English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 21/ 63 من العقيدة  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس   :  الإيمان بالجن : صفاتها ، أعدادها ، فروقها عن الملائكة .

تفريغ                 :  السيد وسام عودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ محمد موسى حلوم والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          أنهينا في الدرس الماضي موضوع الإيمان بالملائكة ، واليوم ننتقل إلى موضوع آخر هو الإيمان بالجن .

          يا أيها الأخوة المسلمون :

          المسلمون كلهم يعتقدون بوجود مخلوقات غيبيّة عنا ، جميعاً لا نراها بحواسنا في الحالات العادية ، اسمها الجن . لأن الله سبحانه وتعالى في قرأنه الكريم ، والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف قد أخبرا بوجودهم بشكل قاطع لا يحتمل التأويل .

          في القرآن والسنة إشارات واضحة ونصوص صريحة لا تحتمل التأويل تُلزمنا أن نؤمن بالجن وهذه المخلوقات الغيبية لا نحس بها إلا أن وجودها من الأمور الممكنة عقلاً ....

          تحدثنا في دروس سابقة كيف أن الأشياء من زاوية العقل : هناك أشياء موجودة ممكنة الوجود وهناك أشياء مستحيلة الوجود وهناك واجب الوجود وهو الله سبحانه وتعالى . كل شيء سوى الله ممكن الوجود لكن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود .

          هناك ممكن الوجود عقلاً ، وهناك مستحيل الوجود عادة .... يعني بحسب العادة النار تحرق فإذا قلت إن النار لا تحرق هذا الكلام مستحيل بحسب العادة لكن بحسب العقل : الذي خلقها تحرق قد يمنع عنها الإحراق ، فوجود مخلوقات غيبية عنا لا نحس بها من الأمور الممكنة عقلاً . فلا يكون إنكار المنكر لها إلا تكذيباً للخبر الصادق ... طبعاً كما قلنا مراراً وتكراراً الإيمان بالملائكة ، والإيمان بالجن ، والإيمان باليوم الآخر ... هذه كلها مغيبات فمسلك الإيمان بها مسلك الخبر الصادق لكن الإيمان بالله استدلال عقلي يقيني قطعي ، فهناك إيمان تحقيقي وهناك إيمان تصديقي ، فالإيمان بالملائكة والإيمان بالجن من نوع الإيمان التصديقي لأن الله سبحانه وتعالى :

)سورة النساء)

          لقد أخبرنا في كتابه والنبي صاحب المعجزة المصدق أيضاً أخبرنا بحديثه الشريف أن هناك مخلوقات لا نراها بأعيننا لكنها موجودة ... وإذا أردتم ... يعني ما يشبه هذا في حياتنا ... هناك أشياء كثيرة فهذا الجو في بث إذاعي ، من منكم يشاهد البث الإذاعي ؟ لا يُشاهد … لكنك إذا جئت بجهاز لاقط وأدرته تسمع صوت البث الإذاعي . فإذا قلت : لأني لا أرى البث الإذاعي –فإني  أُنكر وجوده … هذا كلام فيه حمق ، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود ، مادام هذا الشيء موجوداً … ولكن الحواس لا تراه بقصورها ….فماذا ترى في هذا الكأس ؟ ترى ماء صافياً عذباً زلالاً ، لو أتيح لأحدكم أن يضع نقطة من هذا الماء تحت مجهر أو ميكروسكوب أو مجهر إلكتروني ولرأى العجب العجاب ، لرأى في هذه النقطة كائنات ، ومخلوقات ، وأحياء لا يعلمها إلا الله ...

         ولو أدخلنا مبضع جراح على الصاد الموصد ، وهو من أرقى أنواع الأجهزة المطهرة لبقي عليه في الميلي متر مربع لا أدري كم من الجراثيم وهو المرصاد الموصد لأشهر الأجهزة تظهيراً ... فالحواس قاصرة ... وفي هذا الجو أيضاً بث من الصور .. لو أنك أدرت الجهاز اللاقط ... لاقط الصور " الرائي " لرأيت بثاً فهل بإمكانك أن تنكر البث الإذاعي لمجرد أنك لا تراه ....

          كذلك ! الجن مخلوقات ليس بالإمكان أن تقول هي غير موجودة لأني لا أراها نقول لك إن حواسك المحدودة . ليست مقياساً للإيمان بالجن ولكن الإيمان بهم دليل كلام الله سبحانه وتعالى ، وكلام نبيه عليه الصلاة والسلام . ومسلك الإيمان بها مسلك الخبر الصادق .

         و كما تعودنا جميعاً ، ليس هناك فكرة تقال في هذا المكان إلا مع الدليل ، وهكذا يطلب المؤمن .. إذا كنت مبتدعاً فالدليل وإذا كنت ناقلاً فالصحة . و هذه قاعدة بين العلماء مضطردة أي تقول :" والله أنا رأي بالموضوع الفلاني .. كذا .. وكذا .. " جميل ، مالدليل ؟ هل عندك دليل من كتاب الله ، آية قرآنية أو حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أو هل عندك إجماع من العلماء حول موضوع ما  أو هل عندك قياس ؟ " إذا كنت مبتدعاً فالدليل وإذا كنت ناقلاً فالصحة " ، إذا كنت ناقلاً مادليل صحة هذا القول ؟ " فلان قال كذا وكذا " أسمعته من فمه؟.. لا والله .. أقرأت كتاباً له ؟ .. لا والله .. أجلست في مجلسه؟ .. لا والله إذاً هذا كلام مردود..

          لو تتبع الناس أو لو سلك الناس المسلك العلمي في النقل لكنا بحالة غير هذه الحالة :

)سورة الحجرات)

          في كل علاقاتكم الاجتماعية ، لو كان الأخ المؤمن واعياً لدرجة أنه لا يقبل كلاماً عن فلان إلا بالدليل .. إذ يسأل أسمعت بأذنك منه ؟ .. لا والله .. أقرأت كتاباً له ؟ .. لا .. إذن هذا الكلام مرفوض إلى أن يثبت الدليل على صحته . هكذا المؤمن ... فكما تعودنا ، وكما هي حال العلماء الإجلاء . لا فكرة تُلقى من دون دليل فالإيمان بالجن مأخوذ من قوله تعالى :

)سورة الذاريات)

          إذن الجن ورد ذكرهم صراحة في القرآن الكريم . وقال ربنا سبحانه وتعالى :

)سورة الرحمن)

          إشارة لطيفة ! لماذا قدّم الله سبحانه وتعالى الجن على الإنس في قوله تعالى : " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ " لأن خلق الجن سبق خلق الإنس ، أمّا لماذا قدم الله سبحانه وتعالى الجنّ على الإنس بهذه الآية الثانية : " يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ " لأن الجن أقدر من الإنس على خرق السماوات والأرض :

)سورة الإسراء)

          فلماذا هنا قدّم الله الإنس على الجن ، لأن الإنس أقدر من الجن على صياغة الكلام  ما من تقديم ، وما من تأخير ، وما من حركة ، وما من كلمة ، وحرف ، و ترتيب في كتاب الله ... إلا وينطوي على معنى دقيقٍ دقيق .

         وقد قال العلماء : " القرآن الكريم تعرّض لذكر الجن فيه في أربعين آية ". وهذه الأربعون آية مجموعة في عشر سور ، فالإيمان بالجن إذاً من مُسّلمات العقيدة الإسلامية ... وأُركز على كلمة الجن لأن هناك فِرقاً ضالة في شرقي آسيا تنفي وجود الجن ، كما خصص الله سبحانه وتعالى سورة كاملة ذكر فيها قصة نفرٍ منهم استمعوا للقرآن الكريم من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ...و قصدت بالفرقة الضالة التي تؤمن أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس آخر الأنبياء ، و هذه الفرق ليست من الإسلام في شيء .

          وهي موجودة في أقاصي شرقي آسيا .... ولها في أوروبا أيضاً نشاط ، تنفي أن يكون النبي آخر الأنبياء بل إن هناك نبياً بعده وتنفي أن هناك جناً وتفسر خاتم الأنبياء بأنه مصدق الأولياء وليس أخرهم ... إلى ما هنالك ، فالإيمان بالجن من مستلزمات العقيدة الإسلامية .

          وهؤلاء الجن الذين استمعوا إلى القرآن الكريم من تلاوة النبي عليه الصلاة والسلام .. قال الله في هذا :

)سورة الأحقاف)

          إذن فريق من الجن استمع للقرآن الكريم من فم النبي عليه الصلاة والسلام وهذا  موقفه عقيدة الناس بالجن : يقول المؤلف إن أكثر أهل الملل والنِحل وخصوصا أتباع الأنبياء معتقدون بنزول الجن باعتبار أن الأنبياء ، وهم صادقون بلا مِرْية ، قد أخبروا بوجودهم ولا يتم إيمان المؤمن بالله إلا بأن يصدق بجميع ما يخبر به ربه ، هذه نقطة دقيقة ... فليس لك خيار .. ( هذا الحديث يعجبك ، وهذا الحديث لا يعجبك .. هذا الحديث تراه بعينك ، هذا الحديث لا ترى آثاره..) فهذا الذي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ... ليس مؤمناً . وقد قرّع الله اليهود لأنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه فإذا آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم فكل الذي صح أنه قاله .. صح أنه قاله .. وما هو إلا وحي يوحى من عند الله سبحانه وتعالى ... من باب المنطق...

          كيف نؤمن بوجود الجن ..؟.. لدينا حالتان :

          1- إما أن نؤمن بوجودهم بحواسنا كما يؤمن أحدنا بوجود أخيه أمامه ، يراه أمامه ويسمع صوته ، ويصافحه ... أي اشتركت حاسة اللمس وحاسة السمع وحاسة البصر يسمع كلامه فيعي مضمونه .

          2- وإما أن يسلك في الإيمان بالجن مسلك الخبر الصادق ، فنحن كما قلنا لابد من الخبر الصادق في الإيمان بموضوع الجن .

          الجن كالملائكة ، وليسوا ملائكة كالملائكة ، لا نعرف عن حقيقتهم إلا ما جاءنا عن طريق الخبر الصادق ، أي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأننا لا نتصل بهم عن طريق الحس اتصالاً يفيد العلم اليقيني حتى نعرف تكوينهم ، وحسبنا أن نقتصر على ما وردت به النصوص ، ماالذي جاءت به النصوص عن الإيمان بالملائكة ؟ إنهم أولاً صنف غير صنف الملائكة ، فهم مخلوقات سفلية وليسوا مخلوقات  علوية ، والملائكة مخلوقات علوية بينما الجن مخلوقات سفلية ، مخلوقون من مارجٍ من نار .. أي من أخلاط نارٍ صافية . وفي بيان عنصر خلقهم قال الله تعالى :

)سورة الرحمن)

          وفي احتجاج إبليس على ربه حين أمره بالسجود لآدم ، قال  فيما يحكيه الله عنه في سورة الأعراف :

)سورة الأعراف)

          فأولاً الجن مخلوقون من النار بدليل آيتين قرآنيتين .

          ثانياً إنهم مخلوقون قبل الإنس والدليل على ذلك قوله تعالى :

)سورة الحِجر)

          كل فكرة والدليل ... وفي قصة أمر إبليس بالسجود لآدم واستكبار إبليس وقول الله في حقه :

)سورة الكهف)

          دلالة واضحة على أن الجن مخلوقون قبل الإنس  .

          وشيء آخر : الملائكة لا يتناسلون كما قلنا من قبل ، لا يتزاوجون - لا يتناكحون ، الجن عكس ذلك ، فالجن يتناسلون ولهم ذرية والدليل على ذلك قوله تعالى : " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا " .

          وأقّر الله سبحانه وتعالى ما ذكره النفر من الجن الذين استمعوا القرآن من الرسول عليه الصلاة والسلام حين ذكروا أن للجن رجالاً ، ومتى كان فيهم رجال ففيهم نساء ، وذلك يقتضي التناسل ، قال تعالى :

)سورة الجن)

           هذا دليل على أنهم يتناكحون ويتناسلون ، منهم الرجال ومنهم الإناث ، ومن شأنهم أنهم يروننا من حيث لا نراهم ... والدليل قوله تعالى :

)سورة الأعراف)

          إذاً : الجن صنف غير الملائكة مخلوقون من النار ، وإنهم مخلوقون قبل الإنس  وإنهم يتناسلون ولهم ذرية ، ومن شأنهم أن لا نراهم ، يروننا ولا نراهم ، وهنا شيء مهم جداً هؤلاء الجن مخلوقات قابلة للعلم والمعرفة ، ذوو إرادة واختيار ... كالإنسان ... فهم مكلفون مثلنا بالإيمان والعبادة ، منهيون عن الكفر والعصيان ، فكثير من خطابات التكليف والتحدي في القرآن الكريم ، يجمع الله فيها بين الجن والإنس ، قال تعالى في سورة الذاريات : " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ " . 

          " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا .. " أي علّة خلق  الإنس والجن العبادة ، وفي أدق تعريفات العبادة ... طاعة تسبقها معرفة وتعقبها سعادة ، لا عبادة بلا معرفة ، ولا سعادة بلا عبادة ، ولا عبادة  بلا سعادة ، وأدق تعريفات للعبادة أنها طاعة لله ، وانقياد كلي لأوامر الله ، وهذا الانقياد لا يكون إلا بعد معرفة الله :

)سورة فاطر)

 

          وإذا كان فلابد من أن يتبعه سعادة لا توصف . وقال تعالى :

)سورة الأنعام)

          وقال تعالى :

)سورة الإسراء)

         و بالمناسبة : لأن الملائكة غير مكلفين بالأمانة جميعاً عباد مكرمون طائعون لله عز وجل ، والملائكة جميعاً صنف واحد ، لكن الجن قسمان : مؤمنون وكافرون وهذا تابع لما منحهم الله به من إرادة واختيار  الذي اختار من الجن أن يكون مؤمناً ، آمن ، والذي اختار أن يكون كافراً ، كفر . فبعضهم مؤمن وبعضهم كافر بحسب اختيارهم .

          فالكافرون من الجن هم الشياطين . وحيثما وردت كلمة "شياطين".. إذاً ربنا قال :

(الأية112من سوة الأنعام)

         وهم الكفار من الإنس والكفار من الجن . إبليس واحد أما الشياطين فمن ذريته  إبليس هو الذي رفض أن يسجد لآدم .. فإبليس أصل الجن ، ... هم جنود الشيطان الأول .. إبليس .. اللعين الذي كان أول من عصى ربه من الجن وأول من كفر بنعمة الله منهم ، فما الدليل على أن هناك مؤمنين منهم وكافرين ؟ قال تعالى :

)سورة الجن)

          إذن فريق من الجن آمن بالله  ... " وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا  "

          وفي الآية الرابعة :

(سورة الجن)

          من سفيههم ؟ .. إبليس اللعين .. " وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا " و أقرب المخلوقات للبشر الجن ... من حيث التكليف والاختيار والإرادة وأنهم حملوا الأمانة وأنهم مكلفون بالإيمان .. منهم مؤمنون .. ومنهم كفار .. يتزاوجون ...

 

)سورة الجن)

          هذا قول الجن ... أياماً يتوهم الإنسان أن كلمة " قاسط " أي إنسان عادل .... لا .. القاسط هو الظالم .. والمسقط هو العادل وقد سأل.. الحجاج شخصاً رآه في الطريق . قال له من أنت قال له أنا فلان ، فقال له أنا الحجاج . فما قولك فيّ ؟ قال له : أنت قاسط عادل .. فقال الحجاج لأصحابه هل تدرون ماذا قال لي ؟ ... ظّنوه يمدحه ... قال لهم : قال لي أنت ظالمٌ كافر. قالوا كيف ذلك ، قال :

)سورة الأنعام)

          فالذي عدل عن الإيمان إلى الكفر فهو عادل " وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا " ، فلذلك هنا القاسطون أي الظالمون .

          سابعاً : إن هؤلاء الجن يحشرون يوم القيامة ويحاسبون على أعمالهم فيثابون ويعاقبون  قال تعالى :

)سورة الأنعام)

          وقال الله تعالى مقرراً عقوبة الكافرين من الجن في سورة هود :

)سورة هود)

          وهنا .. استنباط لطيف .. لن تكون العقوبة إلا بعد مخالفة ناشئة عن التكليف ، ولن يكون التكليف إلا بعد الاختيار ، الإنسان مخيّر إذن يكلّف . يخالف إذن يعاقب .. فهي سلسلة ..

          ثامناً : لهم قدرات كبيرة .. ومهارات خطيرة فقد سخر الله لسليمان الجن يقومون له بأعمال البناء والغوص في البحار والأعمال الصناعية الكبرى كالجفان الكبيرة والقدور الراسية والأعمال الفنية وكالتماثيل والصور . وقد كانت جائزة ثم حُرّمت في الإسلام . إلى غير ذلك من أعمال كبيرة مختلفة ... قال تعالى :

)سورة ص)

          إذن لهم قدرات كبيرة جداً ... وقال تعالى .. حكاية لقول أحد الجن من جنود سليمان الذين سخرهم الله له حين قال الجنيّ لسليمان أنا آتيك بعرش بلقيس قبل أن تقوم من مقامك :

)سورة النمل)

          فعرش ملكة بكامله ، ينتقل من اليمن إلى بيت المقدس قبل أن تقوم  من مقامك ... إذن لهم قدرات كبيرة جداً ، وقال تعالى في وصف أعمال الجنّ الذين سخرهم الله لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان :

)سورة سبأ)

          تاسعاً : إنهم كانوا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ، يسترقون السمع من السماء من أفواه الملائكة الموكلين بأعمال كبيرة جداً ..  وينقلونها إلى قرنائهم من الإنس في الأرض وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنه أنّه قال : " كان الجن يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهنة فلما بعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام حُرست السماء وحيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت الشهب عليهم " والدليل :

)سورة الجن)

          أي كان الجن يسترقون السمع ويتلقفون بعض الأخبار التي تعني أهل الأرض من الملائكة ، فإذا ألقاها هؤلاء الكهان توهم الناس أن الكهان يعلمون الغيب ... يعني مثلاً ... إذا كنت جالساً في بيت ووجدت ورقة على الطاولة لصاحب البيت .. بأن هناك موعداً في الساعة الخامسة سيأتي فلان لعندي على مفكرته خرج من الغرفة ، وجدت مفكرة على الطاولة ، قلبتها وجدت الموعد فيها .. ولعل الساعة الآن الرابعة .. جلست ، هناك أشخاص كثيرون قاعدون في الغرفة الساعة الخامسة طُرق الباب فقلت لواحد أنا أعلم من لدى الباب " فلان " قال لك كيف علمت ؟! " أنا أعلم الآن " فلما فتح الباب دخل فلان .. هذا إذا كان ساذجاً توهم أنك تعلم الغيب  لكنك استرقت من هذه المفكرة التي على الطاولة هذا الموعد وعرفت اسم الذي سيطرق الباب الساعة الخامسة .. فلما طُرق الباب قُلتَ فلان لدى الباب ، هذا ليس من علم الغيب في شيء إنما هو استراق للسمع ، فيبدو من خلال هذه الآية أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء ويسترقون السمع ويتلقفون بعض أخبار أهل الأرض من الملائكة فيلقونها في آذان الكهان الذين يتعاونون معهم على إضلال البشر.

          فقد يتوهم الساذج المغفل غير الديّن أن الكاهن يعلم الغيب .. فلما جاءت بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ضُرب حصارٌ على الجن .. لئلا يتقول عليه الأقاويل ، ولئلا يتوهم أتباع النبي عليه الصلاة والسلام أن الجنّ لهم علاقة بموضوع الرسالة . " وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا"... فكما تلاحظون ليس هناك فكرة تقال إلا مدعومة بآية أو حديث ..

          عاشراً : إنهم يأكلون أكلاً لا نعلم كيفيته ولا ماهيته ، وأن الله قد جعل زادهم في العظام وغيرها كما جاء في بعض الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

         و الجن ..  لهم قدرة على التشكل بالأشكال الجسمية التي يمكن أن نراها بحسب استعداداتنا البشرية ، فقد جاء في طائفة من الأخبار أن ظهور الجن أحياناً بشكل غير اعتيادي يتشكل بشكل أو بآخر ورد في هذا بعض الأخبار ...

          الموضوع المهم الذي يعني جميع المؤمنين ... ماعلاقة الجن بنا ؟ هذه صفاتهم .. آمنا بوجودهم وعرفنا صفاتهم .. لكن هل للجن تأثير علينا ؟ هذا أكبر سؤال . وإن مثل هذا السؤال يأتيني مراراً وتكراراً .... فلان مسحور ، فلان يخاوي الجن ، فلان سنأخذه إلى هذا الشيخ ليفكّ عنه السحر ... هذا الكلام الطويل المعقد الذي أضلّ الناس وضلوا به ... إن شاء الله سيخصص له درس كامل في الدرس التالي .

          هل للجن تأثير على الإنس ؟ وهل للشياطين سلطان على الإنس  في عقائدهم ؟ وإرادتهم ؟ وأعمالهم ؟ و هل يّلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟ و هل يعلم الجن الغيب ؟ " ولا يوجد موضوع يثير حماس الناس وفضولهم وشغفهم كعلاقتنا بالجن " لأن الإنسان الساذج كلما ارتكب معصية يقول لك " الله يلعن  إبليس " لماذا ؟ .. لادخل له .. "العن نفسك "  فإذا كان لإبليس سلطان عليك فمعك الحق في هذه اللعنة .. فإن لم يكن له عليك سلطان فهذا اللعن لا معنى له .. أنت المقصر .. وأنت العاصي فلذلك ! موضوع علاقة الإنس بالجن موضوع ... علاقتهم بأمور الغيب هل لهم تأثير على أجسامنا ؟ وهل لهم سلطان على إرادتنا ؟ وأعمالنا ؟ وأقواتنا ؟ وهل يتعاون الجن مع الإنس ؟ وهل كان من يتعاون معهم فاسقاً أو كافراً ؟ أم هناك أناس طيبون يتعاونون ؟ هذا كله سأجيب عنه إن شاء الله تعالى بشكل مفصل في الدرس القادم ليكون هذا الدرس حاسماً في رد كل الشبهات والافتراءات والظنون والأخيلة والأوهام والخرافات التي تستأثر بعقل الناس وتجعلهم يعتقدون بالله اعتقاداً فاسداً يثبط عزائمهم ويصرفهم عن طريق الحق.

           فالمشكلة إياكم أن تظنوا أنها صغيرة فقد تجد مثقفاً يقول لك والله زارني شخص يحمل شهادة عليا " قال لي والله أنا مسحور وأريد أن أفك السحر  عني عند فلان ما هذا الكلام " .

          وهناك حالات المثقف الدارس .. يقول لك فلان سحروه ، وفلان فكوا سحره .. وفلان تعاونه الجن " .. في ضرب مندل ... موضوع المندل ، موضوع " هي مخاوية " .. " وهي  مزوجة جنياً .."  حتى إن الناس  يسمون خطأ من يتعاون مع الجن لإضلال البشر " شيخاً " .. " الشيخ الفلاني .. مخاوي .. " .. معنى مخاوي يعني يتعاون مع الجن على إضلال البشر .. والدرس الثاني سيكون رداً على هذا التساؤل .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi