English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 13 / 63 من العقيدة  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس   :  الوصول للإيمان بالله : أ- الفطرة ، ب- الأدلة .

تفريغ              :  السيد وسام عودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ محمد موسى حلوم والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          أيها الأخوة المؤمنون وصلنا في موضوعات العقائد إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى وبينّا في الدرس الماضي أن للإيمان بالله أدلة فطرية وأدلة عقلية وأن الدليل الفطري يتعلق بصاحبه وأن الدليل الفطري لا ينقل وأن العابد قد يكتفي بالدليل الفطري بينما العالم إذا أراد تعليم الناس لابد له من دليل عقلي أو أن الفطرة التي انطمست عنه وذهب صفاؤها وانمحت خصائصها لابد لها من دليل عقلي ، وهناك أدلة فلسفية و علمية والشيء العجيب أن الأدلة متنوعة جداً فالإنسان البسيط يرى دليلاً بسيطاً والفيلسوف يرى دليلاً فلسفياً والعبقري يرى دليلاً بالغ التعقيد وكل إنسان في هذه الأرض يجد دليلاً قاطعاً كافياً مقنعاً بحسب مستواه سأطلعكم على نموذجين من الأدلة ، وعلى كلٍ فالدليل الفلسفي يحتاج إلى دقة وإلى متابعة ، وأرجو الله عزّ وجل أن يعينني على تبسيط الأمور .

          فالدليل الأول على وجود الخالق سبحانه وتعالى اسمه دليل الإلزام العقلي بين الوجود والعدم ، فالأصل في الخالق الوجود فوجوده واجب والأصل في الكون ومعنى كلمة كون أي ما سوى الله العدم ، الأصل في الخالق الوجود فوجوده واجب و نحن قبل هذا الدرس تحدثنا عن واجب الوجود وعن مستحيل الوجود وعن جائز الوجود ، والأصل في الخالق أنه واجب الوجود والأصل في الكون العدم فهل وجوده مستحيل ؟ لا ، ممكن ، جائز ، الكون وجوده جائز يعني كان الكون وكان من الممكن أن لايكون ، فوجود الكون جائز ولايمكن أن يكون السبب في إيجاد الممكن إلا واجب الوجود ، طبعاً هذه النتيجة لكن لها تفصيلات كثيرة ، لا تظنوا أن هذا الكلام ليس عليه برهان الأصل في الخالق أنه واجب الوجود والأصل في الكون أنه جائز الوجود ولا يعقل أن يكون سبب الممكن جائز الوجود بل لابد من أن يكون سبب الممكن واجب الوجود .

          التفصيل : لا يشك عاقل في الدنيا بأن الوجود يقابله العدم ، هذا الكأس موجود يقابله شيء واحد أن لايكون موجوداً ، الوجود يقابله العدم وأنه لا ثالث بين الوجود والعدم ، لا حالة ثالثة ، بالحالة المطبقة ليس هناك موجود نوعاً ما ، موجود تقريباً ، موجود مجاملة ، موجود أو غير موجود ولا ثالث وراء الوجود والعدم ، الآن هذان الشيئان ، الوجود والعدم إذا وجد أحدهما انتفى الآخر ، فماذا نسمي هذين الشيئين ؟ متناقضين أي أن وجود أحدهما ينقض وجود الأخر  إذا وجد أحدهما انتفى وجود الآخر ، فإذا انتفى وجود أحدهما وجد الآخر ، الآن عندنا سؤال : أيهما الأصل هل الوجود الذي يقابله العدم ، العام هو الأصل أم العدم العام هو الأصل .

           يعني قبل كل شيء هل الأصل وجود أم عدم ؟ هذا سؤال مهم ؟ قبل كل شيء  الأصل وجود أم عدم ، إذا قلنا عدم فكيف جاء الوجود من عدم ، مستحيل عقلاً ، وللإجابة عن هذه التساؤلات لابد من ان نسلك مسلك افتراض أن أحدهما هو الأصل ، "مناقشة " ، ثم ننظر ماذا ينتج من كل فرضية ، فلنفترض جدلاً أن الأصل لكل ما يخطر في الفكر وجوده هو العدم . كل شيء خطر على بالك أنه موجود ، الأصل هو العدم ومعنى العدم نفي ذات ما يخطر في بالك ونفي صفاته فلا ذات ولا قوة ولا إرادة ولا علم و لا حياة ولا أي شيء هذا معنى عدم ، وبحسب هذا الافتراض نتساءل ؟ كيف استطاع العدم وهو الأصل أن يتحول إلى وجود ؟ هذا مستحيل عقلاً ، بيت فارغ ليس فيه شيء ، تأتيه الساعة الثانية ظهراً فإذا فيه مائدة عليها مالذ وطاب البيت فيه عدم والعدم لايمكن أن يتحول إلى وجود ألسنا نشعر بوجود أنفسنا ؟

ديكارت قال : " أن أفكر فأنا موجود " يعني إذا واحد شك في الوجود لن يستطيع أن يشك في وجود نفسه ، أنا موجود ، ألسنا نشعر بوجود أنفسنا ؟ ألسنا نرى بأم أعيننا موجودات كثيرة من حولنا ؟ والعدم  كما عرفناه النفي العام ، لكل ما يخطر ببالك إذن هنا شيء موجود   أنت موجود ، والجبال موجودة ، وبيتك ، و زوجتك ، وأولادك ، ودكانك ، والطريق ، والبحر  والجبل ، والبادية  هذه أشياء تحس بوجودها إحساساً ، هي موجودة  فكيف يأتي من هذا العدم العام ؟ نحن فرضنا أنه في الأصل هناك عدم عام ، فكيف يأتي هذا العدم العام ، العام ذوات وصفات وقوى تنطلق بنفسها من العدم إلى الوجود وانطلاقها لا يكون إلا بقوة ، و البارحة يوم الجمعة تحدثنا عن الشمس ، وأن هذه الشمس مضى على اتقادها خمسة آلاف مليون عام ولن تنطفئ قبل خمسة آلاف مليون عام ، طيب نحن على مستوى التجربة اليومية الموقد عندنا في البيت إذا فرغت منه الطاقة ينطفئ منذ خمسة آلاف مليون عام والشمس متقدة تصل حرارتها إلى 20 مليون درجة في المركز ، ينطلق من سطحها ألسنة لهب يزيد طولها عن نصف مليون كم  20 ألف مليار طن من الفحم الحجري لو أحرقتها لعادلت ما تنتجه الشمس من طاقة في الثانية الواحدة ، شيء موجود ، لو انطفأت الشمس فجأة لانخفضت الحرارة في الأرض إلى ثلاثة مائة وخمسين درجة تحت الصفر ، انعدام الحرارة والنور والدفء كافيان للقضاء على كل أنواع الحياة ، هذا شيء موجود ، يقول كالشمس الساطعة ، الشمس ساطعة  فهذا الوجود لا يعقل أن يكون من عدم هذا شيء مستحيل عقلاً ، فهناك ذوات وصفات ، وقوى تنطلق بنفسها من العدم وانطلاقها لا يكون إلا بقوة ، وهذه الأرض تزن لا أدري كم من آلاف ملايين الأطنان ، تنطلق بسرعة ، قدرها 30كم في الثانية ، تحريك الأرض يحتاج إلى طاقة كتحريك السيارة يحتاج إلى طاقة ، وكلما زاد وزن السيارة استهلكت وقوداً أكثر ، والشمس تنطلق بسرعة 250 كم /ثا مع المجموعة الشمسية حول مركز المجرة ، مجرتنا تنطلق بسرعة 240ألف كم / ثا أي تقترب سرعتها من سرعة الضوء ، ماهذا ؟ عندنا ذوات ، وعندنا صفات ، وعندنا قوى ، وأشياء موجودة ، إنه من المستحيل بداهة أن يتحول العدم بنفسه إلى وجود ، أو أن يُوجد العدم أي شيء  العدم لا يوجد ، والوجود لن يكون من عدم ، هذه من بديهيات العقل كأن تقول الكل أكبر من الجزء ، والله عزّ وجل ، هذه العقائد أصلها في القرآن ، قال تعالى :

(سورة الطور)

          والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت دليلاً على وجود الله أم خلقوا من غير شيء ، 130مليون عصية في شبكية العين ، و 400 ألف عصب بصري ينطلق من العين إلى الدماغ  250 ألف شعرة ، لكل شعرة شريان ، ووريد وعصب وعضلة وغدة صبغية وغدة دهنية ماهذا ؟ 35 مليون عصارة هاضمة في المعدة ، الطريق الذي يسلكه الدم في الكليتين طوله 100 كم ، هذه أشياء بديهية في الطب لا تظنوا أن هذه الأرقام مبالغ فيها  إنها أشياء بديهية .و الدماغ 14 مليار خلية سمراء على قشر الدماغ تستند إلى 140 مليار خلية إستنادية  وحتى عام 1983 لم تعرف وظيفتها ، أنت إذا كنت تمشي في الطريق واستمعت إلى من بوق سيارة وانحرفت نحو اليمين هل تصدق أن هناك جهازاً في الدماغ بالغ التعقيد حسب تفاضل وصول صوت البوق إلى الأذنين ، فإذا كان التفاضل واحداً على 1650 جزءاً من الثانية عرف هذا الجهاز أين جهة السيارة فأعطى أمراً للعضلات أن تنطلق في الطريق المعاكس . جهاز وما أكثر الأجهزة من ضعفنا ومن محدودية علمنا نظن سذاجة أنه عندنا جهاز الدوران وجهاز الهضم ، وجهاز التصفية وجهاز البول ، وجهاز التناسل ، مع أن هناك عشرات الأجهزة التي لا نعرفها إلا إذا فقدناها .

          مثلاً : فالإنسان لديه جهاز اسمه جهاز ، توازن السوائل ، مركزه بالكظر ، لو اختل هذا الجهاز لأمضى الإنسان يومه كله في شرب الماء وطرحه ، يشرب بالنهار 20 تنكه ماء ويخرجها لو اختل هذا الجهاز ماذا يكون ؟ جهاز آخر اسمه جهاز الضبط الحراري لو اختل هذا الجهاز .

          نضع إنساناً في غرفة ذات حرارة منخفضة تنخفض حرارته ، فنحن مصنفين مع الكائنات ذات الحرارة الثابتة الحرارة 37 درجة تتجه لمكان درجته 20 درجة تبرد أو 15 درجة تبرد ، لكن هناك طاقة تولد الحرارة ، هذا الجهاز إذا تعطل تصبح حرارة الجسم مساوية لحرارة المحيط ، فإما أن تؤمن لهذا الإنسان درجة 37 دائمة في الطريق ، وفي السيارة ، وفي البيت  والمكتب وهذا مرض وقع : " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ " يوجد أشياء والله الذي لا إله إلا هو لا أقول لكم من آيات متعلقة بالإنسان إلا من نوع الآيات الظاهرة جداً ، وكلما تقدم العلم يكتشف أشياء لا تصدق ، فهذا الحيوان المنوي حينما ينطلق باتجاه البويضة ، كيف يدخل هذا الحيوان إلى البويضة ؟ سؤال البويضة عبارة عن جدار خارجي وسائل داخلي ونواة  والبويضة أكبر خلية في الإنسان لها غلاف حيلولة نواة كيف يخترق هذا الحيوان المنوي جدار البويضة ؟ كيف ..؟.. وبعد الفحص الإلكتروني - بالمجهر الإلكتروني الذي يكبر 300000 مرة رقم كبير جداً ، ظهر في رأس هذا الحيوان غشاء رقيق جداً يحبس سائلاً إذا لامس جدار الخلية أذابها ودخل الحيوان ، هذا السائل مصدره الزبيب واللفت ، يقولون عنها مادة نبيلة جداً وهذا السائل موجود في العين وفي رأس كل حيوان منوي ، فكلما تقدم العلم يصل إلى دقائق لا تصدق أبداً ، و الحيوانات المنوية تصنع في الخصية على تسع عشرة مرحلة ، ثم تذهب إلى التخزين وفي التخزين تُحسّن نوعيتها ، وأشعر أن الذي أقوله لكم هو في الآيات ، و هذه الآيات التي عرفها العلماء منذ عشرين أو ثلاثين عاماً أصبحت من المسلمات البديهيات ولكن العلم اليوم يكتشف دقائق يكاد العقل لا يصدقها ، هذه الآية " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ " .

          إذا دخل رجل إلى السيارة موديل 986 أليس لها مصنع ومهندسون  ألا يوجد مهندس صمم شكلها الخارجي وقوامها ، وخطوطها ، يا ترى خطوط منحنية أم مستقيمة ، وزوايا حادة  ألا يوجد مهندس صمم ألوانها ، ألواناً دقيقة جداً ، ألا يوجد مهندس صمم فرشها من الداخل ، ألا يوجد مهندس صمم المحرك ، تصوّر إن معمل السيارات عبارة عن مدينة بأكملها ، كل جناح يوجد فيه مئات من نوابغ المهندسين ، وأعقد آلة على وجه الأرض هو الإنسان .

        " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ " هذا الخلق المعقد ؟ من عدم ! مستحيل  وأحدث بحث في العين أن اللطخة الصفراء أو النقطة التي ترى فيها العين ، هذه اللطخة الصفراء عبارة عن دائرة ونويّفة في الوسط إذا وقع خيال الشيء المرئي ، طبعاً عندنا عدسة  وجسم  ، و لوحة ، بشكل مبسط فلو جئت بعدسة وأتيت بشمعة في غرفة مظلمة ووضعت وراء العدسة لوحة من الورق المقوى وحركتها يميناً ويساراً إلى أن ينطبع على هذه اللوحة شكل الشمعة المشتعلة مقلوبة وصغيرة هذا المكان اسمه محرق العدسة ، وأحيانا يوجد مكبر مع أحدنا يضعه في أشعة الشمس إلى أن يرى على الورق لطخة حادة الضوء بعد دقائق يحترق الورق  هذا المكان اسمه محرق العدسة ، الضوء يأتي على شكل حُزم متوازية فإذا دخل الضوء في وسط شفاف انكسر فالتفت هذه الحزم على مكان محدد ، هذا المكان اسمه المحرق .

          فمنظر الجبل خطوط من الضوء مستقيمة تدخل إلى العين عن طريق العدسة ينكسر الضوء فيجتمع في نقطة حساسة جداً هي الشبكية وبالذات اللطخة الصفراء ، فإذا أردنا توضيح القضية نأتي بعدسة في غرفة مظلمة ونشعل شمعة نضعها أمام العدسة ، ونأتي بورق مقوى خلف العدسة ونحرك هذا الورق إلى أن نرى بعيننا رسم شمعة صغيرة مقلوبة على هذا الورق ، فلو حركت الورق سنتمتراً واحداً تتلاشى الصورة وتصبح غير دقيقة ولو قربتها سنتمتراً آخر أيضاً تتلاشى . هذا المكان الدقيق هو محرق العدسة ، الآن لو حركت الشمعة التي أمامها تتلاشى  فنحن كيف نرى ؟  فالأشياء متحركة واللوحة ثابتة ، فهذا شيء معجز كيف نرى ؟

          قيل هذه اللوحة الثابتة فيها دائرة حساسة جداً لها مركز ولها محيط . فإذا جاء خيال الشيء المرئي قبل الشبكية ، فإن مركز الدائرة يتحسس بوجود خيال لم ينطبق على الشبكية فيعطي أمراً إلى الدماغ والدماغ يأمر الجسم البللوري المرن بالاحديداب قليلاً حتى يأتي الخيال على الشبكية .

          فإذا جاء الخيال بعد الشبكية ، فإن المحيط بهذه اللطخة الصفراء يتحسس بهذا الخيال الذي وقع وراء الشبكية ويعطي أمراً إلى الدماغ بأن يجعل الجسم البللوري ممطوطاً هكذا إلى أن يقع الخيال على الشبكية ، وهذه العملية من أعقد عمليات الجسم وقد سماها العلماء عملية المطابقة " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ " ، من دون شيء .

          والله يا أخوان : يوجد آيات في جسم الإنسان فقط لو تأمل الإنسان بها لذاب من الله خجلاً . فالعظم ، وخلاياه ، ونموه ، وهذا الطفل الصغير عظم فخذه قصير وساقه أيضاً وتنمو فإلى أي حد تنمو ؟ ومالذي يأمره أن يقف ؟ إن هذه القضية لاحل لها في علم الطب .

          قال طبيب كلاماً مضحكاً ، قال كأنه هناك خط وهمي في الفضاء فهذا العظم ينمو في حدوده فإذا بلغ هذا الخط توقف عن النمو ، شيء مضحك أي خط هذا ؟ تنمو الأسنان وتقف عند حد ،  وتنمو عظام الفخذ  وتقف عند حدها ، ومن أسماء الله المانع ، فلو أن هذا النمو مستمر فهناك مرض اسمه العملقة - 180 - 190- 200 سم - 210 سم - ويقول لصاحبه ياليت هذا النمو ، وذلك مرض خطير جداً ، فالله عزّ وجل قال : " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ " ، 250 مليون حيوان منوي ينطلقون باتجاه البويضة من أجل حيوان منوي واحد  حينما يصطدم بجدار البويضة يتمزق الغشاء فتسيل المادة التي تحته ، وهذه المادة تذيب جدار البويضة  فيدخل منها الحيوان ! ما هذا ؟ .

          لا الوقت يسمح لنا أن نفصل ولا المكان مهيأ للتفصيل ويجب أن يكون هناك لوحات وبعض الفئات وبعض السلايدات أشياء دقيقة جداً: لكن أعطيكم بعض الأمثلة  الآية " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ " ، أجلس ابنك على حضنك ميله قليلاً يميل للجهة الأخرى فلماذا فعل ذلك سؤال دقيق جداً ؟

          أمسك عصاً وميلها قليلاً تقع ، فلماذا العصا تقع والطفل لا يقع؟ سؤال مهم جداً  الجواب : بالأذن الداخلية يوجد ثلاث قنوات كالأقواس كقناطر المساجد وهي نصف دائرية فيها سائل وفي القسم العلوي من هذه القنوات أشعار فإذا مال الإنسان هكذا ، فالسائل أفقي ، فيأتي السائل إلى نقطة أعلى في الطرف الآخر فيلامس هذا السائل الأشعار فتبلغ الدماغ إن التوازن أختل فيعطي أمراً فيعود ، ولولا جهاز التوازن في الأذن الداخلية لما أمكن الإنسان أن يركب دراجة ، حيث إنه لومال سنتمتراً واحداً يعيد توازنه إلى الوضع الصحيح ، جهاز التوازن من الدماغ .

          وعندما تلتهب الأذن الداخلية للإنسان يختل جهاز توازنه ويمشي مباعداً بين قدميه حتى يتخذ سطح استناد واسعاً ، فالطبيب يعلم أن هذا معه التهاب في أذنه الداخلية من عرجته " يقولون عرج الجمل من شفته " صحيحة هذه لكنها من أذنه ، و عندما تلتهب الأذن الداخلية يباعد الإنسان بين قدميه حتى يتخذ مساحة استناد كبيرة " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ " .

          البروستات : شيء لا يصدق ، البروستات عبارة عن غدة تقف على مفترق الطرق فيأتي طريق الخصيتين ، ويأتي طريق الحالبين يصبان في مجرى واحد  وعند هذا المجرى تأتي البروستات .

         وإذا كان مجرى البول مفتوحاً ، فهذا البول مادة حامضية فإذا استمرت كثيراً في هذه المجاري الحساسة فإنها تلتهب فوظيفة البروستات أن تفرز مادة قلوية تتعادل مع المادة الحامضية في البول من أجل أن يبقى مجرى البول سليماً ، ولها دور آخر .

          وإذا فتح طريق الحالبين يغلق طريق الخصيتين إغلاقاً محكماً ، فإذا فتح طريق الخصيتين والمجرى فيه بول والبول مادة نجسة فتقوم هذه الغدة بإفراز مادة مطهرة ثم مادة معطرة ثم مادة سكرية وتُغلق مجرى البول وهذه تعمل ثمانين سنة فتحاً و إغلاقاً وإفراز مواد قلوية ومطهرة ومعطرة وسكرية ولا تكف عن العمل .

          البلعوم هل هو قليل ؟ 80 سنة تأكل ويغلق جهاز الرغامى بإحكام ، تريد أن تقول يغلق جهاز الهضم بإحكام ، والله الذي لا إله إلا هو لو أمضيت عاماً لا أقول إلا الأشياء البديهية في الإنسان أما الدقائق هو الله ينتهي العمر ولا تنتهي " أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ " ألم يكن الله خالقهم ؟ ماذا فعل الزوج ، ماذا فعلت المرأة :

(سورة الواقعة)

          قال : هذه الآية دليل على أن الشيء الموجود لا يمكن أن يكون من العدم مستحيل  يوجد عقل مصمم ، و قدرة مصممة و حكمة وعلم و خبرة و أسماء حسنى .

          أي : هل انتقلوا من العدم إلى الوجود من غير خالق ؟ أم هل كانوا هم الخالقين  أنفسهم ؟ وهكذا لو كان العدم هو الأصل العام لم يوجد شيء .و إذا قلنا : إن العدم هو الأصل إذاً لم يوجد شيء  ونحن بهذا نفينا أن يكون الأصل هو العدم ، ولذلك كان علينا أن نفهم حتماً أن الأصل هو الوجود .. والأصل أن هناك شيئاً موجوداً ..، وبهذا الدليل ثبت بشكل عقلي قاطع أنه لا يصح أن يكون العدم هو الأصل وحيث كان الأمر كذلك فقد ثبت بشكل عقلي قاطع أيضاً أن الأصل هو الوجود لأن الوجود كما سبق نقيض العدم ولا شيء بينهما . وهذا دليل قاطع مقنع أي قطعي الثبوت .

          ثم نقول : ما كان هو الأصل بين شيئين متناقضين لا يحتاج وجوده إلى تفسير أو تعليل فالتفسير والتعليل ومن أين أتى ، ومن خلقه ؟ شيء من الممكن الوجود أما واجب الوجود فلا يقال من أين جاء لأنه هو الأصل ، وهو الأول ، فكلمة من خلقه ، ومن أين جاء ؟ وماذا كان قبله ؟ هذا الكلام لا يصح بحق واجب الوجود لكنه يصح بحق ممكن الوجود ، الذي كان من الممكن أن لا يكون أو كان . هذا يقال له من أين جاء ، وبهذا الاستدلال ظهر لدينا بوضوح  شيئان :

1- أن الأصل الوجود .

2- وأن الأصل لا يتطلب في حكم العقل سبباً ولا تعليلاً أكثر أن يقال إنه هو الأصل .

        و المرحلة الثانية من الدليل : و هذا الدليل مؤلف من أربع مراحل ، المرحلة الثانية على الدليل :

" إذا كان الوجود وهو الأصل لا محالة فهل يمكن أن يكون لهذا الأصل بداية ؟ " وهل يمكن أن يلحقه العدم ؟ تقول أنت هو الأول والآخر ، فهذا يعني أن هذه الكلمة لها أبعاد كبيرة جداً .

          الله سبحانه وتعالى لا شيء قبله ولا شيء بعده ، إذا كان هناك شيء قبله لصار ممكن الوجود وإذا كان شيء بعده لصار ممكن الوجود ، أما هو فواجب الوجود  لاشيء قبله ولاشيء بعده ، وللإجابة عن هذا التساؤل نقول :

          إن ما كان وجوده هو الأصل ، فلا يصح عقلاً أن يكون لوجوده بداية لأن ماكان لوجوده بداية فلابد أن يحتاج في وجوده إلى سبب أوجده  إذاً : لما أصبح واجب الوجود ولكان جائز الوجود ، وأصبح مخلوقاً ولم يعد خالقاً . لا يحق ولا يصلح بحق الخالق أن تقول مالذي كان قبله ، فلو أن شيئاً كان قبله لكان هو الذي أوجده وإنما كان وجوده هو الأصل فلايمكن أن يلحقه العدم ! لأن كل زمن لاحق نفرض أن يطرأ فيه العدم على ما أصله الوجود نحن وجودنا ممكن . أين فلان ؟ إنه قد مات .

          أما ربنا عزّ وجل فهو الحي الباقي على الدوام لا شيء قبله ولا شيء بعده. ولا يزال الوجود هو الأصل ولا سبب لأن يطرأ عليه العدم أبداً ، لأنه لا يطرأ العدم على أي موجود من الموجودات إلا بوصف أن يكون العدم فيه هو الأصل .

          إذاً : الأصل في الشيء العدم فله بداية وله نهاية وله سبب أوجده وله سبب أنهاه " هو الذي أنهاه " ، فهل ينتظر زوال السبب حتى يعود إلى أصله ، وقد ثبت لدينا أن العدم من حيث هو مستحيل أن يكون هو الأصل العدم ضد الوجود ولذلك يستحيل عقلاً أن يطرأ العدم على وجود علمنا أنه هو الأصل ،و الذات الإلهية لا شيء قبلها ولا شيء بعدها .

          لا شيء هو سبب في وجودها ولا شيء ينهي وجودها . ولهذا قال الله عزّ وجل :

(سورة الفرقان)

          هنيئاً لمن كانت علاقته مع الحي الذي لايموت حسنة . وإليكم هذا القول عبدي رجعوا وتركوك " أول ليلة في القبر " وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا  وأنا الحي الذي لا يموت .

          إذا أحببت الزوجة أحبها لكنها فانية ، تحب المحل في أوجه الأحياء والأسواق حبه فإنه لا يدوم ، تحب مزرعة مزروعة تفاحاً وكرزاً وبرتقالاً وغيره وفيها قصر وحجر منحوت ومدخل سيارات وورود أحبها لكنها لا تدوم . " ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت "

أحبب ما شئت فإنك مفارق ، عش ما شئت فإنك ميت ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به

          " ولم يبق لك إلا أنا " عندما أرى جنازة أقول في نفسي هنيئاً له أو الويل له ، إذا عرف الله الحي الباقي على الدوام الذي كل شيء هالك إلا وجهه كان يطيعه ، كان يصلي لله  ويدعوه ، و يستقيم على أمره ، و يتعرف عليه في الدنيا ، ويحضر مجالس العلم ، فهنيئاً له  وإذا مات وهو لايعرف الحي الباقي على الدوام فكل هذه اللذائذ انقطع عنها دفعة واحدة .

المرحلة الثالثة من الدليل .

          أنا أخشى أن تكون هذه الموضوعات فوق مستوى الأخوة الحاضرين ، وهي موضوع فلسفي وأنا أجتهد إن شاء الله أن أبسطها بحيث تبدو واضحة ، لأن هذا الدليل قوي جداً وأحدهم يقول لك أنت مؤمن بالله تقول له نعم  ويقول لك فمن خلق الله فالجواب هو السابق هذا السؤال يقال لممكن الوجود .

          سؤال ثانٍ : هل الأصل في الكون العدم أم الوجود ، إذا قلت العدم فالعدم لا يعقل أن يوجد شيئاً والشيء لا يعقل أن يوجد من تلقاء نفسه ، إذاً الأصل هو الوجود . والآن فلنلق نظرة على الموجودات التي تقع تحت إدراكنا الحسي في هذا الكون الكبير لنرى هل تنطبق عليها فعلاً الحقيقة الأولى وهي أن الأصل فيها لذاتها الوجود أو ينطبق عليها ضدها وهي أن الأصل فيها العدم ، أي هذا الكون بأكمله أصله العدم أم الوجود ؟ إنه سؤال دقيق فلا تتسرعوا ، الكون أصله العدم  كان الله ولم يكن معه شيء ، ألم يقل العلماء إن الشمس مضى على تألقها 5000 مليون سنة إذا ماكانت موجودة والأرض كانت في عصور مطيرة في قارات ملتصقة مع بعضها هكذا قال علماء الجيولوجيا   الأصل في الكون العدم ، الكون يسمونه حادثاً أي حدث ، ولم يكن من قبل حادثاً ، إذاً فلنلق نظرة على الموجودات التي تقع تحت إدراكنا الحسي في هذا الكون الكبير لنرى هل تنطبق عليها فعلاً الحقيقة الأولى وهي أن الأصل فيها الوجود أو ينطبق عليها ضدها وهي أن الأصل فيها العدم ؟ هنا تبدو لنا الحقيقة أننا لم نكن ثم كنا ، ونحن صنف ممتاز  التكوين :

(سورة التين)

          وأن أشياء كثيرة كانت في طي العدم ، المجلس كله بمن فيه أغلب الظن عام 1850 هل كان واحد منا موجوداً ؟ من فلان ؟ اسأل هذا السؤال الشخص عاش 1850 هل تعرف  فلاناً ؟ لا يعرف :

(سورة الإنسان)

          أنا عندي جريدة مطبوعة عام 1930 كلما تأملتها يوم صفت حروفها وبيعت في الأسواق واشتراها الناس أنا لم أكن موجوداً وقتها .

          " هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا "  فمن موت إلى حياة ومن حياة إلى موت ومن تغيرات في الأشكال والصور ، إذا كان الإنسان هكذا كان في الخمس عشرة في العشرين في الخمسين ، إنه تطور مستمر ، وكل ذلك لا يعلل في عقولنا وفق قوانين هذا الكون الثابتة إلا بالأسباب المؤثرة التي تحمل هذه التغيرات الكثيرة المتعاقبة ومن هذه الأسباب ما نشاهده وما نستنتجه استنتاجاً ولانزال نتسلسل مع الأسباب حتى نصل إلى مسبب الأسباب .

          في هذا الكون تغيرات كثيرة يموت شيء ، وشيء  يولد ،و رياح تهب ، وأعاصير  وبحار تهيج ، وبراكين تثور ، وأشخاص يولدون ، وأشخاص يموتون ، فلماذا ولد هذا ؟ هناك سبب ، يوجد تلقيح ويوجد جنين فمن خلق الأب ؟ سبب آخر إلى أن تصل إلى مسبب الأسباب هو رب الأرباب .

          فلو كان الأصل في هذه الموجودات المعروضة على حواسنا هو الوجود فلن تكون هذه الموجودات عرضة للتحول والتغير والزيادة والنقص والبناء والفناء ولم تحتج صور جودتها إلى أسباب ومؤثرات .

          فلو كنا نحن في الأصل موجودين لما طرأ علينا تغيير ، وبما أنه طرأ علينا تغيير  كبرنا ، اختل نظام الهرمونات ، ضعفنا ثم توفانا الله عزّ وجل ، إذاً نحن الأصل فينا العدم  ونحن مخلوقون .

          فنحن وجودنا يحتاج إلى سبب موجد وهذا مبدأ السببية و له دليل خاص نأخذه  في المستقبل إن شاء الله ، وحيث كان الأصل في جميع الأشياء الموجودة هو العدم وجب عقلاً أن يكون لها سبب مؤثر نقلها من العدم إلى الوجود في مرحلة وجودها الأول ولا يزال هذا السبب يؤثر باستمرار في جميع صور تغييراتها المتقنة الحكيمة و قد قال الله تعالى : "هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا " .

(سورة الإنسان)

         آخر مرحلة : وآخر مرحلة في هذا الدليل : علمنا في المراحل السابقة الحقائق الثلاث التالية :

1- أن الوجود من حيث هو يجب أن يكون عقلاً هو الأصل .

2- وأن ما كان وجوده هو الأصل استحال أن يكون له ابتداء واستحال أن يطرأ عليه العدم .

3- وأن هذه الأشياء الكونية المعروضة على حواسنا ومداركنا والتي نحن جزء منها ، الأصل فيها العدم ويحتاج وجودها إلى سبب موجد  ، وهنا نقول بعد أن اجتمعت لدينا هذه الحقائق الثلاث التي لا مفر منها ولا محيد عنها فلا بد لنا من التوفيق بينها بشكل تقبله العقول قبولاً تاماً من غير اعتراض وذلك لا يكون إلا وفق صورة واحدة لا ثانية لها وهي النتيجة ، ولابد عقلاً من وجود موجد عظيم وجوده هو الأصل في الكائنات وعدمه مستحيل لذا يسمى واجب الوجود  هو الله سبحانه وتعالى واجب الوجود .

          ثانياً : هذا الكون المشاهد بما فيه من أرض وسماوات ونجوم ومجرات وجامد ونبات وأحياء وأموات الأصل فيه العدم . ولابد لإخراجه من العدم إلى الوجود من سبب موجد .

          ثالثاً : لا يكون السبب الموجد للكون بجميع ما فيه إلا موجوداً عظيماً وجوده هوالأصل وهو واجب الوجود وهو الله سبحانه وتعالى .      

          أي : الأصل الوجود والوجود ليس له أول ولا نهاية ونحن الأصل والعدم وجودنا يحتاج إلى موجد وهذا الموجد يجب أن يكون عظيماً .

          الخاتمة : وبهذه الطريقة من الاستدلال يسقط نهائياً تساؤل المتسائلين كيف وجد الله سبحانه وتعالى ، لأن هذا التساؤل لا يعتمد على منطق ولا على عقل : وذلك أن مثل هذا التساؤل إنما يرد في موجود ثبتت قوانينه وصفاته وأن الأصل فيه هو العدم فهو يحتاج إلى موجد حتى يوجده ويبدعه من العدم أما الموجود الذي يجب عقلاً أن يكون في الأصل موجوداً فلا يجوز عليه العدم ولا يمكن أن يتعرض وجوده إلى مثل هذا التساؤل في حال من الأحوال وإيراد التساؤل من هذا النوع يتنافى مع الحقيقة العلمية الثابتة وهي أن الأصل فيه هو الوجود .

          هذا هو الدليل ، يغفر الله لي إذا كان الموضوع معقداً ولكن هذا الموضوع مهم وقوي جداً إذا عرفت الموضوعات السابقة تستطيع وتعرف كيف تجاوب .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi