English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 06 / 63 من العقيدة  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    :  المسلك الرابع في العقيدة : الإشراقة الروحية  .

تفريغ              :  السيد وسام عودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ محمد موسى حلوم والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          أيها الإخوة المؤمنون : ملخص سريع للدروس السابقة وذلك لأن الدروس السابقة متعلقة أشد التعلُق في هذا الدرس ، تعلمون أن الإنسان في مواقفه وسلوكه وحركاته وسكناته وأعماله إنما ينطلق من عقيدة ؟! وبتعبير آخر من مفهوم فلو أن الإنسان رأى ما يراه المبصر لسلك سلوكه ولو أن المبصر فقد الرؤيا لسلك سلوك الأعمى وبمثال بسيط: إنسان مبصر يمشي في الطريق إن رأى حفرة حاد عنها ، وإن رأى حجراً أزاحه عن الطريق ، وإن رأى ماءً قذراً ابتعد عنه ، ولو أن هذا المبصر فقد بصره ومشى في هذا الطريق لسلك سلوك الأعمى ولو أن الأعمى رد إليه بصره لسلك سلوك المبصر .

          إذاً : الشيء الخطر ليس في السلوك ولكن في الاعتقاد لأنك إذا اعتقدت أن هذا الشيء صالح ومفيد ونافع أقبلت عليه ، وإذا اعتقدت أن هذا الشيء ضار لابتعدت عنه ، فالمشكلة هي مشكلة رؤية أو عدم رؤية ، وكيف نتعرف إلى الحقيقة وكيف نسمح للحقائق بأن تصل إلى مركزالاعتقاد منا ، هناك ثلاثة طرق : الطريق تُذكر و تُؤنث ، تقول هذا الطريق وهذه الطريق ، الطريق الأول : طريق اليقين الحسي الشمس ساطعة والنار مشتعلة والمصباح متألق .

          والطريق الثاني : طريق الاستدلال العقلي ، اليقين الاستدلالي ، أنت موقن بأن في السلك طاقة كهربائية بسبب تألق المصباح ، وأنت متأكد بأن في هذا الإنسان روحاً لأنه يتحرك ، وفي هذا الكون إله لأن هذه الصفة تدل على الصانع وهذا النظام يدل على المنظم ، وهذا الوجود يدل على الموجد .

          والطريق الثالث : قلنا سابقاً إذا ظهرت عين الشيء فطريق معرفته اليقين الحسي ، فإذا غابت عينه وبقيت آثاره فطريق معرفته الاستدلال العقلي ، فإذا غاب الشيء وعينه وكان مغيباً عنا كلياً هو وآثاره فطريق معرفته طريق الخبر الصحيح ، وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن الخبر الصحيح ، وعن مراتب الخبر الصحيح ، والتواتر اللفظي والتواتر المعنوي وكيف أن الصحة على ست درجات :

" 1- درجة الوحي  2- درجة الحديث الشريف  3- درجة الاتهام بالزنى  4- درجة الحقوق الثابتة بين البشر  5- درجة الأخبار العادية   6- درجة المصالح المرسلة " .

          وبيّنا أنَّ الذي ينقل الخبر يجب أن يكون عدلاً  ضابطاً غير متهم " العدل صفة أخلاقية والضبط صفة عقلية " وغير متهم ليس له مصلحة في هذه الشهادة أو تلك الرواية ، هذا ملخص الدروس السابقة بشكل موجز سريع .

          إذاً هناك مسلك يقين حسي ومسلك الاستدلال العقلي ومسلك الخبر الصحيح " اليقين الإخباري " ، وهناك مسلك رابع دقيق وحساس ولا ينبغي التوسع في استخدامه : هو " مسلك الإضاءة الفطرية والإشراق الروحي " .

        و إن الإنسان إذا صفت نفسه واقترب من الله عز وجل ، إذا أقبل على الله ، ففي هذا الإقبال يتجلّى الله بنوره فيكشف له بعض الحقائق ، قال صلى الله عليه وسلم :

" عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالصَّلاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا "

(صحيح مسلم(

          هذه رؤية القلب وهذه الرؤية لا تحتاج إلى اليقين الحسي و إلى اليقين الاستدلالي " العقلي " ، وإلى الخبر الصحيح إنما هي إشراقة روحية إنها نور الله يقذفه في قلب المؤمن ، ويقول " الإمام الغزالي " التقوى نور يقذفه الله في القلب ، وبهذا النور ترى الحق حقاً والباطل باطلاً وقوله تعالى :

 

              (سورة البقرة(

 

      

  (سورة التغابن(

 

      

         (سورة الأنبياء(

          أيات كثيرة وأحاديث كثيرة تؤكد هذه الإشراقة الروحية وهذه الإضاءة الفطرية .

          إذاً إضاءة فطرية أو إشراق روحي ، أو نور الله عز وجل يُلقى في قلب المؤمن فيكشف له الحقائق ، وهذا عبر عنه علماء التصوّف بمرتبة الكشف ، أي اذا استقمت على أمرالله استقامة تامة وجاهدت نفسك وهواك وبذلت كل ماتملك من أجل أن تتقرب إلى الله عزّ وجل واتصلت بالله اتصالاً صحيحاً عندئذ يكافئك الله عز وجل بنور يقذفه في قلبك ، في هذا النور ترى الحق حقاً والباطل باطلاً ، ولكن هناك تحفظات على المسلك الرابع وذلك لأن هناك من الناس من يدعيه بطلاناً وزوراً .

          هذا المسلك إذا كان الاعتماد فيه على الفطرة السليمة وفي الحدود التي يشترك فيها بالتذوق عن طريقها كافة الناس أو أكثرهم فهو مسلك صادق النتائج قطعاً ، أي أحياناً تقرأ كتباً لعلماء كثيرين تجد أن هناك حقائق مشتركة ، وهناك معارف موحدة قالوها جميعاً ، وذلك أنهم جميعاً أقبلوا على الله وبإقبالهم العالي على الله عز وجل قذف الله في قلبهم النور فرأوا به الحقائق ، فهناك تشابه في أقوال العلماء الصادقين والعارفين بالله الذين استنارت قلوبهم ، فإذا كان هذا الكلام الذي يقوله من يدعي أن نفسه الصافية الشفافة أدركت الحقائق هذا الكلام إذا توافق مع إشراقات بقية العلماء فهو مقبول شرعاً ويمكن أن يحتل مرتبة اليقين . 

          إذا قال لك رجل في ساعة صفاء إنه سلك والله الذي لاإله إلا هو أرأيت الدنيا صغيرة ولا قيمة لها هذا الكلام قاله معظم العلماء ومعظم المقربين والأتقياء قالوا " والله الذي لاإله إلا هو ماوجدنا في الدنيا أثمن من أن تنال مرتبة رضاء الله عز وجل ". وإن هذا الكلام صحيح مادام هذا الإشراق الروحي متوافقاً مع الكتاب والسنة ومع أقوال العلماء الكبار الذين يتمتعون بمثل هذا الإشراق فهو إشراق صحيح معتمد يرقى إلى مرتبة اليقين .

          وأحياناً يقول الإنسان إن الزواج ، غيّر حياتي فهذا كلام صحيح فإذا تزوج المؤمن وقبل الزواج كان عفيفاً ، وبعد الزواج انتقل من لا شيء إلى كل شيء ، فالله وحيه نظير عفته واستقامته وغض بصره ، زوجة صالحة مؤمنة وفية ، محبة ، صادقة ، متواضعة بخدمته فيقول إن الزواج غير حياتي وإذا سألت مؤمناً آخر مستقيماً يقول إن هذا صحيح ويحلف على ذلك .

" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ "

(صحيح مسلم(

          هذا ما قاله صلى الله عليه وسلم فالمؤمن عندما يتزوج وفي ساعة صفاء يرى أن الزواج شيء ثمين جداً ، فهذا الكلام صحيح لأن هذا ما قاله معظم المؤمنين : أي إن هذه الإشراقة صحيحة لأنها مشتركة بين الناس ، وهذا المستوى المشترك هو إشراق صحيح .

          وأحيانا الإنسان عنده إحساس يفوق حد القناعة ، فلو فرضنا أن الإنسان معتقد اعتقاداً جازماً أن الاستماع إلى الغناء حرام فهو لا يستمع إلى الغناء إن هذا الإنسان ينطلق من عقيدة نُقلت له عن طريق الخبرالصحيح  المتواتر ، لكن إذا صفت نفسه وأشرقت روحه وكان في مركبة عامة وفُتح المذياع على الغناء يحس أنه متألم ، وأنه يمقت هذا الصوت وهذه المعاني وهذه الأنغام ، وأنه متضايق فهذا الإنسان ارتقى إلى مرتبة الذوق ، فإذا ارتقيت أكثر من ذلك انتقلت إلى مرتبة الرؤية . إنك ترى هؤلاء الذين يستمعون ويطربون ويهزون رؤوسهم أنهم خاسرون لأنهم شغلوا أنفسهم بالتافه ، وتعلقوا بحطام الدينا ، وزينتها ، فهذه المعاني لا تروق لهم ، فالإنسان ينتقل من درجة إلى درجة  إلى درجة ، من درجة القناعة إلى درجة الذوق إلى درجة الرؤية .

          والقناعة هي مرتبة الإسلام ، والذوق مرتبة إلى الإيمان ، والرؤية مرتبة التقوى ، فإذا انتقل الإنسان إلى مرتبة التقوى فأنى له أن يخالف رؤيته ، قد يخالف الإنسان قناعته .

          دخلت على طبيب من مشاهير الأطباء في أمراض القلب وأنا بحسب معلوماتي المتواضعة التي قرأتها من عدة مصادر بأن الدخان يسبب إنسداداً في شرايين القلب ولي أخ صديق حدثني بأن شخصاً كان يدخن في النهار أربع علب دخان ومع العلم أن الشرايين التاجية خمسة فروع هذه الفروع الخمسة سدت لديه فعندما ذهب إلى بلد أجنبي بغية المعالجة ، اعتذرت الجهات الطبية العليا عن إجراء عملية له لعدم جدواها وذلك لأن الشرايين الخمسة مسدودة فمات هناك في البلد الأجنبي ، فأنا حينما أتيقن في أن الدخان يسبب إنسداداً في شرايين القلب، كيف إذاً  أدخن ؟

          إذاً : الإنسان قد يخالف قناعته ، وقد تغلبه شهوته فيخالف قناعته ولكنه إذا انتقل إلى مرتبة الذوق فاحتمال المخالفة صار أضعف ، فإذا انتقل إلى مرتبة الرؤية فيستحيل عليه أن يخالف رؤيته ، فإذا وجدت صحن الطعام عليه حشرة تدعو إلى الاشمئزاز فهل تأكل ؟ إنك لا تأكل ، و إذا قال لك أحدهم إنه مرت على هذا الصحن حشرة قد تعدها مزحة أو تعدها حيلة من أجل ألا تأكل وقد تأكل ، أما إذا رأيت هذه الحشرة بعينيك فإنك لن تأكل أبداً يعني الشيء الثابت أن الذي يرى لا يسلك سلوكاً مضاداً لرؤيته ، ولذلك فالله سبحانه وتعالى يدعونا دائماً للتقوى :

 

    

     (سورة آل عمران(

          لأنك بالتقوى تنتقل إلى مرتبة الرؤية ، قال الله :

 

     

)سورة البقرة(

          وهذا يوسف الصديق دعته امرأة ذات منصب وجمال إنها " سيدة القصر " امرأة العزيز  في أبهى زينتها وغلّقت الأبواب وهو شاب في ريعان الشباب غير متزوج وهو عبد لها عليه بأن يأتمر بأمرها وهي لن تفضحه لأن هذا ليس في مصلحتها وزوجها ليس غيورا ، وقد ذكرت لكم أن اثنى عشر سبباً يدعوه إلى أن يزني بها ومع ذلك قال معاذ الله ، لماذا قال معاذ الله ؟ لأنه في مرتبة الرؤية ، لأنه رأى في هذا العمل نتائج وخيمة ، إنسان يمنع  شيئاً ويتوعدْ بشيء ويقول من فعل كذا وكذا فعليه كذا وكذا من عقوبات فترى الناس جميعاً يمتنعون ، لأن هذا الشيء ليس لعبة ولا لهواً  فلماذا امتنع عن هذا العمل الذي منع في النص القانوني وقد ذكر هذا النص في العقوبات الكبيرة جداً التي يتحملها مخالف هذه المادة ، فالرؤية ليست بعدها معصية ، وهذا الشيء الذي أود أن أقوله لكم :

 

     

     (سورة المُلك(

 

     

      (سورة الأنعام(

          المؤمن له نور يمشي به بين الناس ، فهذه المرتبة مرتبة الإشراق الروحي ، إنها مرتبة الإضاءة الفطرية وهذه مرتبة تلي مرتبة الإيمان إنه إسلام تحركه القناعات ، وإيمان يحركه الذوق ، التقوى تحركها الرؤية :

 

     

)سورة الأنعام(

          وأؤكد لكم تأكيداً قاطعاً أنَّ المؤمن إذا تابع طريق الإيمان بكل جوارحه وصدق في معرفة الله فإن الله سبحانه وتعالى لابد من أن يُلقي في قلبه نوراً ، " ومن أخلص لله أربعين صباحاً تفجرت ينابيع الحكمة في قلبه وأجراها الله على لسانه " .

          هذا المسلك إذا كان معتمداً على الفطرة السليمة وفي الحدود التي يشترك فيها الناس جميعاً فهو مسلك صادق النتائج قطعاً وتقام به الحجة نظراً لتوافقه مع الرؤية ، ومع بقية الأذواق وكل شيء تقوله قد خطر في بالي  وأشرق قلبي وفتح الله على قلبي ، وانكشف لي أنَّ الجنة هي كل شيء وأن الدنيا ليست بشيء فهذا الكلام صحيح وينطبق مع نص القرآن الكريم لكن هناك أناساً قليلين أصحاب مواهب عالية جداً وقد يكشفون رؤية ليس من السهل فهمها ، فكبار الصوفيين وكبار العارفين هؤلاء لهم شطحات و هؤلاء لا ينبغي لهم أن يجعلوا هذه الرؤية في متناول أيدي عامة الناس ، ولو جعلوا رؤيتهم ونظراتهم وإشراقاتهم في متناول عامة الناس لكذبوهم ، قال صلى الله عليه وسلم: " أتريدون أن يكذب الله ورسوله خاطبوا الناس بما يفهمون " قال أحد العارفين بالله في ساعات إشراقاته العالية قال "يارب لو عرفوك ماعبدوك "  وأحياناً يستهين الابن بأمر أمه لا لشيء إلا لطمعه في رحمتها ، ولو عرف العباد ما عند الله من رحمة لتهاونوا في طاعته :

 " لو عرفوا مقدار الرحمة التي عند الله لتهاونوا في عبادته لكن الله سبحانه وتعالى رحمة بهم يريهم بعض الشد وبعض الطمأنينة من أجل أن يبقى العبد مشدوداً إلى الله عز وجل ، كي يعبدوه رغباً ورهباً "

          قال الحلاج : " ليس في الجبة إلا الله " فأعدموه ومعهم الحق أن يعدموه لأن هذا الكلام في ظاهره زندقة أما هو فيقصد بأن الله هو الحي القيوم وكل شيء يقوم به وهذا معنى دقيق جداً لايفهمه عامة الناس لذلك دفع حياته ثمن هذه الإشراقة :

 

     

)سورة الحديد(

          فليس المعية معية اتحاد بل معية وجود ، فهذا الذي قاله الشيخ محي الدين بن عربي عن وحدة الوجود شيء دقيق جداً فلا يجوز أن يكون هذا الكلام في متناول العامة ، والإنسان الحكيم يتكلم ما يفهم عامة الناس  .

        و الحقيقة : هذه الرؤية الرفيعة ليست عقيدة تصلح للنشر لأنه ليس لها براهين ، فلو أن إنساناً رأى في يقظته شيئاً لا يصدق ، مثلاً رسول الله رأى من آيات ربه الكبرى فكذبه قومه في الإسراء والمعراج ، فيقولون في أنفسهم كيف تجاوزت هذه المسافات الشاسعة وانتقلت إلى بيت المقدس ثم عرجت إلى السماء ورأيت أهل الجنة وأهل النار ورأيت الملائكة والنبيين واحداً واحداً وكلمتهم .......  فطبعاً هذه الرؤية خاصة :

     

)سورة الإسراء(

          رؤية خاصة وليست عامة ، وإنني أرى ما يدّعيه بعض الناس من إشراق روحي ، ومن كشف رباني ، ومن شفافية نفسية ، يجب أن يضبط بكتاب الله وسنة نبيه فإذا تجاوزه فهو من الشيطان قولاً واحداً . وقد يقول أحدهم "  بدا لي أنني بعد أن بلغت هذه المرتبة رفعت عني التكاليف "  و الذي يقول ذلك قولوا له إن الشيطان يحركك وإنه راكبك " فسيد الأنبياء ما ترك الصلاة " ولا يوجد إنسان في الأرض يستطيع أن يزعم أنه رفع عنه التكليف إلا أن يكون هذا من الشيطان .

          ولذلك فهذا المسلك خطر جداً لأن أكثر الدجالين يأتون من هذا الباب فيقولون مثلاً : حدثني قلبي عن ربي ، ومن أنت حتى يحدثك قلبك عن ربك ؟ ، أما إذا كان هذا الإشراق شيئاً من صلب القرآن ومن صلب السنة وفي ذلك إغناء لآيات الله فهذا نسكنه في أفئدتنا ولاسيما إذا كان صاحبه مستقيماً ورعاً .

 

           وما مقصودهم جنات عدن                ولا الحور الحسان ولاالخيـــام

           سوى نظر الإله فذا مناهم                 وهذا مطلبُ القوم الكـــــرام

           فأحبابنا اختاروا المحبة ملةٍ               وماخالفوا في مذهب الحب شرعنا

 

       و الإنسان الذي لا أجده مستقيماً فكل مايدعيه عن إشراقه الروحي لا أصدقه لأن الله سبحانه وتعالى لايتفضل على إنسان عاص بتجليّاته الرحمانية ، وكل ما عنده وساوس شيطانية فإذا رأيته ورعاً وملتزماً وعند أمر الله وعند نهيه ، وعند الحلال تاركاً الحرام ، ورأيت منه معنىً رفيع المستوى يتوافق مع الكتاب والسنة فهذا الذي منّ الله به عليه يسكن في قلوبنا ، أما إذا كان في خلقه خلل وانحراف وتقصير ، ونظرات للنساء مريبة ، واستماع غناء  وبعد ذلك يقول "حدثني قلبي عن ربي " ، إنه الدجال ، والله سبحانه وتعالى لا يُلقي نوره إلا في قلب عبد منيب ،و الإمام الشافعي فيما تروي كتب التاريخ فعل معصية في الحدود الهامشية جداً فلم يستيقظ على قيام الليل فشكا ذلك إلى شيخه وكيع فقال الشافعي :

" شكوت إلى وكيع سوء حفظي             فأرشدني إلى ترك المعاصي "

" وأنبأني بأن العلم نور                     ونور الله لايهدى لعاصي "

           وقال صلى الله عليه وسلم : " قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية " وباعتقادي فإنه من المستحيل أن يتجلى الله عز وجل بأنواره الكاشفة على قلب عبد عاص ، وهذا التجلي خاص والمتقين والورعين والمستقيمين  ولذلك فمقياس الاستقامة والورع يكشف الدجالين ، فإذا لم يكن فيه ورع ينطبق مع الكتاب الكريم والسُنة المُطهرة فهذا دجل حرام .

          وهناك مرتبة بعد اليقين اسمها مرتبة غلبة الظن ، يعني رأيت دخاناً وراء جدار يتصاعد من بعض ألسنة اللهب فأنا أقول حسب المنطق لا دخان بلا نار وقد لمحت عيني بعض ألسنة اللهب وهذا يقين قطعي واستدلالي ، ولكن رأيت دخاناً وهذا الدخان أبيض غريب وأنا في مكان بعيد فهل هذا دخان نار أم دخان مبيد ترشه  المحافظة في الطرقات ، وقد يغلب على ظنك أنه دخان نار فهذه المرتبة ليست في مرتبة اليقين ولكن في مرتبة غلبة الظن ....

          والوجه الثاني ... قد ترى من بعيد في الصحراء ماء فهل هو ماء أم سراب ، فعيني تريني ماءاً ولكن حينما أقترب من هذا الماء أراه يتلاشى إذاً هو سراب .

          وإذاً : فهناك مرتبة في الحس هي دون اليقين الحسي ، وفي مرتبة الاستدلال العقلي دون اليقين الفعلي ، وفي مرتبة بالإخبار دون اليقين الإخباري ، وكما قلنا لكم من قبل أنَّ القرآن تجلّى أعلى درجة قطعي الثبوت قطعي الدلالة ويوجد نصوص ظنيّة الثبوت قطعية الدلالة ، ونصوص قطعية الثبوت ظنيّة الدلالة ، و نصوص ظنيّة الدلالة ظنيّة الثبوت أي من حيث الثبوت أو من حيث الدلالة في مرتبة دون اليقين هي مرتبة غلبة الظن .

          و عندنا عقيدة مستنبطة من نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة من أنكرها فهو كافر ، وكل من ينكر عقيدة ثبتت بنص قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، فهو كافر ، أما إذا أنكر عقيدة ظنيّة الدلالة أو ظنيّة الثبوت أو ظنيّة الثبوت والدلالة فهذا الإنسان لا يكفّر لأنه موضوع خلافي فالعلماء استنبطوا من أنه :

 

 

)سورة النجم(

          وهو في السماء السابعة بأن العبد مؤلف من نفس وروح وجسد إذا النبي صلى الله عليه وسلم عرج إلى السماء بجسده أغلب الظن هكذا لكن هذا الاستنباط استنباط ظني وليس قطعياً ، الاستنباط القطعي مثلاً :

     

                 (سورة النساء(

          فمن أنكر هذه الحقيقة فهو كافر :

 

 

)سورة البقرة(

          هذه آية قطعية الثبوت لأنها من كتاب الله ، وقطعية الدلالة لأنها تأمرنا بالصلاة فمن أنكر الصلاة فهو كافر . لكن " فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى " أغلب الظن أن العبد المقصود به الإنسان بروحه ونفسه وجسده ، لكن هذه العبارة لا تعني بالضرورة أنه عرج بالجسد فمن أنكر عروجه بالجسد لا يعد كافراً ، أما هناك دليل يرقى إلى مستوى غلبة الظن أنه عرج بجسده ، والدليل غير قطعي " فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى " نحن ليس بصدد الأمثلة ، والأمثلة كثيرة جداً أما نحن في الكليات فالكليات تقول هناك عقائد لا تُلزم صاحبها بفعل ما ، مثلاً : أنا أعتقد أن الصلاة فرض وهذه عقيدة جازمة ينبغي أن ينتج عنها أن أُقيم الصلاة وأُصلي فإن لم أُصلِّ إنكاراً للعقيدة فأنا كافر إذاً لم يصلِّ منكراً فريضة الصلاة فهو كافر وإن لم يصلِّ تهاوناً فهو فاسق وهناك فرق بين من لم يصلِّ إنكاراً أو من لم يصلِّ تهاوناً ، أما إذا استنبط العلماء في قوله تعالى :

)سورة البقرة(

          فمفسرون قالوا " إن هناك (لا) محذوفة " ومعناها لا يطيقونه وهذا استنباط ليس قطعياً، وهناك من يفسر يطيقونه على الذين يطيقونه في السفر والمرض وأفطروا عليهم فدية، وهناك من يفسر على الذين لا يطيقونه هناك (لا) محذوفة  فدية إذا أفطروا ، هذا استدلال ليس قطعياً إنما هو استدلال ظني ، إذاً الذي ينكر الاستدلال الظني لا يكفر لأنه قد يأتي شيء يؤكده أو شيء ينقضه . 

          لقد رأينا أن مسالك الظنون الغالبة لا تؤدي إلى علم يقيني ومن ثمَّ فلا يصح أن تحول الظنون إلى عقائد جازمة راسخة غير قادرة للتبديل أو النسخ بل تدخل في زاوية العلوم الظنية ويُعتقد بها ويُعمل بموجبها حتى يأتي ما يعدلها أو يثبتها ، والإنسان يجب أن يعتقد بأشياء اعتقاداً جازماً ومادام يعتقد بها هكذا لأن أصلها نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، فهذا ينبغي له أن ينطلق إلى تنفيذها أما في العقائد التي يغلب الظن فيها فهو يعمل بها مالم يظن دليلاً على عكسها أو دليل ينقلها إلى مرتبة الأخبار اليقينية .

          ولقد قال العلماء " والعمل بالظن الغالب في فروع الأحكام الشرعية وارد " مثلاً الحديث الوارد بالتواتر بالنص أو المعنى يرقى إلى مستوى قطعي الثبوت قطعي الدلالة ، أما حديث الآحاد وهذا يجعل الاعتقاد به ظني الثبوت أو ظني الدلالة ، قال العلماء : " وهذا المسلك يكتفى به في إثبات فروع الأحكام الشرعية العملية " والأصول تحتاج إلى قطع في الثبوت والدلالة أما الفروع فيقبل أن نستخدم بها النصوص الشرعية ذات الظن الغالب .

          وبقي علينا طريق آخر مزيف وهو طريق الأوهام والخرافات و الخزعبلات و السحر والعوام ، وهذا الطريق فاسد فساداً قطعياً لأن الإنسان إذا تحرك بموجبه هلك ، وقد يسمع الإنسان من العوام أن هذا الزوج لا يحب زوجته لأنها قد سحرته وعوضاً من أن يستقيم على أمر الله فيغض بصره ويعاملها بالإحسان حتى تنشأ مودة بينهما يذهب إلى دجالين ليعطوه بعض المحاليل وبعض الأدوية وبعض الحجب من أجل أن تحبه  ،و هذه مسالك كلها أوهام وأباطيل ويقول لك : إن الشيطان هو الذي وسوس لي ، وهو الذي جرني إلى هذه المعصية ، فإذا كان الإنسان في كلامه بعيداً عن كلام الله يكون هو في بطل وفي ضلال دائماً وأبداً ، طابق بين كلامك وبين كلام الله عز وجل تجد أنه حصل عندنا طريق مزيف هو طريق الوساوس والخزعبلات ، والأوهام ، والشكوك ، والعادات والتقاليد البالية التي ماأنزل الله بها من سلطان ، هذه الطرق خطرة في وصولها إلى مركز الاعتقاد ، فلو أن العين رمدانة فإنهم يأتون ببول إنسان ويضعونه في عينه ، والبول مادة سامة فيها جراثيم ، أو أن يسلك إنسان ما طريقاً مضحكاً في معالجته للأمور هذا كله مبني على عقائد زائفة وأوهام وأباطيل وخزعبلات ما أنزل الله بها من سلطان ، هذا كله لا يليق بالمؤمن أن يعتقد به ، المؤمن يعتقد بما جاء في كتاب الله ، وبما جاء فيما صح عن رسول الله ، ودائماً اجعل علاقتك مع الناس هذه العلاقة التالية : الذي ينقل لك خبراً ما اسأله عن الصحة ، إن كنت ناقلاً فالصحة والذي يبتدع لك نظرية ما اسأله عن الدليل " إن كنت ناقلاً فالصحة وإن كنت مبتدعاً فالدليل " .

          قال لك يا أخي قال العالم الفلاني إن القضية الفلانية حلال ، شيء جميل ، فانظر الجاهل واسأله ، من قالها ، وفي أي مجلس قالها ، هل في كتابه أين هي ، تحقق ، أكثر الدجالون يعزون بعض المعاصي إلى فتاوى مزيفة قالها بعض العلماء والعلماء منها بريئون ، هل سمعته أنت ؟ يقول : لا ، فاسأله هل قرأت هذا في كتابه فيجيب لا ، اذهب إليه وإسأله ، " إن كنت ناقلاً فالصحة وإن كنت مبتدعاً فالدليل " .

          وإنني أرى أن الإنسان لا ينبغي له أن ينظر إلى زوجة أخيه ، هذه نظريتي قل له ماالدليل فيأتيك بآية وهذا تفسيرها ، و يأتيك بحديث صحيح ، فتعامل مع الناس بهذه الطريقة فإذا نقل لك إنسان فقل له ماصحته ، ما برهان صحة هذا النقل ، فإذا إدّعى شيئاً فقل له ماالدليل العقلي والنقلي طالبه بالدليل النقلي حديثاً أو آية وطالبه بالدليل العقلي إذا قدم لك دليلاً عقليّاً ودليلاً نقليّاً ، فالأمر انتهى .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi