English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 23/ 63 من العقيدة  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس   :  تتمة علاقة الجن بالإنسان .

تفريغ                 :  السيد وسام عودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ محمد موسى حلوم والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          أيها الأخوة المؤمنون .. هناك نقطة في الدرس الماضي أحب أن تزداد وضوحاً وهي أن الإنسان حينما يمسه طائف من الشيطان .. قلت لكم في الدرس الماضي عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم . فقد يظن بعضكم أو يتوهم أنه مجرد أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ينتهي الأمر !!!

          أي قولٍ يقولـه لابد من أن ترافقه حالة نفسية .. يعني . كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. يجب أن يرافقها إستعاذة نفسية بالله عزّ وجل ، ليس المقصود الكلمات .. ولكن المقصود الأحوال .. وهكذا الدين .. هذه الأوهام عند بعض الناس أنه بمجرد أن تقول كذا و كذا .. ينتهي الأمر .. لابد أن يرافق هذا القول حال نفسي .. هذه الحال هي حال الإستعاذة بالله من الشيطان الرجيم .. فإذا كان الحال موجوداً واللفظ موفوراً فكلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سلاحٌ فعال فتّاك .. لذلك قال الله عزّ وجل :

 

(سورة النساء)

          ومن صفات الشيطان أنه خنّاس .. ومعنى .. خنّاس أنه بمجرد أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم يخنس .. فلا يصح سحرٌ .. ولا حسدٌ .. ولا مسٌ .. ولا كيدٌ .. للمؤمن .. لأنه مستعيذ بالله من الشيطان الرجيم . 

          فالنقطة الأولى التي أردت أن أوضحها ، أو أن أزيدها وضوحاً هو أن الإستعاذة وحدها من دون حالٍ نفسيٍ لا تكفي .. لابد من حال نفسية ترافق الإستعاذة .. يعني أنت .. في الصلاة مثلاً .. تقول الحمد لله رب العالمين .. لو أنّ إنساناً كان ساخطاً على الله عزّ وجل ، ووقف ليصلي وقال الحمد لله رب العالمين لا يُقبل منه هذا .. لابد له من أن يشعر مدين بالفضل لله عزّ وجل .. إذا كانت حالته النفسية حالة الحمد .. فهذا القول يصح منه .. أما إذا كانت حالته النفسية حالة السخط فإن كلمة الحمد لله رب العالمين لا تقدم ولا تؤخر .

          ليس في الإسلام شكليات . الإسلام حقائق .. يعني :

(سورة الكهف)

          يتوهم بعض الناس أنك إذا قلت سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر .. انتهى الأمر .. " الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا "  لكن حالة التسبيح وحالة التكبير وحالة الحمد وحالة التوحيد .. إذا كانت حالتك النفسية .. حالة التسبيح .. تنزيه .. الله سبحانه وتعالى .. وتمجيده .. وحالة التوحيد .. وحالة الحمد .. وحالة التكبير فهذه الحالة تستمر معك إلى الآخر .

          أما المال والبنون ينتهيان في الدنيا .. لذلك المال والبنون زينة الحياة الدنيا .. والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً ..

          أردت من هذه المقدمة أن أؤكد لكم أن في الإسلام حقائق .. حالات لو أردنا أن نوسع الموضوع .. إذا كنت في الحج .. هل تظن أنك إذا طفت حول الكعبة .. انتهى الأمر ؟!! .

          لابد من طواف نفسي .. ولابد من سعي نفسي ، ولابد من تلبية نفسية ، ولابد من الوقوف في عرفة من معرفة الله سبحانه وتعالى .. ولابد عند نحر الأضاحي من نحر الشيطان .. ولابد من تقبيل الحجر الأسود ومن مفاوضة كف الرحمن .

          فكل مناسك الحجّ لا معنى لها إن لم ترافقها حالات تعبّر عنها ، تؤكدها . وماهذه المناسك إلا رموز لحالات يُحسها الحاجّ . فلئلا يتوهم بعض الأخوة الأكارم أنه إذا قلت وأنت غافل وساهي ولاهي ومتلبس بالمخالفات والمعاصي .. إذا جاءك الوسواس قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. لو قلت أعوذ بالله ألف مرة .. يبقى الشيطان متمكناً . لكنك إذا شعرت بأنك ملتجئ إلى الله مستعيذ به ولّى الشيطان هارباً . هذه النقطة الأولى .

          أما النقطة الثانية هي أن .. كما ذكرت لكم في قوله تعالى :

(سورة الشعراء)

          الأفّاك هو الذي يختلق الحديث اختلاقاً .. ولا أساس له من الصحة .. يعني ..  قد يقول لك الساحر كيت وكيت وكذا وكذا .. وكل هذا كذب بكذب .. لأن الساحر أو الكاهن أو العراف أو شيطان الإنس أو شيطان الجن .. هؤلاء قد يصيبون مرة ويكذبون على هذه المرة ألف مرة فلذلك: حتى فيما يدعيه بعضهم من تحضير الأرواح .. إن تحضير الأرواح في مجمله كذب في كذب .. لو أن هذا الشيطان من الإنس تعاون مع قرين هذا الإنسان الذي تُحضّر روحه " على زعم من يزعم ذلك " هذا القرين قد يكذب أيضاً ، قد يعرف شيئاً .. وتغيب عنه أشياء .. يكذب.. وقد يختلق .. وقد يقول شيئاً لا أساس له من الصحة ..

          يعني .. موضوع الجن والسحرة .. هذا الموضوع يجب أن يُلف ويُلقى في عرض الطريق .لأن الدين الذي جاءنا النبي عليه الصلاة والسلام به .. دين مبني على قواعد وعلى أُسس وعلى آيات وليس في الكون إلا الله وليس هناك  من طريقة لاكتساب رضائه إلا بطاعته .. أما ما يدعيه بعض السحرة والمشعوذين والمنجمين والكهنة .. فهذه .. لم يريدوا منها إلا تضليل الناس .

          شيء ثالث : أردت أن أزيده وضوحاً وهو أن بعض الذين يتعاونون مع الجن لهم مظهرٌ يُرضي .. يظهرون ورعاً ظاهراً ويظهرون خشية .. يظهرون خوفاً من الله عزّ وجل وكأنهم يقولون للناس نحن نتعاون مع جن المؤمنين من أجل هدايتكم .. هذا الكلام أيضاً باطل وتؤكده هذه القصة التي نحن بصددها القصة المشهورة التي وردت في القرآن الكريم .. في سورة البقرة هي قوله تعالى :

بسم الله الرحمن الرحيم

(سورة البقرة)

          يعني قرآن كريم موحى به من عند إله عظيم ونزل على نبي كريم ... أهل الكتاب ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أتوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون ... عندهم في التوراة والإنجيل ووصفهم للنبي عليه الصلاة والسلام :

(سورة الصف)

          ومع ذلك قال :


(سورة البقرة)

          هذه الآيات التي وردت في سورة البقرة ، اختلف حولها المفسرون ، فبعض المفسرين عفا الله عنهم أخذوا تفسير هذه الآيات من كتب بني إسرائيل من // التلمود // وأثبتوها في بعض التفاسير . ماذا قال التلمود عن هذه القصة ؟ سأرويها لكم كي تحذروها وإياكم أن تظنوا أن هذه القصة أوافق عليها ولكن سأرويها لكم كي تحذروها .

          قيل .. وللقصاص في هاروت وماروت أحاديث عديدة ، فزعموا " وكلمة زعموا تعني أن هذه الأحاديث كذب وافتراء " فزعموا أنهما " هاروت وماروت " أنهما كانا ملكين من الملائكة  وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكرا ذلك وأكبراه ودعيا على أهل الأرض فأوحى الله إليهما أني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني . فقالا يارب ! لو ابتلينا لم نفعل  " المعصية و لا نعصيك " .. فأهبطهما الله إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم فمكثا في بلدة كانت فيها امرأة فاجرة تسمى " الزُهرة " .. فدعواها إلى الفاحشة  وواقعاها بعد أن شربا الخمر ، وقتلا النفس ، وسجدا للصنم .

          يعني هذان الملكان اللذان زعما أنهما لا يعصيان الله ، حينما أهبطهما الله إلى الأرض وابتلاهما بحياة بني آدم  شربا الخمر وقتلا وسجدا للصنم وزنيا بهذه الفاجرة التي اسمها "الزُهرة"، وعلّما هذه المرأة الفاجرة عَلَمَا.. اسم الله الأعظم .. الذي كانا يعرجان به إلى السماء .. فتكلمت هذه المرأة بهذا الاسم فعرجت إلى السماء .. " هذه الزانية " .. فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب .. " كوكب الزهرة " ... ثم إن الله تعالى عرّف هاروت وماروت قبيح ما قد وقعا فيه ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين عذاب الدنيا عاجلاً فاختارا عذاب الدنيا عاجلاً فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة ، وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة .

          قال المؤلف وهذه القصة من اختلاق اليهود وتقولاتهم ولم يقل بها القرآن مطلقاً وإنما ذكرها التلمود كما يُعلم من مراجعة الإصحاح الثالث والثلاثين وجاراه جهلة القصاص من المسلمين فأخذوها منه .

          إذن هذه القصة التي رويتها لكم لا أساس لها من الصحة ، كذب ، وباطل ، وزور إنما وردت في بعض التفاسير نقلاً عن كتب بني إسرائيل .. وهذه المشكلة المعضلة التي يسميها العلماء بالإسرائيليات .. أي القصص التي نقلت عن كتب بني إسرائيل ...

          الإمام الرازي رضي الله عنه في تفسيره يقول : " أن هذه القصة التي ذكرت باطلة من وجوه " :

          أولاً : أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما : لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني ! فقالا لو فعلت بنا ذلك يارب لما عصيناك وهذا منهم تكذيب لله عزّ وجل وتجهيل له  وهذا من صريح الكفر ... الملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم .. لو أنّ الله ربّ العزة قال لهم لو ابتليتكما لعصيتماني ! قالا لا يارب لا نعصيك ! هذا تكذيب لله عزّ وجل وهذا تجهيل فالقصة باطلة من أساسها .

          شيء آخر ... أنهما خُيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وهذا فاسد أيضاً ، بل كان الأولى أن يُخيرا بين التوبة وبين العذاب والله تعالى خيّر بينهما من أشرك به طوال عمره وبالغ في إيذاء أنبيائه فلو أنه تاب لانتهى الأمر فالتخيير أيضاً باطل وتكذيب الله وتجهيله باطل وتخيير الله للملكين باطل !

          وثالثاً : أن من أعجب الأمور قولهم أنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما يعاقبان في بئر منكوسي الرؤوس ويعلمان الناس السحر !!! ... أيضاً شيء لا يستقيم المنطق .. إنسان في الأشغال الشاقة يعلم الناس السحر ... وهذا استنباط باطل .

          وهكذا الإمام أبو مسلم احتجّ على بطلان نزول السحر عليهما بوجوه  السحر لو كان نازلاً عليهما لكان منزله هو الله وهذا غير جائز لأن السحر كفرٌ وعبثٌ لا يليق بالله تعالى إطلاقاً  أيليق بالله تعالى أن ينهانا عن السحر وينزله من السماء علينا ؟!! .

          الثاني أن قوله تعالى : " وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ " يدل على أن تعليم الناس السحر كفر ! ولكن الشياطين كفروا فماهي علامة كفرهم ؟ أنهم يعلمون الناس السحر فهذا  استنباط رائع جداً .

          عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ *

          كما قال عليه الصلاة والسلام فقد دلّ على أن تعليم السحر كفر  فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر للزمهم الكفر !  وهذا باطل .

          والثالث : كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر ، فكذلك بالملائكة من باب أولى وإذا كان النبي لا يجوز أن يبعث للناس ليعلمهم السحر فالملائكة من باب أولى ..

          والرابع : أن السحر ينضاف إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة ... " تقول والله هذا ولي يستخدم الجن حتى يشفي بعض الناس وحتى يحل لهم مشاكلهم ويبحث عن السارق .." لا يُضاف السحر إلا على الكفرة والفسقة والشياطين المردة .. وكيف يضاف إلى الله مايمنع عنهم ؟ ويتوعد عليه بالعقاب ؟!! وهل السحر إلا الباطل المموّه  وقد جرت عادة الله بإبطاله كما قال الله تعالى في قصة سيدنا موسى :

(سورة يونس)

          إذا الله سبحانه وتعالى يّبطل السحر فهل يضاف السحر إلى الله سبحانه وتعالى ؟! مستحيل !!  فهذا الكلام وهذه الأدلة والبراهين والمناقشات نقد صريح وواضح وجلي لهذه القصة التي وردت في التلمود وقد نُقلت في بعض التفاسير تحت عنوان الإسرائيليات وإن هذه القصة باطلة لا أساس لها من الصحة .

          كيف نفسر هذه الآيات ؟  بدأنا بالخطأ وبالباطل ،هدّمنا الباطل والآن نريد أن نفسر هذه الآيات ، فهؤلاء أهل الكتاب  :

(سورة البقرة)

         " وَاتَّبَعُوا " يعني تركوا هذا القرآن الكريم ومافيه من ذكرٍ حكيم .. تركوا الآيات الكونية  والتشريعات الأرضية .. واتبعوا ، " مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ " ، الشياطين تتلوا على ملك سليمان .. بالمناسبة .. تلا عليه يعني كذب عليه ، لو فتحتم القواميس على فعل تلا " على " فإذا أضيفت على إلى تلا فمعناها كذب عليه .. " وإتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان..."، اليهود يقولون في قصة طويلة مختلفة مفتراة على هذا النبي العظيم أن هذا النبي " عليه السلام " كل نبوته في خاتمه .. فمرة ضاع منه خاتمه ففقد نبوته ، يعني مثلاً : واحد أستاذ جامعة يحمل أعلى شهادة ، كل شهادته بساعته مثلاً ، فلما نسي ساعته فقد علمه ... كلام لا يصدق .

          هذا النبي العظيم يفقد نبوته ويفقد معرفته ويفقد ما آتاه الله من علم بأقوال الحيوانات ومن تسخير للجن .. كل هذا الملك الذي  قال الله في حقه :

(سورة ص)

          كل هذا الملك يزول عنه لمجرد أن ينسى خاتمه في مكان ؟!! فيأخذه الشياطين … ويحكمون بدلاً من سليمان ، وسليمان هائم على وجهه في البراري والقفار لا يعبأ به أحد ولا يلتفت إليه أحد حتى لا يجد قوت يومه ، إلى أن أكل سمكة فيها خاتمه .. " صاد سمكة وهو في أشد حالات الجوع والفقر والضياع والذلّ .. صاد سمكة فلما شق بطنها رأى خاتمه " .. فلما عاد خاتمه ، عاد ملكه وعاد سليمان .

          قال ... هذه قصص كلها من تخريف اليهود .. وقالوا عنه أيضاً أنه كفر وعبد الصنم وشرب الخمر .. اليهود قالوا عن سليمان أنه كفر !! وعبد الصنم وتعلم السحر وسحر الناس ... فربنا عزّ وجل قال . "وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ " .

          الأنبياء لا يكفرون .. النبوة مرتبة لا كفر بعدها .. لا زيغ بعدها لا ضلال بعدها "وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا " أما كلمة الشياطين هنا  تعني الإنس فقط ... شياطين الإنس ، والدليل يعلمون الناس السحر " شياطين الجن لا يعلمون الناس السحر " وشياطين الجن لا تتلوا .. التلاوة المقصود بها الكلام .

          هناك قرينتان تؤكدان أن الشياطين في هذه الآية تعني  شياطين الإنس .. " وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ  السِّحْرَ " ، في فقرة مهمة جداً هي " ما " ." وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ " هذه الـ " ما " نافية .. وليست موصولة . سأوضح لكم ماذا تعني الموصولة وماذا تعني النافية .

لدينا الـ " ما " الاستفهامية ، و " ما " الموصولة ، و" ما " النافية … يقول لك فلان :

 " أنا ما أكلت " ، " والله ما أكلت " هذه قالـ " ما " نافية ، تقول له أحياناً : " إن ما أكلته ليس لك " هذه قالـ " ما " موصولة .. يعني أن الذي أكلته ليس لك . و " ما " استفهامية . لو قال أحدهم لطالبٍ نال مجموعاً عالياً : " بما حصلت هذا المجموع " يقول لك : " بما بذلت من جهد "  فالـ " ما " الأولى استفهامية ، أما الـ " ما " الثانية " ما " موصولة .. فالنقطة كلها في هذه الصورة متوقفة على تفسير " ما " إذا فسرت ما نافية انتهى الأمر .. تأتي المعاني يأخذ بعضها برقاب بعض  فإذا فسرتها على أنها موصولة ، وقعنا في خطأ كبير ! اعلموا أن للعلماء في هذه الآية وجوهاً كثيرة وأقوالاً عديدة فمنهم من ذهب فيها مذهب الإخباريين ، نقله نقل الغث السمين ، ومنهم من وقف مع ظاهرها البحت وتمحّل بما أعترضه بالمعنى الصحيح .. وأكثر العلماء على أن ما هنا نافية .

          أكثر العلماء على أن " ما " هنا نافية . " وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ"... هؤلاء ليسوا ملكين .. ومآ أنزل عليهم شيئاً من السماء ... "وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ " نعود إلى القصة " وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ " هؤلاء رجلان من بني إسرائيل .. رجلان أقاما ببابل .. واحترفا صناعة السحر ، وعلما الناس السحر وأوهماهم أنهما صالحان ، وهما ليسا ملكين ، ولم ينّزل عليهم شيئاً من السماء " وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ"  إيّاك أن تستمع لقولنا فمن أجل أن تزيد محبتك لهما و من أجل أن يزيد اعتقادك بهما .. يحذرانك من الكفر إذا آمنت بهما .. يعني  ورع  وصلاح وتقوى ... هذا المظهر الكاذب ! من أجل أن يوهما الناس أنهما صالحان ...

          نتابع تفسير هذه الآية من كتب التفسير .. ذلك أنهم زعموا أن سليمان عليه السلام  ارتدّ في آخر عمره .. وعبد الأصنام .. وبنى لها المعابد .. زعم الشياطين أن سليمان في آخر عمره .. ارتدّ وعبد الأصنام وبنى لها المعابد .. كما تراه في الفصل الحادي عشر من سفر (المبيت السادس )  فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة والوقاحة الكبيرة .. ولما تنبه عقلاء أهل الكتاب المتأخرون . لمثل هذه الأكاذيب .. اعترفوا بأنه ليس كل قول من الأقوال المندرجة في كتبهم المقدسة إلهامياً .. بل بعضها كتب على طريقة المؤرخين .. يعني بلا إلهام .. كما في إظهار الحق .

          والمراد بالشياطين .. شياطين الإنس .. وهم المتمردة العصاة الأشرار الأقوياء .. الدعاة إلى الباطل .. وقوله على ملك سليمان .. أي  على عهد ملكه من تلك الأقاصيص المختلفة عليه . وقولـه تعالى " وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ " تنزيه لساحته عليه السلام من الردّة والشرك وعبادة الأوثان التي نسبوها إليه ، وتكذيب لمن تقولها .. وقال كثيرون هذه تبرئة له من السحر .. لسيدنا سليمان .

          وأنّه تعالى كنَّ عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفرٌ وأنه من كان نبياً كان معصوماً عنه وإنما كان كفراً لكونه يكون بالتوجه إلى الأفلاك والشياطين وعبادتها . وقوله تعالى " وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ " ، عنى بالشياطين من ذكرناهم قبل .. وهم خبثاء الإنس وأشرارهم كما في قوله تعالى :

(سورة البقرة)

          وقوله :

 

)سورة الأنعام)

          والذي يعيّن أن كلمة الشياطين في هذه الآية تعني شياطين الإنس قوله تعالى : " تَتْلُوا " لأن تلاوة شياطين الجن لا يسمعها أحد .. ومعنى تتلوا أي " تقص " كما تقدم ، وقوله : " يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ "  يعيّن هذا المعنى أيضاً إذا لا يتعلم أحد السحر إلا من شياطين الإنس لانعدام مكان الاتصال بهم ..

          والمراد بقولـه " كَفَرُوا " أي كفروا بآيات الله المنزلة .. أو .. عبادة غير الله سبحانه وتعالى .. وقوله تعالى  " يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ " جملة حالية ، أي حالتهم تعليم الناس السحر .

          وقوله تعالى " وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا ، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "

          اعلم أن للعلماء في هذه الآية وجوهاً كثيرة وأقوالاً عديدة ... فمنهم من ذهب فيها مذهب الإخباريين .. نقل الغث والسمين ، ومنهم من وقف مع ظاهرها البحت وتمحل لما اعترضه بما المعنى الصحيح في غنى عنه .. ومنهم ادّعى فيها التقديم والتأخير .. وردّ آخرها على أولها وربما جعلها أشبه بالألغاز والمعميات التي يتنزه عنها . بيان أبلغ كلام .. إلى غير ذلك مما يراه المتتبع في كتب التفسير  .

          دققوا فيه الآن :... والذي ذهب إليه المحققون أن هاروت وماروت كانا رجلين .. ليسا ملكين بل رجلين .. متظاهرين بالصلاح والتقوى في بابل وهي مدينة بالعراق على نهر الفرات وكانا يعلمان الناس السحر .. يتظاهران بالتقوى والصلاح " وكثيرون ممن يعلمون الناس السحر يتظاهرون بالتقوى والصلاح " وبلغ حُسن اعتقاد الناس بهما ، أنهم ظنّوا أنهما ملكان من السماء لشدة ما ظهر منهما الصلاح .. ظنّ الناس أن هاروت وماروت ملكان من السماء ، وأن ما يعلمانه للناس هو من وحي السماء ، أوهموا الناس أنهما ملكان وأن ما يفعلانه من وحي السماء  وبلغ مكر هذين الرجلين ومحافظتهما على اعتقاد الناس الحسن فيهما أنهما صارا يقولان لكل من أراد أن يتعلم منهما .... " إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ "  إياك أن تكفر بالله  .. هذا من أجل التضليل .. أي  إنما نحن ألوا فتنة نبلوك ونختبرك  أتشكر أم تكفر وننصح لك ألاّ تكفر  هذا من تضليلهم أيضاً .. كما يفعل ذلك دجاجلة هذا الزمان "جمع دجّال ".. يقول المفسر : قائلين لمن يعلمونهم الكتاب للمحبة والبغض على زعمهم .. نوصيك بأن لا تكتب لجلب امرأة متزوجة إلى رجلٍ غير زوجها ...

         يعني ... " يوصوا الجن بعدم تعلّق الزوجة بغير زوجها " إلى غير ذلك من الأوهام والافتراء .. ولليهود في ذلك خرافات كثيرة  حتى إنهم يعتقدون أن السحر نزل عليهما من الله وأنهما ملكان جاءا لتعليم الناس فجاء القرآن مكذباً لهم في دعواهم نزول هذا السحر من السماء وفي ذم السحر فقال : " يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ " . فـ " ما " هنا نافية على أصح الأقوال … ولفظ الملكين ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌!! في سؤال هنا ..  طيب الله قال الملكين !! ..  لو فرضنا في اثنين مشعوذين ادّعا أنهما طبيبان و مارسا الطب .. فصار لهم اسم شائع أنهما طبيبان مشعوذان .. فإذا قلت طبيبان ! هل يعني ذلك أنك اعترفت أنهما طبيبان ؟  …

          أحياناً يكون طالب لم يفتح الكتاب بحياته .. لكن يلبس لباس طلاب تقول هذا الطالب لماذا لا يدرس ..؟ اسمه طالب علم ، لكنه لا يطلب علم

          فأحياناً تسمي الشيء بما تعارف الناس على تسميته .. فربنا قال : "وما أنزل " الـ ما نافية .. أما لما قال الملكان فهذا على زعم اليهود وزعم الناس ... وعلى أن هذان الرجلان ماشاع بين الناس أنهما ملكان . هذا الذي أقصده بقوله تعالى : " وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ " ، ولفظ الملكين هنا ... وارد حسب العرف الجاري بين الناس  في ذلك الوقت ، كما يرد ذكر آلهة الخير والشر في كتابات المؤلفين ....الآن إذا واحد مسلم كتب عن الإغريق .. قال " فينوس " إله الجمال .. فهل يعتقد هذا المسلم الذي يؤّرخ للإغريق أن فينوس إله الجمال !!؟ مستحيل … ، أنّ " أبولوا " ربّة الشعر !!؟ هل أعتقد بهذا ؟ ... هذا على زعم الإغريق .. على زعم هؤلاء الوثنيين .. على أنه شاع بينهم ... فلما قال ربنا عزّ وجل " وما  ، هذه الـ " ما " نافية .. وكلمة الملكين على ما شاع بين الناس في ذلك الوقت أنهما ملكان ... لخبث بهما واحتيال وذكاء ... وكما يرد في كلام المسلم ذكر تجسد الإله وصلبه ..  أي  .. ممكن أيام يروي قصة غير صحيحة ! على أساس أنه شاع بين الناس أن الإله صلب الذي يزعمه بعض المعتقدين  وإن كان لايعتقد بذلك ... وقوله تعالى " فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ " ، من قبيل التمثيل  وإظهار الأمر في أقبح صورة ، يعني السحر شر كله .. أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من دروب الحيّل وطرق الإفساد أن يتمكنوا به من التفريق بين أعظم رابطة  ، كالمرء وزوجه ... طبعاً .. في قصة مشهورة كثيراً .. كيف أن شيطان الإنس ... وهي تقع وفي كل يوم   .. يوهم الزوج أن امرأته تخونه ويوهم الزوجة أن زوجها يخونها .. ويقول للزوجة إذا شئت دليلاً .. إذا شئت أن يمتنع عن خيانتك فخذي شعرة من رأسه وهو نائم .. ويقول للزوج أن امرأتك تريد أن تقتلك وأنت نائم ، هذا زوجها وهو يعمل نفسه نائم .. ، يسمع حركة فيرى مقص بيد زوجته فيقوم فيقتلها .. ، هذا عمل الشياطين هذه قصة مشهورة ... ترد بكتب الفقه كثيراً ..

          وهذه قصة قاضي .. قاضي متزوج في وفاق ووئام ومحبة وصفاء ، فشيطانة من شيطانات الإنس دخلت إلى بيت امرأة القاضي وأثنت على جمالها وزهدتها بزوجها وقالت إن زوجك ينظر إلى النساء ويفعل كذا وكذا .. وذهبت إلى الزوج وقالت إن زوجتك يدخل عليها الرجال في غيبتك .. ونصحت الزوجة أن تأخذ شعرة من رأسه بالمقص وأوهمت الزوج  القاضي أن امرأته سوف تقتله هذه الليلة .. عندئذ قام القاضي وقتل زوجته .

          هذا من عمل الشيطان وهذه القصص " والله تقع كل يوم " وقد رُفعت إلي قصة مشابهة قبل شهرين أو أكثر .. الزوجة بريئة والزوج بريء جاءت شياطين الإنس وفرقت بينهما  وكاد يقع الطلاق وكاد يقع القتل ، فلذلك " فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ " .

          والخلاصة : أن معنى الآية من أولها إلى آخرها أن اليهود كذّبوا القرآن ونبذوه وراء ظهورهم وإعتاضوا عنه بالأقاصيص والخرافات التي يسمعونها من خبثائهم عن سليمان وملكه . وزعموا أنه كفر وهو لم يكفر .. ولكن الشياطين هم الذين كفروا ... هذه القصة أصبحت واضحة .. وأهم ما في هذه القصة هذه الآية وهو قوله تعالى 

" وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ " ، إذا كنت مسلماً .. مصدقاً أن هذا القرآن كلام الله .. وأن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فيجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن الشياطين كلها .. لو اجتمعت لا تستطيع أن تفعل شيئاً ولا أن تضرك أبداً إلا بإذن الله .

          " وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ " ، وأي تعليم يتعلمه الإنسان من شياطين الإنس والجن ، إنما يضره ولا ينفعه ... " وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " .

          هذه القصة ، يعتقد بعض الناس اعتقاداً خاطئاً أن الله سبحانه وتعالى أنزل إلى الأرض ملكين وعاثا في الأرض فساداً وأنهما علما الناس السحر بأمر منه تعالى !! وهذا كذب وافتراء على الله سبحانه وتعالى .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi