English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الخطبة الإذاعية : 61: بتاريخ 7/2/2003 : خ 1 : حقائق عن الحج . خ 2 : تحطم المركبة كولومبيا رسالة من الله ـ لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي.

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

Text Box: الخــطــبـة الأولــى :

 

الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره ، ومذلِّ الشرك بقهره ، ومصرِّف الأمور بأمره ، ومديم النعم بشكره ، ومستدرج الكافرين بمكره ، الذي قدر الأيام دولاً بعدله ، وجعل العاقبة للمتقين بفضله ، وأظهر دينه على الدين كله ، القاهر فوق عباده فلا يمانَع ، والظاهر على خليقته فلا يُنازَع ، والآمر بما يشاء فلا يُراجَع ، والحاكم بما يريد فلا يُدافَع . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له  كفواً أحد ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، أول الخلق ، وحبيب الحق ، سيد المربين ، وإمام المجاهدين، والمبعوث رحمةً للعالمين . اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين .

عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير .

 

Text Box: الغاية الكبرى من الحج أن تعود كيوم ولدتك أمك :

 

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام ، إن الحج هو الفريضة البدنية المالية الشعائرية ، وهي في حقيقتها رحلة قلوب لا رحلة أبدان ، هي في حقيقتها رحلة نفوس لا رحلة أشباح ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

 ( سورة إبراهيم )

والنبي صلى الله عليه وسلم  كان يقول :

((أنا دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة أخي عيسي ، ورأت أمي حين حملتني أنه خرج منها نور أضاءت له قصور بصرى)) .

[البيهقي في شعب الإيمان عن العرباض]

ومناسك الحج من شعائر الله ، قال تعالى :

 ( سورة الحج )

قال بعض العلماء : أداء الشعيرة شيء وتعظيمها شيء آخر ، من تعظيمها أن تؤديَها أيها الحاج كما فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن تعظيمها أن تؤديها على شوق وطيب نفس لا على تأفف وتململ ، ومن تعظيم شعائر الله أن يؤديها الحاج ، ويتمنى أن يؤديها مرات ومرات .

إن المشاعر التي يشعر بها الحاج ، وهو في المشاعر المقدسة ، هي بوتقة ينصهر فيها قلب المؤمن حتى يتخلص من أدرانه عوداً به إلى يوم ولدته أمه ، نقي القلب ، صافي النفس ، تلك هي الغاية الكبرى من الحج ، أن تعود أيها الحاج كيوم ولدتك أمك .

 

Text Box: الحكمة من تشريع اللون الواحد والتصميم الواحد لثياب الحجاج :

 

أيها الأخوة المؤمنون حضوراً ومستمعين ، يقول ربنا جل جلاله :

 (سورة المائدة الآية : 97)

من أدق ما قاله المفسرون حول هذه الآية : إن المسلم بحجِ بيت الله الحرام ، وتعظيمِ شعائر الله ، وعقدِ العزم على طاعة الله ، واتباعِ سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، تقوم وتتحقق مصالح المسلم في الدنيا والآخرة ، وعندئذ تتوقف المعالجة الإلهية :

 ( سورة النساء )

أيها الأخوة الأحباب ، يخلع الحاج ملابسة المَخيطة والمُحيطة ، والتي تعبر بشكل أو بآخر عن دنياه ، عن حجمه المالي ، عن مرتبته الاجتماعية ، عن مرتبته الوظيفية ، بل عن درجته العلمية والدينية أحياناً ، هذه الملابس المَخيطة والمحيطة ، قد تعبر عن نوع انتمائه إلى أمةٍ ، إلى شعبٍ ، إلى قبيلةٍ ، إلى عشيرةٍ ، فلو بقي المسلم بلباسه لبقي ملتصقاً بدنياه ، أو بقبيلته ، أو بطبقته ، أو بمَنْ على شاكلته ، ولكن الإسلام لحكمةٍ كبيرة شرع اللون الواحد ، والتصميم الواحد ، حتى تختفي الهوية الخاصة ، ويبدو البشر كياناً واحداً ، ومن ثم تتعامل معهم بدافع إنساني خالص ، بعد ما ذابت الفروق الطبقية ، والهويات الإقليمية ، والانتماءات المتعددة ، ليبرز هذا اللباس معنىً واحداً ، هو الإنسان على فطرته السليمة في مواجهة خالقه الواحد الديان .

 

Text Box: ممنوعات من لوازم الإحرام :

 

بعد أن يخلع الحاج ثيابه المَخيطة والمحيطة ، ويرتدي ثوب الإحرام الموحد ، يدخل في أفق الممنوعات ، ففي باطنه ممنوع أن يفكر في شيء يؤذي الحرم ، ومع الناس ، فلا رفث ، ولا فسوق ، ولا جدال في الحج ، ومع الحيوان ، فلا يُصطاد ، ولا يقتل ، ومع النبات فلا يُقطع ، ولا يشوه ، ومع الحجر فلا يكسر ولا يقتلع ، هذه الممنوعات التي هي من لوازم الإحرام ، ليكون الحج سلاماً دائماً قال تعالى :

 

 ( سورة آل عمران)

فإن الحاجَّ المحرمَ يُحظَر عليه لُبسُ المخيط من الثياب ، ويُحظر عليه التطيُّبُ بكل أنواع الطيب ، ويُحظر عليه الحلقُ والتقصيرُ ، ويُحظر عليه مقاربةُ المُتَعِ التي أُبيحت له خارجَ الحج ، كلُّ ذلك ليُحْكِمَ اتصالَه بالله ، وليسعد بقربه وحده ، بعيداً عن كل مداخلة من مُتع الأرض ، ليتحقَّق الحاجُّ أنه إذا وصل إلى الله وصل إلى كلِّ شيء ، وأنّ الدنيا كلَّها لا يمكن أن تُمِدَّ الإنسانَ بسعادة مستمرة ، بل متناقصة ، ولينطلق لسانُه بشكل عفوي قائلاً : يا رب ، ماذا فَقَدَ مَن وجدك ؟ وماذا وَجَدَ مَن فَقَدَكَ ؟

فوق ذلك ففي الإنسان غريزة حب الاستطلاع ، فهو في أصل طبعه لا يقبل على عمل إلا إذا عرف حكمته ، وحقق به مصالحه العاجلة والظاهرة ، لأنه يحب نفسه حباً جماً ، وهذا مركب في أصل طبعه ، ولأن الحج بهذه الممنوعات ، وبهذه المناسك التي لا تظهر حكمتها للوهلة الأولى ، لا يلبي هذه الحاجة الفطرية ، والفكرية ، والمادية ،  لذلك يحتاج الحاج إلى درجة عالية من الإيمان بحكمة الله وعلمه ، ويحتاج إلى درجة عالية من العبودية له .

أيها الأخوة المؤمنون ، أيتها الأخوات المؤمنات ، يقول عمر رضي الله عنه : " تفقهوا قبل أن تحجوا " . فالعبادة في حقيقتها تعني خروج العبد من مراده إلى مراد ربه ، وهذا يبدوا جلياً واضحاً في الحج .

أيها الأخوة الأحباب ، يتساءل بعضهم ، هل مع هذا التسليم المطلق بحكمة ما أمرنا به إعمال للعقل ؟ الجواب : " لا " ، لأنه لن يكون العقل حكَماً على النقل ، ولكنه مسموح للعقل أن يفهم حكمة النقل ، مسموح له أن يطير في المجال الجوّي الإسلامي ، مسموح له أن يسبح في المياه الإقليمية الإسلامية ، مسموح له أن يسبح ولا يشطح .

 

Text Box: فضل يوم عرفة :
:

 

أخوة الإيمان في كل مكان ، ويأتي موقف عرفة . فيوم عرفة من الأيام الفضلى ، تجاب فيه الدعوات ، وتقال العثرات ، ويباهي الله فيه الملائكة بأهل عرفات ، وهو يوم عظَّم الله أمره ، ورفع على الأيام قدره ، وهو يوم إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، ويوم مغفرة الذنوب ، ويوم العتق من النيران ، إنه يوم اللقاء الأكبر بين العبد المنيب المشتاق ،  وبين ربه الرحيم التواب ، بين هذا الإنسان الحادث الفاني المحدود الصغير ، وبين الخالق المطلق الأزلي الباقي الكبير ، وعندها ينطلق الإنسان من حدود ذاته الصغيرة إلى رحاب الكون الكبير، ومن حدود قوته الهزيلة إلى الطاقات الكونية العظيمة ، ومن حدود عمره القصير إلى امتداد الآباد التي لا يعلمها إلا الله .

يوم عرفة يوم المعرفة ، ويوم عرفة يوم المغفرة ، ويوم عرفة يوم تتنزل فيه الرحمات على العباد من خـالق الأرض والسماوات ، ومن هنا قيل من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله قد غفر له فلا حج له .

عن جابر رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((ما من أيام عند الله أفضل من عشر ذي الحجة ، فقال رجل : هــن أفضل أم من عدتهن جهاداً في سبيل الله ؟ قال : هن أفضل من عدتهــن جهاداً في سبيل الله ، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينـزل لله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء ، يقول انظروا عبادي جاؤوني شعثاً غبراً ، ضاحين جاءوني من كل فج عميق ، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي ، فلم يُر يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة)) .

[صحيح ابن حبان عن جابر رضي الله عنه ]

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات وقد كادت الشمس أن تثوب فقال :

((يا بلال ، أَنصِت لي الناس ، فقام بلال فقال : أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنصت الناس ، فقـال عليه الصلاة والسلام : معشر الناس أتاني جبريل آنفاً فأقرأني من ربـي السلام ، وقال : إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات ، وأهل المشعر الحرام ، وضمن عنهم التبعات ، فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا رسول الله هذه لنا خاصة ، قال : هذه لكم ، ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة ، فقال عمر رضي الله عنه : كثر خير الله وفاض)) .

[الترغيب والترهيب عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

 

Text Box: أحاديث عن يوم عرفة :

 

روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي  صلى الله عليه وسلم قال:

((ما من يوم أكثـــر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة فيقول : ماذا أراد هؤلاء ، انظروا إلى عبادي شعثاً غبراً ، اشهدوا أني غفرت لهم)) .

[مسلم عن عائشة رضي الله عنها

إن الله يغفر للحاج ، ومبالغة في إكرامه يلقي في روعه أنه قد غفر له ، لذلك يشعر الحاج الصادق بأن الله قد غفر له ، وأنه عاد كيوم ولدته أمه .

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((ما رئي الشيطان يوماً هو فيه  أصغر ، ولا أدحر ، ولا أغيظ منه من يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة ، وتجاوز الله عن الذنوب العظام)) .

[موطأ مالك عن أبي الدرداء رضي الله عنه]

روى الإمام أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( خير الدعاء دعاء يوم عرفة ، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)) .

[أحمد والترمذي عن عمرو بن شعيب]

قال عبد الله بن المبارك : جئت إلى سفيان الثوري عشية يوم عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه ، وعيناه تذرفان ، فالتفت إلي ، فقلت له : من أسوأ هذا الجمع حالاً ؟ قال : الذي يظن أن الله لا يغفر له .

موقف عجيب في عرفات ، يغطيه نبات بشري مختلف ألوانه ، أغصانه تلك الأيدي المرفوعة بالدعاء إلى رب الأرض والسماء ، يرى الحاج بين يديه صورةً مصغَّرةً للمحشر العظيم يوم القيامة ، وعليه أن يستعدَّ له منذ الآن ، لأن رحلة الحج يعود منها الإنسان إلى وطنه ، ولكن المحشر العظيم يوم القيامة لا يعود منها الإنسان إلى وطنه ، إنها رحلته قبل الأخيرة استعداداً للرحلة الأخيرة ، الناس جميعاً بلباس موحد ، وبدعاء موحد ، وبابتهال موحد كلهم ضعاف ، كلهم فرادى ، نموذج مصغَّر للرحلة الأخيرة ، لقد كان الحج رحلة قبل الأخير استعداداً للرحلة الأخيرة .

 

Text Box: رمي الجمرات :

 

وفي رمي الجمرات بعض الأسرار ؛ فلنبدأ بالجمرة الكبرى في اليوم الأول ، وقال بعض العلماء : هذا تكثيف ، وحشد في لغة العسكريين ، ابدأ بمواجهة الأكبر ، وكان عليه الصلاة والسلام يخص الجمرتين الأولى والوسطى بتطويل الوقوف عندها للدعاء ، إنها ثلاث جمرات وبينهما مسافة ، ليظل المؤمن واعياً تماماً ، لا ينام حتى لا يسقط سلاحه ، بينما العدو منه على مرمى حجر ، وعليه أن يعلم أن المعركة مع الشيطان متعددة المواقع ، ومستمرة ، وممتدة مع عمره ، لذلك ينبغي أن تُرمى ثلاث جمرات في ثلاثة أيام ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه .

يا أيها الأخوة الكرام حضوراً ومستمعين ، يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : لا يحصل إرغام أنف الشيطان في أثناء رجمه إلا بطاعتك للرحمن ، ومن عاد بعد الحج إلى ما كان عليه من المعاصي والآثام ، فليعلم علم اليقين أن الشيطان هو الذي رَجَمه .

أيها الأخوة الكرام ، أيتها الأخوات الكريمات ، لقد طار بعض العلماء في سماء الحج ، وسبحوا في بحوره الواسعة بل غاصوا فيها ، فكانت لهم لمحات وضيئة ، قالوا عن الطواف ؛ كأن الإسلام حجر ألقي فوق محيط ، فتكونت منه دوائر حوله متتابعة متنامية وهكذا بيت الله الحرام ، فالطواف حول البيت طواف المحب حول محبوبه ، توثيق للعهد بين العبد وربه ، تعبير عن حب عميق لرمز التوحيد .

أيها الأخوة الكرام ، لقد استقطب البيت الحرام المؤمنين من قارات الدنيا الخمس، فجاءوا نوعيات مختلفة ، تحمل كل جماعة هموم مجتمعها ، جاءوا ليعودوا في البعد الزماني إلى ماضي هذه الأمة المشرق ، وفي البعد المكاني إلى الأرض الذي نزل فيها الوحي .

جاءوا ليعودوا إلى المكان الذي ضم هذه الرسالة الخالدة ، للتزود بالدروس المفيدة التي تعينهم على صلاح دنياهم وفق منهج ربهم ، وصلاح دينهم الذي هو عصمة أمرهم . لا تقوم مصالحهم الدنيوية وفق منهج الله ، ولا مصالحهم الأخروية إلا إذا عظموا هذا البيت واصطلحوا مع الله ، وأقاموا منهجه في الأرض .

الحج عبادة زُيِّنت بمحاسن وآداب ، وإذا كان الحج ارتفاعاً عن شهوات الحياة الدنيا ومادياتها ، وتدريباً للعبد على التخفف منها ، والاكتفاء باليسير ، فلا يليق بالمتلبس بهذه العبادة أن ينشغل عنها بما نهى الله تعالى عنه ، إنه لا يكفي منك أن تُعرِض عن هذه  المنهيات فحسب ، بل عليك أن تكون آمراً بالمعروف ، ناهياً عن المنكر ، إن حسن الخلق ، وطيب الكلام ، وإطعام الطعام ، من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل .

وإذا كان اقتراف المعاصي محرم في كل حين ، فإنها في مكة ، وفي حال الإحرام أشد تحريماً ، وهي أولى بالمنع والزجر والنهي عنها .

 

Text Box: الحج لا يكفر الذنوب التي لم يتب منها صاحبها :

 

أيها الأخوة في كل مكان ، لا يُعقل ولا يُقبل أن يذهب الحاج إلى بيت الله الحرام قبل أن يتفقه بأركان الحج ، وواجباته ، وسننه ، ومستحباته ، وصفة حجة النبي عليه الصلاة والسلام ، وما ينبغي أن تكون عليه أخلاق الحاج . لا يُعقل ولا يُقبل أن تُؤدى هذه العبادة الجليلة أداءً بعيداً عن مقاصدها وثمارها . لا يُعقل ولا يُقبل أن يعود الحاج من أداء هذه الفريضة كما ذهب . لا يُعقل ولا يقبل أن يُوجد الحاج في المشاعر المقدسة دون أن يشعر بأية مشاعر مقدسة . لا يعقل ولا يقبل أن يتحرى الحاج سنةً أو مستحباً ، ويرتكب من أجلها معصية ، أو أن يتجاوز فريضة . لا يُعقل ولا يُقبل أن يحدثك الحاج عن كل شيء في الحج إلا الحج . لا يُعقل ولا يقبل أن يرمي الحاج الجمرات تعبيراً عن معاداته للشيطان ، ويعود إلى بلده ليكون أُلعوبة بين يدي الشيطان . لا يُعقل ولا يُقبل أن يقتصر أمر الله في هذه الفريضة على أن يأتي الحاج من بلاد بعيدة ليجلس في المشاعر المقدسة ، يأكل ، وينام ، ويتكلم في شؤون الدنيا ، إن أمر الله في هذه العبادة ليس كذلك ، وهو أعظم وأجلّ من أن يكون كذلك ، أن تأتي إليه من بلاد بعيدة لتحقق وجودك المادي في مكان ، تمضي هذا الوقت في غير ما أمرت به ، وليس هذا المستوى من الحج هو الذي تقوم به مصالح المسلمين في دنياهم وأخراهم .

أيها الأخوة والأخوات ، يجب العلم اليقيني بأن الحج لا يكفر الذنوب التي لم يتب منها صاحبها ، فالمقيم على ذنب ولم يتب منه ، وهو مستمر فيـه ، فإن الحج لا يكفر هذا الذنب ، وإنما الحج كفارة وأجر للعبد التائب إلى الله ، الراجع إليه ، الراجي رحمته وعفوه ، والذي أقلع عن ذنوبه إقلاعاً لا رجعة بعدها . والدليـل على ذلك ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال أناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم :

 ((يا رسول الله : أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية ؟! قال صلى الله عليه وسلم : أما من أحسن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها ، ومن أساء أخذ بعمله في الجاهلية والإسلام)).

[مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]

 

Text Box: الحج نوع من الجهاد :
:

 

مع أن الإسلام يهدم ما كان قبله ، إلا أنه من أساء في الإسلام جوزي بعمله السيئ في الإسلام ، وما كان قبل الإسـلام ، وكذلك الحال فيمن له معاصٍ لم يتب منها قبل الحج فإن الحج لا يهدم هذه المعاصي ، وهذا يعني أن الحج لا يفيد إلا التائب من الذنب ، والعائد إلى الله ، الراجع إليه ، المقلع عن ذنوبه ، وأما المقيم على معاصيه وذنوبه المستمر فيها ، فإن الحج لا يهدم ما كان قبله في هذه الحالة .

وقد ورد أن الحاج إذا حج بمال حرام ووضع رجله في الركاب ، وقال : لبيك اللهم لبيك ، نودي أن لا لبيك ولا سعديك وحجك مردود عليك .

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((تَعَجَّلُوا إِلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ)) .

[أخرجه أحمد في مسند بني هاشم عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلا الْجَنَّةُ))   .

[أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

((الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ ، إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ ، وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ)) .

[أخرجه ابن ماجة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

هذه ميزة لا تُقدر بثمن ، أن تكون مُجاب الدعوة .

من مات ، ولم يجاهد ، ولم يحدث نفسه بالجهاد مات على ثلمة من النفاق ، فإن لم يُتح للمسلم الجهاد القتالي ، فقد أُتيح له جهاد النفس والهوى ، أتيح له الجهاد الدعوي ، وأتيح له الحج . والحج نوع من الجهاد وإليكم الدليل ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((جِهَادُ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالضَّعِيفِ وَالْمَرْأَةِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ)) .

[أخرجه النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

وفي حديث آخر عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ)) .

[أخرجه ابن ماجة وأحمد في المناسك عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ]

وفي حديث ثالث عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قُلْتُ :

((يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ ، الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ)) .

[أخرجه ابن ماجة وأحمد عَنْ عَائِشَةَ]

 

Text Box: وصفٌ دقيقٌ مِن قِبَلِ الرسول لِمَا ينبغي أنْ يكون عليه المسلمون في شتَّى أقطارهم :

 

أيها الناس ، إن المسلمين يتفقون على أصول الدين ، وعلى المحاكمات القطعية التي جاء الدين بها ، هم يؤمنون بإله واحد لا شريك له ، في ذاته ، وفي أسمائه ، وفي صفاته ، وفي ربوبيته ، وفي ألوهيته ، فهو المستحق للعبادة وحده ، وهم يؤمنون بنبيّ واحد ، هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، جاء بأفضل الشرائع وآخرها ، وهو واجب الاتباع إلى قيام الساعة ، ويتجهون إلى قِبلة واحدة ، ويقرؤون قرآناً واحداً ، يقطعون كلهم بأنه محكم محفوظ من الزيادة والنقصان ، لم تَطُلْه يد التحريف والتبديل والتغيير في ألفاظه ومجملات معانيه  ، ويصومون شهراً واحداً ويحجون بيتاً واحداً ، ويقفون بعرفة موقفاً واحداً ، تاريخهم واحد ، ومصيرهم ومستقبلهم واحد ، حتى التحديات التي تواجه المسلمين هي تحديات واحدة في الجملة .

فإننا نجد الأذى الذي يوجه إلى المسلمين كلهم ، يوجه إليهم شعوباً وأمماً ، بلا تمييز بين أقوياء الإيمان وضعفاء الإيمان ، وبين العلماء والجهلاء ، وبين الصلحاء والفاسدين ومع كل هذه المقومات فهم متفرقون ، متنازعون ، بأسهم بينهم ، تفرقهم الأهواء والمصالح ، وهذا يؤكد على الأمة ضرورةَ أن تعمل على تحقيق معنى هذا الانتماء ، ومعنى تلك الوحدة .

ومِن أخطر توجيهات النبي الكريم في هذا الظرفِ الصعب الذي يُحَدِّق بالأمة العربية والإسلامية قولهُ :

((إِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ ، لاَ يُسَالِمُ الْمُؤْمِنُ دُونَ  الْمُؤْمِنِ فِي قِتِالٍ فِي سَبِيلِ اللهِ إِلاَّ عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ)) .

[السيرة النبوية لابن هشام]

أيْ لا يحق في المنهجِ الإسلاميِّ لفئةٍ أنْ تصطلحَ مع عدوٍّ بشكلٍ انفراديٍّ ، هذا وصفٌ دقيقٌ مِن قِبَلِ مبعوثِ العنايةِ الإلهيةِ لِمَا عليه المؤمنون ، أو لِمَا ينبغي أنْ يكونوا عليه في شتَّى أقطارهم وديارهم ، مِنْ تعاوُنٍ وتناصُرٍ وتعاطُفٍ ، فهم كالجسدِ الواحدِ نَصَحَةٌ متوادُّون ، وهم بنيانٌ واحدٌ يشدُّ بعضُهم بعضاً ، هم يَدٌ على مَن سواهم ، سِلْمُهُم واحدةٌ ، وحَربُهُم واحدةٌ ، هذا ما ينبغي أنْ يكونَ عليه المؤمنون في شتّى أقطارهم وأمصارهم . وهذا ما يؤكده السيد الرئيس في أكثر خطاباته .

 

Text Box: عدو جديد استحدثته قوى الهيمنة والطغيان لتشويه الدين الإسلامي الحنيف :

 

أما عن الطرف الآخر فمع تزايد قناعة الطرف بزوال أسباب التوتر الدولي ، لكن هذه القناعة لم تكن مناسبة لمصالح قوى الهيمنة والطغيان ، لذا كان لا بد لهم من ابتداع عدو جديد ، للإبقاء على حالة التوتر ، وما يعنيه من إبقاء أسباب التسلط ومبررات الهيمنة على دول ومناطق متعددة في العالم ، يتحدث السيد الرئيس في مؤتمرات القمة الإسلامي عن هذا العدو الجديد الذي استحدثوه ، فيقول : هذا العدو الجديد الذي ظهر في التسعينات هو ديننا الإسلامي الحنيف ، دين الأخلاق ، والعدل ، والمحبة الذي تم تشويهه إعلامياً ، وتثقيفياً ، وتربوياً ليغدو دين القتل والتطرف والإرهاب ، فكلما حدث اضطراب في منطقة ما من العالم وجهت أصابع الاتهام للإسلام ، ولو لم يكن للمسلمين وجود في تلك المنطقة ، وكل عملية تخريب أو عمل إرهابي منفذه هو مسلم حتى يثبت العكس ، وغالباً ما يثبت العكس ، أما الاتهام فيبقى كما هو ، وبالتوازي حورب الإسلام الصحيح من خلال تغذية التطرف واستخدامه في ضرب الإسلام والمسلمين ، والآن يصور هذا التطرف الذي جرت تنميته من خارج الأمة الإسلامية على أنه الإسلام الحقيقي ، وذلك إمعاناً في تشويه صورته الناصعة ، وإسرائيل أبرع من شوه هذه الصورة وأية صورة حقيقية أخرى ، انتهى كلام السيد الرئيس .

ولولا أن متحدثاً باسم إدارة القاعدة التي انطلقت منها المركبة الفضائية كولومبيا ، والتي تحطمت قبل أيام ، لولا أن هذا المتحدث سارع واستبعد أن يكون هناك عمل إرهابي وراء الحادث لأشير بأصبع الاتهام إلى المسلمين .

 

Text Box: تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز :

 

بمناسبة هطول الأمطار الغزيرة التي شهدها بلدنا الطيب ، حيث اقتربت كمية الأمطار الهاطلة حتى الآن من المعدلات السنوية ، ولا زلنا في منتصف موسم الأمطار ، أصبح لزاماً علينا أن نشكر الله تعالى على نعمه العظيمة ، وعطاياه الجزيلة ، فقد ورد في الحديث القدسي أن الله عز وجل يقول :

(( أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ ،  فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ ؛ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ)) .

[ متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ]

إليكم هذا الخبر الذي يؤكد أن تقنين الله للأمطار لا يمــكن أن يكون تقنين عجز كشأن البشر حينما يقننون ، ولكنه تقنين تربية وتأديب كما يظن المؤمنون .

أعلمت وكالة الفضاء الأوربية أن المرصد الفضاء الأوربي العامل بالأشعة تحت الحمراء رصد غيمة من البخار في الفضاء الخارجي ، يمكن لها أن تملأ محيطات الأرض ستين مرةً في اليوم الواحد بالمياه العذبة . وعلق أحد علماء الفلك أن المرصد عثر على غيوم للبخار في أكثر من مكان في الكون ، إلا أن هذه الغيمة التي اكتشفها مؤخراً ، تعد مصنعاً هائلاً لبخار الماء ، يمكنها أن تنتج من الماء ما يكفي لملء جميع محيطات العالم بالماء العذب ستين مرة في اليوم الواحد ، وهذا مصداق قول الله تعالى :

 ( سورة الحجر ) .

وأما معنى التقنين التربوي أو التأديبي ، ففي قوله تعالى  :

 ( سورة الشورى الآية : 27 ) .

وقال :

 ( سورة الجن ) .

وقال :

 ( سورة المائدة الآية : 66 ) .

فالجاهلون والشاردون يخوفون أهل الأرض مرةً بنقص الغذاء ، وأخرى بنقص الماء ، وتارةً باقتراب نضوب آبار النفط ، فيفتعلون حروباً من أجل المياه تارةً ، وحروباً من أجل القمح تارةً أخرى ، وأحدث هذه الحروب من أجل النفط ، وفاتهم أن تقنين الله عز وجل هو تقنين تأديب لا تقنين عجز .

أيها الأخوة في كل مكان حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

 

***

 

Text Box: الخــطــبـة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

 

Text Box: تحطم المركبة كولومبيا رسالة من الله عزّ وجل :
:

 

بمناسبة  الخبر المؤسف خبر تحطم المركبة الفضائية كولومبيا قبل موعد وصولها إلى الأرض بست عشرة دقيقة ، وقد كانت على بعد مئتي ألف قدم من سطح الأرض ، وكانت سرعتها ستة أضعاف سرعة الصوت ، وقد سقط أكبر أجزائها في بلدة تدعى فلسطين ، وكانت الرحلة المذكورة قد انطلقت في وسط إجراءات أمنية مشددة لم تشهد القاعدة لها مثيلاً ، لسبب لا يخفى ، ولعل تحطمها رسالة من الله إلى من تعنيهم هذه الرسالة .

عالِمٌ مِن علماءِ الفلَكِ كان في زيارةِ هذه القاعدة التي انطلقت منها تلك المركبة ، وكانت على اتِّصالٍ مستمرٍّ بِمَركبةٍ فضائيّةٍ كانت قد أُطْلِقَتْ قبْل وصوله إليها بقليلٍ ، فإذا برائِدِ الفضاء يتَّصلُ بِمَركزِ انطلاقِ هذه المركبةِ ، ويقولُ بالحَرْفِ الواحِدِ : لقد أصبحْنا عُمْياً لا نرى شيئاً ، المركبةُ أُطلِقَتْ في وَضَحِ النّهارِ ، وبعْد وقتٍ قليلٍ تجاوَزَتْ هذه المركبةُ الغِلافَ الجويَّ ، ودخلَتْ في منطقةٍ لا هواءَ فيها ، وأصبَحَ الجوُّ مُظْلماً ظلاماً كليّاً ، فصاحَ هذا الرائِدُ: لقد أصبحْنا عُمْياً لا نرى شيئاً ، فما الذي حَصَل ؟ الذي حصَل أنّ أشِعَّةَ الشّمسِ إذا وصَلَتْ إلى الغِلافِ الجويِّ تناثَرَ ضوْءُها ، وتشتَّتَ بين ذرّاتِ الهواءِ وذرّاتِ الغبارِ ، وهذا ما يُعَبِّرُ عنه علماءُ الفيزياءِ بانتثارِ الضّوءِ أو بِتَشَتُّتِ الضّوءِ ، تنعكسُ أشِعّة الشّمسِ على ذرات الهواء وذرات الغبار فَتَجْعلُها مُتألّقةً ، وهذا الذي يُسمَّى في الدنيا : منطقة فيها ضوءٌ وليس فيها أشعة شمسَ ، كَجَوِّ المسْجِد ، فإنّنا نرى فيه بعضنا بعضاً ، هناك ضوءٌ ، وليس معه أشِعّةُ شمسٍ ، فلمّا غادَرَتْ هذه المركبةُ الغِلافَ الجويّ انْعَدَمَ تناثُرُ الضّوءِ ، وأصْبحَ الفضاءُ مظلماً ، شديدَ الظّلامِ ، لا يُرى فيه شيءٌ ، لو عُدْنَا إلى كتابِ الله الذي نزلَ قبْلَ أربعة عشرَ قرناً ونيّفاً ، ووقتَها ما عرفَ أهلُ الأرضِ الصّعودَ إلى القمرِ ، وما عرفوا غزْوَ الفضاءِ ، وما عرفوا تجاوُزَ الغِلافِ الجويِّ ، وما عرفوا كلّ ذلك ، لو عُدْنا إلى كتابِ اللهِ لوَجَدنا هذه الآية ذات الإعجازٌ العِلْميٌّ . قال الله تعالى :

 ( سورة الحجر)

هذا الذي قالَه رائدُ الفضاءِ : لقد أصبحْنا عُمْياً ، هذا قد جاء به القرآنُ قبْلَ أربعة عشرَ قرناً ، أليس هذا دليلاً قَطْعِيّاً على أنّ هذا الكلامَ كلامُ خالقِ البشرِ ، عُرِفَتْ هذه الحقيقة الآن قبلَ سنين معدودة ، حينما عَرَفَ الإنسانُ الغلافَ الجويَّ واقْتَحَمَهُ ، وأُلْغِيَ تناثُرُ الضّوءِ ، ودَخَلَ في ظلامٍ دامِسٍ ، عرفَ كيفَ أنّ الفضاء الخارجي مُظلمٌ ظلاماً مطبقاً ، ولا يُرى في الفضاءِ إلا كوكبٌ متألّقٌ مِن دون أنْ ينتثِرَ ضوءه ، قال تعالى :

 ( سورة الحجر)

يؤكِّدُ هذا قولُ الله عز وجل :

 ( سورة فصلت )

 

 

Text Box: الدعاء :

 

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ، اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والغنيمة من كل بر ، والسلامة من كل إثم ، والفوز بالجنة ، والنجاة من النار . اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى . اللهم اغفر وارحم ، واعف عما تعلم ، إنك أنت الأعز الأكرم . اللهم آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار . يا رب إن أعداءك وأعداءنا في الأراضي المحتلة يقولون كما قالت عاد من قبلة : مَن أشد منا قوة ؟ يا رب لقد غاب عنهم بغرورهم أنك أشد منهم قوة ، فصب عليهم من عندك سوط عذاب إنك لهم بالمرصاد . اللهم إنا نسألك بدموع الأطفال وبكائهم ، وبخشوع الشباب وتضحياتهم ، وببطولة الشابات واستشهادهن ، وصلاح الأمهات ووعيهن ، وبركوع الشيوخ ودعائهم ، وبشكوى البهائم التي أحرق كلؤها ، وبشكوى الأشجار التي اقتلعت من جذورها ، وبتسبيح الحجر الذي هدمته جرافاتهم . اللهم إنا نسألك باستغاثة المستغيثين ، واستجارة المستجيرين ، والتجاء الملتجئين ، وتسبيح المسبحين ، وحمد الحامدين ، وتهليل المهللين ، وتكبير المكبرين، ورجاء الراجين ، ألا تتخلى عنا ، ومنا من يفعل ما يوجب أن تتخلى عنا يا رب العالمين ، وألا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك ، وأصلح لنا شأننا كله يا كريم . اللهم إنك أنت القائـل :

 ( سورة الروم ) .

ونحن مؤمنون بك مقصرون في عبادتك ، فإن كنا لا نستحق أن تنصرنا بعدلك فانصرنا برحمتك ، وإن كنا لا نستحق أن تنصرنا استحقاقاً فانصرنا تفضلاً ، فنسألك اللهم بوعدك الذي قطعته على ذاتك العلية ، ونسألك اللهم بإيماننا بك ، أن تنتصر لنا وتنتصر لأخواننا في فلسطين وفي كل بلاد المسلمين ، وأن ترد عنهم كيد الكائدين عاجلاً غير آجل بما شئت وكيفما شئت يا رب العالمين . اللهم إنك أنت القائل :

 ( سورة الأنفال ) .

وها نحن نستغيث بك ، فنسألك أن تغيثنا ، اللهم إنا نستغيث بك كما استغاث بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما استغاث بك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكما استغاث بك السلف الصالح ، فنسألك اللهم بصدق إيماننا بك ، وخالص عبوديتنا لك ، وبذل افتقارنا إليك ، أن تستجيب دعاءنا عاجلاً غير آجل يا رب العالمين . نسألك اللهم أن تكفَّ عنا بأس الذين كفروا لأنك أشد بأساً وأشد تنكيلاً ، اللهم أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى ، اللهم وفِّقْ بينهم ، ووحِّد كلمتهم ، واجمعهم على الحق والخير والهدى ، وانصرهم على أعدائك وأعدائهم يا كريم . اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير ، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر .

عباد الله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون . أقم الصلاة ، وقوموا إلى صلاتكم ، يرحمكم الله .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi