English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 16/ 63 من العقيدة  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس   :  الوصول للإيمان بالله تعالى : - دليل الإتقان في الكون  .

تفريغ                 :  السيد وسام عودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ محمد موسى حلوم والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          مع الدرس السادس عشر من دروس العقيدة اليوم درسنا في العقائد الدليل الرابع على وجود الخالق سبحانه وتعالى وهذا الدليل عنوانه دليل الإتقان في الكون .

          الإتقان : نأتي أولاً بمثال إذا تفحصت آلة من الآلات .. إن كانت مؤلفة من عشر قطع فما فوق فلابد مع تفحص هذه الآلة كي تجد خللاً طفيفاً في بعض القطع ، أما إذا تفحصتها ملياً قطعة قطعة ، ولولباً لولباً ،و صماماً صماماً فلم تجد خللاً ملاحظاً في التركيب ولا في التشغيل .. فلابد من أن تكتشف أن وراء هذه الآلة صانعاً حكيماً متقناً .

          مامن صناعة ترونها أنتم إلاّ وفيها سقط ... سواء أكانت على مستوى آلات أو على مستوى أقمشة أو صناعات خفيفة أو ثقيلة .. فلابد من خلل .. و خطأ .. و تقصير .. ولابد من زيادة .. لكنك إذا رأيت شيئاً لم تكتشف فيه ولاغلطة ولاخللاً ولا اضطراباً ، بل اتقاناً ما بعده إتقان .. تحس أنك معجب إعجاباً لا حدود له بصانع هذه الآلة .

          عندئذ .. ألاتعتقد أن لهذه الآلة صانعاً فحسب ، بل صانعاً من أعلى درجة ، مستواه في الصناعة عالٍ جداً .. وذوقه رفيع جداً ،و دقته في التركيب بالغة جداً ... وحصافته في التشغيل عالية المستوى . فربنا عز وجل يقول في القرآن الكريم :

 

 

(سورة النمل)

 

         و قال تعالى :

 

(الآية 3 من سورة الملك)

          بعضهم فسر هذه الآية .. أنه ماترى في خلق الرحمن من اختلاف ... " لا .. هناك اختلاف "... النملة كالحوت ؟ الذرة كالمجرة ؟ هناك اختلاف كبير في الحجوم ، وفي الأشكال ، وفي الألوان ، وفي الوظائف ،و في المنشأ في النهاية . ما أوسع التفاوت في خلق الله عز وجل ! فكيف يقول الله عز وجل " ما تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ" كيف ذلك ؟ ، فسّر هذه الآية المفسرون بأن مستوى الصنعة من أعلى درجة في الإتقان ، فإتقان النملة كإتقان الحوت ، وإتقان الذرة كإتقان المجرة ، وإتقان العصفور كإتقان الحشرة ، ولا ترى في خلق الله عز وجل خلقاً مستوى الإتقان فيه من الدرجة الثانية .

          الآن .. أي معملٍ يقول له هذه البضاعة من الدرجة الأولى . وهذه نخب ثانٍ ... وهذه بضاعة تجارية ..و هذه سقط .. ومامن صناعة إلا ولها درجات . أما أن الله سبحانه وتعالى كل شيء خلقه في الكون وفي الأفلاك وفي المجرات وفي الكواكب وفي الأقمار وفي الشموس وفي الأرض وفي باطن الأرض والذي على سطح الأرض ، وفي عالم الأسماك و الأطيار ، و الحيوانات ، و النباتات ، و الإنسان ، والجن ، والملائكة .. مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ .. كل خلق الله عز وجل درجة الإتقان فيه أعلى درجة وكل هذه المخلوقات من مستوى واحد من حيث الإتقان .

          إنسان مثلاً .. يمشي في الطريق .. ويسمع بوق سيارة فينحرف نحو اليمين .. فهل تصدق أن في دماغك جهازاً من أعقد الأجهزة إن هذا الجهاز يقيس زمن وصول الصوتين إلى الأذنين .. ويقيس تفاوت وصول الصوتين إلى الأذنين فإذا عرف أن الصوت وصل إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن اكتشف هذا الجهاز في المخ أن السيارة عن يمينك لذلك ينحرف هذا الإنسان على اليسار.

          و أبسط شيء ... من يصدق أنك لن تستطيع أن تقف على قدميك .. والدليل إذا  مات الإنسان هل بإمكان أهله أن يجعلوه واقفاً؟ لايستطيعون ، لونظرت إلى هيكل إنسان في بعض المحلات التجارية .. انظر إلى قاعدته .. سبعين سنتيمتراً قاعدته من أجل أن يبقى هذا التمثال واقفاً. ومن أجل أن ينتصب فلابد من قاعدة واسعة جداً .. فكيف يقف الإنسان على قدمين؟ لابد من جهاز للتوازن ففي الأذن الوسطى ، ثلاث قنوات فيها سائل ، و أشعار ، فإذا مال الإنسان بقي السائل أفقياً في سطحه ، فإذا مال الإنسان هكذا ارتفع السائل هنا .. ولامس الأشعار ، وأعطى إشارة إلى الدماغ أن هناك ميلاناً قد حصل .. عندئذ يصحح الإنسان وقفته ولولا هذا الجهاز لما استطاع الإنسان أن يركب دراجة أبداً .. توازن مستمر ، كلما مال لجهة ما عدّل وقفته أو استقامته إلى الجهة الثانية .

          خلق الإنسان ! .. فهذه القناة الدمعية من الدقة بحيث يصعب تصورها .. ومع ذلك تُصرف فائض الدمع إلى الأنف ، الأنف بحاجة إلى رطوبة دائمة .. لأن الأنف عبارة عن سطوح متداخلة محاطة بطبقة لزجة تحتاج إلى ترطيب دائم ؛ من أجل أن تصطاد الأجسام الغريبة العالقة في الهواء ، و أعلى جهاز تصفية في الأنف ، سطوح متداخلة .. مطلية بمادة مخاطية .. مرطبة بدمع العين .فيها أشعار وشرايين وهذه المنطقة ذات عضلات بحيث تتوسع إذا بردت ، فإذا برد الطقس ترى الأنف أحمر قانياً بدليل توسع الشرايين من أجل رفع درجة الحرارة .. ومن أجل أن تأخذ الهواء من هنا بحرارة تعادل الصفر ويصل إلى أول القصبتين بحرارة تساوي 38 درجة بمسافة قصيرة ، أرقى جهاز تسخين.

          هذا الدماغ .. إتقانه إلى أقصى الحدود .. أي أربعة عشر مليار خلية سمراء .. للمحاكمة والتخيّل والتصور والذاكرة ومركز للسمع وآخر للبصر وثالث للحركة ورابع للتوازن ومركز ... أي .. عالم قائم بذاته .

          وهناك عمى .. يصيب الإنسان .. وعمى في الدماغ .. والعين سليمة مائة في المائة لكن مركز الرؤية في الدماغ يتعطل .. أربعة عشر مليار خلية سمراء في الدماغ تستند إلى مائة وأربعين مليار خلية استنادية لم تُعرف وظيفتها حتى الآن ! والشيء المدهش أن خلايا الدماغ .. بل أن الخلايا القشرية في الدماغ مستعصية على مرض السرطان ! لم يسجل الطب حتى الآن حالة ورم خبيث في هذه المنطقة ! لأن هذه المنطقة .. منطقة المحاكمة والتفكّر. فربنا سبحانه وتعالى كرّمها .. وشرّفها ..وحصّنها ، وهذا الدماغ حساس إلى درجة قصوى .. إذن لابد من أن يُحاط بسائل ..و هذا السائل يقيه الصدمات .. فأية صدمة تصيبه ، توزع على مُجمل مساحته إذن لو أنّ صدمة قُدرت بخمسة كيلو في المكان المحدد وُزعت على كامل السطح فأصبحت غرامين .. انتهى .. من جعل هذا الترتيب ؟ من جعل هذه الرقبة تدور 170 درجة يعني أدق زاوية دوران .

          ومن جعل هذا الدماغ في هذه الحجرة المحصنة ..؟.. ومن جعل هذه الحجرة ذات مفاصل مكسّرة ثابتة ؟ لو أن هناك صدمة عنيفة أصابت الدماغ .. فهناك مجال لتداخل هذه السطوح أقل من ميلي واحد . وهذا المجال يمتص الصدمة .. " صنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ " .

          ومن جعل هذه العين وفيها هذه الأعصاب ؟ مائة وثلاثين مليار عصّية ومخروط في شبكية العين .. ومن جعل شبكية العين تتحسس بالخيالات التي تقع قبلها فترسل إلى الدماغ أمراً إشعاراً بذلك ؟ الدماغ يرسل أمراً إلى الجسم البلوري بالانضغاط حتى يقع الخيال على الشبكية .. من أجل أن تكون الرؤية صحيحة . فإذا وقع الخيال خلف الشبكية أعطت أمراً إشعاراً آخر للدماغ بحيث يأمر الجسم البلوري بالتطاول كي يقع الخيال على الشبكية. من أتقن هذا الصنع؟ الله سبحانه وتعالى .

          و من جعل هذه الأشعار؟ كما قلت لكم في درس سابق ، لكل شعرة شريان ووريد وعصب وعضلة وغدة دهنية وغدة صبغية ، ومن جعل هذه المعدة ؟ لو تفحصّت الجهاز الهضمي موضوع الرغامى ، ولسان المزمار ، فهذا اللسان يعمل ثمانين عاماً ، إذا أردت التنفس يُغلق المري إغلاقاً محكماً ، وإذا أردت الأكل تُغلق القصبة إغلاقاً محكماً .. من دون أن تشعر !

          من جعل هذا اللسان ؟ جهازاً للذوق .. وجهازاً للنطق .. و للهضم .. إذ له وظيفة هضمية ، و نطقية  وله وظيفة متعلقة بالذوق ... فهو حاسة خامسة .. " صنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شيْءٍ " .

          ومن جعل هذا المفصل في هذا المكان بالذات؟ من جعل هذا المفصل إنسياً ؟ وجعل مفصل الركبة وحشياً .. ومن جعله كذلك؟ من جعل هذه العظام الثمانية بحيث تتحرك اليد في كل الاتجاهات؟ ومن جعل هذه الأصابع؟ وهذا الجلد مخططاً؟ تماماً؟ كي تمسك به كل شيء؟ (البانسة ـ الكماشة) لها خطوط .. كذلك الأصابع!

          من جعل هذه الأظافر؟ ومن ألغى أعصاب الحس منها ؟ كي تقصها في البيت من دون مستشفى .. ومن دون عملية جراحية ،و من دون تخدير، ومن ألغى أعصاب الحس من الشعر؟ من جعل أعصاب الحس في نقي العظام بحيث لو كُسرت لكان الألم لايطاق وهذا الألم وحده هو نصف العلاج . شدة الألم تجعلك تبقي العظم المكسور على وضعه هذا هو العلاج أي الألم الوقائي.

          من جعل في الأسنان أعصاباً حسيّة بحيث لو أن نخراً أصاب بعض الأسنان لا تنام الليل من أجل أن تبادر إلى معالجته وإلا يظل النخر قائماً فيه إلى أن تأكله مع الطعام وتفقد أسنانك كلها!

          ومن جعل هذا الجلد ؟ و هذه العضلات؟ " ما تَرَى فِي خلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ " هذا النخاع الشوكي خطير جداً أودعه الله داخل العمود الفقري وهذا الرحم خطير جداً أودعه الله داخل الحوض وهذا القلب خطير جداً أودعه الله داخل القفص الصدري ومعامل الكريات الحمر خطيرة جداً أودعها الله داخل العظم في نقي العظام .

         و من جعل هذه الكُلية يسير فيها الدم في اليوم والليلة مائة كيلو متر؟ وفيها مليون ميكرون .. أطوالها عشرون كيلومتراً .. يمرّ الدم كله في الكليتين في اليوم خمس مرات . من أعطى ؟

          من جعل هذه المثانة ؟ وهذه الأجهزة ؟ وهذه الأمعاء طويلة ؟ ثمانية أمتار لماذا ؟ من أجل أن تبقى مستريحاً في عملك ساعات طويلة .. ولو أنّ الأمعاء طولها متر أو متران؟ إنك محتاجٌ إلى أن تذهب إلى بيت الخلاء في كل ربع ساعة  . كل نصف ساعة يجب أن تعمل زيارة لكن هذه الأمعاء الطويلة تجعلك في عملك ، في مكانك ، في سكنك ، تُمضي ساعة أو ساعات طويلة وأنت معافى مستريح ، " صنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ " .

         وهل طرأ على خلق الإنسان .. تعديل .. منذ أن خلقه؟ هذا الكبد الذي يقوم بخمسة آلاف وظيفة في أحدث البحوث العلمية .. من منّا يستطيع مثلاً أن يحوّل المواد الدسمة إلى مواد ... 

         و من جعل هذا العظم ـ لو كُسر ـ بعد أن نامت الخلايا وهجعت ثلاثين عاماُ تستيقظ وترمم نفسها بنفسها؟ من؟ الله سبحانه وتعالى ! ... هذا خلق الإنسان ... ومثله خلق الحيوان .. هذا الصوص الذي يُخلّق داخل البيضة قبل أن يخرج منها يظهر له نتوء مدبب على منقاره يعينه على كسر البيضة ، فإذا كسرها تلاشى هذا النتوء .. من..؟!!

          من جعل الماء إذا تجمد يزداد حجمه؟ من؟ لولا هذه الظاهرة لما كنّا نحن الآن .. ولما بقي على وجه الأرض حياة!

          إنه .. الإتقان ..و الدرس اليوم ليس الحكمة بل الإتقان .. قد نجد الآن سيارة أو آلة من درجة عالية من الإتقان .. يقول لك : المبيعات لسنة محجوزة ... إذ عليها إقبال شديد لدقة الإتقان.

          ما من مصنع للسيارات إلا ويعدّل .. التعديل دليل نقص . وكل عام يضيف تحسينات .. لم تكن موجودة من قبل .. يُمتِّن بعض الأماكن ويقوي بعض المناطق الضعيفة .. ويختبرها .. يختبر سرعتها ، و ثباتها على الأرض .. ويزيد ... أو يقلل .. أو ينقص .. أو يُضيف .. هذه التعديلات دليل النقص .. لكن ربنا عز وجل .. خلق الإنسان متقناً .. اتقاناً بالغ الدقة .

          الطفل الصغير حينما يولد .. يجد ثديين .. حليباً ساخناً في الشتاء وبارداً في الصيف .. معيّراً تعييراً يومياً .. فيه مناعة الأم الكاملة يسهل هضمه .. فيه مواد قاتلة للجراثيم .. البحث عن حليب الأم يأخذ بالألباب لشدة العناية بهذا الإنسان.

ولذلك فقد قال العلماء " هذا الدليل ..اسمه دليل الإتقان أو دليل العناية ".. فإذا دخلت إلى بيت ووجدت اتقاناً في بنائه و تزيينه و في أثاثه و فرشه هذا الإتقان ألا يجذب النظر؟ اتقاناً ما بعده إتقان!  " ما تَرَى فِي خلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ "

          لو جلست إلى مائدة ورأيت الطعام قد وُضع بأطباق من نوع واحد والأطباق موزعة توزيعاً مناسباً في كل طرفِ من الأطراف طبق وأطباق أخرى فارغة .. بعضها عميق ..و بعضها مسطح .. وأدوات الطعام .. المنديل والأزهار .. كل شيء من أعلى درجة .. ألا تعتقد أن هناك مصمماً لهذا الطعام؟ وضعه بهذا الشكل وقد دخل مدرسة لفن تقديم الطعام؟

          ونحن بحياتنا اليومية نستنتج استنتاجات تُسترعي ، و هذه الاستنتاجات متعلقة بأن لكل شيء متقنٍ صانعاً .. كنّا بالأول نتكلم عن الخالق .. " الخالق موجود " .. لكنه خالق له أسماء حسنى ، صنعته من الإتقان بحيث لاتستطيع أن تأخذ عليه شيئاً ...

          يلتقي اسم الخالق مع اسم العزيز .. ومعنى العزيز .. لا يُنال جانبه . ولو أنك تفحصت شيئاً ورأيت فيه عيباً .. فقلت لصانعه انظر .. تجد الصانع ينكمش .. ويتضاءل .. ويخجل .. ويعتذر لك .. لكنك إذا تفحصت غرفة نوم وفتحت أبوابها .. ونظرت إلى داخلها .. وفتحت الدروج .. وجدت إتقاناً منقطع النظير و يتأملك صاحبها الذي صنعها ، تقول له الله يعطيك العافية " ولا كلمة " .. أما لو وجدت عقدة .. أو مفصلة من دون برغي ، لو لم يطبق الباب ،و لو طبق ولكن بوجود فرق، والألوان مختلفة متنافرة أو داخل الدروج غير مصبوغة تنزعج ، وتأخذ عليه  مأخذاً ، فلذلك عندما تكون الصنعة متقنة إلى أقصى الحدود، تسكت فإتقان صنعته يُسكت الألسنة لذلك هو عزيز لا يُنال جانبه ولايستطيع أحد أن يأخذ على صنعته مأخذاً ولا انتقاداً ولا غلطة .. كل الذي خلقه عين الكمال .. وليس في الإمكان أبدع مما كان ..

          أحياناً .. ترى الهر في المنزل .. انظر إلى جماله .. وإلى عضلاته .. له شاربان .. مثل السيارات الشاحنة تجعل في مقدمتها قضباناً مائلة تنتهي بضوء في الليل من أجل أخذ مجال مناسب في  السير . حتى لو أنّ أحداً واجهها ليلاً يحدد لها حجماً مناسباً للتلافي ، وهذا الهر يمشي في الظلام ولا يحتاج إلى مشعرات .. هذه الشوارب التي له .. طويلة .. مشعرات له ليعرف ما أمامه ، ما على جانبه ، ما على جانبه الثاني، شاربا الهر آية من آيات الله عز وجل .

         و مثلاً الفصّة.. فلو ربنا عز وجل جعلها تنبت .. فإذا عُلفت لم تنته.. مثل الفول أو مثل أي نبات آخر . فهذه الفصة تحصدها ست مرات من دون إذن هي اقتصادية .. في إتقان .

          حدثني أخ كريم يعمل في الزراعة مختصاً بالمراعي .. قال إن بعض النباتات الرعوية الثمرة مركبة على حلزون مفرّغ فإذا هبت الريح يدور هذا الحلزون في الأرض فينغرس  فإذا انغرس أفرغت الثمرة بذورها في هذا الحلزون فنزلت هذه البذور إلى باطن الأرض . أي زراعة إلهية من دون أن تشعر ، فهناك بذور طائرة .. لها أجنحة .. تنتقل من قارة إلى قارة .. " صنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ " فعالم النبات شيء من العجب العجاب .

          حدثني أخ نجار .. يعرف مائة نوع من أنواع الخشب . الذي يملك طقم " ستيل في المنزل" هذا الخشب أساسه من الزان .. لو صنعت النوافذ من هذا النوع من الخشب لما صلحت ! لأنَّ هذا الخشب مصمم لداخل البيوت فلو واجه المطر والشمس تفسخ وفتل .. لايصلح لخارج البيوت . وللنوافذ نوع خاص خلقه الله عز وجل لايتأثر بالماء والرطوبة والهواء والشمس ، فخشب النوافذ من الشوح ، وخشب الأثاث من نوع آخر ، و خشب أقلام الرصاص والكبريت من نوع ثالث ، وخشب الزينة هو الأبيض المعرّق ، وخشب الآلات لامتصاص الصدمات ، كل نوع يناسب الوظيفة المعينة .

         وحدثني شخص عن معمل أتى بمجموعة آلات خاصة لصناعة النسيج .. وضعوها على قواعد اسمنتية فإذا بالخيط يقطع بالداخل ! الآلات جديدة .. والقاعدة جيدة .. والخيط  يقطع على المكوك ! فأحضروا خبيراً متخصصاً من بلاد أجنبية  فطلب أربعين ألفاً لتركيب عشر آلات ، نزع هذه القواعد وأتى بخشب توت ووضع لكل آلة قاعدة من خشب التوت لامتصاص الصدمات  " وخشب التوت " أليافه متينة ومرنة  وثمن الفكرة أربعون ألف ليرة سورية . فمن صمم هذا الخشب من أجل هذه المهمة ؟ ووالله الذي لا إله إلا هو لو أمضينا مئة سنة في الحديث عن الإتقان في خلق الله لما انتهينا .....

          فماء البحر .و. الأسماك .. السمك جعل الله فيه أنبوباً مفرّغاً من الهواء تحت الحراشف .. فهذا جهاز الضغط .. السمكة تعرف في أية لحظة أين هي من البحر .. وعلى أي ارتفاع .. أو على أي عمق . فكلما غاصت في أعماق البحر .. زاد ضغط المياه على هذا الأنبوب . جهاز يشعر بمدى بعدها عن سطح البحر . فالسمكة متقنة جداً ، فكيف تستطيع هذه السمكة أن تطفو؟ وكيف تستطيع أن تغوص في أعماق البحر؟ إنها تُصنّع الهواء من معدتها وتملأ به أكياساً فتطفو ، وتفرِّغ الهواء فتسقط . والغواصة حينما صنعها الإنسان قلّد بها السمكة ! من جعل لها هذه الزعانف ؟ لها ثلاث وظائف زعنفة أداة توازن وزعنفة أداة توجيه "الدفة الأخيرة " .. وزعانف أدوات دفع كالمحرك تماماً ، فهي أداة دفع وتوجيه وتوازن .

          فإذا تأمل الإنسان السمك ،وتأمل الثمار ، و الأشجار يجد اتقاناً مابعده إتقان ، والشيء الذي يجذب النظر أن ربنا عز وجل خلق التفاح ..  300 نوع  .. وهذا منتهى الإكرام و الإتقان .. فنوع صغير سكري .. و كبير شتوي ..  أحمر اللون .. ونوع ثماره أشد دكانة من الأول .. وآخر لونه أصفر .. ونوع هش .. ونوع صلب .. وحلو المذاق .. ونوع فيه حموضة قليلة .. وآخر  يُعمّر طويلاً .. فهي أنواع منوّعة ..  ؟!! لذلك : " ما تَرَى فِي خلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ " ليس هناك صنعة فحسب بل هناك صنعة متقنة إلى أعلى درجة في الإتقان .. هذا الإتقان دليل وجود الله عز وجل ودليل أسمائه  الحسنى ..

          وهذا الأنف .. لو تحسسته .. وجدت أن ثلثه غضروفي وثلثيه عظم .. فلو كان صنعة غير متقنة لكان كله عظماً .. وعليه كم إنسان يتحطم أنفه؟ يمكن 99% إذا لم تنتبه ، لأنه منطقة بارزة ومدببة وصلبة فتنكسر فوراً  فالله عز وجل صنع لك أنفاً ثلثاه عظم .. و ثلث غضروف .. أثناء السجود إنسان طرق بشيء !! " يعني كوتشوك ليس حديداً " .. أحدث طريق " الطبّون كوتشوك للسيارات يمتص الصدمات "، " ما تَرَى فِي خلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوُتٍ "، " صنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شيْءٍ "، فعقولنا ترفض رفضاً قطعياً أن يكون هذا الإتقان بلا إلهٍ عظيم عالمٍ حكيم خبير عليم قدير رحيم متقنٍ .

    الآن : الآية الثانية :

 

 

 

(سورة النبأ)

          " ألم نجعل الأرض مهاداً "..يوجد أماكن بالقطر اسمها (وعر) .. (اللجاة) في الجنوب والشرق .. يوجد مجموع أماكن ببعض المحافظات ... كلها صخر.. فلو أن الأرض كلها هكذا ! نموت من الجوع! فالله عز وجل لحكمة بالغة ترك بعض الأماكن صخرية .. انظر أيها الإنسان لو أن أرضك كلها هكذا .. تموت جوعاً ! تجد الوعر .. لاتصلح لشيء إلا لتبني عليها ، فربنا عزّ وجل قال : " أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا " .. ذكراً وأنثى .. فلو أن الله خلق كل الناس ذكوراً .. أول شيء هل نبقى نحن موجودين ؟ لا نجد أنفسنا .. إذ لا وجود لنا .. فينتهي النوع البشري .. جهاز التناسل يسمونه جهاز حفظ بقاء النوع .. فلولا التزاوج لما بقي الإنسان .. ولانتهى منذ آلاف القرون .

          " وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا " بل لو جعل .. المرأة غير محببة ، فالله عزّ وجل جعلَ هذا الميل الطبيعي ..

 

 

(سورة آل عمران)

           لولا هذا الميل الطبيعي لما تزوج أحد ، ولأصبح الزواج عبءً، ولولا هذا الشيء الذي جعله الله في قلب الرجل ، ولولا هذا الميل الطبيعي الذي وضعه الله في قلب الرجل ما تزوّج الإنسان " أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا " من الذي جعل النوم ؟ يقول لك تعبت .. اشتغلت طيلة 12 ساعة.نمت ثماني ساعات فاستيقظت مثل الحصان .. صحيح! هذه الأعصاب .و هذه الخلية العصبية عبارة عن نواة واستطالة .. تتصل باستطالة أخرى وهكذا .. فالخلايا العصبية عند النوم تتباعد .. فالسيالة العصبية الكهربائية إذا سارت .. تجد الطريق مقطوعاً .. وهذا هو النوم، فالله جعلَ ترتيباً رائعاً جداً ، أما لو كان المنبه قوياً جداً .. إذا واجه إنسان ساقية .. لا يمكنه قطعها .. أما لو يتبعه عدو يريد النجاة منه .. فيقطعها .. بسبب الخوف الشديد .و كذلك الأمر رتب الله عز وجل. هذا الصوت إن كان مرعجاً جداً عندئذٍ هذه السيالة تقفز من خلية لأخرى فيصحو الإنسان . لا أقول إن النوم موت .. يستيقظ الإنسان على الصوت القوي ولو أنه قد نام الآن .. اليقظة هي عملية اقتراب هذه الأعصاب وتباعدها النوم " وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا  * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا .. ستراً .. " وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا " للعمل .. " وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا " سبع سماوات طباق .. " وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا " ياأخي .. بردنا.. فهل تعلم مامعنى البرد؟ البرد المطلق 350 تحت الصفر. فلو لم يكن هناك شمس لكانت الحرارة 350 تحت الصفر. فإذا كانت الحرارة صفراً فمعنى ذلك أن هناك شمساً! سبعين درجة تحت الصفر في القطبين .. أي يوجد شمس ! فلولاها لكانت 350 درجة تحت الصفر " وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا* وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا " .

          آية ثالثة :

 

(سورة عبس)

          ما الذي جعله يكفر ..؟..

 

 

(سورة عبس)

          " منْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ " .. من حيوان منوي واحد من ثلاث مائة مليون حيوان ، باللقاء الزوجي . هذا الحيوان له رأس مدبب وله عنق وله ذيل حلزوني .. يمشي بالساعة 10 سم . حيوان .. حيوان .. خلية ، رأس مُدبب وعنق وذيل ، الذيل يعينه على الحركة .. هذا الرأس المدبب فيه مادة  " برأس الرأس " مغطاة بغشاء رقيق جداً إذا لامس هذا الحيوان البويضة .. يتمزق الغشاء وتخرج هذه المادة من رأسه فتزيل جدار البويضة  ليُسمح له بالدخول ومجرد أن دخل الحيوان يغلق الباب . وانتهى الأمر .. ثلاث المائة مليون لم يعد لها عمل .. مع السلامة اكتفينا، البويضة تحتاج إلى حيوان منوي واحد .

          الآن تنقسم البيضة الملقحة حوالي عشرة آلاف قسم في طريقها من المبيض إلى الرحم . أما الحكمة البالغة في الإتقان أنه لو أن هذا الانقسام يرافقه زيادة في الحجم لعلقت في الطريق لأن الطريق بشكل أنيق ..  بين البويضة وبين الرحم عبارة عن حبل .

          لو دخلت كرة ضمن نربيش ماء تعلق بالوسط .. إذا كان حجمها كبيراً ، فربنا عز وجل .. هذه البويضة الملقحة . تنقسم عشرة آلاف قسم محافظة على حجمها . لأنه لو زاد حجمها لوقفت في الطريق وسد ته " وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنزَلْنَا مِنْ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا* وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا " ... " قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ *منْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ " .. أنت وشهاداتك وذكاؤك ومؤلفاتك ومكانتك الاجتماعية وأعصابك ودماغك وعضلاتك وأجهزتك والغدة النخامية والغدة الدرقية والكظرين والكليتين والقلب والشرايين والدسامات والدماغ .. من أي شيء خلقه .. " مِنْ نطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ".

 

 

(سورة عبس)

          من الذي أخذ القياسات مضبوطة ؟ لو كان عظم الحوض أضيق من حجم الرأس .. فماذا تفعل؟ هل تخرج ؟ لا القياسات كلها مضبوطة تماماً ! فلو كان حجم الرأس بحجم الكتفين .. لاحظ الطفل سبحان الله حجم رأسه بعرض كتفيه تماماً . تصميم خاص للخروج وبعد الخروج تعرض أكتافه .

         ولو كان رأس كبير وأكتاف عريضة .. كيف الخروج ؟ " ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ " من جعل المرأة تفرز مادة هرمونية تحرك عظم الحوض .. فيتوسع .. ويأخذ وضعه الخاص أثناء الولادة .. عملية ميكانيكية معقدة .. من يحرك ذلك؟ " الهرمون " .. ينطلق الهرمون فيؤثر على نظام الحوض فتتوسع ، من الذي أعطى الأمر قبل ساعتين ليقلب الطفل؟ يكون وضعه رأسه نحو الأعلى فيأتي أمر هرموني ليقلب الطفل فيصبح رأسه نحو الأسفل وإذا لم يقلب فالعملية أصبحت قيصرية ، فمن الذي جعله يقلب؟ يُرسَل الهرمون؟ وهذا الغشاء الرقيق الذي يغلف الطفل يتمزق .. " سال ماء الرأس" ومن جعل عظم الرحم يتسع ، الآن دور الرحم .. يفعل تقلصات .. مع ألم .. ولو لم يكن ألم .. " والله بالطريق ولدت " .. " بالباص ولدت " .. يوجد في ألم .. " فإلى البيت بسرعة " فآلام المخاض ضرورية جداً من أجل الولادة .. أمورها منتظمة بالبيوت .. الضغط الخفيف .. المتوالي .. البعد الكبير بين الضغطتين .. والبعد الأقل فالأقل .. كلها علائم دالة .. تزامن متسارع . نصف ساعة ـ 25 دقيقة ـ 10 دقائق تتلاحق ، تتلاحق ثم الولادة ...

          والرحم .. أقوى عضلة في النوع البشري ..فلو أن الطريق أمام الطفل مفتوح لقُذف الطفل اثني عشر متراً تقلصات متزامنة لطيفة إلى أن يخرج الطفل وإذا بالرحم يتقلص تقلصاً مفاجئاً .. ويصبح كالصخر تماماً .. لماذا ؟ لأن مايقرب من مائة ألف شريان تتقطع بمثل هذه العملية .. ولو أنه يظل مرخياً تموت المرأة بالنزيف ! هذا الرحم ينكمش .. فتأتي القابلة تجسه فإذا هو كالصخر .. " ولادة سليمة " وإذا كان مرخياً فإلى المستشفى حتى لا تموت المرأة ، يقول الأطباء : للرحم تقلصان واحد متزامن لطيف والآخر عنيف وقاس.. فلو انعكس التقلصان لماتت الأم مع ابنها!و لو أتت الطلقة الأخيرة العنيفة لخنقت الطفل فوراً .. فتحطنه طحناً .. وبعدها تقلص لطيف .. تنزف المرأة فتموت ، ولو انعكست الآية لماتت الأم وابنها ، " ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ " وهنا يموت فإلى القبر وغرفة النوم ثمنها 78 ألفاً وفي الباب الصغير بلاطة رخام على التراب ..  وقماش خام أسمر .. هذا آخر شيء:

 

 

(سورة عبس)     

          وحتى الآن لم يستقم ؟ ..و حتى الآن لم يعرف الله عز وجل؟ .. لم يطبق أمره ؟ " كلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ " من أوجه تفسيرات هذه الآية أنها استفهامية " كلا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ " إلى الآن ما صلّى ، من أجل أن تعرفه :

 

 

(سورة عبس)

" فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ " أنا أقول لكم الطعام .. يكفي .. " أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صبًّا " ، الأمطار .. " ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شقّاً " ، الأرض شُقت فخرج منها النبات : " فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا " ، .. المحاصيل .." وَعِنَبًا وَقَضْبًا " .. فواكه ..  " وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا " .. الأزهار ... محاصيل تقتات بها .. وفواكه تتفكه بها .. وأزهار تمتع عينيك بها . وحتى الآن لاتصلي .. لم تصلِّ .. إذن " دابة " .. والله " الدواب أشرف " .. " وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ".

          قال لي أحدهم .. كيف أن القمح مادة أساسية جداً في حياة الإنسان كذلك ساق القمح .. " التبن " .. مادة أساسية جداً لعلف الحيوان أي علاقتنا بالقمح كعلاقة الحيوان بالتبن تماماً .. " مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ "

          آية ثالثة ..

 

 

(سورة الفرقان)

          هذه الشمس .. علّقها الله لك .. ساعة .. يدب عقرباها إلى قيام الساعة .. علّقها الله لك مناراً .. وعلّقها الله لك مدفأة .. ولو أتيت بمدفأة للبيت كله ترى نفسك هل هذه تكفي .. حديثة جداً آلية .. ما رأيك في مدفأة للأرض كلها .. خمس قارات وبحار ، فالشمس مدفأة كونية ، وهل يُمكن أن تأتي ببلورة واحدة للبيت كله ؟ فالله جعل الشمس مصباحاً للأرض كلها ، مدفأة ومصباحاً وساعة .. وجهاز تعقيم " صار موصد " .. لكل الأرض . " تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا " والقمر لطيف ..

 

)سورة الفرقان)

          الليل قصير ثم طويل .. والليل مظلم ، والنهار مشرق .. والليل ساكن والنهار فيه ضجيج .. خلفة .. متفاوتان . لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكوراً ، أي هذه الآيات التي ذكرتها قليلة .. فماذا أقول ؟ .. لو بقينا بالإنسان لا ننتهي ...و بالنبات لا ننتهي .. ، وخلايا الأوراق النباتية تتقارب في الصيف لتمنع التبخر .. وتتباعد في الشتاء ، فلو فحصنا ورقة نبات أخضر تحت المجهر تجد أن الخلايا تتباعد في الشتاء وتتقارب في الصيف ، يعني في عصر الجفاف تحافظ الورقة على اخضرارها وعلى مائها عن طريق تقارب الخلايا . وفي الشتاء رطوبة وافرة تتباعد من أجل التجديد .. هل تعلم ذلك ؟ أي حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياء .

          وما أمكنني إلا أن أحضر بعض الآيات التي حضرتني ارتجالاً من خلق الله من النبات ، و الحيوان ، و خلق السماوات والأرض ، وخلق الإنسان ، لكن العلم حرف والتكرار ألف ... ما أردت من هذه الآيات أن أجعلها حصراً  بل أجعلها أمثلة للتفكير والواحد منّا يُفكر ، ولا يتمتع الإنسان كما تتمتع البهائم ، والذين كفروا يتمتعون كما قال عزّ وجل :

 

 

(سورة محمد)

          أما الإنسان فإنه يفكر في كل شيء .

          الشمسُ والبدرُ من أنوار حكمتهِ ، والبرُ والبحرُ فيضٌ من عطاياه والطيرُ سبّحهُ ، والزرعُ قدّسهُ ، والموجُ كبّرهُ ، والحوتُ ناجاهُ ، والنملُ تحتَ الصخور الصُمِّ مجدّهُ ، والنحلُ يهتِفُ حمداً في خلاياه ، فالنحل : هناك نحلة للحراسة لا تسمح لنحلة أخرى بالدخول من دون كلمة السر .. وإلا قتلت . لذلك لو كان مليون نحلة بالربيع لا يمكن أن تذهب نحلة إلى غير خليتها ، نظام بديع .. ونحلات عاملات مهمتها تنظيف الخلية .. ومنظفات .. فكل شيء غريب تأخذه وتلقيه خارج الخلية .. أما .. لو دخلت .. فأرة مثلاً .. لا يمكنهم حملها ... تفرز عليها مادة شمعية لتمنع تفسخها ، وهذا عمل النحلات المنظفات ، .. ونحلات حارسات .و نحلات للتهوية .. يغلقن الأبواب أثناء البرد .. ويهوين بأجنحتهن أثناء الحر .. ونحلات لصناعة خلايا العسل ، أحضر لي بلاطين ليبُلطِوا الجامع يبدأ واحد من هنا والآخر من هناك ليجتمعوا على بلاطة نظامية في المنتصف .. مستحيلة هذه .. يصبح معهم غلاقة في المنتصف ، لا يوجد عند البلاط إمكانية أن يبدأ ببلاطة من هنا نظامية ويمشي وبلاط آخر يمشي فيلتقيان على بلاطة ، بل تحتاج إلى حسابات دقيقة جداً .

          ولقد شاهدت المتحلق الجنوبي لما قطع طريق الميدان "كورنيش الميدان " تجد الدعامتين على طرفي الطريق ... ليس مصادفة، فهناك حسابات دقيقة من أول طريق المطار إلى آخره لكي يحكموا الدعامتين على طرفي الطريق .. وإلا فتأتي العامتان في المنتصف .. مادام هناك مسافات بينيّة وموّحدة بين الدعامات، فمجموعة نحلات تبني الشمع وبأشكال مسدسة نظامية تلتقي في الوسط على شكل مسدس نظامي ، هذه فوق طاقة البشر ، والنحلة الملكة تكون حاملاً ، وهناك مجموعة أماكن للوضع ، تدخل لهذا المكان فتضع ملكة ثانية ، وهُنا تضع ذكراً وهنا تضع عاملة ، وتعرف الملكة الحامل سلفاً نوع الجنين ، والآن إذا أحضرنا واحدة وقمنا بتدريسها الطب النسائي والولادة بالذات ، وأتاها زوج وحملت وعلى مشارف الولادة ، هل تعلم هذه الدكتورة ماذا في بطنِها ؟ إنها دكتورة ... لا تعرف ، أمّا هذه الملكة فتعرف نوع المولود وتضعه في مكانه المناسب . وكل نقطة من الرحيق مأخوذة من ألف ومائة زهرة .. وكل مائة غرام من الرحيق مأخوذة من مليون زهرة  وكيلو العسل الواحد هو محصلة طيران أربع مائة ألف كيلو متر ، أي حول الأرض عشر مرات ، فكيلو العسل ليس غالياً على هذا الجهد المبذول ، وهذا ليسَ ثمنه بل هذا ثمن العناية بالنحلات فقط ، النحلة تحمل رحيقاً .. ثلثي وزنها .. أما الشاحنة  فما وزنها ؟ ثلثي وزنها حمولة ، هذه واحدة ، سرعتها خمسة وستون كيلو متراً في الساعة هذه النحلة .. مثل السيارة .. طبعاً وهي فارغة ، أمّا مُحمّلة فسرعتها خمسة وثلاثون ، تعمل النحلة رقصة تُعلم النحلات إن كان المكان بعيداً أم قريباً في رقصة على بُعد خمسة كيلو مترات ، وفي رقصة عشرين كيلو متر، تقوم بتنبيهها أنَّ الرحلة طويلة .. وهذا رقص النحل .. فعند النحلة نظام تعجز عنه المجتمعات البشرية المتقدمة، إبرة الملكة لا تلدغُ بها إنساناً إطلاقاً لكنها تلدغُ ملكة أخرى نافستها على قيادة هذه الخلية .. نظام من العجب العجاب .. يوجد نحلات وصيفات مهمتها تقديم الغذاء للملكة ، تأخذ غبار الطلع وتقوم بعجنهِ برحيق الأزهار وتقدمه وجبات غذائية دسمة جداً للملكة ، وهو طعام خاص ما هذا ؟ " صنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شيْءٍ " .

          وعالم النِمل و الحشرات و الجراثيم كلها فيها أشياء عجيبة ، وأعماق البحار فيه كائنات لا يعلمُها إلا الله ، مليون نوع من السمك في البحر ، وعالم الأطيار ، هذا الطير يقطع سبعة عشر ألف كيلو متر رحلته فهناك طيور تُهاجر من أمريكا الشمالية إلى أمريكا الجنوبية تقطع هذه المسافة ، تطير ستاً وثمانين ساعة طيراناً من دون توقف ، أحضر لي أعظم طائرة في العالم هل تطير هذه المدة من دون توقف ، يقول لك " تكسّرت جوانبنا " عشر ساعات إلى نيويورك ، وهذا الطير يطير ستاً وثمانين ساعة من دون توقف .. ما هذا ؟ .

          والحمام بحثه طويل جداً وقد جعلت عنه خطبة في جامع الجسر إنه يأخذ بالألباب " صنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شيْءٍ " ، والله أشعر أنني ما قدمت شيئاً ، ولم أقدر أن أقدم شيئاً عن عظمة الله عزّ وجل ، لكن العلم حرف والتكرار ألف وكل واحد لوحده يُفكر أيضاً .

 

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi