English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

العقيدة الإسلامية – ( 1 / 63 ) :  القوة الإدراكية : وهي بحاجة لعالم داخلي وخارجي بينهما –  لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي . 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين , اللهم لا علم لنا  إلا ماعلمتنا انك أنت العليم الحكيم ,  اللهم علمنا ما ينفعنا  ,  وانفعنا بما علمتنا , وزدنا علما ,  وأرنا الحق حقا ,  وارزقنا اتباعه , وأرنا الباطل باطلا , وارزقنا اجتنابه .        

                            Text Box: من أصول العقيدة :

 

 

         العقيدة تعد من أصول الإسلام والفقه من الـفروع  ,  فإذا صحت العقيدة صح العمل , وإذا فسدت العقيدة فسد العمل ،  فإذا اعتقدت أن الله تعالى قبض قبضة ،  وقال : هذه إلى الجنة ولا أبالي وهذه إلى النار ولا أبالي والقضية انتهت هذه العقيدة تثبط همة المؤمن .               

         فـالبحث في العقيدة مهم جداً بل هو خطير جداً ،  وهذا لا يعني أنني لم أبحث موضوعات العقيدة خلال مدة طويلة بـل بحثنـاها مئـات المرات ،  ولكن بمواضيع متفرقة في : الخطب ،  والتفسير ،  والحديث ،  والسيرة وفي الدروس ،  أما بحثها على شكل موضوعات متكاملة ومتتابعة فسنبدأ الآن أول مرة .

 

Text Box: 1- النفس :

 

         جاء في بعض الأحاديث الشريفة أنه " من عرف نفسه عرف ربه " ،  فلنبدأ بالحديث عن النفس , التي هي بين جوانحنا والتي  في الصدور ، قال الله تعالى :

                                                                                                                     (سورة الملك الآية : 13)

 هذه النفس التي هي ذات الإنسان , نتعرف بها أن الإنسان مخلوق من نوع خاص ، فالكون كـلـه  مــا فـي السموات ومـا في الأرض مسخرٌ له  , فإذا كان الكون كله مسـخراً له فأيهمـا أكـرم عنـد الله ،  الكـون بأكملـه أم هذا الإنسان الذي سّـخر لـه الكون بأكملـه ؟ فـالعقل يقول : المسخرُ له أكرم من الشـيء المسـخر ، فقال الله تعالى عن الإنسان  :

 

(سورة الإسراء الآية : 70)

          وأيضاً :

 (سورة الأحزاب الآية : 72)

         هذا الإنسان المكرم زوده الله بوسائل التكريم  ومنها :

 

Text Box: طرق تكريم الله للإنسان :

 

Text Box: 1- القوة الإدراكية :

 

         للإنـسان قوة إدراكية ،  فالحائط ،  والطاولة ،  والأحجار ،  والأشـجار هـذه الأشياء لا تدرك ،  فالإنسان مميز ،  ومفضل ،  ومكرم  بهذه القوة الإدراكية  .

        مثلاً : مجتمـع الـقرود منذ وجودهم على الأرض وحتى الآن ،  هل طرأ على حياتهم تطور؟  فهل سكنوا في البيوت ؟  وهل اخترعـوا أجـهزة ؟  وهل نظموا مجتمعهم ؟  فالقرد هو القرد ،  لم يتغير ولم يتبدل ،  فالفرق الجوهري بين الإنسان والحيوان هو القوة الإدراكية  .

 

Text Box: 2- الإدراك :

 

         فالإنسان إذا عـطل إدراكـه عطـل إنسـانيته ،  أي إذا عـطل إدراكـه جعل نفسـه فـي صف الحيوان ،  وهذا قول لا يحتمل المناقشة لشدة وضوحه  ولشدة تشعّب الموضوع ، فلْنَبْقَ في القـوة الإدراكـية التـي خصـهـا الله للإنـسان والتـي يتميز بها عن سائر المخلوقات ولاسيمـا الحيوان ،  و لها مشكلة ،  أنها عالة على العالم الخارجي والعالم الداخلي ، وهي مـن دون عالـم خـارجـي وعالم داخلي لا قيمة لها ،  حيث تتعطل وظيفتها .

 

Text Box: نوافذ الإدراك :

 

Text Box: 1- العالم الخارجي :

 

         الله تعالى جعـل لنـا نوافـذ تطل عليه ،  فالبصر نافذة ،  والشم ،  والسمع ،  والذوق ، والإحسـاس بالحرارة والبرودة ،  وكذلك الضغط وجميع الأعصاب والحواس هي نوافـذ القوة الإدراكية على العالم الخارجي ،  ولو تخيلنا أن إنساناً أوتي من الذكاء ما لم يؤت أحـد من العـالمين  وكان كفيف البصر ،  فهل يستطيع أن يعـرف الـلون الأحمر ،  وما الفرق بينه وبين اللون الأخضر ؟   نرى أن كـلمة أحمـر , وأخضـر , وأزرق ,  وبنفسـجي ، وأبيـض وغيـره من هذه الكلمات لا معنى لـها إطلاقاً عندَ هذا الكفيف ،  فهذه القوة الإدراكيـة تستعين بهذه النوافذ ، لذلك ربنا عز وجل قال:

                                                                                                                  (سورة البقرة الآية : 171)

 

         إن القوة الإدراكية تحتاج إلى سمع وبصر وإلى نطق ،  فأي كائن  أصم ،  وأبكم ،  وأعمى فهو لا يعقل ،  وهنا نجد أن هذه الآية تشير إلى ذلك ، قال تعالى :

                                                                             (سورة الأنفال الآية : 22)

 

فهذا الذي خُلق أصـم اسـألـه ؟  هل صـوت البلبل أعذب أم صوت الغراب ؟  فيقول لك : لا أعلم ،  وما نوعه ؟ فهو لا يدري ،  لأنه لم يسمع صوت البلبل  ولا الغراب ،  فمهما كان متميزاً بالذكاء ، والنـوافذ المطلة على العالم الخارجي مغلقة فـالإدراك منعـدم  .

 

Text Box: محدودية الحواس بقدر الله :

 

         هذه الحواس خلقها الله سبحانه وتعالى بقدَر ، قال الله تعالى : 

                                                                                                          (سورة القمر الآية : 49)

 

فإنـك عنـدمـا تريد شُـرب المـاء تـراه صـافياً نقيـاً ،  فلو وضعت منه قطرة  تحت المجهر لرأيت آلافاً ،  بل مئات الألوف من الجراثيم والبكتريات والـعصيات ،   فماذا تستنتج ؟  إن هذه القوة الإبصارية محدودة ،  فإنك تستطيع أن ترى الأشياء على بُعد مئة متر أو مئتين ،  ثم بعد ذلك لا ترى شيئاً ،  كذلك طبيب العيون  يضع لك لوحاً على بعد خمسة أمتار أو أكثر ،  فترى فتحـات الـدوائـر الكبيرة ،  حتى تصل إلى الـحلقات الصغيرة فتقول له : لا أعـرف ، ويضـع لـك عـلامـة " 8/10 - 5/10 - 3/  10"  ،  حيث إنك لا ترى أصغر من ذلك ، إذاً القوة الإبصارية لـها حدود قال تعالى:

 

                                                                  ( سورة القمر الآية : 49)

 

وحدودها من تقدير عزيز ،  عليم ،  خبير ،  بصير ،  حكيم ،  ولو زادت قوة الإبصار أكثر من ذلك لما رأينا في الأرض جمالاً ،  وبعـض الأمـاكـن في أنعـم جـلد بشـري تـرى جبـالاً ووديـاناً ونتوءات ،  وعندما تم تـكبير أنعـم جـلـد بشـري تحت مجهر يكبر 300000 مرة كان المنظر لا يُحتمل ،  فلو أن هذه العين كـانـت قـوة إبصـارهـا أكبـر ممـا هـي عليه لما كان في الأرض جمال ، فقوة الإبصار المحدودة تعتبر نعمة من نِعَم الله عز وجل .

 

Text Box: الاستشهاد بأمثلة للتوضيح :
 
 
 
 
 
امثلة للتوض

     

         الهواء مثلاً يحتوي على صور ،  ومن يرى تـلك الصـور ؟   الـدليـل علـى ذلـك فـي أجهزة التلفزة الذي يلتقط الصور التي لا تستطيع عيناك أن تراها , الفضـاء مملوء بالصور ،  فقوة الإبصار محدودة وكذلك الهواء مملوء بالأصوات ,  فالبث الإذاعي في العالم العربي متعدد ،  وكل هذه الإذاعات أمواجها الصوتية مبثوثة في الفضاء ،  فجهاز المذياع يلتقط هذه الأصـوات أمـا الأذن فلا تستطيع ذلك ،  وهذه من نِعم الله عز وجل .

 

Text Box: الحكمة الربانية في تحديد الأشياء :

 

         فلو كان الـسمعُ غيرَ محـدود لسـمعت كـل الإذاعـات  دون أن تـدخل إرادتك في أن تسمع أو لا تسمع ,  لذلك فإن الله عـز وجـل مـن حكمته جعلنا لا نستطيع أن نسمع تلك الأمواج الصوتية ،  فلنفرض لـو كان هنـاك سـوق مليء بالضجيج ،  أو كان كل شيء على وجه الأرض يسمعه الإنسان لكانت حيـاته مـستحيلة ،  فتصـور أنـك تسمع أصوات أمواج البحر ،  وكل محرك يعمل ،  وكل انفجار ، وكل صـوت فـي الـكرة الأرضيـة ، مـن شمـالها إلى جنـوبها ،  ومن شـرقـها إلى غـربها ،  مهما دق ذلك الصوت ‍! ولو تفكرنا في ذلك لعرفنا حكمة الله ،  ولعرفنا نعمته في جعل السمع لدينا محدوداً ، ندرك معنى الآية الكريمة :

 ( سورة القمر الآية : 49)

 

         فالموجة الصوتية عندما تضعف وتتلاشى ،  هذه نعمة كبيرة لا تقدر بثمن , الدليل : هناك موجة لا تتلاشى , فهم بعثـوا مـركبة إلـى المشـتري تسـير بسرعة 40000كم في الساعة ،  وهي أسرع مركبة صنعها الإنسـان ، وبقيـت فـي مسـيرهـا إلـى المشتري ست سنوات ،  وهو أحد كواكب المجموعة الشمسية  ،  ومـع ذلـك مِن هناك بثت صوراً إلـى الأرض ،  وهذه الصور بثت على شكل أمواج ،  وهذه الأمواج بقيت على حـالتـها ،  وسـعة المـوجـة لم تقل ،  فإنّ الله قادر على خلق موجات تحافظ على سعتها ،  ولـو أن المـوجـات الصـوتية التـي في الأرض بقيت محافظة على سعتها  لأصبحت الحياة على وجه الأرض مستحيلة .

( سورة القمر الآية : 49)

 

وهـكذا الســمع ،  والبصـر ، والشـم ،  فالشـم محـدود أيضـاً ،  فـلو أن الإنسـان يشـم الروائـح الكريـهة لمســـافـات بعيـدة كرائحـة دابـة ميتة فـي بلد آخر لأصبحت الحياة في بلدك مستحيلة ،  ولكن حكمة رب العالمين إذا كانت رائحة كريهة على بعد 200 م فإنها تنتهي وتتلاشى ،  فـراكب السـيارة قد يشم رائحة كريهة في طريقه  وبعد لحظات يبتعد عنها وتنتهي الرائحة ،  إذاً هنـاك محـدودية للحواس .

 

Text Box: إنكار الأشياء غير المحسوسة أمر غير علمي :

 

         فهل ننكر الأشياء الغير محسوسة ؟  فمثلاً هناك أجهزة تطرد البعوض والذباب بواسطة أصوات يصدرها الجهـاز تزعج البعوض والذباب ولكن لا يسمعها الإنسان ،  وتكون هذه الأصوات  دون عتبة السمع ,  كمـا أن هنــاك أجهـزة حـديثـة لـلقوارض تصـدر أصـواتاً لا يسمعها الإنسان  ولكن القوارض تســمعها ،  فـإذا سـمعتْه هـربتْ ،  ويسـتخـدم فـي المستودعات  ،   فهل يجـوز للعـاقل أن ينكـرهـا لعدم استماعه لها ؟  فتقول : إذاً إن الحواس محدودة لدى الإنسان ، وهـذه النقطـة هي التـي يجـب أن نصـل إليـها ، وقد قال عـلماء التوحيد  : " عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود " .

 

Text Box: الدليل :

 

         هنـاك أجهـزة تـلتقط الصور التي لا نراها ،  فهل تستطيع أن تنكر ذلك ؟  فإذا قال أحد : إني لا أرى الله ، فأيـن هو ؟  فـتقول لـه : إنَّ هذا هو الغباء والجهل بعينه , لأن عـدم الوجـدان لا يعني عـدم الـوجود ،  ولأن حواسنا محدودة لحكمة بالغة ،  ونستنبط من ذلك أيضاً أن الشيء الذي لا نراه يمكن أن يكون موجوداً ،  ويمكن أن يكون وجوده أخطر من وجودك أنت لكنك لا تراه ,  ومن  ينكـر أن هناك قوة جذب بيـن الأرض والشمس حسب قانون الجاذبية ،  فهناك تجاذب بين الكتل المادية بحسب حجم الكتلة ، فكلما كبرت الكتلة زاد الجذب ، وكلما صغرت قلَّ الجذب , وهذه حقيقة مسلَّم بها.

         مثال : معلم أراد أن يـبث الإلحـاد بينَ طلابه فقال : نحن لم نشاهد الخالق ،  فإذاً هو غير موجود ، فتكلم طفل وقال لهذا الأستاذ :  نحن جميعاً لا نرى عقلك الذي تفكر به ،  فإذاً أنت لا عقل لك ،  إن قياساً على هذه القاعدة الواهية أن العقل لا يُرى ,  ولكن نرى آثاره ،  وهذا شـيء آخـر فـي الـقوة الإدراكية .

 

Text Box: 2- العالم الداخلي :

 

        إنك تكوِّن بعض الحقائق من العالم الداخلي ،  ذلك لأن النفس تغضب ،  وتـخاف ،  وترجو ، وتفرح ،  وتحزن ،  وتقلق ،  وتستكبر ، هذه المشاعر يدركها الإنسان عن طريق العالم الداخلي  وليـس عـن طريق العالم الخارجي ،  إذاً هناك نوافذ داخلية ونوافذ خارجية ، كالبيوت مثلاً فقـد يـكون لـها نـوافـذ تطـل عـلـى ساحة البيت و نوافذ تطل على الشارع ، كذلك الإنسان له نوافذ تطل على العالم الخارجي منها يكوِّن مدركاته ، وله نوافذ تطل على العالم الداخلي ومنها يكوّن أحاسيسه  .

 

Text Box: 3- الخيال :

 

         ما هو الخيال ؟  هو القدرة علـى التصور ،  يتصور الإنسان أن له بيتاً يطل على حديقة وعلى جنبيها أشجار سرو ,  وأشجار مثمرة متنوعة ،  وفـي الـحقيقـة لا يـوجد عنده شيء من ذلك ، فما هذا الخيال ؟  فـلو قلنـا لإنسـان : تخيـل أن لك بيتاً ،  فإنـه يتخيل مسكناً له سقف ،  وجدران ،  وأرض  ، فهل يسـتطيـع أن يتخيل غـير ذلـك ؟  وكـذلـك لـو قلنـا لـه : تصور حورية نصفها امرأة ونصفها سـمكة ،  فـإنـه يسـتطيع تصور ذلـك ، لأنه يعرف المرأة ويعرف السمكة  فيتصور ذلك ،  فالخيال البشري لا يستطيع أن يتصوَّر شيئاً من لا شيء ،  إنما يستطيـع أن يـتصوّر شيئاً من شيء ،  من الممكن أن نتخيل شجرة لها أوراق ،   وتحمل بدلَ الثمـار كـؤوساً من شراب التفاح مثلاً ،  فالكؤوس موجودة  وشراب التفاح مـوجود , الـخيـال فـي الـحقيقـة مـرتبط بالواقع ،  فأحياناً يتصورون إنسانَ المريخ  فلا يزيدون على أن له رأساً ،  وجـذعاً ،  ويديْن ،  ورِجلين ،  إلا أنـه قـد يغيـر مـوضع العينين أو يكبر الرأس قليلاً ،  أو قد يغير في شكل الأيدي والأرجل ،  فهل يستطيـع الإنـسان أن يتصور رجـلَ المـريخ من دون رأس ورجليـن ؟ .

 

Text Box: محدودية الخيال ليس دليلاً علمياً على رؤية الغيبيات :

 

        إذا كنت لا تستطيع أن توجد صورة خيالية من لا شيء ،   فكيف بإمكان الإنسان أن يتخيل الجنة وهو لم يرها ؟  فالخوض في الغيبيات ليس من العقل ، ففي الحديث  القدسي عن الله عز وجل عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ : ((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ  (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) "

( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح )

 

         فـالخيال يـجب ألاّ يجول في العالم الآخر ،  وذلك لأن الخيال لا يأتي إلا لشيء من شيء ، أما من الجنة  فلا نرى منها شيئاً ، وقد قال العلماء: " نحن نكتفي بعالم الغيب بالخبر الصادق الذي ورد في كتاب الله " , لا أقل من ذلك ولا أكثر ،  فإذا كـنت عـاجـزاً عـن تخيـل الجنة فهل تستطيع أن تتخيل ذات الله عز وجل ؟ لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((تفكروا في المخلوقات ولا تفكروا في الخالق فتهلكوا)) .

 

Text Box: 4- العقل :

 

         عقلك مـربـوط بـحواسـك  وخيـالـك مرتبط بالواقع ولن تستطيع التجاوز ،  وهذا الكلام يراد منه أن العقل أو الفكر البشري عندما يعجز عن الوصول إلى شيء فهذا لا يعني أن الشيء غير موجود ،  ولكن العقل الذي وهبنا الله إياه له طاقة محدودة ،  لحكمة بالغة أرادها الله عز وجل ،  مثلاً : ميزان يزن 30 كغ  تضع عليه سـيارة ،  ينكسر ويتحطم ،  فهل نقول : إن هذا الميزان ليس جيداً ؟  لا بل هو ميزان جيد  ولكن مخَصَّص للأوزان التـي لا تـتجاوز 30 كغ وليس لسيارة ،  مِن هذا المثـل يتضـح لـنا أن الإنسـان عندمـا يكلف عقله فوق طاقته ، ثم يخفق فالخطأ ليس في عقله بل في سوء اسـتخدام العقل ،  لأن العقل مربوط بالواقع  ،  والواقع فيه زمان ومكان ، مثلاً يقال : إن هناك جريمة وقعت ،  فنقول مباشرة : متى وأين ؟ فالعقل البشري ليس عنده إمكانية أن يتصور حدثاً إلا ولـه زمـان ومكـان ,  ولـكـن الخـالـق ليـس كمثلـه شيء  ولا يسأل عنه أين هو ؟  لأنه خالق المكان ولا يسـأل عنه : متـى كـان ،  لأنه خـالق الـزمان ،  فكلمة (متى) و(أين) في حق الله مستحيلة ،  لأنه خالق الـزمان والـمكان ،  فعدد السـنين هـذه مـن اختصـاصنـا نحن البشر ، أما بالنسبة لله فالزمان صفر ،  لا يقيده زمان ولا مكان .

 

Text Box: محدودية العقل :

 

         فالكون غير محدود ,  ولكن العقل لابد من أن يـكون محدوداً فأبعد مجرة توصلوا لها تبعد 18000 مليون ســنة ضوئية  ,  وقد يكـون هنـاك مـجرات أخـرى وبالنهايـة فالكـون غير محـدود , ولكن العقل كيف يستطيع أن يدرك اللامحدود وهو الله عز وجل ؟ لذلك قال :

               

 (سورة البقرة الآية  : 255)

 

         يقول الإمام الشافعي : ((إن للعقل حداً ينتهي إليه ، كما أن للبصر حداً ينتهي إليه))، والإمام الغزالي يقول : ((لا تستبعد أيها المتكلف في عالم العقل أن يكون وراء العقل طور قد يظهر فيه مالا يظهر في العقل)) ,  لـذلك فالـكرامـات مـوجـودة ،  ولـكن الـعقل بصددها محدود الزمان والمكان ، فلا يمكن للعقل إدراكه ولكنه موجود ، مثلاً قال الله تعالى في كتابه العزيز:

( سورة النمل الآية : 40)

 

  أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ، هـذا عـن عـرش بلقيس فكيف يتصور العقل ذلك ؟  تصور أنك تريد أن تنقله ،  فكم تستغرق من الوقت والجهد ومقدار الإمكانيات اللازمة لذلك ؟ فالإنسان العاقل يعقل الحقائق التي ذكرناها سابقاً : " عـدم الـوجدان لا يدل على عدم الوجود" ،  إذاً إن الفكـر البشـري محدود بالحواس ، وخيـاله يمده من الواقع والواقع محـدود ، فـأنـَّى لـهذا الفكـر البشـري المـحـدود بالحواس والحـواس يحـدُّهـا الواقـع أن يـدرك الـلامحـدود ، معرفة الله لا تـكون إلا من معرفة آثاره فقط  أمَّا معرفة ذاته فمستحيلة ،  ومعرفة الذات كما لو وضعت ورقة رقيقة جداً في فرن لصهر الـحديد ، وقلت : ماذا حل بها ؟  فالإنسان عاجز عن معرفة ذات الله ,  وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ : ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أحـاديثه : ((إذا ذُكر القضاء والقدر فأمسكوا )) , لا تبحثوا ً في ذات الله عـز وجل وبعلمه فهو يعـلم بلا كيف ,  وهذا اختصار للبحث فـي علـم الله الـذي لا يمكـن أن يدركه عقـل أي إن هنـاك أسئـلة خـطيرة فـي العـقيدة ينبغي أن نقف عندها ونقرأ :

              (سورة الإخلاص الآية : 1-4)

 

         فهنـاك مـوضـوعـات مـن اختصـاص الـفكر البشـري ، وهناك موضوعات فوق الفكر البشري يجب عدم الخوض فيها ،  وإذا عجز الفكر عن إدراكها فلا ينبغي أن ننكرها ، لأنه كما قلنا : " عـدم الـوجدان لا يدل على عدم الوجود " .

 

الحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi