ1 : الاستخلاف في الأرض بين الوعد والشرط ـ خ2 : دورة القمر حول الأرض  .

تفريغ            :  الأستاذ هشام قدسي .

التدقيق           :  السيد محمد موسى حلوم والسيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره ، ومذلِّ الشرك بقهره ، ومصرِّفِ الأمور بأمره ، ومديمِ النعم بشُكره ، ومستدرِج الكافرين بمكره ، الذي قدَّر الأيامَ دولاً بعدله ، وجعل العاقبة للمتقين بفضله ، وأظهر دينه على الدين كله ، القاهرِ  فوق عباده فلا يُمانَع ، والظاهرِ على خليقته فلا يُنازَع ، والآمِر بما يشاء فلا يُراجَع ، والحاكمِ بما يُريد فلا يُدافَع ، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريك له الأحدُ الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحدٌ ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبدُه ورسولُه ، سيدُ الخلق ، وحبيبُ الحق ، سيدُ المربين وإمامُ المجاهدين ، والمبعوثُ رحمةً للعالمين ، اللهم صلِّ وسلمْ وباركْ على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابِه ، أمناءِ دعوته ، وقادةِ ألويته ، وعلى مَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، وارضَ عنا وعنهم يا ربَ العالمين.

     عباد الله ...  اتقوا الله حقَّ التقوى ، وراقبوه في السرِّ والنجوى ، فإن حقَّه سبحانه أن يُطاعَ فلا يُعصى ،  وأن يُذكرَ فلا يُنسى ، وأن يُشكرَ فلا يُكفر .

     أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ الواحد إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى(1) لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))(2) .

وقال أيضاً : المؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ نَصَحَةٌ مُتَوَادُّونَ ، وَإِنِ افْتَرَقَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ ، وَالْفَجَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَشَشَةٌ مُتَخَاذِلُونَ ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ))(3) .

 

ــــــــــــــــــــــــــ

(1) تداعى : أيْ دعا بعضُه بعضًا إلى المشاركة في الألم .( فتح الباري 10/439 ).

(2) البخاري (5665) ومسلم (2586).                           

(3) الترغيب والترهيب للمنذري(2/361) ، والبيهقي في شعب الإيمان (6/114).

 

وقال : ((والْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ))(1) .

وفي الحديث أيضًا : ((والْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، ويَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ)) (2) .

     وقال أيضًا : ((إِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ ، لاَ يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ ، فِي قِتِالٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ))(3) .

     هذا وصف دقيق مِن قِبَل مبعوثِ العنايةِ الإلهيةِ لِمَا عليه المؤمنون ، أو لِمَا ينبغي أن يكونوا عليه في شتى أقطارهم وديارهم ؛ مِن تعاونٍ ، وتناصرٍ ، وتعاطفٍ ، فهُمْ كالجسدِ الواحدِ ، نَصَحَةٌ متوادُّون ، وهمْ بنيانٌ واحد ، يشدُّ بعضُه بعضاً ، وهمْ يدٌ على مَن سواهم ، سِلمُهم واحدة ، وحربُهم واحدة ، هذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون في شتى أقطارهم وأمصارهم .

     وأوصاف المؤمنين في الكتاب والسنة مقاييسُ دقيقةٌ نقيسُ بها إيمانَنا ، أو هي أهدافٌ نضعها نصْبَ أعيننا ، وينبغي أنْ نسعى إليها 0

      فلا بدَّ للمسلمِ الصادقِ أن يحملَ همومَ إخوانِه المسلمين في مختلف أصقاعهم وأمصارهم ، ومَن لم يهتمَّ بأمر المسلمين فليس منهم ، بل إنّ تطلُّعَ المسلمِ إلى أن يكون إخوانُه في شتى أقطارهم أعزّةً كرماء ، يملكون أمرَهم ومصيرَهم لَهِيَ علامةٌ من علاماتِ إيمانه ، وإنّ حرصَ المسلم على أن يكونَ المسلمون متعاونين متناصرين لَهِيَ علامةٌ من علاماتِ إخلاصِه ، فالفرديةُ طبْعٌ ، والتعاونُ الجماعيُّ تكليفٌ ، والإنسانُ المؤمنُ يتعاونُ مع إخوانه المؤمنين بقدْرِ طاعته لله ، وينسلخُ منهم ، ويؤكِّد فرديتَه بقدْرِ تفلُّتِه مِن منهج الله ، وحينما ينهى الإنسانُ نفسَه عن خصائصِ طبعِه التي هي في الأصل تُناقِضُ التكليفَ ، ليكون هذا التناقضُ ثمناً للجنة ، وحينما ينهى الإنسانُ نفسَه عن خصائصِ طبعه ، ويحمِلُها على طاعة ربِّه يكون حينَئِذٍ قد أخَذ بسببٍ مِن أسبابِ دخولِ جنة ربه ، قال تعالى : ]وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[(4) .

     أيها الإخوة المستمعون ، أيتها الأخوات المستمعات ، قال تعالى : ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا[(5) .

ــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البخاري(467) ومسلم(2585) وغيرهما عن أبي موسى .

(2) أبو داود (2751) والنسائي(8681) وابن ماجه (3683) وأحمد (6970) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده  .

(3) انظر السيرة النبوية لابن هشام (3/33)

(4) النازعات 40-41 .                                 (5) سورة النور : الآية 55  .

 

     وقد أنجزَ اللهُ وعدَه للمؤمنين يومَ عبدوهُ حقَّ العبادةِ ، فأطاعوه ولم يعصوه ، وشكروه ولم يكفروه ، وذكَروه ولم ينسَوه ، فجعل اللهُ منهم قادةً للأمم ، بعد أنْ كانوا رعاةً للغنم ، لكنَّ الذي حدَث أنْ قَلَبَ المسلمون لدِينهم ظَهْرَ المِجَنِّ(1) ، قال الله تعالى في كتابه : ]فخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا[(2) .

     ومن دلائل نبوة النبي  eأنه وصف هذا الغيَّ الذي توَّعد اللهُ به المقصِّرين ، وبيّن أسبابه ، وكأنه صلى الله عليه وسلم بيْننا يَرى ما نَرى ، ويسمع ما نسمع ، فَعَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((يُوشِكُ الأمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ، فَقَالَ قَائِلٌ : يا رسول الله وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ(3) كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))(4) .

هذا وصف دقيق للغيِّ الذي توعّد اللهُ به المقصِّرين .

     فالأمم اليوم يدعو بعضُها بعضًا لمقاتلةِ المسلمين ، وكسرِ شوكتهم ، وسلبِ ثرواتهم ، وأخذِ أموالهم ، واغتصابِ أراضيهم ، كما تداعى الأَكَلَةُ إلى قصعتها ، يأخذون منها بلا مانع ولا منازع ، فيأكلونها عفواً وصفواً ، ويأخذون ما في أيديهم بلا تعبٍ ينالهم ، أو ضررٍ يلحقهم ، أو بأسٍ يمنعهم 0 

     فانظروا إلى هذا الوهَن الذي هو سرُّ الضعف ، الذي يعيش الناس عبيداً لدنياهم ، عشاقاً لأوضاعهم الرتيبة ، تُحرِّكهم شهواتُهم وشبهاتُهم ، وتسيِّرُهم رغائبُهم ونزواتُهم ، وهذا هو الوهَن ، حينما يكره الإنسان لقاء ربه ، ويترقب الموت كامناً في كل اتجاه ، فيفزع من الهمس ، ويألم من اللمس ، يُؤْثِر حياةً يموت فيها كلَّ يوم موتات ، على حياة كريمة عزيزة أبدية في جنة ربِّه ، فالعجبُ كل العجب أن يكون النورُ بين أيديهم ، والرائدُ نصْبَ أعينهم ، ثم هم يلحقون منهومِين بركاب الأمم الشاردة عن الله ، في نهجهم وسلوكهم ، فلا يستطيعون رشادا ، ولا يهتدون سبيلا ، وحالهم لا يعدو ما وصفَ ذلك الشاعر بقوله:

كالعِيس(5) في البيداء يقتلها الظمأُ            والماء مِنْ فوق ظهورها محمولُ

     ومن دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام ، ومن خلال إعلام الله له ، أنه ذكر ما يصيب المسلمين ـ في ــــــــــــــــــــــ

(1) قال ابن منظور في لسان العرب ، مادة جنن : [المِجَنُّ التُّرْس ، والجمع المَجانّ ، بالفتح ، وفي حديث السرقة : القطع في ثمن المِجنّ ، وهو التُّرْس ، لأنه يواري حاملَه ، أيْ يستره] ، وقال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر (1/308) : [ومنه حديثُ علي رضي الله عنه ، كتب إليَّ ابن عباس رضي الله عنهما : قَلَبْتَ لابن عمِّك ظَهْرَ المِجَنِّ " ، هذه كلمة تُضرب مثلاً لمَن كان لصاحبه على مودَّةٍ أو رعاية ، ثم حالَ عن ذلك].

(1) سورة مريم : الآية 59 .

(2) [الغثاء بالضم والمد ، ما يجيء فوق السيل مما يحمله من الزبد والوسخ وغيره] . النهاية في غريب الأثر ج: (3 / 343) .

(4) رواه أبو داود(4297) وأحمد( 22450)  .

(5) [العِيس هي الإِبِلُ البِيضُ مع شُقرةٍ يسيرة] لسان العرب ، مادة عيس.

آخر الزمان ـ من بأساء وضراء بسبب إعراضهم عن ربهم ، وتقصيرهم في طاعتهم له ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ ((أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ : لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا  أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ ، وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُ بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))(1) .

     إنها المعاصي والذنوبُ ، والمجاهرةُ بالفواحشِ والآثامِ ، والتعرُّضُ لسخطِ جبَّارِ السماواتِ والأرضِ ،  فإنه ما نزل بلاءٌ إلاّ بذنب ، ولا رُفع إلاّ بتوبة ، وإنه ما حصل البلاءُ العامُّ في بعض البلاد ، ولا وقعت المصائبُ المتنوعةُ ، والكوارثُ المروِّعة ، ولا فَشَتِ الأمراضُ المستعصيةُ التي لم يكن لها ذِكرٌ في ماضينا ، ولا حُبِسَ القطرُ من السماء ، إلاّ نتيجةَ الإعراضِ عن طاعة الله عز وجل ، وارتكابِ المعاصي ، والمجاهرةِ بالمنكرات ، وكلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماءُ السماء .

     والآن ننتقل بحضراتكم عبرَ البُعْدِ الزمانيِّ إلى السابعَ عشر من رمضان عام اثنين لهجرة النبي  e، وعبْر البُعْدِ المكانيِّ إلى بدر ، وهو مكانٌ بيْن مكةَ والمدينةِ ، جَرَتْ فيه أولُ معركةٍ بين المسلمين والمشركين ، ولننظر إلى النبي e وقد وقف أمام قَليب(2) ـ بئر مهجورة ـ طُرِحتْ فيه جثثُ القتلى مِن صناديدِ قريش ، ولنستمع إليه وهو يخاطبهم ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَكَ قَتْلَى بَدْرٍ ثَلَاثًا ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ يَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ يَا أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ يَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ أَلَيْسَ قَدْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا فَسَمِعَ عُمَرُ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَسْمَعُوا وَأَنَّى يُجِيبُوا وَقَدْ جَيَّفُوا قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ أَنْ يُجِيبُوا ثُمَّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا فَأُلْقُوا فِي قَلِيب)) (3) .

     يا لها من كلماتٍ بليغات ، تلك التي خاطب بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم القتلى مِن كفار قريش ، بَعْدَ أنْ أمرَ بطرحهم في قليبٍ ـ أي بئر ـ لدفنهم ، وذلك إثرَ انتصارِ المسلمين في أولِ مواجهةٍ لهم مع أعدائهم ، انتصروا وهم قلَّة قليلة مُستضعَفة ، على كثرة كثيرة مِن صناديد قريش ، وهم أشداءُ مستكبرون.

     لقد كان جيشُ المسلمين في بدر ضئيلَ العَدد ، قليلَ العُدد ، فأصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ــــــــــــــــــــ

(1) سنن ابن ماجه (4019).                             

(2) القليب : [البئر التي لم تُطْوَ ] لسان العرب ، مادة قلب ، وانظر النهاية لابن الأثير (4/98)  .

(3) رواه مسلم(2874) وغيره .

 

الذين خرجوا معه لا يزيدون عن ثلاثمائة ، بل يَنقصون عن ذلك ، ولكنَّ الواحدَ منهم كألْفٍ ، والألفُ مِن أعدائهم كأفٍّ ، فَهُمْ يحبُّون الموت ، كما يحب أعداؤهم الحياة ، لقد استعرض الرسولُ جيشَه كما يفعل القادةُ قُبيل المعركة ، لاستجلاء معنوياته فقال : ((أشيروا عليِّ أيها الناس .. ويعني بذلك الأنصار ، لأنهم كانوا أكثر عدداً ، فقال له سعدُ بنُ معاذ : والله فكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال : أجلْ ، فقال : قد آمنا بك وصدَّقناك ، وشهدنا أنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ ، وأعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقَنا على السمع  والطاعة لك ، فامضِ يا رسول الله لما أردتَ ، فنحن معك ، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضتَ بنا البحر فخضتَه لخضناه معك ، ما تخلَّف منا رجل واحد .. وما نكره أن تلقى بنا عدوَنا غداً وإنا لصُبُر في الحق ، صُدُق عند اللقاء ، فصِلْ حبال مَن شئت ، واقطعْ حبال مَن شئت ، وعادِ مَن شئت ، وسالم مَن شئت ، وخذ مِن أموالنا ما شئت ، وأعطِنا ما شئت ، وما أخذتَ منا كان أحبَّ إلينا ممّا تركتَ ، فلعل اللهَ يُريك منا ما تقرُّ به عينُك ، فسِرْ بنا على بركةِ الله))(1) .

     هذا نموذج مِن مقاتلِي الجيشِ عشيةَ موقعةِ بدرٍ ، إنهم على أُهْبَةِ الاستعداد للتضحية بالغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، دعماً للحقِّ ، ولدين الحقِّ ، ولرسول الحقِّ .

     وأمّا عن نوعية القيادة التي قادت جيشَ المسلمين إلى النصر عشيةَ موقعة بدر فإليكم بعضَ ما روته كتبُ السيرة : لقد كان جيشُ المسلمين ، فضلاً عن ضآلة العَدَد ، في قِلَّةٍ مِنَ العُدَد ، فليس مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحبِه سوى سبعينَ بعيراً ، والمسافةُ بين المدينة وبدرٍ تَرْبُو على مائةٍ وستين كيلو متراً ، فأعطَى النبيُّ الكريمُ صلى الله عليه وسلم توجيهاً ، بأنْ يختصَّ كلُّ ثلاثةٍ براحلة ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة ، فكان أبو لُبابة وعليُّ بن أبي طالب زميلَيْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت نوبةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أي دورُه في السير ـ فقالا له : نحن نمشي عنك ـ ليظل راكباً ـ فقال : لا .. ما أنتما بأقوى مني على السير ، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر))(2) ، فمشى النبي صلى الله عليه وسلم وصاحباه راكبان ، فهذا الذي يمشي وصاحباه يركبان هو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، وقائدُ الجيش .

     فهل تُدهِشُنا ـ بعد هذا ـ  شجاعةُ أصحابه ، وتضحياتُهم ، وإقبالُهم على الموت ، بعد أنْ سوَّى نفسَه بهم في كلِّ شيء ، وهل يُدهشنا تعلُّقهم به ، وتفانِيهم في محبَّته ، وقد كان لهم أباً رحيماً ، وأُمًّا رؤوماً(3) ، وأخاً ودوداً ، ونبياً ورسولاً ، ولقد صدق الله العظيم إذ يقول : ]وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ[ .

ــــــــــــــــــ

(1) السيرة النبوية ( 3/162) ، وكتاب الثقات لابن حبان (1/158).          (2) أخرجه الحاكم(2/100) ، وابن حبان(11/35)  عن ابن مسعود  .

(3) [الناقة رؤوم ورائمة : عاطفة على ولدها ، وأرْأَمها عليه : عطَّفها ، فتراّمتْ هي عليه تعطَّفتْ] .لسان العرب ، مادة رأم .

(4) سورة القلم : الآية 4 .

     والآن نعود بحضراتكم عبر البُعْدِ الزماني من السابع عشر من رمضان من العام الثاني للهجرة ، إلى العشرين من رمضان من العامِ التاسع عشر بعد الأربعمائة والألف ، وعبْر البعد المكاني من أرض المعركة في بدر قرب المدينة المنورة إلى فسطاط(1) المسلمين ، مدينة قرب الغوطة يقال لها دمشق ، هي خيرُ بلادِ المسلمينَ للمسلمين يومئذٍ ، والتي قال عنها سيِّدُ الخلق ، وحبيبُ الحقِّ : ((إنِّي رَأَيْتُ عَمُودَ الْكِتَابِ قَدِ انْتُزِعَ مِنْ تَحْتِ وِسَادَتِي فَأَتْبَعْتُهُ بَصَرِي فَإِذَا هُوَ نُورٌ سَاطِعٌ ، فَعُمِدَ بِهَ إِلَى الشَّامِ ، أَلاَ وَإِنَّ الإِيمَانَ إِذَا وَقَعَتْ الْفِتنُ بِالشَّامِ))(2) .

نعود بكم إلى دمشق لنتابع خطبةَ الجمعة المنقولةَ عبر الأثير 0

     أيها السادةُ الأعزاء ، هذا النصرُ المؤزَّرُ العزيزُ الذي فرِح به ويفرحُ له المؤمنون في كلِّ عَصرٍ ومَصرٍ ، والذي نحن في أمسِّ الحاجة إليه ، لأننا نواجه أعداءً ماتت في ضمائرهم ، وضمائر الذين انتخبوهم كلُّ القيمِ الإنسانية ، والأعراف الدولية ، وداسوا على حقوق الإنسان بحوافرهم ، وبَنَوْا مجدهم على أنقاض الشعوب ، وغِنَاهم على إفقارها ، وقوَّتَهم على تدمير أسلحتها 0

     إنهم يصفون المالكَ الطريدَ المشرَّدَ للأرضِ إرهابياً لا حقَّ له ، والمتمسكَ بدينه القويم أصولياً ، ويجعلون اللصَّ الغالبَ على المقدسات ربَّ بيتٍ محتَرماً ، يملكون الأرضَ لا بالإحياء الشرعي ، ولكنْ بالإماتةِ الجماعيةِ ، والقهرِ النفسيِّ ، فيا وَيْلَهُمْ ، قال تعالى : ]حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ[(3) .

     بل إنّ هؤلاء المستكبرين ربَّما طالبوا الشعوبَ المستضعفةَ أنْ يلْعَقوا جراحهم ، ويبتسموا للغاصب ، وأن يَعُدُّوا حقَّهم باطلاً ، وباطلَ غيرهم حقاً ، وفي مثل هذا يقول عليه الصلاة والسلام : ((كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَأْمُرُوا بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ تَنْهَوْا عَنْ مُنْكَرٍ؟ قَالُوا : وَكَائِنٌ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وأَشَدّ مِنْهُ سَيَكُونُ ، قَالُوا وَمَا أّشَدُّ مِنْهُ؟ قاَلَ : كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَعْرُوفَ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرَ مَعْرُوفًا ؟ قَالُوا : وَكَائِنٌ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ  ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَأشَدّ مِنهُ سَيَكُونُ ، قَالُوا : وَمَا أَشَدُّ مِنْهُ ؟ قَالَ : كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالْمُنْكَرِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ الْمَعْرُوفِ ؟ قَالُوا : وَكَائِنٌ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ وَأَشَدّ مِنْهُ سَيَكُونُ)) (4) .

     هذا النصرُ المؤزَّرُ العزيزُ ما سرُّه ؟ ومَن يصنعه ؟ وما العاملُ الحاسمُ فيه ؟ إنّه اللهُ عز وجل ،  وهذا استناداً لقوله تعالى : ]وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ[(5) .

ـــــــــــــــــــــــ

(1) الفسطاط ضَرْبٌ مِن الأبنية .[لسان العرب ، مادة فسط] .

(2) أخرجه أحمد(17810) عن عمرو بن العاص ، والحاكم في المستدرك (4/555) ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .

(3) سورة يونس : الآية 24  .

(4) أخرج نحوه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (2/330).                      (5) سورة آل عمران : الآية 126 .

وقوله : ]إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فلا غَالِبَ لَكُمْ[(1)  .

إذا كان الله معك فمن عليك ؟       وإذا كان الله عليك فمن معك؟

     والآن أليس لهذا النصرِ الذي هو مِن عند الله قواعدُ ؟ أليست له شروط ؟ أليس له ثمن ؟ .

     إن هذه القواعدَ وتلك الشروطَ وهذا الثمنَ تتلخَّص كلها بكلمتين : الإيمان والإعداد .. أمّا الإيمان فقد قال تعالى : ] وكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[(2) ، أمّا الإعداد فقال تعالى : ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[(3) .

     فالإيمان الذي يحمل صاحبَه على الاستقامة والعمل الصالح وحدَه شرطٌ لازمٌ غير كافٍ ، والإعداد الذي يستنفد الطاقاتِ وحدَه شرطٌ لازمٌ غيرُ كافٍ ، بل لابدّ مِن الإيمان الحقِّ ، والإعدادِ الصحيح 0

     إن علاقةَ الإيمان بالنصر علاقةٌ رياضيةٌ ـ أي ثابتة ـ توضِّحها الآية : ]يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[(4)  .

     يتضح من خلال هذه الآيةِ الكريمةِ أنَّ معادلةَ النصر في حالة قوّةِ الإيمان واحدٌ إلى عشَرة ، وفي حالة ضَعف الإيمان واحدٌ إلى اثنين ، وفي حالة انعدام الإيمان يكون النصر للأقوى عدداً وعُدَّةً ، وما يتبع ذلك ، ذلك أنّ المعركة بين حقَّينِ لا تكون ، لأنّ الحقَّ لا يتعدّد ، والمعركة بين حقٍّ وباطل لا تطول ، لأنّ الله مع الحقّ ، والمعركة بين باطلين لا تنتهي ، وعندئذ تحدَّثْ عن العَدَد والعُدَد ، والخطط والحيل ...0

     إن الإيمان يبدِّل طبيعةَ النفس ، ويغيّر قيمَها ومطامحَها ، ويُصعَّد ميولَها ورغباتِها ، ويخفِّف مَن متاعبِها وهمومِها ، ويُقوِّي رجاءَها وأملَها ، ويقلِّب أحزانَها أفراحًا ، ومغارمَها مغانمَ .

     تؤكِّد هذه الحقيقةَ وصيةُ سيدِنا عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه إلى سيدنا سعدِ بن أبي وقَّاص رضي الله عنه : ((أمَّا بعدُ ، فإني آمرك ومَن معك من الأجناد بتقوى الله عز وجل على كل حالٍ ، فإنّ تقوى الله أفضلُ العُدَّة على العدوِّ ، وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمُرُك ومَن معك أن تكونوا أشدَّ احتراساً مِنَ المعاصي منكم مِنْ عدوِّكم ، فإنّ ذنوبَ الجيش أخوفُ عليهم مِن عدوّهم ، فإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوةٌ ، إنّ عددَنا ليس كعددهم ، ولا عُدَّتنا كعدَّتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضلُ علينا بالقوة)) ، هذا هو الإيمان .

ـــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة آل عمران : الآية 160  .

(2) سورة الروم : الآية 47   .

(3) سورة الأنفال : الآية 60  .

(4) سورة الأنفال : الآية 65ـ66   .

     وأما الإعدادُ فهو وحده شرطٌ لازمٌ غير كاف أيضاً ، وهو أمرٌ إلهيٌّ قطعيُّ الثبوتِ ، لقوله عز وجل : ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ[(1) .

     فالمؤمنون بمجموعهم مأمورون بإعداد العُدَّة ، ليواجهوا بها قُوى البغيِ والكفرِ ، فكلمة ]مَا اسْتَطَعْتُمْ[ تعني استنفادَ الجهدِ ، لا بذلَ بعضِ الجهد ، والقوةُ التي ينبغي أن يُعدَّها المؤمنون جاءت في الآيةِ مُنكَّرة تنكيرَ شمولٍ ، ليكون الإعداد شاملاً لكل القُوى التي يحتاجها المؤمنون في مواجهة أعدائهم ؛ من قوةٍ في العَدد ، وقوةٍ في العُدد ، وقوةٍ في التدريب ، وقوةٍ في التخطيط ، وقوةٍ في الإمداد ، وقوةٍ في التموين ، وقوة في الاتصالاتٍ ، وقوة في المعلوماتٍ ، وقوةٍ في تحديدِ الأهداف ، وقوةٍ في دقةِ الرمي ، وقوةٍ في الإعلام ، بل إن كلمة " مِن " التي سبقت القوةَ جاءت لاستغراقِ أنواعِ القوةِ ، واحدةٍ إثر واحدة ، فلقد أفادت استقصاء أنواع القُوى ، لا اصطفاءَ بعضِها ، وكلمة ]وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ[ جاءت عطفاً للخاص المألوف وقتَ نزولِ القرآن على العامِ الذي يستغرق كلَّ الأزمان والبيئات ، والتطوراتِ والتحديات ، وهذا الإعدادُ يحققُ أهمَّ أهدافِه ، ولو لم تقعِ المواجهةُ مع العدو ، إنها رهبةُ القَويِّ التي تُقذَف في قلوب أعدائِه ، لقوله تعالى : ]تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ[ ، وقال تعالى : ]سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ[(2) ، وقال عليه الصلاة والسلام : ((نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسِيرةَ شَهْرٍ)) (3) .

وحينما لا تَّتبع أمتُه سُنتَه من بعده ربما تُهزم بالرعبِ مسيرةَ عام .

     بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن القوةَ كلَّ القوةِ في إحكامِ الرمي وإصابةِ الهدف ، وهو مقياس خالد للقوة ، وهو عنصر أساسي في كسبِ المعارك ، مهما اختلفت أنواعُ الأسلحة ، وتطورت مستوياتُها الفنّيةْ ، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ)) (4) .

     وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ وَالرَّامِيَ بِهِ وَمُنْبِلَهُ وَارْمُوا وَارْكَبُوا وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا لَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ إِلَّا ثَلَاثٌ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا أَوْ قَالَ كَفَرَهَا)) (5) .

     والآن ... دققوا ـ أيها الإخوة ـ في هذا الاستنباط من قوله تعالى : ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[  ، إن الله جل في عُلاه لم يكلِّفْنا أن نُعِّدَ القوةَ المكافئةَ لأعدائنا ، ولكن كلَّفنا أن نُعِدَّ القوةَ المتاحةَ ، وهذا من رحمة الله بنا ، وعلى الله أن ينجز وعده بالنصر0 

 ــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الأنفال : الآية 60  .                                  (2) سورة آل عمران : الآية 151 . 

(3) أخرجه البخاري(328) عن جابر .                          (4) رواه مسلم(1917)  .

(5) رواه الإمام أحمد(17359) في مسنده وأبو داود (2513) والنسائي(4420)  .

 

     كما أن مِن‍َ الواجبِ علينا أن نبحث في كل مظنَّةِ ضَعْفٍ عن سببِ قوةٍ كامنةٍ فيه ، ولو أخلصَ المسلمون في طلبِ ذلك لوجدوه ، ولصار الضعفُ قوةً ، لأنّ الضعفَ قد ينطوي على قوةٍ مستورةٍ يؤيِّدها اللهُ بحفظِه ورعايته ، فإذا قوةُ الضعفِ تَهُدُّ الجبال ، وتدكُّ الحصون ، قال تعالى : ]وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا[(1) .

     إن الحديثَ عن القوةِ النابعةِ من الضعفِ ليس دعوةً إلى الرضا بالضعفِ ، أو السكوتِ عليه ، بل هو دعوةٌ إلى استشعار القوة حتى في حالة الضعف ، وربما صحَّت الأجسامُ بالعلل ، فينتزع المسلمون من هذا الضعف قوةً تحيل قوةَ عدوّهم ضعفاً ، وينصرهم اللهُ نصراً مبيناً ، قال تعالى : ]وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ[(2) .

هذه الحقائقُ المستنبَطةُ من القرآن الكريمِ هي منهجُ الله لخلقِه ، وتلك التوجيهاتُ التفصيليةُ والتوضيحيةُ التي جاءت في سنةُ نبيِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وهذه المواقفُ الأخلاقيةُ الرائعةُ والحكيمةْ التي وقفها المصطفى صلى الله عليه وسلم أسوتُنا وقدوتُنا ، وتلك البطولاتُ الفذَّةُ التي ظهرت من أصحابه الكرامِ ، أمناءِ دعوتِه ، وقادةِ ألويته ، هذه كلُّها نضعها بين أيدي أبناءِ أمتِنا العربيةِ والإسلاميةِ ، وهي تخوض المعاركَ تِلوَ المعاركِ مع أعدائها أعداءِ الحق والخيرِ .

     ولأنَّ البكاءَ لا يُحيي الميتَ ، ولأن الأسف لا يَردُّ الفائتَ ، ولأن الحزنَ لا يدفعُ المصيبة ، ولكنَّ العملَ مفتاحُ النجاحِ ، والصدقَ والإخلاصَ مع متابعةِ الرسول صلى الله عليه وسلم هيَ سُلَّمٌ للفلاح ، قال تعالى : ]وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُه وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُردُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[(3) .

     هذه الحقيقةُ الأساسيةُ أشار إليها السيدُ الرئيسُ في مؤتمر القِمة الإسلامي الثاني فقال : ( يواجِهُ العالمُ الإسلاميُ اليومَ تحدياتٍ كبيرةً تستهدفُ الإسلامَ وما يمثِّلُه من قيمٍ نبيلةٍ ، وما يدعو إليه من أخوّةٍ وعدالةٍ ومساواةٍ وحرية ، وإذا كان من واجبنا أن ندافعَ عن ديننِا فإنّ لنا فيه يَنبوعَ قوةٍ ومصدرَ إلهام في مواجهةِ كلِّ ما يقابلُنا من أخطارٍ وتحدياتٍ ، وقد جاء في الحديث الشريف : ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ)) (4) .

     وأما السلامُ الذي نُدعى إليه ؛ فنحن حريصون عليه ، راغبونَ فيه على أن يكون سلاماً عادلاً ، تُسترجَع قبلَه الأرضُ ، وتُستردُّ فيه الحقوقُ ، وتتوافرُ فيه الكرامة 0

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الفتح : الآية 7  .                 (2) سورة القصص : الآية 5  .

(3) سورة التوبة : الآية 105 .             (4) أخرجه البخاري(466) ومسلم(2585) وغيرهما .

 

        وإن تعنُتَ إسرائيلَ أوصَلَ عمليةَ السلام إلى طريقٍ مسدودٍ ، كما قال السيدُ الرئيسُ ، فهي ترفض رفضاً مطلقاً كلَّ مقومات السلامِ ، وتنهج نهجَ المراوغةِ والخداعِ ، وتستفزّ الضميرَ الإسلاميَ والعربيَ والإنسانيَ بإنشاءِ مزيدٍ من المستوطناتِ ، ويضيف السيدُ الرئيسُ قائلاً : (إن الخلاص يكون في الإسلام الذي عندما كنا متمسكينَ به لم يستطع أحدٌ أن يُذلَّنا ، الإسلام دين الحق والعدالة والمساواةِ بين البشر ، الإسلام مصدُر قوةٍ لنا جميعاً ، إن هذا يفرِض علينا أن نناضلَ بكل قِوانا وبصدقٍ و إخلاصٍ لحماية الدين الحنيفِ من هذه المؤامراتِ الاستعماريةِ ، لنحفظ له مهابتَه وجلالَه ، وليبقى مصدرَ عزةٍ و قوةٍ للمسلمين ، و ليبقى حافزاً لتقدُّمِهم في كل مجال) .

الموضوع العلمي

     يقول الله تعالى في كتابه العزيز : ]يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهَ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ[(1) .

     إنّ القرآن يخاطب أناساً يعتمدون السَنَةَ القمَريةَ ، فالقمرُ يدور حول الأرض كلَّ شهر دورةً ، فلو قِسنا بُعْدَ مركزِه عن مركزِ الأرض ، أي نصفَ قطرِ الدائرةِ التي هي مسارُ القمرِ حولَ الأرضِ ، وحسبْنا محيطَ هذه الدائرة بعد معرفةِ نصفِ قُطرِها ، لعرفنا عددَ الكيلو مترات التي يقطعها القمرُ في دورته حولَ الأرض كلَّ شهر، ولو أخذنا طولَ محيطِ هذه الدائرة ، وضربْناه في اثني عشر شهراً ، لعرفنا كم يقطعُ القمرُ من الكيلومترات في رحلته حول الأرض في العامِ ، هذه الكيلو مترات التي يقطعها القمرُ في رحلته حول الأرض في العام لو ضربناها في ألف ، لعرفنا كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في ألفِ عام ، هذا الرقم يساوي المسافةَ مقدرةً بالكيلو مترات التي يقطعها القمرُ في رحلته حول الأرضِ في ألف عام ، ]فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ[(2)  .

     فما يقطعه القمر في ألفِ عام يقطعه الضوءُ في يوم ، بدليلِ أنّنا لو قَسمنا ما يقطعه القمرُ في رحلته حول الأرض في ألف عام وهي المسافة على ثواني اليوم ، وهي أربعةٌ وعشرون ساعة ، تُضرَب في ستين ، ضرب ستين ، (24×60×60) ، وهي الزمن ، ولو قسمنا المسافة على الزمن لظهر معنا الرقم التالي ، وهو مائتان وتسعٌ وتسعونَ ألفاً وسبعمائة واثنانِ وتسعونَ كيلومترًا ونصف كيلومتر ، وهذه النتيجة تتفقُ تماماً مع سرعة الضوءْ المعلنةِ دولياً ، طبقاً لبيان المؤتمر الدولي المنعقدِ في باريسَ ، وسرعةُ الضوء هي أهمُّ قانون عرفتهُ البشرية في القرن العشرين ، وهذه السرعةُ هي أعلى سرعةٍ في الكون ، فالشيءُ إذَا ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة السجدة : الآية 5 .                 (2) سورة السجدة : مِنَ الآية 5

 

سار بسرعة الضوءِ أصبح ضوءاً ، وأصبحت كتلتُه صفراً ، وحجمُه لا نهائياً ، وعندئذ يتوقف الزمنُ ، فإذا سارَ الجسمُ أسرعَ من الضوء تراجع الزمنُ ، فإذا قصَّر عن الضوء تراخى الزمن .

     فالمسافة التي يقطعها القمرُ في مداره الخاص حول الأرض في ألف سنةٍ قمريةٍ تساوي المسافةَ التي يقطعها الضوءُ في يوم أرضي واحد ، وهذه هي النظرية النسبية التي يتيه الغرب بها 0

الدعاء

     اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين ، وأذلَّ الشرك والمشركين ، ودمر أعداءك أعداء الدينِ ، واجعل هذا البلد آمناً مطمئنا ، وسائر بلاد المسلمين ، اللهم انصر من نصر الدين ، واخذُل من خذل عبادك المؤمنين ، الله فرّج همَّ المهمومين ،  ونفّثْ كرب المكروبين ، واقضِ الدين عن المدينين ، وفكَّ أسر المأسورين ، وأحسن خلاص المسجونين ، واشف مرضانا ومرضى المسلمين ، برحمتك يا أرحم الراحمين 0

 اللهم انصرنا نصراً عزيزاً مؤزراً ، وارزقنا فتحاً قريباً مبينـــاً ، وارزقنا يقيناً بأنه لا فعّال ولا ناصر في الأرض إلا أنت .

  اللهم انصرنا على أنفسنا ، حتى ننتصر لك ، فنستحق أن تنصرنا على أعداءنا ، لأنك قلت وقولك الحق ، ولينصرن الله من ينصره ، إن الله لقوي عزيز .

  اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وأفرغ علينا صبراً ، وثبت أقدامنا ، وانصرنا على القوم الكافرين .

  اللهم بارك لنا فيما بقي من شهر رمضان وأعنا فيه على الصيام والقيام وغضّ البصر وحفظ اللسان .

  اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين ، يا رب العالمين 0

   اللهم أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام  وأعز المسلمين .

   اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر.

   اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا ، وولاة أمورنا ، واجعل ولايتنا في من خافك واتّقاك ، واتّبع رضاك ... يا رب العالمين .

   اللهم وفّق ولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحبه وترضى ، اللهم ألّف بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى ، والحمد لله رب العالمين .

***

Copyright © 2007 Nabulsi