English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الخطبة الإذاعية "52"  .

التاريخ 20/ 10/ 2000

الموضوع        :  خ1 : الإسراء والمعراج ـ خ2 : نصر الله المؤمنين ، وإهلاك عدوهم .

تفريغ             :  م م حسان العودة .

التدقيق           :  السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

  

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، يا رب قد عجز الطبيب فداوِنا ، يا رب قد عمَّ الفساد فنجِّنا ، يا رب قلتْ حيلتُنا فتولَّنا ، ارفع مقتك وغضبك عنا ، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ولا تعاملنا بما فعل السفهاء منا ، توفّنا وأنت راضٍ عنا ، غير فاتنين ولا مفتونين ، اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وأصلح قلوبنا ، وارحم ضعفنا ، وتولَّ أمرنا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، غافر الذنب ، وقابل التوب ، شديد العقاب ذي الطول ، يبسط يده بالليل ، ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، وينادي إذا كان ثلث الليل الأخير هل من تائب فأتوبَ عليه ، هل مِن مستغفر فأغفرَ له ، هل من سائل فأعطيَه ، هل من طالب حاجة فأقضيَها له ، ويقول : عبدي ، لا تعجز ، منك الدعاء ، وعليَّ الاستجابة ، منك الاستغفار ، وعليّ المغفرة ، منك التوبة وعليّ القبول ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، خير نبي اجتباه ، وللعالمين أرسله ، زكّى الله عقله فقال : ]مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى[ .

[ سورة النجم : 2]

وزكّى لسانه فقال : ]وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى[ .

                              [سورة النجم : 3]

وزكّى شرعه فقال : ] إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [  .

[سورة النجم : 4]

وزكّى جليسه فقال : ]عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى[ .

                               [سورة النجم : 5]

وزكَّى فؤاده فقال : ]مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى[  .

[سورة النجم : 11]

وزكَّى بصره فقال : ]مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى[ .

[سورة النجم : 17]

وزكَّاه كلَّه فقال : ]وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[  .

[سورة القلم : 4]

        اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، رهبان الليل ، فرسان النهار ، بَلَغوا من العلم والعمل شأْواً ، حتى إن أحدهم قال : ( والله لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً ، ولو علمتُ أن غداً أجلي ما قدرتُ أن أزيد في عملي) .  

[حاشية السِّنْدي على سنن النسائي (8/96) مِن قول عليٍّ]                     

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وأحثكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .   

أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، موضوع الخطبة اليوم : ماذا يعلِّمنا الإسراء والمعراج ، ونحن في ذكرى الإسراء والمعراج .

أيها الإخوة الأكارم ، معجزة الإسراء والمعراج حدثٌ ضخم من أحداث الدعوة الإسلامية سبقته البعثة ، وجاءت من بعده الهجرة ، لقد كان مسحاً لجراح الماضي ، وتثبيتاً لقلب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وتبشيرًا له بالمستقبل ، وتعويضاً عن جفوة الأرض بحفاوة السماء ، وعن قسوة الناس بتكريم الملأ الأعلى ، وإشعاراً للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّ الله معه بالرعاية والعناية ، وتكريماً فريداً له مِن دون الأنبياء ، وتعريفاً له بأنه سيد ولد آدم ، وسيد الأنبياء والمرسلين ، وإراءةً له لملكوت الأرض والسماوات ، ولما تؤول إليه الخلائق بعد الممات .

أيها الإخوة الأحباب ، لقد كان الإسراءُ والمعراج تكريماً عظيماً للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ولكنْ بعد نجاحٍ باهرٍ في امتحان صعب ، فماذا هذا الامتحان الصعب الذي اجتازه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى استحق هذا التكريم الفريد ؟ إنه امتحان الطائف .

أيها الإخوة المؤمنون ، إنَّ ما لاقاه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مختلف ألوان المحن ، ولا سيما هذا الذي رآه في ذهابه إلى الطائف ، إنما كان مِن جملة أعماله التبليغية للناس ، فكما أنّ النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء يبلِّغنا العقيدة الصحيحة عن الكون وخالقه ، وعن الحياة وحقيقتها ، وعن الإنسان ورسالته ، وعن أحكام العبادات والمعاملات ، وعن مكارم الأخلاق كذلك جاء ليبلِّغ الناسَ عن طريق السلوك العملي أنّ الله كلّفهم بالصبر والمصابرة ، والبذل والمثابرة ، فكما أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَّم الناس بأقواله ، كذلك علَّمهم بأفعاله ، وكما أنّه قال للناس : (( وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي ))  .

[أخرجه البخاري عن مالك بن الحوريث(605)]

و: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ))  .

[أخرجه النسائي عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (4016)]

كذلك قال لهم بلسان حاله : اصبروا كما رأيتموني أصبر ، ونحن بأمَسِّ الحاجة إلى هذا الدرس البليغ ، اصبروا كما رأيتموني أصبر .

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة الإسلام ، ليس بين الصبر على الشدائد ، والتضرع إلى الله تعالى بالشكوى أو الدعاء ، أي تعارض أو تناقض ، فالشكوى إلى الله تعالى تعبد وأي أنواع التعبد ، إنه أعلى أنواع التعبد ، قال تعالى : ]قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ[   .    

[سورة يوسف : 86]

إنّ الضراعة له ، والتذلل على بابه عزَّ وجل يُلْبِسُ العبدَ جلبابَ العبودية ، ولقد علَّمنا النبيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته كلا الأمرين ، فكان بصبره الشديدِ على المصائب والمحن يعلِّمنا أنّه على المسلمين عامةً وعلى الدعاة خاصةً أن يصبروا ، وأن يصابروا ، وكان بطول دعاءه   وضراعته ، والتجائه إلى الله تعالى يعلِّمنا أنّ هذا من لوازم العبوديةِ لله عز وجل ، وهل مِن دعاء أكثرَ دلالة على عبودية النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِن هذا الدعاء الذي دعاه في الطائف : ((اللهم إني أشكو إليك ضعفَ قوتي ، وقِلَّةَ حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى مَن تكلني ، إلى بعيدٍ يتجهَّمني ، أم إلى عدو ملَّكته أمري ، إنْ لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي ، ولكن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك التي أشرقتْ له الظلمات ، وصلُح عليه أمرُ الدنيا والآخرة ، مِن أنْ تنزلَ بيَ غضبك ، أو أن تحلّ عليّ سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله))  .

[مجمع الزوائد (6/35) ، وقال : أخرجه الطبراني عن عبد الله بن جعفر]

أيها الإخوة الأكارم ، حقيقة خطيرة ، وهي أنّ النفسَ الإنسانية مجبولةٌ في أصل فطرتها على الإحساس والشعور ، الشعورِ بلذة النعيم ، والشعورِ بألم العذاب ، فهي مجبولة على الركونِ إلى الأول ، والفزعِ من الثاني ، وحينما يوطِّن الإنسانُ نفسَه على تحمُّل كلِّ أنواعِ الضرِّ والعذاب ، وهو يؤدِّي رسالةَ ربه ، مبتغياً بهذا وجهَه ورضوانَه ، لا يعني هذا أنه لا يتألّم للضرِّ ، ولا يستريح للنعيم ، فالنفسُ مهما تسامتْ لا تخرج عن دائرة بشريَّتها ، ولكن حينما يفضِّل الإنسانُ الضرَّ مهما تكن آلامُه ، على النعيم مهما تكن لذائُذه إرضاءً لوجه ربه ، وأداءً للرسالة التي أُنِيطتْ به ، عندئذٍ يستحق جنةَ ربِّه إلى أبد الآبدين ، حيث يجد فيها ما لا عينٌ رأيت ، ولا أذنٌ سمعتْ ، ولا خطرَ على قلبِ بَشَرٍ ، ولولا أنّ النبيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ تجري عليه كلُّ خصائصِ البشرِ لَمَا كانَ سيِّدَ البشر .

أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، حينما يتأملُ الإنسانُ في سيرة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع قومه يجد أنه لاقى مِن أذى قومه ما لا يحتمله بَشَرٌ على الإطلاق ، بَيْدَ أنّ الإنسانَ يجِدُ أيضاً مع كل نوع من أنواع الأذى ، ومع كلِّ مرحلة من مراحله رداً إلهيًّا على هذا الإيذاء ، مواساةً وتبشيرًا وتكريماً وتأييداً ، حتى لا يتجمَّع في النفس من عوامل التألم والضجر ما قد يُدخِلُ إليها اليأسَ ، وما الإسراءُ والمعراجُ في حقيقته إلا ردٌّ إلهيٌّ تكريمًا على المحنة القاسية التي كشفتْ حقيقةَ الحرصِ النبويِّ على هداية الخلق ، وكشفتْ صبرَه الجميل على إيذائهم ، وموقفَه النبيلَ والرحيمَ منهم ، حينما عَرَضَ عليه مَلَكُ الجبال أن يُطْبِقَ عليهم الجبلين ، وهو الردُّ الإلهيُّ على دعاءه في الطائف ، ولعل معنى قوله تعالى في آخر آية الإسراء : ]إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[ .

[سورة الإسراء : 1]

أي سمِع اللهُ دعاءك يا محمد في الطائف ، وعَلِمَ منك حرصَك على هداية قومك الذين بالغوا في الإساءة إليك .

أيها الإخوة الأكارم في دنيا العروبة الإسلام ، هذا هو الدرس الأول ، أمّا الدرس الثاني فعندما سأله زيد بن حارثة متعجباً : يا رسول الله كيف تعود إلى مكة وقد أخرجتك ؟ فأجابه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجا ، وإنَّ اللهَ ناصرٌ نبيَّه ، ومظهِرٌ دينَه ، فما كان الله ليتخلى عن دينه ، ولا عن نبيه ، ولا عن المؤمنين ، مهما بدت هجمة أعداء الدين قويةً ، وشاملةً ، فالباطل عقيدة أو قوةً إلى انهيار محقَّق ، قال تعالى : ]وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا[ .  

[سورة لإسراء : 81]

ومَن ظنَّ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى لا ينصر رسلَه ، ولا يتمّ أمرَه ، ولا يؤيِّد جندَه ، ولا يعليهم ، ولا يظهرهم على أعدائهم ، وأنه لا ينصر دينه وكتابه ، مَن ظنَّ ذلك فقد ظنَّ بالله ظنَّ السوء ، ونسبه إلى ما لا يليق بكماله وجلاله ، وأسمائه الحسنى ، وصفاته الفضلى ، فإنَّ عزَّته وحكمتَه تأبى ذلك ، ويأبى أن يذلّ أولياءه ، وأنْ يكون النصرُ المستقر والظفر الدائم لأعدائه ، فمن ظن به ذلك فما عرفه ، ولا عرف أسمائه ، ولا عرف صفاته ، سبحانك إنه ما يذلّ من واليت ، ولا يعزّ من عاديت .

أيها الإخوة المؤمنون حضوراً ومستمعين ، ليس القرآنُ كتابَ تاريخٍ ، يروي سيرَ الأنبياء والمرسلين وقصص ، والأقوام السابقين فحسب ، ولكنه كتابُ هدايةٍ وتعليم ، يقصّ علينا قصصَ الأنبياء والمرسلين ، وهم قِمَمُ البشر ، لنهتدي بدعوتهم ، ونقتدي بسيرتهم ، ويروي لنا أيضاً قصصَ الأممِ السابقة الذين كذّبوا أنبياءهم ، وعاندوا رسلهم ، واعتدوا على بني جلدتهم ، فاستحقوا غضبَ الله ، فأهلكهم الله بذنوبهم ، وذاقوا وبالَ أمرهم ، لنجتنبَ أسبابَ هلاكهم ودمارهم .

ماذا يعلُّمنا الإسراءُ والمعراجُ ؟ وقائعُه معروفةٌ عندكم ، إنَّ دروس الإسراء والمعراج تعلِّمنا أنَّ للمحن والمصائب حِكماً جليلة ، منها أنها تسوق أصحابَها إلى باب الله تعالى ، وتُلبِسهم رداءَ العبودية ، وتلجئهم إلى طلب العون من الله ، إنها تعلِّمنا أنه لا ينبغي أن تصدَّنا المحنُ والعقباتُ عن متابعة السير في استقامة وثبات ، إنها تعلِّمنا أنه ما دام اللهُ هو الآمرُ فلا شكَّ أنَّه هو الضامنُ والحافظُ والناصرُ ، إنَّها تعلِّمنا أنه لولا الجهادُ والصبرُ ما عُبِدَ اللهُ في الأرض ، ولا انتشرَ الإسلامِ في الخافقَيْن ، ولا كنّا في هذا المكان ، وعلى أمواج الأثير نوحِّد اللهَ ، ونسبِّحه ، وندعو إليه ، إنها تعلِّمنا أن اليسرَ مع العسر ، وأنَّ النصرَ مع الصبر ، وأن الفرَجَ مع الكرب ، إنّها تعلِّمنا أيضاً أنّه لا يعدُّ المسلمُ مسلماً إلا إذا انتمى إلى مجموع المسلمين ، وحَمَلَ همومَهم ، وساهَم بشكل أو بآخر في ردِّ العدوان عنهم ، فَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))   .

[أخرجه البخاري(5665) ومسلم(2586)]

وقال أيضاً : ((المُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ لِبِعْضِهِمْ نَصَحَةٌ مُتَوَادُّونَ وَإِنِ افْتَرَقَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ  ، وَالْفَجَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَشَشَةٌ مُتَخَاذِلُونَ ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ)) .

[الترغيب والترهيب (2728) ، وقال : رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب التوبيخ ، وأخرجه البيهقي في الشعب عن أنس(7648)]

وعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ))  .

[البخاري(467)، ومسلم(2585)]

وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ))   .

[أخرجه أبو داود(2751) والنسائي(8682) وابن ماجه(2683)]

ومن أروع الأحاديث قال عليه الصلاة والسلام : ((إِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ ، لاَ يُسَالِمُ الْمُؤْمِنُ دُونَ الْمُؤْمِنِ فِي قِتِالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ)) .

                        [سيرة ابن هشام (3/33)]

هذه نقطة مهمة جداً في قانون المسلمين الدولي ، إن سِلْمَ المؤمنين واحدة ، لا يسالِم مؤمنٌ دون مؤمن في قتال في سبيل الله ، إلا على سواءٍ وعدلٍ بينهم ، فلا يحق لفئة أن تصطلح مع عدو بشكل انفرادي ، هذا وصف دقيق من قبل مبعوث العناية الإلهية لما هم عليه المؤمنون أو لما ينبغي أن يكونوا عليه ، في شتى أقطارهم ، وديارهم ، من تعاون وتناصر وتعاطف ، فهم كالجسد الواحد نصحة متوادون ، وهم بنيان واحد يشد بعضهم بعضا ، هم يد على من سواهم ، سلمهم واحدة وحربهم واحدة ، هذا ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون في شتى أقطارهم وأنصارهم .

أيها الإخوة الأكارم ، أوصاف المؤمنين في الكتاب والسنة مقاييس دقيقة ، نقيس بها إيماننا ، أو هي أهداف نضعها نصب أيعننا ينبغي أن نسعى إليها ، فلابد للمسلم الصادق من أن يحمل هموم المسلمين في مختلف أصقاعهم وأنصارهم ، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، بل إنَّ تطلعَ المسلم إلى أنْ يكون المسلمون في شتّى أقطارهم أعزةً كرماء ، يملكون أمرهم ومصيرهم ، لهي علامةٌ من علامات إيمانه ، وإنّ حرصَ المسلم على أنْ يكون المسلمون متعاونين متناصرين لهي علامةٌ مِن علاماتِ إخلاصه ، فالفرديةُ طبعٌ ، والتعاملُ الاجتماعيُّ تكليفٌ ، والإنسانُ المؤمن يتعاون مع إخوته المؤمنين بقدر طاعته لله ، وينسلخ منهم ويؤكِّد فرديَّته بقدر تفلُّته مِن منهج الله ، وحينما ينهى الإنسانُ نفسَه عن خصائصِ طبعِه التي هي في الأصل تُنَاقِضُ التكليفَ ليكون هذا التناقضُ مع التكليف ثمناً للجنة ، وحينما ينهى الإنسانُ نفسَه عن خصائص طبعه ، ويحملها على طاعة ربه ، يكون قد أخذ بسببٍ مِن أسباب الجنة ، قال تعالى :  ]َأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى*فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[   .

[سورة النازعات : 41]

أيها الإخوة المستمعون ، أيتها الأخوات المستمعات ، قال تعالى : ]وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ[  .

[سورة النور : 55]

قال بعضهم : " فإنْ لم يمكِّنهم فمعنى ذلك أنَّ دينَهم لم يرتضِه لهم " ، ]وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [   .     

[سورة النور : 55]

لقد أنجز الله وعده للمؤمنين يوم عبدوه حق العبادة ، فأطاعوه ولم يعصوه ، وشكروه ولم يكفروه ، وذكروه ولم ينسوه ، فجعل الله منهم قادةً للأمم بعد أن كانوا رعاة للغنم ، ثم ماذا كان ؟ قال تعالى : ]فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا[  .

[سورة مريم : 59]  

ومِن دلائل نبوة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه وصف هذا الغي الذي توعد الله به المقصرين  وبين أسبابه ، وكأنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيننا يرى ما نرى ، ويسمع ما نسمع ، فعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ، فَقَالَ قَائِلٌ : وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ ، وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ ، فَقَالَ قَائِلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَمَا الْوَهْنُ ؟ قَالَ : حُبُّ الدُّنْيَا ، وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))  .

                          [أخرجه أبو داود(4297) وأحمد(22450) عن ثوبان]

هذا وصف دقيق للغي الذي توعد الله به المقصرين ، فالأمم اليوم تدعو بعضها بعضا لمقاتلة المسلمين ، وكسر شوكتهم ، وسلب ثرواتهم  وأخذ أموالهم ، واغتصاب أراضيهم ـ  كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ـ يأخذون منها بلا مانع ولا منازع ، فيأكلونها عفواً وصفواً ، يأخذون ما في أيديهم بلا تعب ينالهم ، أو ضرر يلحقهم ، أو بأس يمنعهم ، فانظروا إلى هذا الوهن الذي هو سر الضعف ، فالناس الشاردون الغافلون عن الله يعيشون عبيداً لدنياهم ، عشاق لأوضاعهم الرتيبة ، تحركهم شهواتهم وشبهاتهم ، تسيِّرهم رغائبهم ونزواتهم ، وهذا هو الوهن ، وحينما يكره الإنسان لقاء ربه ويخاف الموت كامناً في كل اتجاه ، فيفزع من الهمس ، ويألم من اللمس ، يؤثر حياةً يموت فيها كل يومٍ موتات على حياة كريمة عزيزة في كنف رب الأرض والسماوات ، فالعجب كل العجب أن يكون النور بين أيديهم  والرائد نصب أعينهم ، ثم هم يلحقون لاهفين بالكاب الأمم الشاردة المنحلة في نهجهم وسلوكهم ، فلا يستطيعون رشاد ولا يهتدون سبيلا ، وحالهم :

كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ                    والماء فوق ظهورها محمول

ومن دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ، ومن خلال إعلام الله له أنه ذكر ما يصيب المسلمين في آخر الزمان من بأساء وضراء بسبب إعراضهم عن ربهم ، وتقصيرهم في طاعتهم له ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ((يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ ؛ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))   .

[ابن ماجه( 4019) ، والبيهقي في شعب الإيمان(3315) وغيرهما]

إنها المعاصي والذنوب ، والمجاهرة بالفواحش والعيوب والتعرض لسخط جبار السماوات والأرض ، فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب  ولا رفع إلا بتوبة ، ]إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ[  .

[سورة الرعد : 11]

وإنه ما حصل البلاء العام في بعض البلاد ، ولا وقعت المصائب المتنوعة ، والكوارث المروعة ، ولا فشت الأمراض المستعصية التي لم يكن لها ذكر في ماضينا ، ولا حُبِسَ القطر من السماء إلا نتيجة الإعراض عن طاعة الله عز وجل ، وارتكاب المعاصي ، والمجاهرة بالمنكرات ، وكلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماءُ السماء .

أيها السادة الأعزاء ، النصر المؤزَّر العزيز الذي يفرح له المؤمنون في كل عصر ومصر ، ونحن في أمس الحاجة إليه لأننا نواجه أعداءه ، ماتت في ضمائرهم وضمائر الذين انتخبوهم كل القيم الإنسانية ، والأعراف الدولية  وداسوا على حقوق الإنسان بحوافرهم ، وبنوا مجدهم على أنقاض الشعوب ، وغناهم على إفقارهم ، وقوتهم على تدمير أسلحتها ، إنهم يصفون المالِكَ للأرض الطريدَ المشرَّدَ إرهابياً لا حقَّ له ، والمتمسكَ بدينه القويم أصولياً ، ويجعلون اللصَّ الغالبَ على المقدسات ربَّ بيتٍ محترماً ، يملكون الأرضَ لا بالإحياء الشرعيّ ، ولكن بالإماتة الجماعية ، والقهر النفسي ، قال تعالى : ]حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[   .

[سورة يونس : 24]

هؤلاء المستكبرون ربما طالبوا الشعوب المستضعفة أن تلعق جراحها وأن تبتسم للغاصب ، وأن تعد حقها باطلاً ، وباطل غيرها حقاً  يقول عليه الصلاة والسلام : ‏كيف أنتم إذا لم تأمروا بمعروف ولم تنهوا عن منكر؟ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون . قالوا وما أشد منه ؟ قال : كيف أنتم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا ؟  ـ تبدلت القيم ـ قالوا : وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون ، قالوا وما أشد منه ؟ قال : كيف أنتم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف ؟ قالوا وكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : نعم والذي نفسي بيده وأشد منه سيكون))  .

[أخرجه ابن أبي حاتم في العلل (2/418) عن أبي أمامة]

أيها الإخوة الكرام ، هذا النصر المؤزر العزيز ما سرُّه ؟ من يصنعه ؟ ما العامل الحاسم فيه ؟ إنه الله عز وجل ، وهذا استناداً إلى قوله تعالى : ]وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ[ .

[سورة آل عمران : 126]

وقوله : ]إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ[ .

                [سورة آل عمران : 160]

أي إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان الله عليك فمن معك .

أيها الإخوة الكرام ، أليس لهذا النصر الذي هو من عند الله قواعد ؟ أليست له شروط ؟ أليس له ثمن ؟ إن هذه القواعد ، وتلك الشروط ، وهذا الثمن يتلخص بكلمتين اثنتين ، الإيمان والإعداد ، فأمّا الإيمان فقد قال تعالى : ]وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ[ .

[سورة الروم : مِن الآية 47]

وأمّا الإعداد فقال عز وجل : ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[ .

              [الأنفال : 60]

فالإيمان أيها الإخوة الحق هو الذي يحمل صاحبه على طاعة الله والعمل الصالح ، والإيمان وحده شرط لازم غير كافٍ . والشيء الثاني : هو الإعداد ، والإعداد ؛ هو الذي يستفد الطاقات ، وهو أيضاً وحده شرط لازم غير كافٍ ، لا بد من الإيمان الحق ، والإعداد الصحيح .

الآن دققوا في هذا الاستنباط من قوله تعالى : ]وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[ .

              [الأنفال : 60]

إن الله جلا في علاه لم يكلفنا أن نعد القوة المكافئة لأعدائنا ، ولكن كلفنا أن نعد القوة المتاحة وهذا من رحمة الله بنا ، وعلى الله أن ينجز وعده بالنصر ، كما أن من الواجب علينا أن نبحث في كل مظنة ضعف عن سبب قوة كامنة فيه ، ولو أخلص المسلمون في طلب ذلك لوجدوه ، ولصار الضعف قوة ، لأن الضعف ينطوي على قوة مستورة يؤيدها الله في حفظه ورعايته ، فإذا قوة الضعف تهد الجبال وتدق الحصون ، قال تعالى : ]وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا[ .

[سورة الفتح : 4]

أيها الإخوة الأحباب ، إن الحديث عن القوة النابعة من الضعف ليس دعوة إلى الرضى بالضعف ، أو السكوت عليه ، بل هو دعوة لاستشعار القوة حتى في حالة الضعف ، وربما صحت الأجسام بالعلل ، فينتزع المسلمون من هذا الضعف قوةً  تحيل قوة عدوهم ضعفاً ،وينصرهم الله نصراً مبينا ، قال تعالى : ]وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ[ . 

[سورة القصص : 5]

أيها الإخوة الأحباب ، هذه الحقائق المستنبطة من القرآن الكريم ، منهج الله لخلقه ، وتلك التوجيهات التفصيلية والتوضيحية التي جاءت بها سنة نبينا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهذه المواقف الأخلاقية الرائعة والحكيمة ، التي وقفها المصطفى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسوتنا وقدوتنا ، وتلك البطولات الفذة التي ظهرت من أصحابه الكرام أمناء دعوته وقادة ألويته ، هذه كلها نضعها بين أيدي أبناء أمتنا العربية والإسلامية ، وهي تخوض المعارك تلو المعارك مع أعداءها أعداء الحق والخير ، ولأن البكاء وحده لا يحي الميت ، ولأن الأسف وحده لا يرد الفائت ، ولأن الحزن وحده لا يدفع المصيبة ، ولكن العمل مفتاح النجاح ، والصدق والإخلاص مع متابعة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو سلم الفلاح ، قال الله تعالى : ]وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  [ . 

                      [سورة التوبة : 105]

أيها الإخوة المؤمنون ، في الإسلام تشريع ومعاملات ، ولكن المقصود منها تنظيم حياة الناس حتى يستريحوا ويبرؤوا من الصراع على المتاع الأدنى ، ويفرغوا لمعرفة الله تعالى ، وعبادته ، والسعي لمرضاته ، وفي الإسلام حث على المشي في مناكب الأرض ، والأكل من طبيباتها ، ليكون العمل أساس للابتلاء ، والنعمة وسيلة لمعرفة المنعم ، وأداء حقه وشكره ، وفي الإسلام جهاد وقتال للأعداء ، حتى لا تكونِ فتنةٌ ، ويكون الدين لله ، لقد ضَمَّنَ القرآنُ الكريمُ الجهادَ معنًى إنسانياً نبيلاً وفريدا ، وحدَّد له مقاصدَه العليا ، مُنَزَّهَةً عن الهوى ، والأغراضِ الماديةِ العاجلةِ ، والمطامعِ الشخصيةِ والعنصريةِ ، مِن شهوةِ العلوِّ في الأرض ، أو التوسُّعِ فيها ، لتكون هي أمّةً أَرْبَى مِن أُمَّة ، وجرّد الإسلامُ الجهادَ وسيلةً رئيسةً لترسيخِ القيّم والمُثُلِ العليا في الوجود البشري ، والحفاظ عليها ، وإنّ الإسلامَ لم يجعل الجهادَ مفروضاً في أعلى مراتب الفرضية ، وأعظمها مثوبةً من أجل الدفاع عن الوجود ، أو الحفاظ على مقوماته فحسب ، بل أَوْلاَهُ عنايةً فائقةً ، إذْ جعله سنداً مكيناً لدعوته التي تسعى إلى نشر رسالة السماء إلى الأرض ، لتتحقَّق خلافةُ الإنسان فيها عن طريق التمسُّك بمبادئ الحق والخير ، وقيمِ العدل والإحسان ، فجعل الإسلامُ الجهادَ خالصاً ومخلصاً لوجه الله تعالى ، وابتغاءِ مرضاته ، ومرضاتُه لا تتمّ إلا إذا سادت تعاليمُه ، وَعَلَتْ في الأرض مُثُلُه حتى لا تكونَ فتنةٌ ، ويكون الدينُ لله ، ولا أَدَلَّ على صحةِ هذه المبادئ ، وتلك المفاهيم مِن هذه السعادة التي تملأ جوانحَ الإنسان حينما يكتشفُ سرَّ وجوده ، وجوهرَ رسالته ، وينطلق في طريق الهدف الكبير الذي خُلِقَ مِن أجله .

واليومَ يتعرّضُ المسجدُ الأقصى مُوطِنُ أبيكم إبراهيمَ ، ومتعبَّد الأنبياء السابقين ، ومَسْرى خاتم النبيين ، المسجدُ الذي نَوَّهَ اللهُ به في الآيات المفصلة ، وتُلِيَتْ فيه الكتبُ المنزَّلةُ ، أُولَى القبلتين ، وثاني المسجدين ، وثالثُ الحرمين الشريفين ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ ، مَسْجِدِي هَذَا ، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى)) .

[البخاري ومسلم]

المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله ببركات الدين والدنيا ، والذي أضحى بالإسراء إليه والمعراج منه رمزاً للشخصية المعنوية للمسلمين ، هذا المسجد الذي ورد ذكرُه في القرآن الكريم ، ومسجد الصخرة الذي تمَّ منها عُروجُ النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى سدرة المنتهى ، قال عزوجل : ]ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى*فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى[ .

[سورة النجم : 8 –10]

حيث يتعرّضُ المسجدُ الأقصى اليومَ إلى محاولة تهويده ، وجعلِه عاصمةً أبديةً للكيان الصهيوني ، مع القدس ، وفي وصف القرآنِ الكريمِ المسجدَ الأقصى بالبركةِ إيماءٌ قويٌّ للعرب حَمَلَةِ رسالةِ الإسلام ، وإلى المسلمين في مشارقِ الأرض ومغاربِها أنّه مفروض عليهم الحفاظ عليه ، وقد بارك اللهُ حولَه أنْ يحفظ له هذه البركة ، ومتى اعتُدِيَ عليها فعليهم أنْ يصطلحوا مع الله أولاً ، ويُعِدُّوا لعدوِّهم ما يستطيعون من قوةً ثانياً ، كي يحرِّروه ، ويحرِّروا ما حوله مِن أيدي الغزاة المغتصبين ، ويُحْيُوا بتحريره سيرةَ فاتحيه ؛ عمرَ بنِ الخطاب وصلاحِ الدين الأيوبي ، ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله .

وأنتِ يا مدينةَ القدس ، إنكِ عبق التاريخ الإسلامي ، إنك أريجه الفوَّاح ، شذا الرسالات السماوية ، أضاء أرجاءَك قبسُ الإيمانِ ، وتبارك ثراكِ بمسرى سيدِ الأنام ، تمتلئ قلوبُ المسلمين اليوم شجًا وحزناً ، وتفيض الدموعُ أسًى وحسرةً ، وهي ترى مئات الحواجز تَحُولُ دونَها ودون الوصول إلى أُولَى القبلتين ، وثالث الحرمين الشريفين ، إلى مسرى نور الهداية ، سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كم يتُوقُ المسلمُ للصلاة خشوعاً لله في هذا المسجد الأقصى ، لكنَّ المشهدَ مأساويٌّ ، والمصابَ جَلَلٌ ، فالقدسُ ما زالت أسيرةَ الصهيونية الغادرة ، وما زالت مهدَّدةً بالتهويد  ، وبطمس معالمها الإسلامية ، بل والأدهى من ذلك أنَّ الصهاينةَ خطَّطوا لهدم المسجد الأقصى ، وكم تَعَرَّض هذا المسجدُ لمحاولات الحرق والهدم ، كم هي خطيرةٌ تلك الأنفاق التي شقَّها الأعداءُ تحت المسجد فَعَرَتْ أساسَه ، وعرَّضتْها للخطر ، كم هو خطير مخطط التهويد .

أيها الإخوة الأكارم ، حينما تُسْلَبُ أرضُ شعبٍ ، وتُنْهَبُ ثرواتُه ، وتُنْتَهك حرماتُه ، وتُدَنَّسُ مقدساتُه ، وتداس كرامتُه ، وتُقهَر إرادتُه ، وتُفسَد عقائدُه ، وتُفرَغ قيمُه ، ويزوَّر تاريخُه ، ويُحمَلُ على الفساد والإفساد ، وتُمارَسُ عليه ألوان التجهيل ، والتجويع ، والتعذيب على يد أعدائه ، أعداءِ الله ، أعداءِ الحق ، أعداءِ الخير ، أعداء الحياة ، عندئذٍ لا بد لهذا الشعبِ أنْ يتحرَّك ليستردَّ حقَّه في الحياة الحرَّة الكريمة ، هذه الحركة لا يمكن أنْ تُسمَّى إرهاباً ، ولا تخريباً ، ولا انتحاراً ، وأنتم أيها الثائرون في الأراضي المحتلة بوركِتْ سواعدُكم ، وسَلمتْ أيديكم ، لقد كنتم رمزَ البذل والعطاء ، ولقد ضربتُم المَثَلَ الأعلى في التضحية والإباء ، لقد تحركتْ فيكم معاني العزة والإباء ، فأقلقتم مضاجعَ الصهاينة الأعداء ، ولكن استمعوا معي إلى وصية سيدنا عمر بن الخطاب لسيدنا سعد بن أبي وقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنهما ، إذْ يقول : أما بعد ؛ فإني آمُرُكَ ومَن معك مِنَ الأجناد بتقوى الله عز وجل ، فإنّ تقوى الله أفضلُ العُدَّة على العدوِّ ، وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمُرُكَ ومَن معك أنْ تكونوا أشدَّ احتراساً مِنَ المعاصي ، فإنها أَضَرُّ عليكم مِن عدوِّكم ، إنما تُنْصَرُون بمعصية عدوكم لله ، فإنِ استويتم في المعصية كان لهم الفضلُ عليكم بالقوة .

أيها الإخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين .

***

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

إخوتي المؤمنين ، أعزائي المستمعين ، كما أنّ خَلْقَ السماواتِ والأرض مِن آيات الله الدالة على عظمته تعالى ، قال سبحانه : ]وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[ .

[الروم : 22]

وكما أنّ الليل والنهار آيتان مِن آياته الدالة على عظمته تعالى ، ]وَمِنْ ءَايَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ[ .

[فصلت : 37]

وكما أنّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله الدالة على عظمته ،  ]وَمِنْ ءَايَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ[  .

[فصلت : 37]

كذلك هناك آية في القرآن الكريم دالة على عظمة الله تعالى ، وهي من مناسبة هذه الخطبة قال تعالى : ]قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ[ . 

                                                 [آل عمران : 13]

آية ثانية : ]وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ*فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ[ .  

[إبراهيم : 46 ـ47]

آية ثالثة : ]وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ[ .  

                    [سورة آل عمران : 120]

آية رابعة :]وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ[ .   

              [سورة إبراهيم : 42]

ضاق الوقت عن شرح هذه الآيات ، ارجعوا إليها ، وتدارسوها  وتدبروها ، فإنها تملأ قلوبكم طمأنينةً وثقةً بنصر الله .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، ودمر أعداءك وأعداء الدين ، اجعل هذا البلد أمناً مطمئناً ، وسائر بلاد المسلمين ، اللهم انصر مَن نصر الدين ، واخذل مَن خذل عبادك المؤمنين ، اللهم فرِّج همَّ المهمومين ، ونفسْ كربَ المكروبين ، واقضِ الدَّين عن المدينين ، وفكَّ أسر المأسورين ، وأحسن خلاص المسجونين ، واشف مرضانا ومرضى المسلمين ، برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللهم انصرنا نصراً عزيزاً مؤزرا وارزقنا فتحاً قريباً مبينا ، وارزقنا يقيناً بأنه لا فعال ولا ناصر في الأرض إلا أنت ، اللهم انصرنا على أنفسنا ، حتى ننتصر لك فنستحق أن تنصرنا على أعدائنا ، لأنك قلت وقولك الحق : ]وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[ .

[الحج : 40]

اللهم انصر اخوتنا في الأراضي المحتلة على أعداءك أعداء الدين ، اجعل بأس أعداءهم بينهم ، اجعل تدميرهم في تدبيرهم ، اجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين ، اللهم اغفر ذنوبنا ، وإسرافنا في أمرنا وأفرغ علينا صبراً ، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير  ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر ، اللهم أمنا في أوطاننا  وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحبه وترضى ، اللهم ألف بينهم ، ووحد كلمتهم  واجمعهم على الحق والخير والهدى .

أيها الإخوة الكرام ، يقول الإمام مالك ، إمام دار الهجرة : (لو أن لي دعوة مستجابةً لادخرتها لأولي الأمر ، لأن في صلاحهم صلاح الأمة) .

[حلية الأولياء ، وسير أعلام النبلاء من قول الفضيل بن عياض]

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi