English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي

الخطبة الإذاعية "55"  .

التاريخ 06/ 07/ 2001

الموضوع        :  خ1 : المنهج القرآني في تقويم السلوك الإنساني - خ2 : أثر القرآن في تقويم سلوك النبات  .

التدقيق           :  السيد أحمد مالك .

التنقيح النهائي   :  المهندس غسان السراقبي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين ، يا ربّ أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم ، إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدّين كلّه ، ولو كره المشركون ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم عبده ورسوله ، بلّغ الرّسالة وأدّى الأمانة ، ونصح الأمّة ، وكشف الغمّة ، وجاهد في الله حقّ الجهاد ، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين ، أمناء دعوته ، وقادة ألوِيَتِه ، وارض عنّا وعنهم يا ربّ العالمين 0

     عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى ، وأحثّكم على طاعته ، وأستفتح بالذي هو خير .

     أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، موضوع الخطبة اليوم : المنهج القرآني في تقويم السلوك الإنساني .

     إن هناك تلازماً ضرورياً حتميًا بيْنَ التَّدَيُّنِ الصحيحِ والخُلُقِ القويمِ ، فقد حدّد النبيُّ صلى الله عليه وسلم الغايةَ الأوُلَى مِنْ بعثته ، والمنهجَ الأوَّلَ لدعوته ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ)) .

[أخرجه الإمام أحمد(8939) والحاكم(2/670) والبيهقي في السنن الكبرى (10/192)]

    فالهدفُ الأولُ لدعوته ، هو إرساء البناءِ الأخلاقيِّ للفردِ والمجتمعِ ، لأنّ هذا البناءَ الأخلاقيَّ ثمنُ سعادةِ الدنيا والآخرةِ ، والمُتَتَبِّعُ لنصوصِ القرآنِ الكريمِ ، ولنصوصِ السنةِ المُطهرةِ الصحيحةِ يَجِدُ ذلك التلازمَ الضروريَّ بيْنَ التديُّنِ الصحيحِ وَالخُلُقِ القويمِ ، وأَعْنِي بالتديُّن الصحيحِ الاتباعَ ، قال تعالى : ]أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ[ .

[سورة الماعون : الآية 1-2]

    وقال سبحانه : ]فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ[ .

[سورة القصص : الآية 50]

 

     وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ : ((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ)) .

[أخرجه أحمد(12406)]

     وقال أيضاً : ((الإيمان والحياء قُرنا جميعاً ، فإذا رُفع أحدُهما رُفع الآخر)) .

[أخرجه الحاكم(1/73) ، وابن أبي شيبة في المصنف(5/213) والبخاري في الأدب المفرد(1/445) ، والبيهقي في شعب الإيمان (6/140)]

     أيها الإخوة الكرام ؛ الإيمانُ أساسُ الفضائلِ ، ولِجَامُ الرذائل ، وقِوامُ الضمائرِ ، وقد بَيَّن النَّبِيُّ صلى اللهُ عليه وسلّم في أحاديثه الصحيحةِ أنّ أَحْسَنَ الناسِ إسلاماً أحسنُهم خُلُقًا ، وأنَّ أكملَهم إيماناً أحسنُهم خُلُقًا ، وأنّ مِن أَحَبِّ عباد الله إلى الله أحسنَهم خُلُقًا ، وأنّ مِن أقربِ المؤمنين مجلساً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ القيامةِ أحسنَهم خُلُقًا ، وأنَّ خيرَ ما أُعْطِيَ الإنسانُ خُلًقٌ حَسَنٌ ، وأنّ المؤمنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقه درجةَ الصائمِ القائمِ ، بل إنَّ العبدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِه عظيمَ درجاتِ الآخرة ، والخُلُقُ الحسَنُ يُذِيبُ الخطايا كما يُذيبُ الماءُ الجَليدَ ، والخُلُقُ السيِّئُ يُفْسِدُ العملَ كما يُفْسدُ الخلُّ العسَلَ .

     أيُّها الإخوة الأحباب ؛ هذه سنَّتُه صلى الله عليه وسلم القوليةُ ، فماذا عن سنته العملية ؟

     إنّ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم هو النموذجُ الأسمى لاجتماعِ المبدأ والسلوكِ ، وتطابقِ المعتَقَدِ مع القولِ ، وتطابُقِ القولِ مع العملِ ، فإنّ أعظمَ المسلمين منه قرباً صلى الله عليه وسلم أولئك الذين ضاقتِ المسافةُ بين سلوكهم وبين مبادئِ الإسلامِ ، وقِيَمِهِ ، وتشريعاته ، وآدابه 0

      إخوتي المؤمنين ؛ أعزّائي المستمعين ، إنّ ظاهرةَ النفاقِ التي تحدَّث عنها القرآنُ الكريمُ ، وتحدّثت عنها السُنَّةُ النبويةُ الصحيحةُ بشكل مطوَّلٍ تعني خللاً في مطابقةِ الأقوالِ للمعتقداتِ ، وتعني خللاً في مطابقةِ الأفعالِ للأقوالِ ؛ فالنوعُ الأولُ هو (النفاق الاعتقادي) الذي يُخْرِجُ صاحبَه مِنَ المِلّة ، والنوعُ الثاني فهو (النفاق العملي) ، الذي إنْ طال عليه الأمدُ كان وخيمَ العاقبة 0

     أيها الإخوة الأحباب ؛ إنّ أهمَّ مصدرٍ للسعادةٍ الحقيقيةِ انسجامُ حركةِ المرءِ في الحياةِ مَعَ مَا يعتقد ، حيثُ يَشعرُ المرءُ بتيّارٍ يجتاحه مِنَ البَهْجة ، والارتياحِ ، والأمن ، كلما تخطَّى عقبةً مِنَ العقباتِ التي تَحُولُ بينه وبين مُثُله ، وقِيَمِه العُليا .

     إنَّ الملذاتِ الحسِّيةَ لا تَخْتَرِقُ غِشَاءَ القلبِ ، بل ولا تَحُومُ حولَه ، لكنّ الذي يَصِلُ إلى أَعْماقِ القلب ، ويغمُره بالسعادةِ والطمأنينةِ هو نَشْوَةُ الانتصارِ على الأهواء والمغريات ، وضغوطِ الشهواتِ والمصالحِ .

     إنّ السعادةَ لا تُجْلَبُ مِنَ الخارجِ أبداً ، إنّما هي شُعاعٌ مِن نورٍ ، يُولَدُ ويَكْبُرُ في داخل الإنسان ، ويُضيءُ جوانبَ الحياة كلَّها ، ويَجعلُها أكثرَ انسجاماً ومنطقية ، وأكثرَ تهيّئاً للنموِّ والتقدّمِ والاستمرارِ ، كلُّ ذلك مرهونٌ بأوضاع تسودُ فيها القيمُ الأخلاقيةُ ، ويعلو فيها صوتُ الالتزامِ والاستقامةِ ، وتُرَفْرِفُ في أرجائها إشراقاتُ الاتِّصالِ بالله .

     أيها الإخوة الكرام ؛ حضورًا ومستمعين ، إنَّ القاعدةَ الدينيةَ الأخلاقيةَ في أيِّ مجتمعٍ هي التي تتحمّل الأثقالَ التي تنتج عن طبيعة الحياة المادية والاجتماعية ، وعن الانتكاسات التي تُصابُ بها الأمةُ في ميادين الحياة المختلفة .

     إن هذه القاعدةُ الدينيةُ الأخلاقيةُ هي التي تُمَكِّنُ الناسَ مِن تحمُّلِ الظروفِ الصعبةِ دونَ أنْ يتحلَّلوا ، ودون أو ينحرفوا ؛ فحينَ يُصابُ الناسُ بضائقةٍ شديدةٍ فإنّ القاعدةَ الأخلاقيةَ تدفعهم إلى إغاثةِ الملهوفِ ، وإطعامِ الجائعِ ، والصبرِ على المَدِينِ المُعْسِرِ ، إلى جانبِ التمسُّك الشخصيِّ ، وعدمِ الرضوخِ لمقتضياتِ الظروفِ الصعبةِ ؛ فنجدُ المُسْلمَ يمتنعُ عن كلِّ كسْبٍ حرامٍ مع فاقته الشديدة ، وذلك اتكاءً على ما لديه من قيمٍ ومقاومةٍ روحيةٍ لدواعي التَّحلُّلِ .

     أيها الإخوة المؤمنون ؛ إنّ هذه القاعدةَ الإيمانيةَ الأخلاقيةَ هي الرصيدُ الاحتياطيُّ الضخمُ الذي تعتمد عليه الأمّةُ في ترميمِ العديدِ من جوانبِ شخصيتها وحياتها ، ومِن هنا ندرك حجم الجريمة التي ارتُكبتْ في حقِّ هذه الأمّةِ حينما دُفعت دفعاً من قِبَلِ أعدائها المستعمرين ؛ على مستوى التنظير ، وعلى مستوى التطبيق ، إلى جعْلِ القيمِ الأخلاقيةِ الدينيةِ في المرتبة الدنيا مِن اهتماماتها ؛ فلما واجه الناسُ ما واجهوه من ضائقاتٍ في العيش ، ومِن شحٍّ في متطلباتِ الحياة الكريمة ، لم يجدوا لديهم سنداً خُلقياً كريماً يعتمدون عليه في الصمود أمام المغريات ، ومحفِّزات الانحدار المختلفة ، وأمام الضغوط الشديدة ، ومسببِّات الاستسلامِ والسقوطِ .

     أيها الإخوة الأحباب ؛ إنّ الذين نُكِنُّ لهم عظيمَ الاحترامِ ليسوا أولئك الذين يملكون كثيراً مِنَ المال ، وليسوا أولئك الذين يملكون الدهاءَ والمكرَ ، وليسوا أولئك الذين يملكون القوةَ الجسديةَ الخارقةَ ، وليسوا أولئك الذين يملكون الرقابَ ، إنما أولئك الذين يملكون الخُلقَ الكريمَ ، ويترفَّعون عن سفاسف الأمور ، أولئك الذين انتصروا على التحدِّياتِ داخلَ نفوسهم ، أولئك الذين يملكون قوةَ الانتظار ، أولئك الذين يملكون التضحيةَ بالعاجلِ في سبيل الآجل ، أولئك الذين يملكون الإيثارَ مع مسيس الحاجة ، أولئك الذين يملكون القلوبَ هؤلاء نُكِنُّ لهم عظيمَ الاحترامِ 0

     إنّه بالإمكان القول : إنّ طابعَ الرقيِّ الحقيقي هو طابعٌ أخلاقيٌّ ، أكثر مِن أنْ يكون طابعاً عمرانياً تنظيمياً ، والجاذبيةُ التي تتمتع بها القرونُ الأولى من تاريخِ الإسلام تنبعُ بشكلٍ أساسيٍّ مِن طابعِ الاستقامة والنبل والتضحية ... وليس مِنَ التفوّق في الحروب أو العلوم أو العمران .

     ولعل الطريق الوحيد إلى كسر أغلال التبعية للغرب يكون عن طريق إحداث (انتفاضة) روحيةٍ أخلاقيةٍ يستعلي بها المسلمُ على المعطيات المادية للوضع الحضاري الراهن ، ويلتفتُ إلى إثراء حياته بوسائلَ لا تحتاج إلى المال .

     أيها المسلمون في كل البقاع ؛ إنّ دراسةَ الحضاراتِ الإنسانية تُوقِفُنا على حقيقة كبرى ، هي أنّ مصيرَ الإنسان يتوقّف دائماً على أمرين : علاقتِه بربّه ، وعلاقتِه بأخيه الإنسان ، والبعدُ الروحيُّ والأخلاقيُّ هو المركزُ والمحورُ في هاتين العلاقتين ، وحين يَنْحطّ الإنسانُ وينحطُّ المجتمعُ يتحوّلُ عن عبادته لربه إلى عبادته لذاته وشهواته ، وتَسودُ علاقتَه بالآخرين القوةُ بدلَ الرحمة ، والقمعُ بدلَ التفاهم ، وينصرف عن العناية بالروح إلى العناية بالجسد ، وعن الاهتمام بالمبدأ إلى الاهتمام بالمصلحة ، ويتحوّلُ المجتمعُ كلُّه إلى غابةٍ يشعر كلُّ واحدٍ فيها أنّ مِن حقِّه افتراسَ الآخرين ، كما أنّه من الممكن أنْ يكون فريسةً لواحد منهم .

     أيها الإخوة الأحباب ؛ الطريقُ الوحيدُ للحيلولة دونَ هذه الحالة يكمن في تدعيم الرقابة الذاتية ، وتعزيز علاقة العبد بربه ـ جل وعلا ـ ، وتحفيز الإرادة الخيِّرة في الناس ، وهذا الحلُّ وإنْ كان مُكْلِفاً على المدى القريب ، فإنّه سفينةُ نوحٍ على المدى البعيد .

     لن يكون بإمكانِ أفضلِ النُظُمِ الاجتماعيةِ ، ولا في إمكانِ أَقصى العقوباتِ الصارمةِ أنْ تقوِّم الاعوجاجَ ، ولا أنْ تملأ الفراغَ الناشئَ مِن ذبولِ الرُّوح ، وانحطاط القيم ؛ فالعقوبات لا تنشئ مجتمعاً لكنها تحميه ، والنظم مهما تكن مُحكَمة ومتقَنة لنْ تحُولَ دون تجاوزِ الإنسانِ لها ، وتأويلها بما يجهضها ، وكل الحضارات المندثرة تركت تنظيماتها وأدوات ضبطها خلفها شاهدةً على نفسها بالعقم والعجز .

     يا أيها الإخوة الأكارم ؛ لا بدَّ أنْ نكون على يقينٍ أنّ تيارَ الشهواتِ والنّزوات الجارفَ لا يمكن إلاّ أَنْ يقابَلَ إلا بتيارٍ روحيٍّ متدفقٍ عارم مِنَ المشاعر والأحاسيس الإيمانية ؛ فوظيفةُ الفكر الدلالةُ على الطريق ، وعلى الأساليب والأدوات المناسبة للعمل ؛ لكنّ الذي نستمدُّ منه الطاقةَ على الاندفاع في طريق الخير ، والطاقة على كَبْحِ جِمَاحِ الشرِّ هو الروحُ والإيمانُ العميقُ ، ورصيدُنا من المشاعر الحميمة ، وإنّ كثيراً مِنَ الشبّان الذين جَرَفَهُم تيارُ الجنسِ والمجونِ والخلاعةِ لم يكونوا بحاجة إلى أدلّةٍ على فضلِ العفّةِ والاستقامةِ ، وإنّما كانوا بحاجةٍ إلى شيءٍ مِنَ المعاني التي تفيضُ على القلب بسببِ تَذَوُّقِ طَعمِ العبودية الحقيقية لله ، والإحساسِ الصادقِ بمعية اللّه ـ تعالى ـ واطّلاعِه عليهم .

     حين يبلُغُ التقدّمُ التقني أقصى مداه ، ويشعر المرءُ بالتُخمة من أداوت (التحكُّم عن بُعْدٍ) وكل ما يجعل الحياة خالية من التحديات ـ آنذاك ـ تنبعث أشواقٌ في النفس قديمة جديدة ، هي أشواقُ الروح ، وما وراء المادة ، عالَم العودةِ إلى التراحمِ والتعاطفِ والتضحيةِ ببعض المكاسبِ من أجلِ استمرارِ حياةِ الجميع ، وإنّ الأخلاقيين اليوم هم المستقبليّون غداً ، وهل يُعرف فضلُ الماءِ إلا عند اشتدادِ الظمأ ؟! .

      إنّ الإسلامَ يعلِّمنا أنّه بالإِمكان تصحيحُ المسارِ قبل أنِ نرتطمَ بقاع الهاوية ، كما يعلّمنا أنه بالإمكان أن نتحول من الخسارة إلى الربح قبل أن يصبح الرصيدُ صفراً ؛ ذلك إذا أصغينا إلى نداءِ الفطرة في أعماقنا ، وضغَطْنا على بعض حاجاتِ الجسد مِن أجلِ إنعاشِ الروح ، وفكّرنا مَلياً فيما هو آت ، وفيما ينتظرنا .

          أيها السادة المستمعون ، أيتها السيدات المستمعات ، في العالَم المتخلِّف روحياً ودينياً تحوّلتْ مرجعيةُ الأخلاقِ (من الوحي) إلى (العقل التبريري) ، الذي يرتبط بالمصالح والأهواء أكثرَ مما يرتبط بالمبادئ والقيم ، لذلك طلعَ علينا الغربيون بما يسمى (النسبية الأخلاقية) ، حيث يقولون : ما كان منكراً في زمن يصبح مقبولاً قي زمن ، وما كان رذيلةً في مجتمع يصبح فضيلةً في مجتمع ... وهكذا أصبح الطريقُ مُمَهّداً لتحويلِ الأخلاقِ الفاضلةِ إلى (رذائلَ في ثوب فضائل) ، وهذه أخطرُ قضيةٍ في الأخلاق ، (النسبية الأخلاقية) .

     كلُّ ذلك بسبَبِ أنّ الناسَ الشاردين عن سرِّ وجودهم وعن غاية وجودهم رأوا أنّ النموَّ الاقتصاديَّ هو الصنمُ الذي ينبغي أنْ تُقدّم له كلُّ القرابين ، هذا في المجتمع الدولي كلِّه ، ولو كانت على حسابِ الدِّينِ والقيمِ  .

     وصارت النجاةُ مِن تأثيراتِ ذلك التحوُّل الأخلاقي الكبيرِ صعبةً جدًّا ؛ فالتواصلُ الكونيُّ الهائلُ وَضعَ العالَمَ فيما يُشْبِهُ الخلاَّطة الكبيرة !.

     إضافةً إلى الضغوطِ الرهيبةِ التي تتعرض لها المبادئُ الأخلاقيةُ ، يضاف إلى ذلك الصعوباتُ الحياتيةُ التي تواجه كلَّ مَن يرفض المساومةَ على أخلاقه واستقامته .

     إنّ كثيرًا من الناس في هذه المجتمعات المعاصرةِ يعيش اليومَ دونَ أيِّ هدفٍ سامٍ ، فتأمينُ الحاجاتِ الضروريةِ هو شُغْلُهُم الشاغلُ ، وامتلاكُ بيتٍ صغيرٍ يُعَدُّ نصراً في معركة شرسة !.

     لقد صار الواحدُ من هؤلاءِ في هذه المجتمعاتِ أشبهَ بالحيوان البرِيِّ الذي يقضي حياتَه في حديقة الحيوانات ، فهو ليس معزولاً عن بيئته الطبيعية فحسب ، بل إنه معزولٌ أيضًا عن أعماقِ ذاته !.

     أيها الإخوة الأعزّاء ؛ هذا التردِّي الأخلاقيُّ الذي تعاني منه المجتمعاتُ المعاصرةُ لم يكن جديداً في تاريخ البشرية ، فالتاريخُ يُعيدُ نفسَه ، وإليكم الدليل .

     لقد ذكر اللهُ لنا في القرآن الكريم قَصصَ شعوبٍ كثيرةٍ في الماضي الغابر ، مُشابِهةً للعديد من شعوب اليوم ، وأخبرَ القرآن عن تخلِّفها الأخلاقيّ ، ولكنّه أشاد بعظمة عمارتها للأرض ، فمِن تلك الشعوب قومُ عادٍ ، قال مشيراً إلى جبروت عمرانهم وقوّتهم المادية ، فقال تعالى : ]أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ[ .

[سورة الشعراء : الآية 128-129]

     أما عن قوتهم العسكرية والقتالية فقال : ]وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ[ .

                    [سورة الشعراء : الآية 130]  

    وقال أيضاً : ]فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً[ .

[سورة فصلت : مِنَ الآية 15]

     وقد أشار القرآن الكريم إلى تفوق عادٍ في شتى الميادين ، فقال تعالى : ]أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ[ .

                          [سورة الفجر : الآية 6-8]

     وكذلك ثمود سبقوا الناسَ في خرق الجبال ، وجَوْبها ، ونحتِ المساكن وتجميلها ، وبناءِ القصور في السهول ، قال تعالى : ]وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ[ .

[سورة الفجر : الآية 9]

    وقال سبحانه : ]وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ[ .

                      [سورة الشعراء : الآية 149]

     وقال : ]تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا[  .

[سورة الأعراف : مِنَ الآية 74]

     وقد وصف القرآنُ الكريمُ قومَيْ عادٍ وثمودَ - دقِّقوا - بالذكاء والفهم والاستبصار ، فقال تعالى : ]وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ[ .

                       [سورة العنكبوت : الآية 38]

     وذكَر القرآنُ بشكلٍ عامٍّ عظمةَ العديد مِنَ الشعوب السالفة والماضية في العمران والقوة ، فقال تعالى : ]أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا[  . 

[سورة الروم : مِنَ الآية 9]

     وعلى النقيضِ مِن ذلك نجد أنّ تلك الشعوبَ السالفةَ كانت منحطّةً أخلاقياً ، ساقطةً دينياً ، أو ببساطة بالغة ، كانت مُفْسِدةً للأرض وللناس ، مهلكة للبلاد والعباد ، فمثلاً ، قال القرآن الكريم عن عاد وثمود وفرعون : ]الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ[ .

[سورة الفجر : الآية 11-12] 

   وعن قوم نوح أنهم كانوا أطغى من عاد وثمود : ]وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى[ .

[سورة النجم : الآية 52]  

     وفي ذلك إشارة إلى أن عاداً وثمودَ ومَن لحقهم كانوا طغاة و مجرمين ، بغَضِّ النظرِ عن تفوُّقِهم العمراني أو الحربي .

     إذًا ليس هناك علاقة بين التفوق الديني والأخلاقي من ناحية ، والتطور العمراني والعسكري من ناحية أخرى .

     فكم مِن شعوبٍ بلغت الذروةَ في البناء والتعمير والقوة العسكرية ، ولكنها تسفّلت في الدين والأخلاق أيَّما تسفّل ، ثم سقطتْ حضارتُها العمرانية العظيمة مُنهارةً إلى الأبد بسبب فسادها ، ومَن يقرأُ ما سطروا لا يجد أحداً منهم يذكرُ الله إلا قليلا ، أمّا أصنامهم ، وآلهتهم فلا تكاد تحصى.

     ولكن ... قد يسأل سائل : ما الفائدةُ مِن تلك القصص ؟ فتلك شعوب قديمة هلكت وانتهت ،      نقول :  مَن لا يفهم الماضي فلن يفهمَ الحاضرَ ، ومَن لا يعتبر من أخطاء غيره  فلا بدّ أنْ يقع فيها .

     وقَصصُ القرآنِ الكريم عن الشعوب القديمة ليست عبثاً ، فما دام اللهُ جل جلاله قد ذكر تلك الأقوامَ القديمةَ في قرآن يُتلَى إلى يوم القيامة فلا بد مِن فائدة عظيمة ، قال تعالى : ]لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَاب[ .

[سورة يوسف : الآية 111]

     فهذا الذِّكْرُ من أجل ألاّ تنبهر الشعوبُ الضعيفةُ اليوم بالغرب ، بقوته العسكرية ، ومنشآته العمرانية ، وتقدُّمه الخطير في شتى الميادين ، لئلا تراه مارداً ، قوياً ، جباراً يفعل ما يريد 0

     ولكن أليست هذه الأممُ أمثالَ عادٍ وثمودَ تأكلُ حقوقَ الأمم مِن خلال هيئة الأمم ، أليست هذه الأمم أمثالَ عاد وثمود تَسلبُ أَمْنَ الشعوب مِن خلال مجلس الأمن ، أليست هذه الأمم المسيطرة أمثالَ عاد وثمود تبني مجدها على أنقاض الشعوب ، أليست هذه الأمم المسيطرة أمثالَ عاد وثمود تبني غناها على إفقار الآخرين ، لقد طغتْ ، وبغتْ ، وتغطرستْ ، ونسيتْ وعيد الله لها ، قال تعالى : ]وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ [  .

[سورة إبراهيم : الآية 42]

     وقال أيضاً : ]لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ[ .

                            [سورة آل عمران : الآية 196-197]

     لقد قالوا : ]مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً[ ، وكذلك تقول بعضُ الدول العظمى ، أو بعضُ الدول التي تعتمد على دول عظمى ، واللهُ يقول لهؤلاء جميعًا ، قدماء ومحْدَثين : ]أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً[ .

[سورة فصلت : مِنَ الآية 15]

     لو كنا نقرأُ القرآنَ كلّ يومٍ لعلَّمنا أنّ شعوباً كثيرةً كعادٍ وثمودَ وغيرِها قد تفوّقتْ في عمران الأرض كما يتفوّق الغربُ اليومَ ، ولكنها ضلّت ، وأضلت ، وفسدت ، وأفسدت ، وطغت ، وبغت وشردت عن عبادة خالقها ، وانحطّتْ أخلاقُها 0

     أيها الإخوة المؤمنون ؛ إنّ الإسلامَ ليس ضد العلمِ والعمل ، بل يأمر بهما ، ولكنه ضد الكفر وعبادة الطواغيت ، والعلوّ في الأرض بغير الحق ، والفساد والظلم ، وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطل ، وإهلاكِ الحرثِ والنسلِ .

    ولكن ماذا كانت نتيجةُ عادٍ وثمودَ ؟ وهي النتيجةُ التي تنتظرُ كلَّ قومٍ كعادٍ وثمودَ ، قال تعالى : ]فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ*وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ*سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ[ .

[سورة الحاقة : الآية 5-8]

    وقال سبحانه : ]حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ[ .  

[سورة يونس : الآية 24]

     وكمثلٍ معاصر من عاد وثمود ، هذا الكيان الصهيوني الذي سلب أرض شعب ، ونهب ثرواته ، وانتهك حُرُماتِه ، ودنّس مقدّساتِه ، وداس كرامتَه ، وقهر إرادتَه ، وأفسد عقائِدَه ، وفرّغ قيمَه ، وزوّر تاريخَه ، وحمله على الفساد والإفساد ، ومارس عليه ألوانَ التجهيلِ ، والتجويعِ ، والتعذيبِ .

     ثم إنّ تصعيدَ العدوانِ الوحشيِّ من قِبَلِ القيادة المجرمة للكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني ، والأمة العربية ، وعلى مواقعنا في لبنان ، يدفع المنطقةَ إلى حافَةِ الحرب وأُتُونِها ، فهل يُعقَل أن تُسْتَخْدَمَ أحدثُ الطائراتِ المقاتلةِ العملاقةِ لقصفِ شعب أعزلَ ، لا يملك إلا الحجارة ؟! ، لقد وصف أحدُ الصحفيين أحدَ الطغاةِ المجرمين بأنه ثور هائج ، مُصابٌ بجنون البقر .

     لقد شرَّف اللهُ الأمةَ العربية ببعثةِ النبيِّ الأعظمِ e ، فاستجابتْ لله وللرسول حينما دعاها لما يُحْيِيها ، وجعلت الوحيَ مَرجعاً لمعتقدها ، والشريعةَ الغراءَ منهجاً لحياتِها ، والقيم الخلقية التي جاء بها القرآنُ هدفاً لطموحاتها ، عندئذ أنجزَ اللهُ لها وعدَه بالنصر والتأييد والاستخلاف والتمكين ، فامتدت الدولةُ الإسلاميةُ التي عاصمتُها دمشقُ ، من الصينِ إلى إسبانيا ، تنشرُ تعاليمَ الإسلامِ المستندةَ إلى مبادئِ التسامحِ والعدلِ والإخاءِ والمساواةِ ، هذا ما قاله السيد الرئيس في خطابه في بلدية باريس خلال زيارته الأخيرة لفرنسا.

     أيها الإخوة المؤمنون ؛ إذا أردنا أنْ نستعيدَ دورَنا القياديَّ في العالم ، وأنْ ننقل إلى الشعوب رسالةَ الإسلام الخالدةَ التي ذكرها السيدُ الرئيسُ في خطابه الآنف الذكر فعلينا أن نستجيب لله وللرسول لِمَا يحيينا ، وأن نجعل الوحيَ مرجعاً لمنطلقاتنا النظرية ، والشريعةَ الغراءَ منهجاً لسلوكنا العملي ، عندئذ يتحقَّق وعدُ الله لنا بالاستخلاف والتمكينِ في الأرض .

     أقول قولي هذا ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ، فاستغفروه يغفر لكم ، فيا فوز المستغفرين ، والحمد لله رب العالمين

الخطبة الثانية :

     الحمد ثم الحمد لله ، الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين 0

     إخوة الإيمان في كل مكان ، إلى الموضوع العلمي :

     إذا كان موضوعُ الخطبة الأولى : أثرَ القرآن في تقويمِ سلوكِ الإنسانِ فإنّ موضوعَ الخطبة الثانية هو أثرُ القرآنِ في تقويمِ سلوكِ النباتِ .

     باحثُ عربي عُرِف بإنتاجه العملي الغزير على المستويين العربي والدولي ، وهو أستاذٌ جامعيٌّ ، له وزنه ، اختصاصه في علم فَزْلجة النبات ، وقد اشتهر بتجاربه العلمية الرائدة ، فمِن تجاربه التي ربما لا تُصَدَّق ، إلا أنّ الواقعَ أثبتها ، أنه في عام ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين نَصَبَ أربعةَ بيوتٍ مَحْمِيَةٍ في حديقةِ كُلِّيةِ العلوم في جامعته ، وزرَعَ فيها قمحاً مِن نوعٍ مُعَيَّن ، هذه البيوت مُوحّدة بحجمها ، مَلأَها بكمياتٍ متساويةٍ نوعاً وكمًّا مِنَ التراب الزراعي ، وغَرَسَ فيها عدداً موحداً مِن بذور الحنطة على عمق واحد ، وتمّ تسميدُها جميعاً بكميات متساوية مِنْ سَمادٍ معيَّن ، وسمّى اسمه ، وسُقِيتْ جميعاً بِذاتِ العددِ مِنَ السقيا ، وبكميات ماء متساوية ، ثم اختار إحدى طالباته لتقرأَ السورَ القرآنية التاليةَ : يس ، والفاتحة ، والإخلاص ، وآية الكرسي ، مرتين في الأسبوع على البيت الأول ، ولمدة أربعة أشهر ، وفي البيت الثاني ، كلّف طالبةً أنْ تأتي بنَباتٍ ، وأنْ تمزِّقه ، وأنْ تقطع أوصالَه ، وأنْ تُسمعِه كلماتٍ قاسيةً أمام نباتِ البيتِ الثاني ، مرتين في الأسبوع ، ولمدة أربعة أشهر ، وفي البيت الثالث كلّف طالبةً ثالثةً بِضَرْبِ النباتِ وكيِّه ، وتعريضِ وُرَيْقاتِه للتمزيقِ والقصِّ مرتين في الأسبوع ، ولمدة أربعة أشهر 0

     ففي بيت قُرِئَ على نباته سورٌ من القرآن ، وفي بيت عُذِّب أمامه نباتٌ ، و بيت تَلقّى نباتُه التعذيبَ ، والبيت الرابع تُرِك لينموَ نمواً طبيعياً ، وأطلق عليه اسم البيت الضابط ، فماذا كانت النتيجة ، وقد عُرِضتْ في مؤتمر علمي ؟ النتيجة أنّ نباتَ البيتِ الأولِ الذي تُلِيَ عليه القرآنُ الكريمُ ازداد طوله أربعةً وأربعين بالمائة عن طول نبات البيت الرابع الضابط ، وازدادت غلّتُه مائة وأربعين بالمائة عن غلّة البيت الرابع الضابط ، أمّا البيت الثاني والثالث الذي تحّمل التعذيب أو رأى التعذيب ، فقد تدنّى طولُ نباتاته خمسةً وثلاثين بالمائة نقصاً ، ونزل إنتاجُه إلى ثمانين بالمائة نقصاً أيضاً ..

     يقول هذا الباحث : النباتاتُ كمخلوقات الله الأخرى ، تشعر ، وتسمع ، وتستجيب سلباً أو إيجاباً لما حولها من مؤثِّراتٍ خارجية  0

     والآن إلى القرآن الكريم ... قال تعالى : ]تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا[ .

[سورة الإسراء : الآية 44]

      وقال تعالى : ]لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ[ - لا على نبات حيّ - ]لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون[ .

[سورة الحشر : الآية 21]

      وقال تعالى : ]وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ[ .

[سورة الرحمن : الآية 6-7]

      فإذا كان هذا شأنَ النبات مع القرآن الكريم ، فهل يُعقَل أنْ يَغفلَ الإنسانُ وهو المخلوقُ المكرَّمُ ، والمعنيُّ الأول مِنْ هذا القرآن ، هل يعقل أن يغفل عن هذا القرآن الذي يهدي للتي هي أَقْوَم ، حتى يصدق على المسلمين  قوله تعالى : ]وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا[ . 

[سورة الفرقان : الآية 30]

     أيها الإخوة الأحباب ؛ إني داع فأمِّنوا : اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وُحُولِ الشهوات إلى جنات القربات ، اجعلنا نخشاك حتى كأنا نراك ، وأسعدنا بلقياك ، ولا تشقنا بالبعد عنك ، خِرْ لنا في قضائك ، وبارك لنا في قدرك ، حتى لا نحب تعجيل ما أخّرتَ ، ولا تأخيرَ ما عَّجلتَ ، ألزمنا سبيل الاستقامة لا نحيد عنها أبداً ، اهدنا لصالح الأعمال والأخلاق لا يهدي لصالحها إلا أنت ، نسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والعزيمة على الرشد ، والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار ، اغفر للمسلمين والمسلمات ، وألِّف بين قلوبهم ، وأصلح ذات بينهم ، واهدهم سبل السلام ، وجنبهم الفواحش والآثام ، ما ظهر منها وما بطن ، اللهم أصلح شباب المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين ، وأصلح النساء المسلمات ، واجعلهن تقيات ، عفيفات ، طاهرات 0

     اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .

     اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم ، فأقرر أعيننا من رضوانك ، اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، اللهم وفق ولاة المسلمين لما تحب وترضى ، اللهم ألف بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى .

     اللهم  انصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، وفي شمالها وجنوبها ، وفي الأرض المحتلة يا رب العالمين ، على أعدائك وأعدائهم .

     اللهم وفق السيد رئيس الجمهورية بشار الأسد لما فيه خير البلاد والعباد ، اللهم هيّئ له بطانة خير ، ووزراء صدق يا رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين .

 

 

 

***

Copyright © 2007 Nabulsi