English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

العقيدة الإسلامية – " 5| 63 " : مسالك العقيدة – لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

       الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ,  اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم , اللهم علمنا ما ينفعنا , وانفعنا بما علمتنا  وزدنا علماً ,  وأرنا الحق حقاً ,  وارزقنا اتباعه ,  وأرنا الباطل باطلاً , وارزقنا اجتنابه , واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه , وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

Text Box: مسالك العقيدة :
       

       أيها الأخوة ,  لازلنا في موضوع العقائد وهو أن الإنسان في تحركاته ،  وفي مواقفه ،  وفي حركاته وسكناته إنما ينطلق من قناعات ،  أو من مفاهيم ،  أو من معتقدات  ، وهذه العقيدة إن صح التعبير فلها مسالك :

المسلك الأول : أن تتيقن عن طريق الحواس وهذا هو اليقين الحسي ، وقد تحدثنا عنه من قبل  المسلك الثاني : أن تتيقن عن طريق الاستدلال الفكري أو اليقين الاستدلالي ، إذا ظهرت ذات الشيء فالإدراك حسي ،  وإذا غابت ذاته وبقيت آثاره  فالاستدلال فكري .

المسلك الثالث : إذا غاب الشيء وغابت آثاره فلابد من الخبر الصادق وهو مسلك ثالث من مسالك العقيدة ،  وقد ذكرنا يستحيل على الجمع الغفير تواطؤهم على الكذب ،  فإذا روى الجمع الغفير عن الجمع الغفير فهذا تواتر ،  والتواتر أحد مسالك اليقين .

 

Text Box: كيف تقنع الملحد بأن القرآن كتاب الله ؟

 

       كيف نؤمن بالقرآن الكريم ؟  هذا سؤال مهم ،  بين المسلمين لا أحد يقول : هذا الكتاب ليس كتاب الله ،  لكنك لو جلست أمام ملحد وقال لك :  أثبت لي أن هذا الكتاب هو كتاب الله           هنا المحك إما أن تقول : والله  هذا كتاب الله يا أخي  فهذا لا يكفي ،  وقد تكون قانعاً أنه كتاب الله ،  ولكنك لن تستطيع أن تقنع أحداً بذلك إلا إذا ملكت الحجة والدليل ،  ولذلك لابد من تدبر هذا القرآن فإذا تدبرته توصلت إلى أنه يستحيل على بشر أن يصوغه لأن هذا الكتاب معجزة ،  فإذا بدا لك إعجازه اللغوي و البياني ،  وإعجازه التشريعي ،  و التاريخي ،  والرياضي ،  إذا بدا لك أنه كتاب معجز ،  وأن كائناً ما كان من البشر لا يستطيع أن يأتي به من عنده ،  إذاً هذا الذي أتى به هو رسول الله ،  مِن أين نستنبط أن هذا الكتاب هو كتاب الله ؟  مِن إعجازه ،  وكيف نعرف إعجازه ؟  مِن تدبره لذلك  قال الله سبحانه وتعالى :

                                                                                                                (سورة محمد الآية : 24)

          حينما قال :

 

( سورة الفرقان الآية : 30)

 

       فسّر المفسّرون هذه الآية على وجوه عديدة ،  فبعضهم فسرها أن هجر القرآن هو هجر سماعه ،  أو هجر تلاوته ،  أو هجر العمل به ،  أو هجر الاحتكام إليه ،  أو هجر تدبره .

 

Text Box: ينبغي على المسلم أن لا يكون ساذجاً في فهم كتاب الله :

 

       لذلك أن تصدق الناس فيما قالوه لك من دون تحقق ،  وتبصّر ،  وتعمق ،  فهذا التصديق الساذج العفوي غير المجهد لا يصمد أمام الشهوات ،  ولا أمام الضغوط ،  ولا أمام المغريات ،  لذلك ينتكس الإنسان لماذا ؟  لأن شخصًا زلزله إذ سأله سؤالاً ،  والإيمانُ يُبنَى على بحث ،  وفهم ،  وتدبر ،  وعقل ،  ومناقشة ، ومذاكرة ،  واستدلال ،  وتحقق ،  فإنه لا يصمد في الشدائد ،  أما في الرخاء فلا بأس  , إذا كنت متأكداً  وموقناً أن هذا القرآن كلام الله ،  وأنه قطعي الثبوت قطعي الدلالة  وأن الله إذا قال في القرآن :

 

( سورة الحج الآية : 38)

 

تستطيع أن تواجه الجبال الراسيات بإيمانك بهذا الكتاب ،  وإذا قرأت هذا الكتاب وتيقنت أنه كلام الله  وقرأت قوله تعالى :

 (سورة الأعراف الآية : 128)

 

 تبقى متفائلاً حينما يدخل في قلوب الناس اليأس ،  ولو أن اليأس أصبح على الناس جميعاً لبقيتَ وحدك متفائلاً هكذا قال الله لك ،  فالموضوع موضوع خطير جداً .

       إذا جلست إلى منكر  وقال لك : هذا القرآن من كلام محمد ،  فقد كان إنساناً عبقرياً فذّا ،  استطاع أن يقنع الناس أنه كلام من عند الله من السماء  وصاغه بأسلوبه البلاغي الرفيع  وهذا هو الأمر ،  فكيف ترد عليه ؟  فالإيمان يجب أن يُبنى على البحث العلمي ،  والتحقق والتدقيق ،  والمناقشة والحوار ،  والقضية أخطر قضية يواجهها المسلم في هذه الأيام ،  إذا كان هذا القرآن قطعي الثبوت  قطعي الدلالة فقد انتهى الأمر .

 

 (سورة الجاثية الآية : 21)      

نصدق هذه الآية نطمئن ،  فالمؤمن له معاملة خاصة مهما ضاقت الأمور ،  ومهما ضيّق الله على عباده الفجّار ،  يقول المؤمن : أنا مؤمن  وقد وَعَدَني الله أن يعاملني معاملة خاصة ،

                                 (سورة الجاثية الآية : 21)

 

أبداً القضية قضية إيمان ،  وإن هذا الكلام من عند خالق الأكوان ،  وإن زوال الكون أهون من عدم تحققه ،  فإذا ثبت لك أن هذا القرآن كلام الله ،  وأنك إذا قرأته بثَّ في نفسك الأمن والطمأنينة  ,  وقطعت العلائق مع الخلق  ووصلتها مع الحق ،  وإذا تدبرت هذا القرآن ودرست ما فيه من تشريع ،  ودرست آيات المواريث ،  وآيات الأحوال الشخصية ،  والآيات الكونية , فحياتك التي تعيشها في ظل القرآن لا تقدر بثمن .

 

Text Box: آيات الله الكونية والتشريعية دليل على صدق القرآن :
 

      أخ كريم قال لي : فكرت في الليل وفي النهار فتأملت أنه لو أن الليل دائم ،  أو النهار دائم لاستحالت الحياة على وجه الأرض هناك أسباب جغرافية ،  لو أن الليل دائم تصبح الأرض كوكباً جليدياً لا حياة عليه ،  ولو أنه نهار دائم لكانت الحرارة 350 درجة فوق الصفر مستحيلة ،  ولو تصورنا ليلاً دائماً بحرارة معتدلة  فالأمر فوضى ،  قال الله عز وجل :

                                                                                                             (سورة القصص الآية : 72)

  ولو أن الليل سرمداً إلى يوم القيامة مَن إله غير الله يأتيكم بنهار ؟

 

                                                                                                               (سورة فُصّلت الآية : 37)

 

                                                                                                           (سورة النبأ الآية : 10- 11)

 

 

                                                                                                             (سورة الإسراء الآية : 12)

 

       جعل الله عز وجل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً ،  إذا تدبرت آيات القرآن الكونية والتشريعية ،  وآيات الأحوال الشخصية ،  وآيات المواريث ، وآيات التاريخ ،  وآيات الأخبار المستقبلية  إذا تدبرتها  و درست إعجازها اللغوي و البياني والرياضي والحسابي فستجد شيئًا عجيبًا ،  فإن كلمة (يوم) مثلاً وَرَدَتْ ثلاثمئة وخمساً وستين مرة  بالعد الدقيق ،  وإن كلمة (شهر) وردت اثنتي عشرة مرة  ،  إذا تدبرت القرآن الكريم تيقنت أنه يستحيل على بشر أن يأتي بمثله  إذاً هو من عند الله ،  وهذا الذي جاء به هو رسول الله ،  فالإيمان بالقرآن قبل الإيمان بالرسول ،  تؤمن بالقرآن عن طريق مضمونه ، ثم تؤمن بالرسول عن طريق الاستنتاج ،  وهذا الذي جاء بالعصا فإذا هي ثعبان مبين هو رسول الله قطعاً ،  لأن هذا الشيء فوق طاقة البشر ،  وهذا الذي أحيا الميت  إنه رسول الله قطعاً لأن هذا فوق طاقة البشر ،  والذي جعل البحر طريقاً يبساً هو رسول الله دون أدنى شك

 

Text Box: مصادر التشريع : القرآن وما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من الحديث .
 

       نستنتج أن هذا الكتاب قطعي الثبوت قطعي الدلالة ،  وما قاله النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بناءً على هذا أيضاً قطعي الثبوت قطعي الدلالة ،  ولو أنك عاصرت النبي صلى الله عليه وسلم ،  وسمعت من لسانه الصادق ،  فهذا الذي قاله استناداً إلى كتاب الله قطعي الثبوت  قطعي الدلالة ،  لأنه لا ينطق عن الهوى ،  إن هو إلا وحي يُوحَى ،  وهناك وحيٌ متلوٌّ هو القرآن الكريم  ووحي غير متلو هو السنة المطهرة ،  إذاً عندنا مصدران إخباريان من أعلى مستوى : القرآن ,  وما صح عن النبي العدنان ،  هذا بالنسبة إلى الذين سمعوا من النبي ، أما بالنسبة إلينا فالأمر مختلف ، القرآن تولى الله حفظه بنص القرآن :

                                                                                                                 (سورة الحجر الآية : 9)

 

       أما الحديث الشريف فهناك الصحيح ،  و الضعيف ،  و الحسن ،  و الموضوع ،  و حديث صحَّ عن رسول الله ،  و صحيح لم يصح سنده إلى رسول الله  ,  و ما زلنا في موضوع المسلك الثالث من مسالك اليقين القطعي  وهو مسلك الخبر الصحيح ،  أول خبر هو كلام الله لأنه ثبت لدينا بعد التدبر وبعد التفهم أنه معجزة النبي عليه الصلاة والسلام ،  وأن الذي جاء به هو نبي ورسول ،  ما قاله القرآن فهو حق ،  وما قاله النبي فهو حق ،  أو الأصح ما صح أنه قاله النبي فهو حق .

 

Text Box: أقسام الحديث المتواتر :

 

Text Box: 1- التواتر اللفظي :

 

       أما نحن فعلينا أن نُقسّم ما روي عن النبي إلى أقسام ،  أول قسم هو التواتر اللفظي  فَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)) .

(أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب في الصحيح)

أي رواه الجمع الغفير ، عن الجمع الغفير ، عن الجمع الغفير ، ويستحيل تواطؤا هؤلاء جميعاً على الكذب ,  لاختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم وعصورهم  وما شاكَلَ ذلك . 

 

Text Box: 2- التواتر المعنوي :

 

       أما إذا روى الحديث الشريف رجل واحد ،  فهذا الحديث الشريف من أحاديث الآحاد ، ولا يرقى إلى مرتبة قطعي الثبوت و الدلالة  ،  أحاديث الآحاد تصنف عند علماء الحديث على أنها ظنيّة الثبوت ،  ظنية الدلالة ،  لكن بعض الأحاديث التي رواها الآحاد رويت بعد النبي صلى الله عليه وسلم  وتلقتها الأمة جميعاً بالقبول  دون أن تنكر ذلك ،  فسمّى العلماء هذا النوع من الأحاديث تواتراً معنوياً ،  فالتواتر المعنوي له حكم التواتر اللفظي , عندنا القرآن " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " ،  و الأحاديث المتواترة باللفظ ،  والأحاديث المتواترة بالمعنى ،  وهذه مصادر صحيحة يمكن أن نسلك بها إلى اليقين القطعي .

 

Text Box: حكم القرآن والسنة الصحيحة من حيث مفهوم التكفير :

 

Text Box: 1- من أنكر حجة القرآن والحديث المتواتر قطعي الدلالة والثبوت يعتبر كافراً بإجماع الأمة :

 

        و مَن أنكر عقيدة قطعية الثبوت ، قطعية الدلالة جاءت في كتاب الله ،  أو مَن أنكر حديثاً متواتراً قطعي الثبوت ، قطعي الدلالة فهو كافر ،  وكذلك إذا أنكرت شيئاً قاله الله عز وجل ،  فإذا قال الله عزَّ وجل :

 

                                                                                                              (سورة البقرة الآية : 276)

 

ليس من المعقول يا أخي أن تقول : هذا عصر حديثٌ  مبني على البنوك والفوائد فهذا الكلام كفْر ،  وإذا أنكرت آية قرآنية قطعية الثبوت ، قطعية الدلالة فهو كفر صريح .

 

Text Box: 2- من أنكر حديثاً قطعي الدلالة ظني الثبوت أو العكس لا يعتبر كافراً بإجماع الأمة : 

 

       أما من أنكر شيئاً ورد في السنة المطهرة  ولكن رواه الآحاد ،  أي روى حديثاً قطعي الثبوت ظني الدلالة ،  أو ظني الثبوت قطعي الدلالة ،  أو ظني الثبوت ظني الدلالة ،  فهذا لا يكفّر جاحده ، لأن هذا الشيء ظني وليس قطعياً ،  وما دام ظنياً فلا يكفّر جاحده ،  وقد جاء الحديث الشريف عن طريق الآحاد ,  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ)) .

(أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح)

 

لست ملزماً أن آخذ هذا الحديث على ظاهره و عندئذ أضطر إلى التأويل  حتى ينسجم هذا الأثر النبوي مع روح الدين ،  ومع روح الآيات القرآنية ،  وشيء آخر علينا أن نأتي ببعض الشواهد ، قال تعالى :

                                                                                                                (سورة النحل الآية : 43)

 

        و ربنا عز وجل جعل الخبر الصادق مسلكاً أساسياً للعقيدة الصحيحة ، وفي الدرس الماضي أتينا بآيات على مسلك الاستدلال العقلي ،  وعلى مسلك الإدراك الحسي ،  واليوم " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ " ، هذا الخبر الصادق مسلك ثالث ، شاهد آخر :

 

                                                                                                               (سورة يونس الآية : 94)

و هذه الآية شاهد على التواتر " فَاسْأَلْ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ " ،  إذا كان هؤلاء جميعاً تكلموا بكلام واحد ،  فهذا الكلام الواحد أيضاً يرقى إلى مرتبة اليقين .

 

Text Box: حجة تصديق الأنبياء  العصمة والمعجزة :

 

        ومِن أين تأتي حتمية الخبر الصادق ؟  إذا ورد هذا الخبر على لسان النبي عليه الصلاة والسلام ،  ولماذا نعتقد أنّ ما ورد على لسان النبي صادق ؟  لأن النبي عليه الصلاة والسلام مؤيّد بالمعجزات ،  معصوم عن الكذب بنص الكتاب  وهو الرسول :

 

                                                                                                   

(سورة الشعراء الآية : 153-155)

 

قالوا  لسيدنا صالح : " مَا أَنْتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ "  ، أنت بشر ,  " قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ "   خرجت من الجبل ناقة  , فجاء بآية أنه مِن الصادقين ،  فالأنبياء لماذا نصدقهم ؟  لأنهم مؤيدون بمعجزة ومعصومون عن الكذب ،  ولأن كلام الأنبياء يرقى إلى مستوى الخبر الصادق ,  حيث يستحيل في مقياس العقل السليم

اتفاقُهم على الكذب بعد إخبار الناس  من حيث حتمية الخبر الصادق " إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " .

 

Text Box: دليل من القرآن جمع فيه اليقين الحسي والاستدلالي والإخباري :

 

       هناك شاهد دقيق جداً ،  هذا الشاهد في المسلك الأول  وهو الإدراك الحسي ، والمسلك الثاني الاستدلال العقلي ،  والثالث الخبر اليقيني  :

 

                                                                                                               (سورة الأحقاف الآية : 4)

 

       " أروني " إدراكاً حسياً ،  " أم لهم شركاء في السموات "  هل هناك دليل على أنهم شركاء الله عز وجل ؟  هذا المسلك الثاني   " اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " هذا اليقين الإخباري فجُمِعتْ  المسالك كلها في هذه الآية  .  

 

Text Box: شروط صحة الخبر الصادق :

 

Text Box: 1- العدالة والضبط  وأن يكون غير متهم :

 

       من تعاريف القرآن الكريم : الكلام المعجز ، المتعبد بتلاوته ، الذي رواه الجمع الغفير عن الجمع الغفير .  وفيما سوى التواتر وأقوال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ،  كيف نرجح الخبر الصادق ؟  وضع العلماء شرطين :

الشرط الأول:  العدالة .

الشرط الثاني : الضبط أي الأهلية .

 ورووا الحديث الشريف التالي : ((من عامَلَ الناس فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوَّتُه ، وحرمت غيبته)) .

(ذكره الخطيب البغدادي في الكفاية عن الحسن بن علي مرفوعاً)

 

فإذا أخلف وعده ،  أو ظلمهم ،  أو كذبهم ،  فقد سقطت عدالته ،  وهذا الإنسان لا يؤخذ منه شيء , أصبح كاذباً ، وهناك أشياء ذكرتها لو فعل الإنسان أحدها جرحت عدالته  وكانت روايته غير صادقة ،  فمَن أكل في الطرق ،  ومَن بال في الطريق ،  ومَن مشى حافياً  ، ومن قاد بغلاً  أو كلباً عقوراً خاف الناس منه ،  ومن أطلق لفرسه العنان  وأسرع في قيادة السيارة يفقد عدالته ،  ومن تنزه في الطرقات تجرح عدالته ،  ومن أكل لقمة من حرام تُجرح عدالته ،  ومن طفف بتمرة وخفّف الوزن مقدارَ تمرةٍ تُجرح عدالته ،  ومَن علا صياحه في البيت حتى يسمعه مَن في الطريق تُجرح عدالته ،  ومن صحب الأراذل تُجرح عدالته ،  ومن كان حديثه عن النساء تُجرح عدالته ،  ثلاث وثلاثون نقطة ،  إذا فعل المسلم أحدها جرحت عدالته ,  وأصبحتْ روايته غير صادقة ولا تقبل شهادته ولو قال :  رأيت الهلال بعيني لا يصدَّق على رؤيته  لأنه فاقد العدالة ،  فالعلماء وضعوا شرطين أساسيين :  العدالة والضبط  ،  الضبط أن يكون واعياً  ,  آدمياً  ،  وعندنا صفة ثالثة أنه غير متهم .

 

Text Box: ذكر مثال على صفة الراوي غير المتهم :

 

          حدثني رجل صالح مِن المؤمنين الطيبين الطاهرين ، يسكن في بيت ، وطلب أصحاب البيت منه بيتَهم ، ولكن ليس بإمكانه أن يخرج منه ، فرفع الأجرة ، مرة ، ومرتين ، وثلاثاً إلى أن بلغت الأجرة نصف راتبه ، فأصحاب البيت اتفقوا مع أحد المحامين على تلفيق تهمة لهذا الرجل بالإفساد الأخلاقي ، وفي قانون الإيجار هذه التهمة تُخلي المستأجر ، فأقيمت عليه دعوى أنه كان يكشف عورته أمام جارته ، والرجل كان يغض بصره عن محارم الله ، ولا ينظر إلى امرأة في الطريق ، هكذا إيمانه ، فلما رُفعت القضية إلى القاضي طلب القاضي شاهداً ، فالشاهد بنت صاحبة البيت ، هذه متهمة بأنها تشهد لصالح أمها ، وفي القضاء الأصول والفروع لا تقبل شهادتهم ، فلما جاء بشاهدة ثانية ، وهي طالبة تسكن عندهم ، وهي طالبة جامعية ، وعرفت أن هناك تلفيقاً قالت : أنا أشهد معه فلما كان يوم الدعوى طلبها القاضي ، فقالت : إنني أعرف هذا الرجل من سنوات عدة ، أنه إذا لَمَحَنِي عن بُعْدِ 50 متراً غضَّ بصره عني ، فسقطت الدعوى .

 

Text Box: مراتب الأخبار الصحيحة :

 

Text Box: 1- النقل عن الوحي :

 

       هناك ست مراتب للأخبار الصحيحة :

المرتبة الأولى : أن تنقل عن الوحي ،  ولا يجوز أن ينقل عن الوحي إلا النبي حصراً  وهو الذي أوحي إليه ،  وهو مؤيّد بالمعجزة  ومعصوم عن الكذب ،  وهذه أول مرتبة .

 

Text Box: 2- النقل عن الرسول :

 

       المرتبة الثانية : أن تنقل عن الرسول عقيدة  أو أصلاً في الدين  أو سورة من القرآن وهذا لا يصح إلا بالتواتر اللفظي أو المعنوي  وهي عقيدة يكفر جاحدها ،  وأن تكفر إنساناً بخبر آحاد لا يجوز ،  وليس هناك عقيدة ما بفكرٍ جامد إلا إذا ثبتت بالتواتر اللفظي وهذه المرتبة الثانية .

 

Text Box: 3- درجة الاتهام بالزنا :

 

       المرتبة الثالثة : الاتهام بالزنا لا يصح إلا بأربعة شهود ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام : ((قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يَهْدِمُ عَمَلَ مَائَةِ سَنَةٍ)) .

(أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن حذيفة)

 

ويبدو أن طبيعة النفوس ميَّالة إلى تصديق أخبار الزنا ،  لأن في أخبار الزنا فضيحة كبيرة جداً وتحطيماً لمعنويات الإنسان لذلك قال النبي العدنان : ((قَذْفُ مُحْصَنَةٍ يَهْدِمُ عَمَلَ مَائَةِ سَنَةٍ))  والله سبحانه وتعالى لم يقبل إلا أربعة شهداء  قال سبحانه :

 ( سورة النور الآية : 4)

 

       تُروَى قصة - الله أعلم بصحتها -  لكن لها مغزى ،  أن امرأة كانت تغسل امرأة ميتًا   وقد اتهمتها بالزنا في قلبها ،  وفي أثناء التغسيل التصقت يدها بجسم الميت ،  ولم تجد أية محاولة لرفعها عنها ،  حتى خُيّر أهل الميت بين قطع قطعة من جسد الميت كي تنزع يدها أو قطع يد المرأة ،  رُفع الأمر إلى الإمام مالك  وهو من أكابر التابعين يقال : ((لا يفتى ومالك في المدينة))  فقال : هذه المرأة ربما اتهمت الميت بالزنا  فاجلدوها ثمانين جلدة  ،  ومع الضربة الثمانين رُفِعَت اليد عن جسدها لذلك : " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ " ،  إذا قال عن امرأة :  الله أعلم  وهزّ قميصه  كناية عن الزنا ،  فما انتهت القضية  بل يجب أن يقام عليه حد البهتان : " فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ " .

 

Text Box: 4- إثبات الحقوق بين الناس :

 

       المرتبة الرابعة : الحقوق بين الناس " سند ,  دين ,  قضية ,  بيع بيت  "  يلزم لها شاهدا عدل ، " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى " .

 

 Text Box: 5- درجة الأخبار العادية :

 

       في الأمور العادية جداً شاهد واحد ،  قال :  إنه حدث زلزال  ومات فيه 35000  فهل سمعت الخبر ؟  نعم أنا سمعت ,  إذًا هي صحيحة  سواء كانوا 35 أو 34 فلا توجد حقوق في هذه القضية ،  فيكفي شاهد واحد في الأمور العادية ،  أخبار جغرافية ،  كسوف ،  فروق ،  زلزال ،  ضحايا ،  كارثة  ،  نقل خبر ،  هل سمعت أنهم سيسمحون بالاستيراد ؟  فيجيب : نعم  ,  هذا الخبر يكفي فيه شاهدٌ واحد .

 

Text Box: 6- درجة المصلحة :

 

       أما في الحالة السادسة :  مِن أغرب الحالات فقد يكون هؤلاء السائقون يركبون سياراتهم ،  فالسائق الماهر يؤشِّر بتألقٍِ بالمصباح  هناك دورية أمامك  فيصدقه مباشرةً ،  إذاً القضية تمس مصلحة إنسان من دون تحقق  فليكن كذاباً  على كل حال خذ احتياطك  , إذا كان الأمر متعلقاً بمصلحة ما  فأيّ إشارة  يأخذ الإنسان احتياطه ،  يعتبره خبراً ويصدقه ،  وهو غير محتاج أن يسأل صاحبه عن كون الخبر صحيحاً  وهل أنت عدل ؟  لا حاجة ،  القضية متعلقة بالمصلحة .

 

Text Box: خلاصة الدرس :

 

       عندنا اليوم ثلاثة مسالك للعقيدة الصحيحة ،  أول مسلك اليقين الحسي ،  والمسلك الثاني اليقين الاستدلالي ،  والمسلك الثالث الخبر الصادق  وأخذنا التفصيلات كلها ،  وشروط صحة الخبر :  أن يرويه الإنسان المتصف بالعدالة  والضبط  وغير متهم ،  وصحة الأخبار مسلسلة على ست مراتب ،  ثم أول درجة الخبر الصادق القرآنُ الكريم ثم حديث النبي صلى الله عليه وسلم المتواتر  وهو ما رواه الجمع عن الجمع  وهذا كله متعلق بالعقيدة ،  وبقي علينا مسلك رابع هو الإضاءة الفطرية والإشراق الروحي ,  وهذا مسلك مهم جداً نتناوله في الدرس القادم إن شاء الله تعالى .

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi