English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الخطبة الإذاعية : 52 : بتاريخ 20/10/2000 : خ 1 : الإسراء والمعراج ـ خ2 : آيات تملأ القلب طمأنينة وثقة بنصر الله ـ لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله رب العالمين ، يا رب قد عجز الطبيب فداوِنا ، يا رب قد عمَّ الفساد فنجِّنا ، يا رب قلتْ حيلتُنا فتولَّنا ، ارفع مقتك وغضبك عنا ، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ولا تعاملنا بما فعل السفهاء منا ، توفّنا وأنت راضٍ عنا ، غير فاتنين ولا مفتونين ، اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وأصلح قلوبنا ، وارحم ضعفنا ، وتولَّ أمرنا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، غافر الذنب ، وقابل التوب ، شديد العقاب ، ذي الطول ، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، وينادي إذا كان ثلث الليل الأخير هل من تائب فأتوبَ عليه ؟ هل مِن مستغفر فأغفرَ له ؟ هل من سائل فأعطيَه ؟ هل من طالب حاجة فأقضيَها له ؟ ويقول : عبدي لا تعجز ، منك الدعاء وعليَّ الاستجابة ، منك الاستغفار وعليّ المغفرة ، منك التوبة وعليّ القبول ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، خير نبي اجتباه ، وللعالمين أرسله ، زكّى الله عقله فقال :

 ( سورة النجم  )

وزكّى لسانه فقال :

 ( سورة النجم  )

وزكّى شرعه فقال :

 ( سورة النجم  )

وزكّى جليسه فقال :

 (سورة النجم)

وزكَّى فؤاده فقال :

 (سورة النجم)

وزكَّى بصره فقال :

 ( سورة النجم ) .

وزكَّاه كلَّه فقال :

 ( سورة القلم ) .

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، رهبان الليل ، فرسان النهار ، بَلَغوا من العلم والعمل شأْواً ، حتى إن أحدهم قال : (( والله لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً ، ولو علمتُ أن غداً أجلي ما قدرتُ أن أزيد في عملي )) .  

[حاشية السِّنْدي على سنن النسائي مِن قول عليٍّ]                    

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير .   

 

Text Box: معجزة الإسراء والمعراج حدثٌ ضخم من أحداث الدعوة الإسلامية :

 

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، موضوع الخطبة اليوم : ماذا يعلِّمنا الإسراء والمعراج ونحن في ذكرى الإسراء والمعراج ؟

أيها الأخوة الأكارم ، معجزة الإسراء والمعراج حدثٌ ضخم من أحداث الدعوة الإسلامية سبقته البعثة ، وجاءت من بعده الهجرة ، لقد كان مسحاً لجراح الماضي ، وتثبيتاً لقلب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وتبشيراً له بالمستقبل ، وتعويضاً عن جفوة الأرض بحفاوة السماء ، وعن قسوة الناس بتكريم الملأ الأعلى ، وإشعاراً للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّ الله معه بالرعاية والعناية ، وتكريماً فريداً له مِن دون الأنبياء ، وتعريفاً له بأنه سيد ولد آدم ، وسيد الأنبياء والمرسلين ، وإراءةً له لملكوت الأرض والسماوات ، ولما تؤول إليه الخلائق بعد الممات .

أيها الأخوة الأحباب ، لقد كان الإسراءُ والمعراج تكريماً عظيماً للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولكنْ بعد نجاحٍ باهرٍ في امتحان صعب ، فماذا هذا الامتحان الصعب الذي اجتازه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى استحق هذا التكريم الفريد ؟ إنه امتحان الطائف .

أيها الأخوة المؤمنون ، إنَّ ما لاقاه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مختلف ألوان المحن ، ولا سيما هذا الذي رآه في ذهابه إلى الطائف ، إنما كان مِن جملة أعماله التبليغية للناس ، فكما أنّ النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء يبلِّغنا العقيدة الصحيحة عن الكون وخالقه ، وعن الحياة وحقيقتها ، وعن الإنسان ورسالته ، وعن أحكام العبادات والمعاملات ، وعن مكارم الأخلاق كذلك جاء ليبلِّغ الناسَ عن طريق السلوك العملي أنّ الله كلّفهم بالصبر والمصابرة ، والبذل والمثابرة ، فكما أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَّم الناس بأقواله ، كذلك علَّمهم بأفعاله ، وكما أنّه قال للناس :

(( وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ))  .

[أخرجه البخاري عن مالك بن الحوريث]

و :

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ ))  .

[أخرجه النسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

كذلك قال لهم بلسان حاله : اصبروا كما رأيتموني أصبر ، ونحن بأمَسِّ الحاجة إلى هذا الدرس البليغ ، اصبروا كما رأيتموني أصبر .

 

Text Box: الشكوى إلى الله تعالى أعلى أنواع التعبد :

 

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة الإسلام ، ليس بين الصبر على الشدائد والتضرع إلى الله تعالى بالشكوى أو الدعاء أي تعارض أو تناقض ، فالشكوى إلى الله تعالى تعبد وأي أنواع التعبد ، إنه أعلى أنواع التعبد ، قال تعالى :

 

 ( سورة يوسف)

إنّ الضراعة له ، والتذلل على بابه عزَّ وجل يُلْبِسُ العبدَ جلبابَ العبودية ، ولقد علَّمنا النبيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته كلا الأمرين ، فكان بصبره الشديدِ على المصائب والمحن يعلِّمنا أنّه على المسلمين عامةً وعلى الدعاة خاصةً أن يصبروا ، وأن يصابروا ، وكان بطول دعاءه ، وضراعته ، والتجائه إلى الله تعالى يعلِّمنا أنّ هذا من لوازم العبوديةِ لله عز وجل ، وهل مِن دعاء أكثرَ دلالة على عبودية النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن هذا الدعاء الذي دعاه في الطائف :

((اللهم إني أشكو إليك ضعفَ قوتي ، وقِلَّةَ حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى مَن تكلني ، إلى بعيدٍ يتجهَّمني ، أم إلى عدو ملَّكته أمري ، إنْ لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي ، ولكن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك التي أشرقتْ له الظلمات ، وصلُح عليه أمرُ الدنيا والآخرة ، مِن أنْ تنزلَ بيَ غضبك ، أو أن تحلّ عليّ سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله)) .

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن جعفر]

أيها الأخوة الأكارم ، حقيقة خطيرة ، وهي أنّ النفسَ الإنسانية مجبولةٌ في أصل فطرتها على الإحساس والشعور ، الشعورِ بلذة النعيم ، والشعورِ بألم العذاب ، فهي مجبولة على الركونِ إلى الأول ، والفزعِ من الثاني ، وحينما يوطِّن الإنسانُ نفسَه على تحمُّل كلِّ أنواعِ الضرِّ والعذاب ، وهو يؤدِّي رسالةَ ربه ، مبتغياً بهذا وجهَه ورضوانَه ، لا يعني هذا أنه لا يتألّم للضرِّ ، ولا يستريح للنعيم ، فالنفسُ مهما تسامتْ لا تخرج عن دائرة بشريَّتها ، ولكن حينما يفضِّل الإنسانُ الضرَّ مهما تكن آلامُه على النعيم مهما تكن لذائُذه إرضاءً لوجه ربه ، وأداءً للرسالة التي أُنِيطتْ به ، عندئذٍ يستحق جنةَ ربِّه إلى أبد الآبدين ، حيث يجد فيها ما لا عينٌ رأيت ، ولا أذنٌ سمعتْ ، ولا خطرَ على قلبِ بَشَرٍ ، ولولا أنّ النبيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ تجري عليه كلُّ خصائصِ البشرِ لَمَا كانَ سيِّدَ البشر .

 

Text Box: ما الإسراءُ والمعراجُ في حقيقته إلا ردٌّ إلهيٌّ تكريماً على المحنة القاسية :

 

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، حينما يتأملُ الإنسانُ في سيرة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع قومه يجد أنه لاقى مِن أذى قومه ما لا يحتمله بَشَرٌ على الإطلاق ، بَيْدَ أنّ الإنسانَ يجِدُ أيضاً مع كل نوع من أنواع الأذى ، ومع كلِّ مرحلة من مراحله رداً إلهيّاً على هذا الإيذاء ، مواساةً وتبشيراً وتكريماً وتأييداً ، حتى لا يتجمَّع في النفس من عوامل التألم والضجر ما قد يُدخِلُ إليها اليأسَ ، وما الإسراءُ والمعراجُ في حقيقته إلا ردٌّ إلهيٌّ تكريماً على المحنة القاسية التي كشفتْ حقيقةَ الحرصِ النبويِّ على هداية الخلق ، وكشفتْ صبرَه الجميل على إيذائهم ، وموقفَه النبيلَ والرحيمَ منهم ، حينما عَرَضَ عليه مَلَكُ الجبال أن يُطْبِقَ عليهم الجبلين ، وهو الردُّ الإلهيُّ على دعائه في الطائف ، ولعل معنى قوله تعالى في آخر آية الإسراء :

 ( سورة يوسف )

أي سمِع اللهُ دعاءك يا محمد في الطائف ، وعَلِمَ منك حرصَك على هداية قومك الذين بالغوا في الإساءة إليك .

أيها الأخوة الأكارم في دنيا العروبة الإسلام ، هذا هو الدرس الأول ، أمّا الدرس الثاني فعندما سأله زيد بن حارثة متعجباً : يا رسول الله كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ فأجابه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً ، وإنَّ اللهَ ناصرٌ نبيَّه ، ومظهِرٌ دينَه ، فما كان الله ليتخلى عن دينه ، ولا عن نبيه ، ولا عن المؤمنين ، مهما بدت هجمة أعداء الدين قويةً وشاملةً ، فالباطل عقيدة أو قوةً إلى انهيار محقَّق قال تعالى:

 ( سورة الإسراء  )

 

Text Box: دروس الإسراء والمعراج تعلِّمنا أنَّ للمحن والمصائب حِكماً جليلة :
:

 

مَن ظنَّ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى لا ينصر رسلَه ، ولا يتمّ أمرَه ، ولا يؤيِّد جندَه ، ولا يعليهم ، ولا يظهرهم على أعدائهم ، وأنه لا ينصر دينه وكتابه ، مَن ظنَّ ذلك فقد ظنَّ بالله ظنَّ السوء ، ونسبه إلى ما لا يليق بكماله وجلاله ، وأسمائه الحسنى ، وصفاته الفضلى ، فإنَّ عزَّته وحكمتَه تأبى ذلك ، ويأبى أن يذلّ أولياءه ، وأنْ يكون النصرُ المستقر والظفر الدائم لأعدائه ، فمن ظن به ذلك فما عرفه ، ولا عرف أسمائه ، ولا عرف صفاته ، سبحانك إنه لا يذلّ من واليت ، ولا يعزّ من عاديت .

أيها الأخوة المؤمنون حضوراً ومستمعين ، ليس القرآنُ كتابَ تاريخٍ ، يروي سيرَ الأنبياء والمرسلين وقصص والأقوام السابقين فحسب ، ولكنه كتابُ هدايةٍ وتعليم ، يقصّ علينا قصصَ الأنبياء والمرسلين ، وهم قِمَمُ البشر ، لنهتدي بدعوتهم ، ونقتدي بسيرتهم ، ويروي لنا أيضاً قصصَ الأممِ السابقة الذين كذّبوا أنبياءهم ، وعاندوا رسلهم ، واعتدوا على بني جلدتهم فاستحقوا غضبَ الله ، فأهلكهم الله بذنوبهم ، وذاقوا وبالَ أمرهم ، لنجتنبَ أسبابَ هلاكهم ودمارهم .

ماذا يعلُّمنا الإسراءُ والمعراجُ ؟ وقائعُه معروفةٌ عندكم ، إنَّ دروس الإسراء والمعراج تعلِّمنا أنَّ للمحن والمصائب حِكماً جليلة ؛ منها أنها تسوق أصحابَها إلى باب الله تعالى ، وتُلبِسهم رداءَ العبودية ، وتلجئهم إلى طلب العون من الله ، إنها تعلِّمنا أنه لا ينبغي أن تصدَّنا المحنُ والعقباتُ عن متابعة السير في استقامة وثبات ، إنها تعلِّمنا أنه ما دام اللهُ هو الآمرُ فلا شكَّ أنَّه هو الضامنُ والحافظُ والناصرُ ، إنَّها تعلِّمنا أنه لولا الجهادُ والصبرُ ما عُبِدَ اللهُ في الأرض ، ولا انتشرَ الإسلامِ في الخافقَيْن ، ولا كنّا في هذا المكان ، وعلى أمواج الأثير نوحِّد اللهَ ، ونسبِّحه ، وندعو إليه ، إنها تعلِّمنا أن اليسرَ مع العسر ، وأنَّ النصرَ مع الصبر ، وأن الفرَجَ مع الكرب ، إنّها تعلِّمنا أيضاً أنّه لا يعدُّ المسلمُ مسلماً إلا إذا انتمى إلى مجموع المسلمين ، وحَمَلَ همومَهم ، وساهَم بشكل أو بآخر في ردِّ العدوان عنهم .

 

Text Box: أحاديث شريفة تبين ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون :

 

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْواً تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))   .

[متفق عليه عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

وقال أيضاً :

 ((المُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ لِبِعْضِهِمْ نَصَحَةٌ مُتَوَادُّونَ وَإِنِ افْتَرَقَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ  ، وَالْفَجَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَشَشَةٌ مُتَخَاذِلُونَ ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ)) .

[أبو الشيخ ابن حبان في كتاب التوبيخ والبيهقي في الشعب عن أنس]

وعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

 ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ))  .

[متفق عليه عَنْ أَبِي مُوسَى ]

وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ))   .

[أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

ومن أروع الأحاديث قال عليه الصلاة والسلام :

((إِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ ، لاَ يُسَالِمُ الْمُؤْمِنُ دُونَ الْمُؤْمِنِ فِي قِتِالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ)) .

                        [سيرة ابن هشام]

هذه نقطة مهمة جداً في قانون المسلمين الدولي ، إن سِلْمَ المؤمنين واحدة ، لا يسالِم مؤمنٌ دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواءٍ وعدلٍ بينهم ، فلا يحق لفئة أن تصطلح مع عدو بشكل انفرادي ، هذا وصف دقيق من قبل مبعوث العناية الإلهية لما هم عليه المؤمنون أو لما ينبغي أن يكونوا عليه ، في شتى أقطارهم وديارهم ، من تعاون وتناصر وتعاطف ، فهم كالجسد الواحد نصحة متوادون ، وهم بنيان واحد يشد بعضهم بعضاً ، هم يد على من سواهم ، سلمهم واحدة وحربهم واحدة ، هذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون في شتى أقطارهم وأنصارهم .

 

Text Box: أوصاف المؤمنين في الكتاب والسنة مقاييس دقيقة نقيس بها إيماننا :

 

أيها الأخوة الأكارم ، أوصاف المؤمنين في الكتاب والسنة مقاييس دقيقة ، نقيس بها إيماننا ، أو هي أهداف نضعها نصب أعيننا ينبغي أن نسعى إليها ، فلابدّ للمسلم الصادق من أن يحمل هموم المسلمين في مختلف أصقاعهم وأنصارهم ، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، بل إنَّ تطلعَ المسلم إلى أنْ يكون المسلمون في شتّى أقطارهم أعزةً كرماء ، يملكون أمرهم ومصيرهم ، لهي علامةٌ من علامات إيمانه ، وإنّ حرصَ المسلم على أنْ يكون المسلمون متعاونين متناصرين لهي علامةٌ مِن علاماتِ إخلاصه ، فالفرديةُ طبعٌ ، والتعاملُ الاجتماعيُّ تكليفٌ ، والإنسانُ المؤمن يتعاون مع إخوته المؤمنين بقدر طاعته لله ، وينسلخ منهم ويؤكِّد فرديَّته بقدر تفلُّته مِن منهج الله ، وحينما ينهى الإنسانُ نفسَه عن خصائصِ طبعِه التي هي في الأصل تُنَاقِضُ التكليفَ ليكون هذا التناقضُ مع التكليف ثمناً للجنة ، وحينما ينهى الإنسانُ نفسَه عن خصائص طبعه ، ويحملها على طاعة ربه ، يكون قد أخذ بسببٍ مِن أسباب الجنة ، قال تعالى :

 ( سورة النازعات )

أيها الأخوة المستمعون ، أيتها الأخوات المستمعات ، قال تعالى :

 ( سورة النور الآية : 55 ) .

قال بعضهم : " فإنْ لم يمكِّنهم فمعنى ذلك أنَّ دينَهم لم يرتضِه لهم " ، ﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾ .     

 

Text Box: بعض من دلائل نبوة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

 

لقد أنجز الله وعده للمؤمنين يوم عبدوه حق العبادة ، فأطاعوه ولم يعصوه ، وشكروه ولم يكفروه ، وذكروه ولم ينسوه ، فجعل الله منهم قادةً للأمم بعد أن كانوا رعاة للغنم ثم ماذا كان ؟

1ـ وصف الغي الذي توعد الله به المقصرين وبيّن أسبابه :

قال تعالى :

 ( سورة مريم )

مِن دلائل نبوة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه وصف هذا الغي الذي توعد الله به المقصرين وبين أسبابه ، وكأنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيننا يرى ما نرى ، ويسمع ما نسمع ، فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

 ((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ، فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا ، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))  .

                          [أخرجه أبو داود وأحمد عن ثوبان]

هذا وصف دقيق للغي الذي توعد الله به المقصرين ، فالأمم اليوم تدعو بعضها بعضاً لمقاتلة المسلمين ، وكسر شوكتهم ، وسلب ثرواتهم ، وأخذ أموالهم ، واغتصاب أراضيهم ـ  كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ـ يأخذون منها بلا مانع ولا منازع ، فيأكلونها عفواً وصفواً ، يأخذون ما في أيديهم بلا تعب ينالهم ، أو ضرر يلحقهم ، أو بأس يمنعهم ، فانظروا إلى هذا الوهن الذي هو سر الضعف ، فالناس الشاردون الغافلون عن الله يعيشون عبيداً لدنياهم ، عشاقاً لأوضاعهم الرتيبة ، تحركهم شهواتهم وشبهاتهم ، تسيِّرهم رغائبهم ونزواتهم ، وهذا هو الوهن ، وحينما يكره الإنسان لقاء ربه ويخاف الموت كامناً في كل اتجاه فيفزع من الهمس ، ويألم من اللمس ، يؤثر حياةً يموت فيها كل يومٍ موتات على حياة كريمة عزيزة في كنف رب الأرض والسماوات ، فالعجب كل العجب أن يكون النور بين أيديهم  والرائد نصب أعينهم ، ثم هم يلحقون لاهفين بركاب الأمم الشاردة المنحلة في نهجهم وسلوكهم ، فلا يستطيعون رشاداً ولا يهتدون سبيلاً ، وحالهم :

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ                            والماء فوق ظهورها محمول

*    *    *

2ـ ذكر ما يصيب المسلمين في آخر الزمان من بأساء وضراء بسبب إعراضهم عن ربهم :

ومن دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، ومن خلال إعلام الله له أنه ذكر ما يصيب المسلمين في آخر الزمان من بأساء وضراء بسبب إعراضهم عن ربهم ، وتقصيرهم في طاعتهم له ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ؛ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))   .

[ابن ماجه والبيهقي في شعب الإيمان َعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

إنها المعاصي والذنوب ، والمجاهرة بالفواحش والعيوب ، والتعرض لسخط جبار السماوات والأرض ، فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا رفع إلا بتوبة :

 ( سورة الرعد الآية : 11 )

وإنه ما حصل البلاء العام في بعض البلاد ، ولا وقعت المصائب المتنوعة ، والكوارث المروعة ، ولا فشت الأمراض المستعصية التي لم يكن لها ذكر في ماضينا ، ولا حُبِسَ القطر من السماء إلا نتيجة الإعراض عن طاعة الله عز وجل ، وارتكاب المعاصي ، والمجاهرة بالمنكرات ، وكلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماءُ السماء .

 

Text Box: حاجتنا الشديدة إلى النصر المؤزَّر الذي يفرح له المؤمنون في كل عصر ومصر :
:

 

أيها السادة الأعزاء ، النصر المؤزَّر العزيز الذي يفرح له المؤمنون في كل عصر ومصر ، ونحن في أمس الحاجة إليه لأننا نواجه أعداءً ماتت في ضمائرهم وضمائر الذين انتخبوهم كل القيم الإنسانية والأعراف الدولية ، وداسوا على حقوق الإنسان بحوافرهم ، وبنوا مجدهم على أنقاض الشعوب ، وغناهم على إفقارهم ، وقوتهم على تدمير أسلحتها ، إنهم يصفون المالِكَ للأرض الطريدَ المشرَّدَ إرهابياً لا حقَّ له ، والمتمسكَ بدينه القويم أصولياً ، ويجعلون اللصَّ الغالبَ على المقدسات ربَّ بيتٍ محترماً ، يملكون الأرضَ لا بالإحياء الشرعيّ ولكن بالإماتة الجماعية والقهر النفسي ، قال تعالى :

 ( سورة يونس )

هؤلاء المستكبرون ربما طالبوا الشعوب المستضعفة أن تلعق جراحها ، وأن تبتسم للغاصب ، وأن تعد حقها باطلاً ، وباطل غيرها حقاً ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((  كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون . قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟ ـ تبدلت القيم ـ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون ))  .

 [أخرجه ابن أبي حاتم في العلل عن أبي أمامة]

 

Text Box: النصر المؤزر لا يتحقق إلا بالإيمان والإعداد :

 

أيها الأخوة الكرام ، هذا النصر المؤزر العزيز ما سرُّه ؟ من يصنعه ؟ ما العامل الحاسم فيه ؟ إنه الله عز وجل ، وهذا استناداً إلى قوله تعالى :

 

 ( سورة آل عمران الآية : 126 )

وقوله تعالى :

 ( سورة آل عمران الآية : 160 )

أي إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ أيها الأخوة الكرام ، أليس لهذا النصر الذي هو من عند الله قواعد ؟ أليست له شروط ؟ أليس له ثمن ؟ إن هذه القواعد ، وتلك الشروط ، وهذا الثمن يتلخص بكلمتين اثنتين ، الإيمان والإعداد ، فأمّا الإيمان فقد قال تعالى :

 ( سورة الروم الآية : 47 )

وأمّا الإعداد فقال عز وجل :

 ( سورة الأنفال الآية : 60 )

 

Text Box: الله تعالى لم يكلفنا أن نعد القوة المكافئة لأعدائنا ولكن كلفنا أن نعد القوة المتاحة :

 

الإيمان الحق أيها الأخوة هو الذي يحمل صاحبه على طاعة الله والعمل الصالح، والإيمان وحده شرط لازم غير كافٍ . والشيء الثاني : هو الإعداد ، والإعداد هو الذي يستنفد الطاقات ، وهو أيضاً وحده شرط لازم غير كافٍ ، لا بد من الإيمان الحق ، والإعداد الصحيح . الآن دققوا في هذا الاستنباط من قوله تعالى :

 ( سورة الأنفال الآية : 60 )

إن الله جلا في علاه لم يكلفنا أن نعد القوة المكافئة لأعدائنا ، ولكن كلفنا أن نعد القوة المتاحة وهذا من رحمة الله بنا ، وعلى الله أن ينجز وعده بالنصر ، كما أن من الواجب علينا أن نبحث في كل مظنة ضعف عن سبب قوة كامنة فيه ، ولو أخلص المسلمون في طلب ذلك لوجدوه ، ولصار الضعف قوة ، لأن الضعف ينطوي على قوة مستورة يؤيدها الله في حفظه ورعايته ، فإذا قوة الضعف تهد الجبال وتدق الحصون ، قال تعالى :

 

 ( سورة الفتح )

أيها الأخوة الأحباب ، إن الحديث عن القوة النابعة من الضعف ليس دعوة إلى الرضى بالضعف ، أو السكوت عليه ، بل هو دعوة لاستشعار القوة حتى في حالة الضعف ، وربما صحت الأجسام بالعلل ، فينتزع المسلمون من هذا الضعف قوةً تحيل قوة عدوهم ضعفاً وينصرهم الله نصراً مبيناً ، قال تعالى :

 

 ( سورة القصص)

 

Text Box: الصدق والإخلاص مع متابعة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو سلم الفلاح :

 

أيها الأخوة الأحباب ، هذه الحقائق المستنبطة من القرآن الكريم ، منهج الله لخلقه، وتلك التوجيهات التفصيلية والتوضيحية التي جاءت بها سنة نبينا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهذه المواقف الأخلاقية الرائعة والحكيمة التي وقفها المصطفى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسوتنا وقدوتنا ، وتلك البطولات الفذة التي ظهرت من أصحابه الكرام أمناء دعوته وقادة ألويته ، هذه كلها نضعها بين أيدي أبناء أمتنا العربية والإسلامية ، وهي تخوض المعارك تلو المعارك مع أعداءها أعداء الحق والخير ، ولأن البكاء وحده لا يحيي الميت ، ولأن الأسف وحده لا يرد الفائت ، ولأن الحزن وحده لا يدفع المصيبة ، ولكن العمل مفتاح النجاح ، والصدق والإخلاص مع متابعة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو سلم الفلاح ، قال الله تعالى :

 ( سورة القصص )

أيها الأخوة المؤمنون ، في الإسلام تشريع ومعاملات ، ولكن المقصود منها تنظيم حياة الناس حتى يستريحوا ويبرؤوا من الصراع على المتاع الأدنى ، ويفرغوا لمعرفة الله تعالى وعبادته ، والسعي لمرضاته ، وفي الإسلام حث على المشي في مناكب الأرض ، والأكل من طيباتها ، ليكون العمل أساس للابتلاء ، والنعمة وسيلة لمعرفة المنعم ، وأداء حقه وشكره ، وفي الإسلام جهاد وقتال للأعداء ، حتى لا تكونِ فتنةٌ ، ويكون الدين لله ، لقد ضَمَّنَ القرآنُ الكريمُ الجهادَ معنًى إنسانياً نبيلاً وفريداً ، وحدَّد له مقاصدَه العليا ، مُنَزَّهَةً عن الهوى ، والأغراضِ الماديةِ العاجلةِ ، والمطامعِ الشخصيةِ والعنصريةِ ، مِن شهوةِ العلوِّ في الأرض ، أو التوسُّعِ فيها ، لتكون هي أمّةً أَرْبَى مِن أُمَّة ، وجعل الإسلامُ الجهادَ وسيلةً رئيسةً لترسيخِ القيّم والمُثُلِ العليا في الوجود البشري ، والحفاظ عليها ، وإنّ الإسلامَ لم يجعل الجهادَ مفروضاً في أعلى مراتب الفرضية ، وأعظمها مثوبةً من أجل الدفاع عن الوجود ، أو الحفاظ على مقوماته فحسب ، بل أَوْلاَهُ عنايةً فائقةً ، إذْ جعله سنداً مكيناً لدعوته التي تسعى إلى نشر رسالة السماء إلى الأرض ، لتتحقَّق خلافةُ الإنسان فيها عن طريق التمسُّك بمبادئ الحق والخير ، وقيمِ العدل والإحسان ، فجعل الإسلامُ الجهادَ خالصاً ومخلصاً لوجه الله تعالى ، وابتغاءِ مرضاته ، ومرضاتُه لا تتمّ إلا إذا سادت تعاليمُه ، وَعَلَتْ في الأرض مُثُلُه حتى لا تكونَ فتنةٌ ، ويكون الدينُ لله ، ولا أَدَلَّ على صحةِ هذه المبادئ وتلك المفاهيم مِن هذه السعادة التي تملأ جوانحَ الإنسان حينما يكتشفُ سرَّ وجوده ، وجوهرَ رسالته ، وينطلق في طريق الهدف الكبير الذي خُلِقَ مِن أجله .

 

Text Box: أهمية المسجد الأقصى للمسلمين وما يتعرض له هذه الأيام :
:

 

اليومَ يتعرّضُ المسجدُ الأقصى موطِنُ أبيكم إبراهيمَ ، ومتعبَّد الأنبياء السابقين ، ومَسْرى خاتم النبيين ، المسجدُ الذي نَوَّهَ اللهُ به في الآيات المفصلة وتُلِيَتْ فيه الكتبُ المنزَّلةُ ، أُولَى القبلتين ، وثاني المسجدين ، وثالثُ الحرمين الشريفين ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ، مَسْجِدِي هَذَا ، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى)) .

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله ببركات الدين والدنيا ، والذي أضحى بالإسراء إليه والمعراج منه رمزاً للشخصية المعنوية للمسلمين ، هذا المسجد الذي ورد ذكرُه في القرآن الكريم ، وقبة الصخرة الذي تمَّ منها عُروجُ النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى سدرة المنتهى ، قال عز وجل :

 ( سورة النجم)

حيث يتعرّضُ المسجدُ الأقصى اليومَ إلى محاولة تهويده ، وجعلِه عاصمةً أبديةً للكيان الصهيوني مع القدس ، وفي وصف القرآنِ الكريمِ المسجدَ الأقصى بالبركةِ إيماءٌ قويٌّ للعرب حَمَلَةِ رسالةِ الإسلام ، وإلى المسلمين في مشارقِ الأرض ومغاربِها أنّه مفروض عليهم الحفاظ عليه ، وقد بارك اللهُ حولَه أنْ يحفظ له هذه البركة ، ومتى اعتُدِيَ عليها فعليهم أنْ يصطلحوا مع الله أولاً ، ويُعِدُّوا لعدوِّهم ما يستطيعون من قوةً ثانياً ، كي يحرِّروه ، ويحرِّروا ما حوله مِن أيدي الغزاة المغتصبين ، ويُحْيُوا بتحريره سيرةَ فاتحيه ؛ عمرَ بنِ الخطاب وصلاحِ الدين الأيوبي ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله .

 

Text Box: القدس وما تتعرض له من أذى وتدمير :

 

وأنتِ يا مدينةَ القدس ، إنكِ عبق التاريخ الإسلامي ، إنك أريجه الفوَّاح ، شذى الرسالات السماوية ، أضاء أرجاءَك قبسُ الإيمانِ ، وتبارك ثراكِ بمسرى سيدِ الأنام ، تمتلئ قلوبُ المسلمين اليوم شجناً وحزناً ، وتفيض الدموعُ أسًى وحسرةً ، وهي ترى مئات الحواجز تَحُولُ دونَها ودون الوصول إلى أُولَى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين ، إلى مسرى نور الهداية ، سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كم يتُوقُ المسلمُ للصلاة خشوعاً لله في هذا المسجد الأقصى ، لكنَّ المشهدَ مأساويٌّ ، والمصابَ جَلَلٌ ، فالقدسُ ما زالت أسيرةَ الصهيونية الغادرة ، وما زالت مهدَّدةً بالتهويد ، وبطمس معالمها الإسلامية ، بل والأدهى من ذلك أنَّ الصهاينةَ خطَّطوا لهدم المسجد الأقصى ، وكم تَعَرَّض هذا المسجدُ لمحاولات الحرق والهدم ، كم هي خطيرةٌ تلك الأنفاق التي شقَّها الأعداءُ تحت المسجد فَعَرَتْ أساسَه وعرَّضتْها للخطر ، كم هو خطير مخطط التهويد .

أيها الأخوة الأكارم ، حينما تُسْلَبُ أرضُ شعبٍ ، وتُنْهَبُ ثرواتُه ، وتُنْتَهك حرماتُه، وتُدَنَّسُ مقدساتُه ، وتداس كرامتُه ، وتُقهَر إرادتُه ، وتُفسَد عقائدُه ، وتُفرَغ قيمُه ، ويزوَّر تاريخُه ، ويُحمَلُ على الفساد والإفساد ، وتُمارَسُ عليه ألوان التجهيل ، والتجويع ، والتعذيب على يد أعدائه ، أعداءِ الله ، أعداءِ الحق ، أعداءِ الخير ، أعداء الحياة ، عندئذٍ لا بد لهذا الشعبِ أنْ يتحرَّك ليستردَّ حقَّه في الحياة الحرَّة الكريمة ، هذه الحركة لا يمكن أنْ تُسمَّى إرهاباً ، ولا تخريباً ، ولا انتحاراً ، وأنتم أيها الثائرون في الأراضي المحتلة بوركِتْ سواعدُكم ، وسَلمتْ أيديكم ، لقد كنتم رمزَ البذل والعطاء ، ولقد ضربتُم المَثَلَ الأعلى في التضحية والإباء ، لقد تحركتْ فيكم معاني العزة والإباء ، فأقلقتم مضاجعَ الصهاينة الأعداء ، ولكن استمعوا معي إلى وصية سيدنا عمر بن الخطاب لسيدنا سعد بن أبي وقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنهما ، إذْ يقول : أما بعد ؛ فإني آمُرُكَ ومَن معك مِنَ الأجناد بتقوى الله عز وجل ، فإنّ تقوى الله أفضلُ العُدَّة على العدوِّ ، وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمُرُكَ ومَن معك أنْ تكونوا أشدَّ احتراساً مِنَ المعاصي فإنها أَضَرُّ عليكم مِن عدوِّكم ، إنما تُنْصَرُون بمعصية عدوكم لله ، فإنِ استويتم في المعصية كان لهم الفضلُ عليكم بالقوة .

أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

 

***

 

Text Box: الخــطــبـة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

Text Box: آيات من القرآن تملأ القلب طمأنينةً وثقةً بنصر الله :
:

 

أخوتي المؤمنين ، أعزائي المستمعين ، كما أنّ خَلْقَ السماواتِ والأرض مِن آيات الله الدالة على عظمته تعالى ، قال سبحانه :

 ( سورة الروم )

وكما أنّ الليل والنهار آيتان مِن آياته الدالة على عظمته تعالى :

( سورة فصلت)

وكما أنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله الدالة على عظمته :

( سورة فصلت)

كذلك هناك آية في القرآن الكريم دالة على عظمة الله تعالى ، وهي من مناسبة هذه الخطبة قال تعالى :

 ( سورة آل عمران) .

آية ثانية :

 ( سورة إبراهيم ) .

آية ثالثة :

 ( سورة آل عمران الآية : 120 ) .

آية رابعة :

 ( سورة إبراهيم

ضاق الوقت عن شرح هذه الآيات ، ارجعوا إليها ، وتدارسوها ، وتدبروها ، فإنها تملأ قلوبكم طمأنينةً وثقةً بنصر الله .

 

 

Text Box: الدعاء :

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداءك وأعداء الدين ، اجعل هذا البلد أمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم انصر مَن نصر الدين ، واخذل مَن خذل عبادك المؤمنين ، اللهم فرِّج همَّ المهمومين ، ونفسْ كربَ المكروبين ، واقضِ الدَّين عن المدينين ، وفكَّ أسر المأسورين ، وأحسن خلاص المسجونين ، واشف مرضانا ومرضى المسلمين ، برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللهم انصرنا نصراً عزيزاً مؤزراً وارزقنا فتحاً قريباً مبيناً ، وارزقنا يقيناً بأنه لا فعال ولا ناصر في الأرض إلا أنت ، اللهم انصرنا على أنفسنا ، حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصرنا على أعدائنا ، لأنك قلت وقولك الحق : ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ، اللهم انصر أخوتنا في الأراضي المحتلة على أعداءك أعداء الدين ، اجعل بأس أعداءهم بينهم ، اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين ، اللهم اغفر ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا ، وأفرغ علينا صبراً ، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر ، اللهم أمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى ، اللهم ألف بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى .

أيها الأخوة الكرام ، يقول الإمام مالك ، إمام دار الهجرة :

((لو أن لي دعوة مستجابةً لادخرتها لأولي الأمر لأن في صلاحهم صلاح الأمة)).

[حلية الأولياء ، وسير أعلام النبلاء من قول الفضيل بن عياض]

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi