English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الخطبة الإذاعية : 60 : بتاريخ 8/11/2002 : خ1 : الصيام - خ2 : آية الله في مخلوقاته "الذباب" ـ لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله رب العالمين ، غافر الذنب ، وقابل التوب ، شديد العقاب ، ذي الطول ، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده في النهار ليتوب مسيء الليل ، وينادي : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ ويقول : عبدي لا تعجز ، منك الدعاء وعلي الإجابة ، منك الاستغفار وعلي المغفرة ، منك التوبة وعلي القبول ، من أحبنا أحببناه ، ومن عصانا أمهلناه ، ومن رجع إلينا قبلناه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، يا رب لك العبادة وإليك التوجه ، ومنك الخشية وعليك الاعتماد ، لا احتكام إلا إليك ، ولا سلطان إلا لشريعتك ، ولا اهتداء إلا بهديك ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله بلَّغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الغُمَّة ، وجاهد في الله حق الجهاد ، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير .

 

Text Box: الصيام :

 

أيها الأخوة المؤمنون ، إن الله جل جلاله قد امتن على عباده بموسم الخيرات ، فيها تضاعف الحسنات ، وتمحى السيئات ، وترفع الدرجات ، تتوجه فيها نفوس المؤمنين إلى مولاها .

 ( سورة الشمس ) .

وإنما خلق الله الخلق لعبادته فقال تعالى :

 ( سورة الذاريات ) .

ومن أعظم العبادات الصيام الذي فرضه على العباد فقال :

 (سورة البقرة)

ورغَّبهم فيه فقال :

 (سورة البقرة)

وأرشدهم إلى شكره على فرضه فقال :

( سورة البقرة ) .

وحببه إليهم وخففه عليهم لئلا تستثقل النفوس ترك العادات وهجر المألوفات فقال:

( سورة البقرة ) .

ورحمهم ، ونأى بهم عن الحرج والضرر ، فقال سبحانه وتعالى :

 ( سورة البقرة ) .

فلا عجب أن تقبل قلــوب المؤمنين في هذا الشهر على ربهم الرحيم يخافونه من فوقهم ، ويرجون ثوابه ، ويخشون عقابه .

 

Text Box: الصوم عمل اختصه الله من بين سائر الأعمال :

 

أيها الأخوة الكرام ، حضوراً ومستمعين ، الصوم عبادة من أجلّ العبادات ، وقربة من أشرف القربات ، وطاعة مباركة ، لها آثارها العظيمة ، والكثيرة ، والعاجلة ، والآجلة ؛ من تزكية النفوس ، وإصلاح القلوب ، وحفظ الجوارح من الفتن والشرور ، وتهذيب الأخلاق ، وفيها من الإعانة على تحصيل الأجور العظيمة ، وتكفير السيئات المهلكة، والفوز بأعلى الدرجات .

أيها الأخوة الكرام ، والصوم عمل اختصه الله من بين سائر الأعمال ، ففي الحديث القدسي الصحيح عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ :

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ...)) .

[البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

كفى بذلك تنبيهاً على شرفه وعظم موقعه عند الله مما يؤذن بعظم الأجر عليه ، فبإضافة الله تعالى الجزاء على الصيام إلى ذاته العلية تنبيه على عظم أجر الصيام ، وأنه يضاعف عليه الثواب أعظم من سائر الأعمال ، ففي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمئة ضِعْفٍ ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجــَلَّ : إِلا الصَّوْمَ ، فَإِنَّهُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ ، فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)) .

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

فما ظنك أيها الأخ الكريم بثواب عمل يجزي عليه الكريم الجواد بلا حساب .

 ( سورة يونس) .

 

Text Box: الإخلاص أظهر في الصيام من غيره بين العبادات :

 

أيها الأخوة الأحباب ، الإخلاص أظهر في الصيام من غيره بين العبادات ، فإنه سر بين العبد وبين ربه ، لا يطلع عليه غيره ، إذ بإمكان الصائم أن يأكل ويشرب متخفياً عن الناس ، فإذا حفظ صيامه عن المفطرات ومنقصات الأجر دل ذلك على كمال إخلاصه لربه ، وإحسانه العمل ابتغاء وجهه ، ولذا يقول الله عز وجل في الحديث القدسي :

 ((يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي))

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ] .

نبه سبحانه على وجهة اختصاصه ، وبالجزاء عليه ، وهو الإخلاص ، والصيام جنة ، يقي الصائم ما يضره من الشهوات ، ويجنبه من الآثام التي تجعل صاحبها عرضة لعذاب النار ، وتورثه الشقاء في الدنيا والآخرة ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَاباً لَا نَجِدُ شَيْئاً ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ ، مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)) .

[البخاري عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ ]

ومعنى ذلك أن الصوم قامع للشهوة فيقي صاحبه عنة العذوبة ومخاطرها ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ اللَّهُ :

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ ، وَلا يَصْخَبْ ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلــَهُ فَلْيَقُلْ : إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا ، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)) .

[البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

وفي المسند عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

 ((إِنَّمَا الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ ، هُوَ لِي ، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) .

[أحمد عَنْ جَابِرٍ]

 

Text Box: فضائل الصوم :
:

 

1ـ الصوم من أسباب استجابة الدعاء :

من فضائل الصوم أيها الأخوة حضوراً ومستمعين أنه من أسباب استجابة الدعاء، ولعل في قوله تعالى :

 ( سورة البقرة )

مما تنبه هذه الآية على الصلة الوثيقة بين الصيام وإجابة الدعاء .

2ـ الصوم من أسباب تكفير الذنوب :

ومن فضائل الصوم أنه من أسباب تكفير الذنوب ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ :

((الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ)) .

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

3ـ الصوم يشفع لصاحبه يوم القيامة :

ومن فضائل الصوم أنه يشفع لصاحبه يوم القيامة ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَقُولُ الصِّيَامُ : أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهـــَارِ ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ : مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ ، قَالَ : فَيُشَفَّعَانِ)) .

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

4ـ فرح الصائم بما يسَّره الله له من الصوم في العاجل والآجل :

ومن فضائل الصوم فرح الصائم بما يسَّره الله له من الصوم في العاجل والآجل كما في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : قـَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَــانِ يَفْرَحُهُمَا ، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ)).

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ ]

وهذا من الفرح المحمود ، لأنه فرح بفضل الله ورحمته ، ولعل فرحه بفطره لأن الله منَّ عليه بالهداية إلى الصيام ، وبالإعانة عليه حتى أكمله ، وبما أحله الله له من الطيبات التي يكسبها الصائمون لذة وحلاوة لا توجد في غيره ، ويفرح عند لقاء ربه ، حين يلقى الله راضياً عنه ، ويجد جزاءه عنده كاملاً موفوراً .

5 ـ طيب عاقبته في الآخرة :

ومما يدل على فضل الصيام ، وطيب عاقبته في الآخرة حديثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)) .

[صحيح البخاري عن أبي هريرة]

وإنما كانت هذه الريح طيبة عند الله تعالى مع أنها كريهة في الدنيا ، لأنها ناشئة عن طاعة ، فهي محبوبة لديه ، ولعل في الحديث الشريف ما يشير إلى أن هذا الخلوف يفوح يوم القيامة من فم صاحبه أطيب من ريح المسك ، حين يقف بين يدي ربه ، مثله مثل الشهيد حين يأتي يوم القيامة ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَا مِن ْمَكْلُومٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَلْمُهُ يَدْمَى ، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ)) .

[البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

6ـ اختص الله الصائمين بباب من أبواب الجنة لا يدخل منه سواهم :

ومن فضائل الصيام أن الله اختص أهله باباً من أبواب الجنة لا يدخل منه سواهم فينادون منه يوم القيامة إكراماً لهم ، وإظهاراً لشرفهم ، كما في الصحيحين عَنْ سَهْلٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَاباً يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ ، يُقَالُ : أَيْنَ الصَّائِمُونَ ؟ فَيَقُومُونَ ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ)).

[البخاري عن سَهْلٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

أيها الأخوة الكرام ، انظروا كيف يقابل عطش الصائم في الدنيا بباب الريان في الجنة في يوم يكثر فيه العطش .

 

Text Box: شهر رمضان شهر الصبر :

 

أيها الأخوة الكرام ، شهر رمضان شهر الصبر ، فالبناء الأخلاقي أساسه الصبر، الذي هو قرين الصوم ، وسميه حتى سمي الصوم صبراً ، كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى :

 ( سورة البقرة )

قالوا : الصوم والصلاة ، وسمي رمضان شهر الصبر ، والصبر جزاءه الجنة ، وهو سيد أخلاق الإسلام ، وبغيره لا يثبت المسلم أمام التحديات في دينه ودعوته ، ولا يتحمل مشكلات الحياة وتبعتها ومصائبها التي لا ينفك عنها بحال ، فالفوز في الآخرة والسعادة في الدنيا ثمرتان من ثمار الصبر .

الصبر أيهـا الأخوة ، هو إكسير الحياة الذي يحوِّل بإذن ربه الصعاب إلى رغائب ، والهموم إلى أفراح ، الصبر هو علاج كل داء ، وحل كل مشكلة ، وتذليل كل عقبة.

 ( سورة آل عمران الآية : 120 )

 

Text Box: الصوم عبادة يشترك فيها المسلمون في كل مكان مما يعمق معنى الإخاء الديني :

 

ويتجلى البناء الأخلاقي في الرقي بالنفس إلى مدارج العبودية ، والتخفف من أوزار الطين وثقل الأرض ، لتستشرف النفس آفاق الإيمان ، وتستشعر شيئاً من الأنس بالقرب من فاطرها وبارئها ، وتسبح في ملكوتها . فالإنسان إنسان بروحه وشفافيته قبل أن يكون إنساناً بجسده :

أقبل على النفس واستكمل فضائلها          فإنك بالروح لا بالجسم إنسان

*   *    *

يتجلى أيها الأخوة في الإيثار ، والإحسان ، ومعايشة آلام الآخرين ، ومقاسمتهم السراء والضراء ، وذوق شيء مما يجدون ، ولأن ذاقه الصائم تعبداً واختياراً فلقد ذاقه الفقراء عجزاً واضطراراً ، ولئن عاناه الصائم وقتاً محدوداً فهو عندهم عناء ممدود ، ولهذا كان رمضان شهر الزكاة كما سماه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه ، ونهايته زكاة الفطر التي يشارك المسلمون فيها الإحساس بفرحة العيد ، فلا يدعون أحداً منه إلا وواسوه ، حتى فقرائهم يخرجون زكاة الفطر إن قدروا ليذوقوا طعم الإنفاق ولو مرة في العام .

أيها الأخوة الكرام ، ويتجلى في الإمساك بزمام النفس عن اندفاعاتها وحماقاتها عن صاحبها ، ومع الخلق فالصائم مقيد بشعور دائم يحمله على الكف عن ما يجمله ولا يليق، وربما أدرك كثير من الصوَّام هذا المعنى قبل أن يهل رمضان ، كما يحقق الصوم معنى الانتساب الأممي وتبعاته ومظاهره ، فهو عبادة يشترك فيها المسلمون في كل مكان مما يعمق معنى الإخاء الديني ، والولاء الشرعي ، ويذكر بوجوب الانعتاق من الروابط المنافية لذلك ، وينهى أن توضع الروابط العادية البشرية في مكان غير صحيح ، فلا تتحول إلى علاقة تساوي العلاقة الربانية بين أهل الإسلام ، وكم يتمنى المرء أن يستطيع المسلمون توحيد صيامهم وفطرهم ليتعمق معنى الأمة الواحدة ، ولتذوب الفواصل والعوائق التي تتراكم بمرور الزمان ، فيكون الجسد الواحد رقعاً متناثرة يهدم كل طرف منها ما بناه الآخر .

أيها الأخوة الكرام ، حضوراً ومستمعين ، إن تجاوز هذه التناقضات يتطلب صدقاً وارتفاعاً عن المصالح الخاصة ، والانتماءات الأرضية ، وإيثاراً لروح الجماعة على أنانية الذات فهل نحن فاعلون ؟!

 

Text Box: الصوم يذكر المسلم بالجهاد الذي هو حراسة هذا الدين :

 

أيها الأخوة المستمعون ، أيتها الأخوات المستمعات ، الصوم يذكر المسلم بالجهاد الذي هو حراسة هذا الدين ، وذروة سنامه ، وسطوته على مناوئيه ، فلقد كان تاريخه الشهري ملتبساً بالمواقع الفاصلة من بدر تاج معارك الإسلام إلى فتح مكة ، التي كانت إيذاناً ببسط سلطانه على جزيرة العرب ، إلى حطين ، إلى عين جالوت ، والكتاب الذي آذن المسلمون بأنه كتب عليهم الصيام هو الذي آذنهم بأنه كتب عليهم القتال ، لكنه ليس قتالاً بنصرة عنصر ماجن ، ولا لتسلط ظالم طاعن ، ولا لجباية أموال حرام ، ولا لاحتلال منابع الثروات ، لكنه لتكون كلمة الله هي العليا ، وحتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله .

الجهاد أيها الأخوة ، إيذان لأنه ليس كل الناس يؤمنون بالدعوة ، بل هناك الرؤوس المتغطرسة مما لا يلين إلا بالقوة ، والحديد بالحديد يفلح ، ولهذا بعث الله رسوله بالكتاب وبالحديد فقال سبحانه :

 (سورة الحديد)

أيها الأخوة الكرام ، فالكتاب والبينات أصل الرسالة ولبُّها ، والحديد سورها وحمايتها ، والذين يقارعون البغي والظلم في فلسطين وغيرها من بلاد المسلمين التي احتلها الأعداء واستباحوا خيراتها هم النواب عن الأمة في الحفاظ على هذه الشريعة العظيمة ، فحق على الأمة أن تكون من ورائهم بالنصرة الصادقة ، وليس بالعاطفة وحدها .

يقول السيد الرئيس في أحـد مؤتمرات القمة : " نشهد المزيد من إزهاق الأرواح في منطقتنا ، ونرى الأمة العربية والإسلامية تضيف إلى رصيدها المزيد من الفقر والجوع ، والكثير من الظلم والاضطهاد ، كما رأيناها تبتعد أكثر فأكثر عن هويتها حتى تكاد تذوب في هويات الآخرين ، وفي المقابل كانت دول أخرى تزداد طغياناً واستغلالاً ، ويشرعن للغير قتلها وتدميرها ، مما أدى إلى تزايد شدة التناقضات والمفارقات في مناطق مختلفة من العالم ، يدمر العراق من أجل قرارات الأمم المتحدة ، وتدمر قرارات الأمم المتحدة من أجل إسرائيل، ومن الأمور المؤسفة والمضحكة في الوقت نفسه أن بعض قرارات مجلس الأمن تفسر بحسب خطوط الطول والعرض ، وبحسب الدول التي تطبق عليها " . انتهى النص المقتبس .

 

Text Box: الصيام من أجل التقوى :
:

 

هل يعود رمضان الذي عرفه المسلمون ينبض بالروح والحياة والعطاء ، وليس بالنوم ، وضياع الأوقات ، والتسابق إلى الملذات ، والسهر في الخيام التي ترتكب فيها المعاصي والآثام . جاء في تفسير في قوله تعالى :

 (سورة البقرة)

هذا تعليل لفرضية الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا ، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله عز وجل بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالاً لأمره ، واحتساباً للأجر عنده ، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه ، وتقوى نفسه على النهوض بالطاعات والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :

((الصيام نصف الصبر)) .

[ورد في الأثر]

أيها الأخوة الأحباب ، والصيام من أجل التقوى كما ورد في الآية ، ومن عظيم إكرام الله عز وجل أنه جعل التقوى مخرجاً للإنسان من كل ضيق ، قال تعالى :

 (سورة الطلاق)

إعجاز هذه الآية في إنجازها ، وبلاغها في إطلاقها . عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنِّي لَأَعْلَمُ آيَةً لَوْ أَخَذَ بِهَا النَّاسُ لَكَفَتْهُمْ : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً )) .

[الدارمي عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]

حينمـا تضيق الأمور كما هي الآن ، وتستحكم الحلقات ، وتسد المنافذ ، وتنتصب العقبات ، ويقنط الإنسان تأتي التقوى فتتسع بها المضائق ، وتحل بها العقد ، وتفتح بها المسالك ، وتذلل بها العقبات ، فمن يتق الله عند نزول المصيبة ، فيوحد الله ، ويصبر لحكمه ، ويرضى بقضائه ، ويثبت على مبدئه واستقامته يجعل الله له مخرجاً من هذه المصيبة فيبدل ضيقه فرجاً ، وخوفه أمناً ، وعسره يسراً . فمن يتق الله ، ولا يسمح للأفكار الزائفة أن تأخذ طريقها إلى عقله يجعل الله له مخرجاً من الضياع والحيرة والضلال وخيبة الأمل ، ومن يتق الله فيبرأ ممن حوله ، ويبرأ من حوله وقوته وعلمه يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به بالمعونة عليه ، ومن يتق الله فيقف عند حدود الله فلا يقربها ولا يتعداها يجعل الله له مخرجاً مما كلفه به من الحرام إلى الحلال ، ومن الضيق إلى السعة ، ومن النار إلى الجنة ، ومن يتق الله في كسب رزقه ، فيتحرى الحلال الذي يرضي الله عز وجل يجعل الله له مخرجاً من تقطير الرزق بالكفاية ، ومن إتلاف المال بحفظه ونمائه ، ومن يتق الله في اتباع السنة يجعل الله له مخرجاً من ضلال أهل البدع ، ونتائج ابتداعهم ، ومن يتق الله في اختيار زوجته وفي التعامل معها يجعل الله له مخرجاً معها من الشقاء الزوجي ، ومن يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم وشقائه بشقائهم ، ومن يتق الله في اختيار عمله وحسن أدائه يجعل الله له مخرجاً من إخفاقه فيه .

 

Text Box: من أعظم ما يزكي النفس ويطوعها لطاعة الله عز وجل أن تدرب على الصبر :

 

أيها الأخوة الكرام ، أيتها الأخوات الكريمات : لما كانت النفس البشرية تتوق إلى تناول ما تشتهيه ، وتنفر عن البعد عنه ، فإن من أعظم ما يزكيها ويطوعها لطاعة الله عز وجل أن تدرب على الصبر عن تناول الطيبات التي أباحها الله تعالى إذا أمرها بتركها ، ومن أعظم شهوات النفس الطعام والشراب وغيرهم ، وقد حرم الله على المؤمن هذه الأمور التي لا يستغني عنها في حياته كلها في نهار شهر رمضان بأكمله ، فإذا تركها مخلصاً لله في تلك المدة من الزمن ، فإنه بذلك يكون جديراً بأن يكون من المجاهدين لأعدائه الملازمين وهم نفسه الأمارة بالسوء ، والهوى المردي ، والشيطان المغوي ، والذي ينجح في هذا الجهاد الأكبر يسهل عليه الجهاد الأصغر ، وهو قتال عدوه الخارجي ، ومن لم ينجح في جهاد عدوه الملازم له يصعب عليه جهاد عدوه الطارئ ، لأن الذي لم يروض نفسه على طاعة الله بامتثال أمره ، واجتناب نهيه فيما هو أخف عليه كالصيام مثلاً ، فمن الصعب عليه أن يقف في الصف لمقارعة الأعداء يستقبل بصدره ونحره قذائف المدافع ، ورصاص البنادق ، وأطراف الرماح ، وحد السيوف .

حينما يكـون المسلمون استثناء سلبياً داخل مجتمعات أكثر تقدماً وتطوراً فهذا أمر في غاية الخطورة ، لأنه يعطي الآخرين انطباعاً مباشراً ، لأن سبب هذا التخلف يعود إلى تعاليم الدين ذاته ، وهذا معنى قوله تعالى :

 ( سورة الممتحنة الآية : 5 ) .

أيها الأخوة الكرام ، المشكلة تعود إلى اغترار بعض المسلمين بانتسابهم إلى هذا الدين ، ظانين أنه بمجرد الحصول على لقب مسلم يعفيهم من الالتزام والتقيد بمنهج الله ، أو أن الحصول على جانب من الصلاح يعفيهم من استكمال النقص ، أو قبول النصيحة .

(سورة المائدة)

 

Text Box: معنى الاعتبار :

 

ذكر الله لنا قصص الأقوام السابقة للاعتبار ، ولهذا قال سبحانه بعدما ذكر قصة بني النضير:

 (سورة الحشر)

والاعتبار هو القياس ، والنظر ، وربط الشيء بمثله ، فإذا كان الله سبحانه وتعالى يعيب على الأقوام السابقة من قبلنا ألواناً من الانحرافات والمخالفات ، فما ذلك إلا لنتجنبها ، ولهذا كان من ما يقرأه المسلم في كل صلاة بل في كل ركعة :

 ( سورة الفاتحة ) .

يقول العلماء : المغضوب عليهم هم الذين عرفوا وانحرفوا ، والضالون هم الذين ما عرفوا وانحرفوا ، أي من كان عنده علم وصدق في تصوراته ولكن لم يكن عنده عمل فهذا من المغضوب عليهم ، ومن لم يكن عنده تصور صحيح وإنما عنده عمل على غير هدى الله وبصيرة فإنه من الضالين .

 ( سورة الفاتحة )       

 

Text Box: من الحواجز التي تحول بين الناس وقبول النصيحة هو ادعاء العصمة وعدم رؤية العيوب:

 

أيها الأخوة الكرام ، إن من الحواجز التي تحول بين الناس وبين قبول النصيحة هو ادعاء العصمة ، وعدم رؤية العيوب ، لقد ورد في القرآن الكريم فضل هذه الأمة والثناء عليها ، ولكن هذا الفضل ليس فضلاً يتوارثونه ، لأنهم عرب ، وعاشوا في الأمصار ، وفي البلاد العربية ، فالأرض لا تقدس أحداً ، والقبيلة لا تقدس أحداً ، إنما يقدس الإنسان بعمله ليس غير .

أيها الأخوة الكرام ، إن مئات الملايين من المسلمين اليوم يرون أن مجرد انتسابهم لهذا الدين يكفي لنجاتهم في الآخرة ، ولصلاحهم في الدنيا ، حتى لو لم يفهموا حقيقته ولم يطبقوا تعاليمه ، ولم يتمثلوا قيمه ، وربما تجد عند أحدهم من الثقة بالفوز والنجاة في الدار الآخرة أعظم من ثقة العشرة المبشرين بالجنة ! وأما ما يتعلق بالدنيا فربما تجد الواحد منهم يكدح فيها ليلاً ونهاراً ، ويضني بدنه وجوارحه ، ولكن من دون جدوى ، لأنه لم يأخذ بالأسباب المعتبرة .

(سورة الكهف)

أيها الأخوة ، الكثيرون يطلبون قضاء حوائجهم ، وتفريج كروبهم ، وسداد ديونهم، وتزويج عوانسهم ، وإزالة مشكلاتهم ، ورد غيابهم ، ونصرتهم على أعدائهم بدعاء من دون عمل ، أو يتوقعون الفرج هدية رخيصة تأتي من دون ثمن ، ولِمَ لا ؟ أو ليسوا بالمسلمين ؟! هنا موطن الخلل .

 (سورة التوبة)

 

Text Box: السنن والنواميس لا تحابي ولا تجامل أحداً :
:

 

أيها الأخوة الكرام ، إن السنن والنواميس لا تحابي ولا تجامل أحداً ، والله سبحانه وتعالى يقول :

 ( سورة النساء ) .  

إن كوني من الصالحين لا يسمح لي صلاحي أن أجعل هذا الصلاح ترساً أرفعه في وجه كل من يريد نصحي ، أو الاستدراك عليه ، أو تصحيح خطأ مظنون أو مقطوع ، وهل الصلاح إلا قبول النصيحة من الآخرين ؟

أيها الأخوة الكرام ، الإسلام نفسه دين عمل ، العمل للدنيا ، والعمل للآخرة ، والعمل للنفس ، والعمل للغير ، وإلى هذا المعنى أشار السيد الرئيس في خطابه في مؤتمر القمة الإسلامي الذي عقد في الدوحة فقال : ليست المشكلة إثبات حسن النية فقط ، فديننا هو دين النيات الطيبات ، والأعمال الصالحات ، أما الطاعة فهي لله وحده مع الالتزام بالإسلام ، وكما قال الرسول الأعظم في حديثه الشريف ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ )) .

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 

Text Box: الإسلام يرفع من قيمة العمل :

 

أيها الأخوة الكرام ، وأن المرء يثاب على عمله حتى على عمله الدنيوي ، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البيهقي عن عائشة رضي الله عنها وسنده جيد :

((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)) .

[البيهقي عن عائشة رضي الله عنها]

وهذا يشمل كل عمل يقوم به المرء مما هو داخل في دائرة المباح ، فضلاً عن المستحب أو الواجب ، سواء كان وجوبه بأصل شرعي ، أو كان لتحمله المسؤولية وتبعات المسؤولية بموجب العقد والاتفاق .

وفي الحديث الآخر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ)) .

[أحمد عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

وهكذا يرفع الإسلام من قيمة العمل حتى حين يتيقن الإنسان ألا ثمرة تحسب له من ورائه ، ويوجه المسلم إلى احتساب الأجر والثواب وهو يغرس فسيلة قد ينتفع بها إنسان أو طير يحتسب هذا عند الله .

أيها الأخوة الكرام ، ومن الواجب الملّح التربية على هذا أن النسب الشريف للإسلام يتطلب أن يكون المرء على القدر الشرعي المقبول اللازم من أداء واجبات هذا الانتساب ، وترك منهياته أو محرماته . ويجب أيضاً أيها الأخوة ، أن يتم بوضوح الفصل بين الإسلام وبين ممارسة المسلمين أفراداً أو جماعة أو كياناً ، فالإسلام دين رباني محكم مهيمن ، وهو المرجعية للحكم على الأشياء وتصحيحها ، أما عمل الناس وسلوكهم فهو قابل للنقض والمراجعة والتصحيح والملاحظة والنصيحة .

أيها الأخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

 

***

 

Text Box: الخــطــبـة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

Text Box: آية الله في مخلوقاته " الذباب " :
:

 

أيها الأخوة الكرام : إلى الموضوع العلمي يقول الله تعالى في كتابه العزيز :

(سورة الحج)

قال بعض العلماء :  تعد هذه الحشرة أعجوبة في الخلق الإلهي ، لقد ضرب الله سبحانه وتعالى الذبابة للناس مثلاً ، هذا المخلوق الضعيف الذي يتكاثر بسرعة جنونية ، هذا الذي يبدو لك ضعيفاً لو أنك رششت مكاناً موبوءاً بالذباب ، وقضيت على كل الذباب إلا ذبابة واحدة فهذه الذبابة ستنتج جيلاً من الذباب يقاوم هذه المادة التي رششتها في هذا المكان ، فتصنيع المضادات الحيوية عند الذباب شيء لا يصدق ! أي شيء يقضي على الذباب تصنع الذبابة في أجهزتها الدقيقة مضاداً حيوياً يكسبها مناعة ضد هذه المادة الفعالة ، حتى إن الذباب إذا مات في البرد ينجب جيلاً يقاوم البرد .

(سورة الحج)

فهل يتعلم الإنسان من هذه الحشرة التي يتقزز منها درساً بليغاً ؟

كُبّرت عين الذبابة مئات المرات فكان من هذا التكبير العجب العجاب آلاف العدسات المرصوفة إلى جانب بعضها بعضاً تحقق للذبابة رؤية كاملة ، فهذا المخلوق الضعيف الذي يشمئز الناس منه يستطيع أن يناور مناورة لا تستطيعها أعظم الطائرات الحربية وأحدثها ، إنها تسير بسرعة فائقة بالنسبة لحجمهـا ، وتستطيع أن تتنقل فجأة لزاوية قائمة ، وتستطيع أن تسقط إلى السقف وهذا شيء لا تستطيعه طائرة في الأرض أن تفعله ، قال تعالى :

(سورة الحج)

أما الذي يلفت النظر فحديث سيد البشر حين يلفت النظر إلى أن في إحدى جناحي هذه الحشرة داء ، وفي الأخرى شفاء ، فقد أكد العلم الحديث صحة هذا الحديث ، فقد كشف أن في بعض جناحي الذبابة مادة ترياقية مضادة للجراثيم ولأنواع الميكروبات ، فإذا علق برجل الذبابة بعض أنواع الجراثيم أو الميكروبات أو البكتريات الضارة وقع هذا الذباب في سائل فعليك أن تغمس الجناح الثاني ، فإن في بعض الأجنحة الداء ، وفي بعض الأجنحة الدواء والترياق ، هذا الذي كشفه العلم الحديث في مقالة مفصلة تعتمد على أدق البحوث نشرت أخيراً في مجلة عربية كانت قد ترجمت عن مقالة أجنبية تؤكد هذه الحقيقة .

قال بعض العلماء : من وظائف هذه الحشرة أنها تنقي الهواء بقضائها على النباتات والعضويات المتفسخة وسريعة التنقل ، بينما هي في بيتك إذا هي في يوم ثان في مكان تزيد مسافته عن عشر كيلو مترات ، وتنجب جيلاً كاملاً كل عشرة أيام توالدها عجيب ، أما الشيء الذي لا يصدق أن جملتها العصبية تشبه الجملة العصبية عند الإنسان ! وعلم الذبابة غاية في القوة وقوة الإبصار ، ولها إدراك عالي المستوى ، وقد تتصرف بغضب شديد إذا ما لاح لها خطر فهي تغضب ، وتتألم ، وتحس بالألم ، ووزن دماغها واحد من مليون جزء من الغرام ! وهو يعمل بأعلى كفاية ، وفي الذبابة جملة من الغدد ، ولها ذاكرة تستمر دقيقتين .

 

Text Box: أنواع الذباب :

 

أيها الأخوة الأحباب ، لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في القرآن نذكرها نحن ، والذباب أنواع منوعة تزيد عن مئات الألوف منه ذباب مفترس ، ونوع كالنحلة تمتص الرحيق ، ونوع يخمر الفاكهة ، ونوع ينافس الطائرات في مناورتها وفي سرعتها ، إن مناورة الذبابة لا يمكن أن يصل إلى مستواها طائرة صنعها الإنسان ، تستطيع فجأة أن تعكس اتجاهها ، وفجأة تسير في اتجاه يشكل مع خيط سيرها زاوية قائمة ، وتضلل مطاردها وتسخر منه . فإذا كان الخلق مجتمعين في أرق عصورهم مع تقدم العلم عاجزين أن يخلقوا ذباباً فقد قال تعالى :

 (سورة الحج)

وقف المفسرون عند هذه الفقرة الأخيرة وقفة متحيرة ، ثم كشف العلم الحديث أسرار هذه الآية ، قال : إن الطالب لا يمكنه استنقاذ ما سلبته الذبابة لا بسبب العجز في الآلات المستخدمة ، ولكن لأن الطعام الذي دخل في جوف الذبابة لم يعد نفسه هو الذي أكلته، والعجز يأتي من أن الطعام وحتى قبل دخوله إلى ماصة فم الذبابة طرأ عليه التغير ، فلهذا السبب لا يمكن أن نستنقذه ، فإذا قام العلماء باستخراج ما في بطن الذبابة ، فإنه لن يكون هو نفسه الطعام الذي سلبته الذبابة ، إنما يحتاج لتجميع مركباته التي قد تفتت ، ولاحظ لو أراد العلماء أخذ الطعام من فم الذبابة ، ولو من بداية دخوله خرطومها ، فإن ذلك لن يجدي شيئاً ، لأن الطعام قد تحول إلى مركبات مختلفة تماماً ، حتى قبل امتصاصه ، لذلك لا يستنقذوه منه.

آية في القرآن الكريم لحشرة نشمئز منها . أيها الأخوة الكرام ، وفي الأرض آيات للموقنين :

(سورة آل عمران)

 

Text Box: الدعاء :

 

إنك أحق من ذكر ، وأحق من عبد ، وأنصر من نصر ، وأرأف من ملك ، وأجود من سئل ، وأجود من أعطى ، أنت الملك لا شريك لك ، أنت الفرد لا ند لك ، كل شيء هالك إلا وجهك ، القلوب لك مفضية ، والسر عندك علانية ، الحلال ما أحللت ، والحرام ما حرمت ، والدين ما شرعت ، والأمر ما قضيت ، الخلق خلقك ، والعبيد عبيدك ، وأنت الله الرؤوف الرحيم ، اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وأصلح قلوبنا ، وارحم ضعفنا ، وتولَّ أمرنا ، وفك أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، واستر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا ، أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينــا ، أرضنا وارضَ عنا ، اسقنا الغيث ، ولا تجعلنا من القانتين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين ، أعنا على الصيام ، والقيام ، وغض البصر ، وحفظ اللسان ، واجعلنا من عتقائك في شهر رمضان ، اللهم أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، اللهم من أراد بالمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر ، اللهم انصر أخوتنا المسلمين في الأراضي المحتلة ، وفي مشارق الأرض ومغاربها ، وفي شمالها وجنوبها ، اللهم وفق ولاة المسلمين لما تحب وترضى ، اللهم ألف بينهم ، ووحد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi