English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 07 / 63 من العقيدة  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    :  الأحكام العقلية ( المستنبطة من العقل ) :

                    1- مستحيلة الوجود ، 2- جائزة الوجود ، 3- واجب الوجود .

                     الأحكام العادية : مستنبطة من التجربة .

تفريغ              :  السيد وسام عودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ محمد موسى حلوم والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          أيها الإخوة المؤمنون : هنالك موضوع عن أعظم مطالب الإنسان في الحياة ، فإنّك لو أنك سألت أيَّ رجل ، أو أي إنسان على وجه الأرض ، كائناً من كان ، مِن أي عرق ، ومن أي جنس ، ومن أي قوم ، ومن أية ملّة ، ومن أية نحلة ، ومن أي دين ، أي إنسان سألته عن هدفك في هذه الحياة لقال لك : أنْ أسعد فيها ، هذا الجواب الجامع المانع المشترك بين جميع البشر على اختلاف أنواعهم ، وألوانهم ، وأجناسهم ، ومِلَلهم ، ونِحَلهم ، فمِن أين يأتي الخطأ ؟ إذاً ما دام الهدف واحداً ، و ما دام البشر جميعاً يتجهون نحو هدف واحد ، وهو أن يُسعِدوا أنفسهم فمِن أين يأتي الخطأ ؟ لماذا في الحياة أناس يَشْقَوْن ؟ ولماذا في الحياة أناس معذَّبون ؟ ولماذا في الحياة أناس هالكون ؟ ما دام هدفهم جميعاً هو السعادة ، الجواب عن هذا السؤال : إنهم أخطؤوا في تصور الوسيلة التي تُفضي إلى هذه السعادة ، فمِن هنا جاء الخطأ ، إن الهدف واحد ، والتصور مشترك ، لكنهم أخطؤوا في اختيار الوسيلة التي توصلهم إلى هذه السعادة ، فبعض الناس رأى السعادة كلها في جمع المال .

          وكسب المال غير جمع المال ، فقد يكسب الإنسان مالاً ليحيا به ، لأنَّ المال كما قال الله عز وجل : قوام الحياة ، جعله الله لنا قياماً ، فكسبُ المال من أجل أن ينفق على نفسه وعلى عياله ، وأن يتقرب به إلى ربه ، وأن يصون به أهله عن التطلع إلى غيره ، هذا هو كسب المال، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ :

((مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِبُ عِلْمٍ وَطَالِبُ دُنْيَا)).

(أخرجه الدارمي)

 

وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : ((مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ ؛ صَاحِبُ الْعِلْمِ ، وَصَاحِبُ الدُّنْيَا ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًا لِلرَّحْمَنِ ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ : [كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى] ، قَالَ وَقَالَ الْآخَرُ [إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ] )) .

(أخرجه الدارمي)

         إذاً : قد يتوهم أو يتصور الإنسان أن سعادته في جمع المال فيسعى إلى جمعه ليلاً و نهاراً ، وسراً وعلانية ، في كل أوقاته ، و خواطره ، وهواجسه ، ومشاعره ، و طاقاته ، وجهده، و إمكاناته ، وتفكيره . وساحة نفسه ليس فيها إلا المال ، يسعى ويجمع من الأموال ما لا يحصى ، وتأتيه المتاعب ، والهموم ، والأزمات إلى أن يكتشف في وقت متأخر ، وبعد فوات الأوان أن المال شيء ، لكنه ليس كل شيء ، بل ربما كان جمع المال سبباً للشقاء في الدنيا والآخرة ، وعلى هذه الحقيقة ألف قصة وقصة تعرفونها جميعاً ؟ هذا يصاب بمرض عضال ، وهذا يصاب بأزمات  قلبية ، وآخر يصاب بهما ، وهذا يقول لك : إن الدنيا أطبقت عليّ ، وكاد قلبي ينفطر من شدة الألم  ، وله محضر ثمنه ستون مليوناً أُخذ منه ، إذاً قد يتصور الإنسان أن سعادته في جمع المال، فيسعى له ليلاً ونهاراً ، فيستهلك وقته كله ، وشبابه ، وعمره ، ويكتشف بعد فوات الأوان، وفي خريف الحياة أن المال ليس كل شيء ، بل هو شيء ، وربما كان جمعه سبباً لشقاوته وتعاسته .

          أيها الإخوة الأكارم : أنا ، واللهِ أربأ بكم عن أن يكتشف أحدكم هذه الحقيقة في وقت متأخر ، ووالله ، لو ملكت مال قارون لم يسعدك إلا أن يشاء الله أن يسعدك ، و والله ، قد تخيم على بيت سعادة لو يعلمها الأغنياء لَتَخَلَّوا عن ثرواتهم كلها ، ليكونوا في مصاف هذا الذي أسعده الله .

          إذا كان الله عز وجل وهب السعادة إنساناً فلا أحد في الكون يستطيع أن يسلبه إياها ، وقد يتوهم الإنسان أن السعادة في أن يكون له مركز مرموق ، وهذا إما أن يحصِّله بالقوة ، وإما أن يحصله بالعلم ، فيسعى لنيل أعلى الشهادات ، لا لشيء إلا لتدغدغ نفسه كلمة دكتور مثلاً ، وقد يسعى لمرتبة عالية عالية كي يشعر أنه فوق الناس ، ويتوهم أنه إذا نال هذه الشهادة العليا ، وكتبها على مدخل بيته ، ورحب الناس بها ، ونظروا إليه نظرة إكبار ، وتبجيل ، وتعظيم روّى عن نفسه في حب العظمة ، وقد يصل إلى هذه المكانة المرموقة إما عن طريق القوة ، أو عن طريق العلم ، لكنه يكتشف بعد فوات الأوان ، وفي خريف العمر أن الوجاهة زائلة ، وليست كل شيء ، وقد تكون شيئاً ، ولكنها ليست كل شيء ، بل ربما كان سعيه لهذه الوجاهة سبباً لشقاوته ، وكلمة " آه " يتلفظ بها الإنسان في خريف العمر ، وكأن نفسه تذوب فيها ، لقد عرف ، ولكن بعد فوات الأوان ، وقد يتوهم الإنسان السعادة في اقتناص الملذات من نادٍ ليلي إلى نادٍ ليلي آخر ، ومن سهرة حمراء إلى سهرة خضراء ، و من مكان إلى آخر ، ومن فندق إلى فندق ، ومن بلد إلى بلد ، أموال طائلة ، وشباب وفير ، فها هو ذا ينفق أمواله على ملذاته ، ما قولكم إن هذا الذي يسعى للذاته قد ينتحر في ربيع العمر ، ويكشف تفاهته ، الآن يكشف الإنسان إذا تبع لذته صار حقيراً ، وبذيئاً ، و تافهاً ، و هامشيّاً ، بل نوعاً من الحيوان ، وقد كشفت بعض الدول التي قطعت مراحل طويلة في التصنيع ، وفي إحلال العلم ، والآلة محل الإنسان أن أثمن ما في الحياة هو الإنسان ، وأننا من أجل أن نحقق بعض الأهداف الحضارية نضحي به ، فإذا ضحينا به ضحينا بكل شيء ، وهناك شعوب ، وأمم ، وأناس لا يعرفون شيئاً ، فهم كالآلات ، يعملون ليأكلوا في مشارق الأرض ومغاربها ، إنهم أناس ليس بينهم وبين البهائم فرق أبداً ، لا يعرفون إلا العمل المضني ، واقتناص اللذائذ كالبهائم ، والاستمتاع بالطعام والشراب ، ولا قيم ، ولا فكر ، ولا مبدأ، ولا هدف ، أموات غير أحياء :

 

(سورة الفرقان)

          وهذا الذي يسعى إلى اقتناص اللذات يكتشف بعد فوات الأوان ، وفي خريف العمر أن اقتناص اللذات ليس كل شيء ، بل هو شيء حقير ، و إنما كان اقتناصه لهذه اللذات سبباً لشقاوته في الدنيا والآخرة ، وأقول لكم كلاماً واضحاً كالشمس : ما من مخلوق على شكلٍ ضيّق ، و ما من إنسان على وجه الأرض إلا ويسعى لسعادته ، ولكن الخطأ الفاحش الكبير الفادح يتأتّى من سوء تصور الوسيلة المفضية إلى هذه السعادة ، إذا توهمتها في المال فأنت مخطئ ، إذا توهمتها في القوة ، والعز ، والسلطان فأنت مخطئ ، وإذا توهمتها في اقتناص الملذات في الفن ، وفي السياحة فأنت مخطئ ، وهذا الخطأ خطأ مصيري ، يصحح ، و لا يعدَّل ، ولا يتلافى ، إنه خطأ مدمر ، يسبب شقاوةً إلى الأبد ، أما المؤمن فليس كغيره من بني البشر ، يسعى لهذه السعادة ، ولكنه عرف الطريق الصحيح الموصل إليها ، عرفها في معرفة الله ، وفي طاعته ، وفي القرب منه ، ولذلك خط المؤمن البياني في صعود دائم أبداً ، بعد أن عرف الله فهو ينتقل مِن خير إلى خير ، ومن سعادة إلى سعادة أكبر ، ومن عقل إلى عقل ، من رفعة إلى رفعة ، ومن طمأنينة إلى أمن ، أبداً ، خطه صاعد ، ولو جاء الموت ، إذ يأتي الموت ، ويتابع خطه البياني في الصعود ، وما الموت إلا نقطة على هذا الخط ، لأنه تعرّف إلى الأبدي السرمدي ، الحي الذي لا يموت ، الذي سيكون معه إلى أبد الآبدين ، تعرّف إلى الذات الكاملة ، إلى من بيده ملكوت كل شيء ،  إلى مصدر الحق ، والخير ، والجمال ، تعرّف إلى الله ، قد كان الله ، ولم يكن معه شيء :

(سورة الرحمن)

" رجعوا وتركوك ، وفي التراب دفنوك ، ولو بقوا معك ما نفعوك ، ولم يبقَ إلا أنا ، وأنا الحي الذي لا يموت ".

         والآن من المفارقات : إن هذا المؤمن الذي سعد بربه قد يفتقر إلى المال ، وقد يكون دخله لا يكفيه إلى آخر الشهر ، ومع ذلك فهو أسعد السعداء ، وقد تكون في جسده علة مَرَضية مزمنة ، أو يكون ذا شأن يسير ، فلا أحد يعرفه ، أو تكون حياته خشنة ، ومع ذلك فهو مِن أسعد السعداء ، ما هذه المفارقة ؟ تملك المال ، و القوة ، وعز الدنيا ، وتُمضي العمر كله في اللذائذ ، وتشقى ، بينما يكون نصيبك من المال قليلاً ، وقد عرفت الله ، و يكون شأنك في الحياة متواضعاً، وتكون حياتك خشنة ، ومع ذلك تسعد ، هذا هو سر الإيمان ، إنه السر العظيم .

          "ابن أدم اطلبني تجدني ، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ، وإن فُتَّك فاتك كل شيء ، وأنا أحب إليك من كل شيء "

          لذلك : لن يتحقق مطلبكم جميعاً في الدنيا والآخرة إلا عن طريق الدين ، لن يتحقق مطلبكم الأسمى ، وهو أن تسعدوا في الدنيا والآخرة إلا عن طريق معرفة الله عز وجل ، و التقرب إليه ، وخدمة خلقه ، ومحبته ، والتضحية بكل نفس ونفيس ، وغال ورخيص ، من أجل هذا القرب ، وهذا ملخص الدين ، أي : الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الكبرى في الكون ، ولا حقيقة سواها :

 

(سورة الأنبياء)

          وأي شيء يقربك من الله فهو الحق ، وأي شيء يبعدك عن الله فهو باطل ، والباطل له معنى آخر ، فأي شيء استهلك وقتك ، ومنعك أن تكون مع الله في هذا الوقت فهو باطل ، فهذا الذي يجلس ، ويلعب النرد مع أصدقائه من أجل التسلية ، وتمضية الوقت فهذا باطل ، لأن الإنسان مخلوق لهدف ثمين ، وها أنت ذا تستهلك الوقت في هدف تافهٍ لا جدوى منه .

          أيها الإخوة الأكارم : إن أعظم مطالب الإنسان في هذه الدنيا السعادة ، والله الذي لا إله إلا هو لن تبلغوها إلا عن طريق معرفة الله : فيا رب ماذا وجد من فَقَدَك ؟ وماذا فَقَدَ مَن وجدك ، البطولة عند تلك الساعة الرهيبة التي يغادر فيها الإنسان الدنيا :

(سورة الفجر)

          ومن أجل أن يبلغ هذا المطلب لا بد من التعرّف على طبيعة تحركه في الدنيا ، وما الذي يؤثر في تحركاته ؟ فالموضوع الآن يتسم بطابع علمي نشترك فيه ، وسوف نأخذ منه بعض اللمسات ، فنحن في حياتنا اليومية عندنا بصر ، وسمع ، وذوق ، و شم ، و إحساس بالحرارة ، والبرودة ، والنعومة ، والخشونة ، والضغط بالجلد ، فسمعُنا ، وبصرُنا ، وذوقُنا ، وشمُّنا ، وجلدنا ينقل لنا أحاسيس العالم الخارجي ، والإنسان ينطوي على نفسه التي تفرح ، وتحزن ، وتغضب ، وتحب ، ونبغض ، وتخاف ، وتتألم ، وتتشوق ، وتكره ، فهناك مشاعر داخلية ، وأحاسيس خارجية ، وكلها تنتقل إلى مركز في الدماغ تستطيع أن تسميه مركز الإدراك والعلماء القدامى سموه المصورة ، أي مكان تجميع الصور ، فعندنا صور بصرية ، و شمِّية ، وسمعية ، وداخلية ، وذوقية ، فهذا المركز يتلقى صوراً خارجية وداخلية ، واسمه المصورة .

          المصورة : مركز تجميع معلومات إن صح التعبير " أرشيف " ، هذا المركز يرسل إلى مركز آخر ، وهو مركز التخيل ، فالذي اخترع الطائرة ، أو السيارة ، أو كشف الكهرباء ، أو هذه المخترعات ، استعان بمصورته ، أو بمركز الإدراك ، وألّف من هذه التي يعرفها شيئاً جديداً، فهذا هو التخيل ، فكيف يتخيل الإنسان ؟ يأخذ من معلوماته ، ومبصراته ، و مسموعاته ، و أذواقه ، وأحاسيسه ، ومشاعره الداخلية شيئاً جديداً ، وليس هذا الجديد كلياً ، لكن مواده الأولية قديمة ، و شكله جديد ، فهذه المصورة أو مركز الإدراك بالتعريف الحديث يُعَدُّ مركز التخيل بالمواد الأولية .

          فالمهندس عندما يرسم بناء يعمل في هذا الرسم عن طريق مركز المخيلة ، وما من إنسان يبدع ، فالشاعر الذي ينظم الشعر يأخذه من مركز المخيلة ، فالخيال الخلاق يسمى شعرياً ، أو فنياً ، أو علمياً ، أو فلسفياً ، فهو أنواع يعتمد على المعلومات ، والصور ، والأحاسيس التي يتلقاها الإنسان من محيطه الخارجي ، ومحيطه الداخلي ، وهذه الصور النفسية ، والحسية تخزّن أيضاً في الذاكرة ، وهناك مركز ثانٍ في الدماغ هو الذاكرة ، وقد تحدثنا في مناسبات عدة عنها ، وأنها تحتوي على مليون مليار معلومة ، فهذه المدركات ، أو هذه الصور ، أو هذه المصورة ، أو هذا الأرشيف ، بالتعبير العلمي ، هذا ينتقل إلى مركز آخر اسمه مركز البحث العلمي ، أو يسمونه التفكير .

          مثلاً : سمعت قصة ، فتفكر فيها ، هل هي صحيحة ؟ وهل عندك مقاييس ، فتقيسها ببعض هذه المقاييس ، إما بمقاييس قرآنية ، أو عقلية ، أو واقعية ، على كلٍ إذا سمعت قصة ، أو شاهدت مشهداً ، أو رأيت  ساحراً أمسك بسكين ، ووضعها في بطنه ، فهذه صور نقلت إلى مركز البحث العلمي ، فتقول مثلاً : إن نَصْلَ السكين يدخل في مقبضها ، فقد تكون حيلة ، فالتفكير عملية تحليل ، وتركيب ، وقياس ، وتمحيص ، وتدقيق ، ودراسة المقدمات والنتائج ، فمركز البحث العلمي يتناول هذه الصور ، وهذه المشاعر فيحللها ، ويركبها ، ويقيسها إلى أن يفرزها إلى أربعة أنواع : الأول الوهم : قد يسمع الإنسان قصة فيقول مثلاً : هذه خرافة ، أو خلط ، وخلال دقائق ما الذي حصل ؟ الأذن نقلت الصوت ، ومركز الإدراك أدرك معنى القصة ، ومركز الإدراك نقلها إلى مركز البحث العلمي ، ففكر فيها ، فقال لك : هذه خرافة ، فهذا المركز مركز البحث العلمي يمحص الصور والمشاعر ، ويصنفها إلى أربعة تصانيف : فأول صنف وَهْمٌ، والوهم لا أساس له من الصحة ، فهناك دواء إذا مات رجل ، وشربه يحيا ، نقول له : هذا خلط ، فالمركز العلمي يرفض هذه الفكرة ، لأن رفض هذا المبدأ ، وهناك دواء يطيل العمر فهذا غير صحيح ، فمركز البحث العلمي يصنف الأشياء تصنيفاً آخر على مستوى للشك ، إذا كان برهان الإثبات في مستوى برهان النفي فهو شيء يُحيّر ، وهذه القصة من جهة صحيحة ، ومن جهة غير صحيحة ، فهذه توضيح في تصنيف الشك ، فالشك يعاد النظر فيها إذا تخزن في الذاكرة ، ريثما يتم التحقق منها ، ولدينا قسم ينتقل إلى غلبة الظن ، إنه صحيح ، ولدينا قسم رابع خطير جداً ، إنه قسم اليقين .

          فالبحث العلمي أو مركز التفكير يصنف كل الصور ، والمشاعر ، والمشاهدات ، والمسموعات ، والمبصرات ، والقصص ، والأفكار ، وكل شيء يصنفه على أنه وهْم ، أو شك ، أو غلبة الظن ، أو اليقين ، فاليقين قطعي ، وغلبة الظن أمر قريب من القطعي ، والشك يخزّن ريثما يثبت فيه ، إذ يتساوى نقصه مع ثباته ، و الوهم يلغى ، ومركز البحث العلمي يزوّد الذاكرة بنتائج بحوثه  .

          إذاً : صار للذاكرة تتغذَّيان ؛ تغذية من المصورة مركز الإدراك ، وتغذية من مركز البحث العلمي ، ومركز البحث العلمي يصنف هذه النتائج في ثلاثة أنواع : نوع اليقين ، وغلبة الظن ، والشك ، والشك يبحثه مرة ثانية ، فإما أن يجعله مع الوهم فيرفضه ، وإما أن يجعله مع غلبة الظن فيقبله ، والآن : فمركز اليقين هذا الذي توصلت إليه ينطبق على الشرائع السماوية تماماً ، هذا هو الحق الصحيح ، هناك تطابق بين العلم ، وبين الدين الذي جاء من السماء من خالق الكون ، ينطبق مع النتائج التي توصل إليها العقل عن طريق منهجه الصحيح ، لذلك لابد من تطابق العلم والدين ، وما عُهِدَ أن في كتاب الله كله حقيقة تُناقض حقيقة علمية ، وما عُهِدَ في العلم الصحيح أن فيه شيئاً يُناقض كتاب الله ، وهنا حصل لقاء حتمي ، بأن مقياس العقل السليم تطابقه مع ما جاء في الشرع الحكيم .

          خُذ مني هذه القاعدة : " أي فكرة تقرؤها صحيحة إذا تطابقت مع آية كريمة ، وباطلة إذا تناقضت معها " ، فلو أنك قرأت مقالاً عن الربا ، وأقنعك الكاتب بأن الربا ضروري لهذا المجتمع والله عز وجل يقول :

(سورة البقرة)

          فإن هذه المقالة باطلة ، لأن العقل لا يمكن أن يصل إلى نتيجة تخالف الشرع الذي هو من عند خالق العقل ، فمستحيل ذلك ، فأنا أعطيك قماشاً ، وأقول لك : هذه تسعة أمتار ، ثم أعطيك مقياساً ، وأقول لك : قِسها بهذا المقياس ، فإذا هي ثمانية أمتار ، فأنا أعطي مقياساً ينقض كلامي ، فالله كلامه القرآن ، وهل يعقل بالمقياس الصحيح أن نصل إلى شيء مخالف لكتاب الله ، فهذا مستحيل ، والآن مركز اليقين ينقلب بعد الرضا ، والتسليم ، وبعد الطمأنينة القلبية إلى عقيدة راسخة في المسموعات ، والمبصرات ، والمشمومات ، والمشاعر الداخلية إلى مركز الإدراك ، ومن مركز الإدراك إلى الذاكرة ، وإلى المخيلة ، وإلى مركز البحث العلمي ، وإلى مركز التنسيق، أخرجنا المعلومات من موادها الأولية إلى وهم رفضناه ، وإلى شك أوقفناه ، وإلى غلبة ظن اعتقدنا بها ، وإلى يقين آمنا به ، أما الشك فلابد أن يُصنّف إما مع غلبة الظن ، أو مع الوهم ، وبقي شيئان ؛ شيء جازم يقيني ، وشيء يغلب عليه الظن ، فالجازم هو العقيدة ، والذي يغلب عليه الظن ينقلب إلى إرادة ، وهو الذي يوجه الإرادة ، والإرادة توجه السلوك ، فما الذي يوجه الإرادة ؟ الأشياء التي اعتقدت صحتها ، والإرادة  توجه ماذا ؟ السلوك ، فلماذا أطلق بصره في الحرام ؟ لأنه اعتقد خطأ أن هذا الشيء لا قيمة له ، ولماذا غضَّ فلان بصره ؟ لأن هذه الحقيقة انتقلت إلى مركز الظن ، واليقين نُقل إلى الإرادة ، والإرادة وجهت السلوك ، فإذا هو يغض بصره ، لماذا يمتنع هذا الإنسان عن أكل مال الحرام ؟ لأنه بمجمل بحثه العلمي وصل إلى أن هذا يغضب الله ، وفي غضب الله خسارة كبيرة في الدنيا والآخرة ، وهذا انتقل إلى مركز اليقين ، واليقين إلى مركز الاعتقاد ، والاعتقاد وجه الإرادة ، والإرادة  وجهت السلوك ، والآن عندنا مركز آخر يضفي على هذه المعتقدات حيوية ، ألا وهو مركز العواطف ، فالإنسان عقل ، وعاطفة ، فبالعاطفة نغذي المعلومات ، ونشحنها بطاقة انفعالية ، فالإنسان بالعاطفة يضاعف سلوكه ، فالقناعات شيء ، والعواطف شيء آخر ، ولذلك فأحياناً أنت بحاجة إلى شيئين : إلى قناعة ، وإلى انفعال ، انفعال الحب مع الله عز وجل ، وهذا يضاعف طاقتك في السير إليه ، أحيانا يقول لك : هذه السيارة فيها توربو ، في السرعات العالمية يدخل جهاز جديد يعطيها طاقة كبيرة جداً ، وكذلك الإنسان إذا وصل إلى مراتب عليا تأتي العاطفة ، وتزيد حماسه ، وتضاعف طاقاته إلى الله عز وجل ، وبعد هذا كله الآن يتحدد سلوكه ؛ كيف يكسب المال ، و يحدد علاقاته مع الآخرين ، و يحدد علاقاته الخارجية ، والداخلية ، ويحدد مسار انفعالاته ، و أغراضه .

          والآن : كل الصحة ، والسلامة ، والسعادة بعد أن مرت الأمور بهذا الطريق ، وهذا موضوع  دقيق جداً ، وربما لا يكون هذا المكان ملائماً للتعمق فيه ، ولكن أخذ القليل خير من ترك الكثير ، فأنت سعيد بقدر ما تسلك المعلومات المسار الصحيح ، رسّخ في بالك هذه الفكرة ، فهذه السيارة تستمتع بها إذا سلك البنزين مسلكاً صحيحاً من المستودع ، إلى المواسير المحكمة ، إلى جهاز الاحتراق ، حيث ينفجر في المكان المناسب ، فيحرك البستونات ، فتنقلب هذه الحركة إلى حركة دائرية تدير العجلات ، وتنقلك من مكان إلى آخر،  فتستمتع بالسيارة إذا سار البنزين في مكانه الطبيعي ، فإذا خرج البنزين عن مكانه الطبيعي ، وجاءته شرارة ، واحترق كان الدمار، والمعلومات إذا سارت وفق المنهج الصحيح ؛ من الحواس ، إلى المصورة ، إلى المخيلة، إلى الذاكرة ، إلى مركز البحث العلمي ، إلى مركز التنسيق العلمي ، إلى اليقينيات ، إلى غلبة الظن ، إلى الإرادة ، إلى السلوك ، إذًا أنت في طريق الجنة تَسَعَد و تُسعد .

          فرجائي ألاّ تسمحوا لمراكز الدماغ أن تأتيها معلومات مغلوطة ، أو أن تعطلّوا مركز البحث العلمي ، أو" مركز التفكير " ، أو أن تحلّوا عقيدة في محل اليقين ، وهي عقيدة خرافية ، فأحدهم سمع أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يدع أمته تدخل النار ، هكذا ببساطة ، وسذاجة ، فالشفاعة لها معنى قيّم ، ومعنى سامٍ ، أما على معناها الساذج ، المعنى السوقي للشفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يدع أحداً من أمته يدخل النار ، ويصر على الله عز وجل بأنه لا يدخل الجنة إلا إذا دخلت أمته معه ، فربنا عز وجل يقول له : أدخلهم ، فيدخلهم ، هيا ادخلوا ، هذه إذا اعتقد بها الإنسان اعتقادًا راسخاً ، ووضعها مكان اليقينيات فلن يعمل شيئاً أبداً ، قد أكل المال الحرام ، ونظر إلى النساء ، وقال : نحن أمة محمد المرحومة ؟ ، اللهم صلِ على سيدنا محمد ، ويصلي هذا عليه زوراً ، من أجل أن يمنِّيَ نفسه بأنه لن يدخل إلى النار ، هذه الفكرة لو أن الإنسان وضعها مكان اليقينيات ، واليقين وجّه سلوكه ، وبدأ يأكل المال الحرام ، ويتساهل في أحكام الشرع ، ولا يبالي ، اعتقاداً منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يدخل الجنة إلا ويدخله معه ، وانتهى الأمر ، إذا اعتقدت أنك ليس لك اختيار ، شقي شقي ، سعيد سعيد ، لمَ لا تصليِ ؟ فتقول : الله ما أراد لي أن أصلي ، وهي مشيئته ، فالفكرة إذا وضعها مكان اليقينيات ، وحركت سلوكه سوف يخرب بيته ، ويمشي في طريق الضلال ، مثلاً : هل يوضع في صندوق الحديد قمامة ؟ لا فهنا توضع فيه عملات ، وذهب ، وأشياء ثمينة ، وأساور ، أما أن تضع قمامة في صندوق حديد فليست هذه واردة ، وهذا مركز اليقين مركز خاص .

          فمركز اليقين بضاعته اليقينيات ، فإذا كان هناك خرافات في هذا المركز فما الذي يحصل ؟ يحدث خلل في السلوك ، فدائماً الإنسان ما دام الله عز وجل وهبه هذا الفكر ، فالله عز وجل وهبنا أثمن شيء في الكون ، وهو الفكر، وقد قرأت في كتاب أنه إذا خلق الله عز وجل الإنسان شقياً من الأزل ، وكتب عليه أن يكون شقياً ، فسيأتي إلى الدنيا فلو أطاع الله انقلب علم الله جهلاً ، إذًا يجب أن يبقى عاصياً ، هكذا شاء الله له ، ثم يموت كافراً ، ويستحق الخلود في النار ، وهذا محض العدل ، لماذا ؟ لأن الله عز وجل لا أحد يسأله ، فإذا انتفت المسؤولية فهل ينقلب الظلم عدلاً ، الله أعطاك مركز بحث علمي ، و مركز تفكير حر ، فلا تقبل قصة غير صحيحة ، قسها بمقياس القرآن .

          قرأت مقالة تزعم أن مهمة النحل الأولى ليست إنتاج العسل ، بل تلقيح الأزهار ، وإنتاج العسل شيء ثانوي ، فقبلت هذه الفكرة ، إلى أن قرأت قوله تعالى :

(سورة النحل)

          يخرج منه شراب ، أي الأصل إنتاج العسل ، والقرآن مقياس دقيق جداً ، في البيع ، والشراء ، و الزواج ، والطلاق ، وفي كل شيء ، الأصل كتاب الله ، فعندما يسمح الإنسان لمراكز عقيدته أن يدخل إليها خرافات ، وأشياء باطلة ، وأفكار غير صحيحة ، وقد يقال لك : إذا نظرت فلا إثم عليك ، لأنك متزوج ، ومحصن ، وإذا شاهدت الجمال فقل : سبحان الله ، تزدد قرباً من الله ، وإذا  تأملت في هذا الجمال ، فشيء عال ، إنها أفكار ، تسير بك في طريق الهاوية، فلذلك يجب أن يمحص الإنسان عقيدته ، والخطأ في السلوك سهل ، لأن الإصلاح سهل ، أما الخطأ في العقيدة فمدمر ، لأن صاحبه لا يفكر في إصلاح خطئه ، ويظن أنه على حق وهو على باطل ، والخطأ في السلوك سهل ، لكن في العقيدة خطر جداً ، فهذا الذي سوف نتابعه إن شاء الله في درس قادم .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi