English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

العقيدة الإسلامية – " 8| 63" : الأحكام العقلية المستنبطة من العقل ( مستحيلة الوجود – جائزة الوجود – واجب الوجود ) – الأحكام العادية المستنبطة من التجربة _ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ,  والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ,  اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ,  اللهم علمنا ما ينفعنا ,  وانفعنا بما علمتنا , وزدنا علماً ,  وأرنا الحق حقاً ,  وارزقنا اتباعه  ,  وأرنا الباطل باطلاً ,  وارزقنا اجتنابه  , واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ,  وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

 

Text Box: العبرة من الدرس الذي فات أن يصل الإنسان إلى المفهوم الصحيح المفضي إلى سعادته :

 

         الدرس الماضي كان حول المطلب الأسمى لكل إنسان ،  وبينت أن كل إنسان على وجه الأرض يبتغي السلامة والسعادة ،  فمن أين يأتي الشقاء إذاً ؟  من الخطأ في تصور الطريق المؤدي إلى السعادة .  المؤمن كغيره يبتغي السعادة لكنه أصاب الهدف ، وأصاب الطريق الصحيح إليه ،  فسعد في الدنيا والآخرة ،  وبينت أن الإنسان حينما يتلقى من العالم الخارجي هذه الصور  الحسية  ،  و البصرية ،  والسمعية  ،  والشمية ،  والذوقية ،  واللمسية ،  وحينما يتلقى من عالمه الداخلي المشاعر كالإحساس بالخوف ،  والغضب ،  والرجاء ،  والحزن ،  والانقباض ،  والانشراح ،  فهذه الصور الخارجية والداخلية تجتمع في مكان هو المصورة أو مركز الإدراك ،  ومركز الإدراك يعطي نسخة من هذه الصور إلى المخيلة ،  والإنسان حينما يبدع يحتاج إلى مواد أولية للإبداع ،  وتعطي نسخة أخرى إلى الذاكرة ،  ونسخة ثالثة إلى مركز البحث العلمي  أو مركز التفكير والمحاكمة ،  والإنسان حسب مقاييسه يحاكم ،  ويوازن ،  ويقيس ،  ويقبل ،  ويرفض ،  ويعترض ،  ويتحفظ ،  وهذه الصور الكثيرة من خلال هذا المركز تصنف إلى أربعة أصناف :

1- الوهم : وهو الشيء الباطل يلقيه جانباً .

2- الشك : تساوت أدلة تثبيته مع أدلة نقضه ،  فيوضع في مكان مؤقتاً كي يبت في أمره .

3- غلبة الظن : ما يغلب على ظنك أنه صحيح .           

4 - اليقين .

اليقين وغلبة الظن تحتلان مركزاً هاماً في العقيدة ،  والعقيدة هي التي توجه الإرادة ،  والإرادة توجه السلوك ,  هذا الذي يجري محاكمة صحيحة فيأخذ ما صح ,  ويدع ما بَطل ،  وتُقبل هذه المفاهيم إلى مركز العقيدة ،  ومركز العقيدة ينقله إلى الإرادة ،  والإرادة إلى السلوك  ,  وهكذا استقام الإنسان على أمر الله لأن عقيدته صحيحة ،  فإذا اعتقد الإنسان أن الجنة ليست بالعمل إنما بالأمل ،  و اعتقد أن الله عز وجل لن يحاسب الناس على أعمالهم ،  و اعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول بعض السذج يأخذ العصاة مهما كانت معصيتهم  فيدخلهم الجنة ،  فإذا اعتقد الإنسان هذا المعتقد وهو خطأ ،  ووضعه في مركز اليقين نتج عنه سلوك منحرف ،  إنكم تجدون ما أخطر العقيدة  ،  و من كانت عقيدته صحيحة صح عمله ،  ومن كانت عقيدته فاسدة فسد عمله ،  فالاعتقاد الصحيح هو الشيء الأول في الدين ،  ولذلك فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قال : ((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ)) .

(أخرجه الدارمي عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين)

 

وقال صلى الله عليه وسلم :  " ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا " .

 

( ورد في الأثر )

 

         لذلك كان طلب العلم فرض عين على كل مسلم ولست مخيراً فيه ،  فلا ينبغي لك أن تحضر الدرس من قَبِيل أنك اليوم لا عمل لك وبقي من وقتك فضلٌ والوقت شتاء والسهرة في المنزل أولى من هذا الدرس ،  لأنك بالعلم تعرف الله عز وجل ،  وإذا عرفت الله سعدت به .

 

 

Text Box: الأحكام العقلية :

 

Text Box: 1- جائز الوجود :

 

         واليوم درسنا في موضوع الأحكام  العقلية أقوم بتبسيط الأمر بقدر ما أستطيع لدقه الأحكام العقلية ،  العقل له أحكام خاصة ومستقل بأحكامه ،  فكيف يحكم العقل ؟  قال العلماء : " كل ما يتصور الفكر لا يخلو أن يكون واحداً من الأقسام التالية " ،  فأي شيء تتصوره ،  وأي شيء يخطُر في بالك من فكرة أو قضية  ،  فلابُدَّ أن يكون ضمن الأقسام التالية :

القسم الأول : هو ما يقبل العقل إمكان وجوده وعدمه ،  ففلانٌ موجود  وكان من الممكن أن يكون غير موجود ،  هذه الورود موجودة ،  ويمكن أن تكون غير موجودة ،  وهذا الكأس كذلك  ، والعقل يقبل ألاّ يوجد ،  هذا القسم يسمى جائز الوجود أي يجوز أن يوجد وألاّ يوجد ،  فالإنسان جائز الوجود :

(سورة الإنسان الآية : 1)

 

         جبل قاسيون جائز الوجود ،  ولو أن الله عز وجل وضعه في مكان آخر لما وُجِد ،  أو أنَّ هذا الاستواء الذي صنعه الله لم يصنعه ،  فهذا الجبل لو لم يوجد لكانت دمشق أرضاً منبسطة ،  فكل شيء تقع عليه عينك فهو من باب جائز الوجود ،  لأنَّ الله خلقه  فالذي خلقه كان من الممكن ألاّ يخلقه الأمر واضح ، وهذا القسم يُسمى جائز الوجود ،  أو ممكن الوجود عقلاً ،  لأن وجوده  أو عدمه ليس واجباً  ولا مستحيلاً وإنما جائز الوجود ،  فأنت من هذا القسم  ،  ونحن نقول دائماً : هناك نعمة الإيجاد ،  وإن الله عز وجل تفضل علينا وخلقنا ،  ولو أن مشيئة الله لم تتعلق بخلقنا لم نُخلَق ولم نكن في هذا المسجد ،  فمن هو فلان ؟   شاءت إرادة الله عز وجل أن يكون ،  وما شاء الله كان ،  وما لم يشأ لم يكن ،  كان الله  ولم يكن معه شيء ،  والذي وجد بعد ذلك وجد بمشيئته ،  فالذي وجد كان من الممكن ألاّ يوجد فهو جائز الوجود .

 

Text Box: 2- مستحيل الوجود :

 

         القسم الثاني : هو ما يوجب العقل عدمه  أيْ يستحيل أن يوجد ولو بشكل بسيط  ، فمستحيل أن يكون هذا الحرم منيراً بهذا الضوء ومعتماً في الوقت نفسه ،  فإذا قلت : هناك نور فليس هناك ظلمة ،  وإذا قلت هناك ظلمة فليس هناك نور ،  لأن النور والظلام نقيضان لا يجتمعان في مكان واحد ،  وفي زمان واحد ،  وفي جهة واحدة ،  وفي حالة واحدة ،  فإن اجتماعهما مستحيل ،  وإنَّ وجود أحدهما ينقض وجود الآخر .

         وفلان عالم جاهل هذا مستحيل ،  فالعقل يرفض هذا الزعم ،  والعالم لا يكون جاهلاً والجاهل لا يكون عالماً ،  أما عالم بعلمٍ وجاهل بعلم فهذا بحث آخر  ،  أي علم من جهة واحدة وبوقت واحد  وفي مكان واحد فالشيء لا يقبل نقيضه  ،   والعلماء فرقوا بين الشيئين المتعاكسين  والشيئين المتناقضين ،  الشيئان المتناقضان أحدهما ينقض وجود الآخر ،  والشيئان المتعاكسان كالأبيض والأسود ،  فهل من الممكن أن الأبيض والأسود لونان متعاكسان يجتمعان ؟ فالمتعاكسان يجتمعان  لكن المتناقضين لا يجتمعان ،  أحدهما ينقض وجود الآخر ,  وإلى الآن فالأمر واضح ,  هذا القسم يسمى مستحيل الوجود عقلاً  .

         فلان قال : إني كنت في حلب ،  والتقيت بصديقك فلان ،  فتقول له : مستحيل ،  لأنه كان عندي في تلك الساعة ،  فهل من الممكن أن يكون الإنسان في ليلة واحدة ،  وفي ساعة واحدة في دمشق وحلب ؟  فالعقل ضابط يضبط الأمور ،  وهذا مستحيل عقلاً .

 

Text Box: 3- واجب الوجوب :

 

         القسم الثالث : ما يوجب العقل وجوده  ولا يجيز إمكان انعدامه في أيّة حالة من الحالات التي يتصورها الذهن ،  وهذا القسم يسمى واجبَ الوجود عقلاً ،  فالقضية مُبسّطة عقلاً :  جائز الوجود ،  مستحيل الوجود ،  واجب الوجود ،  وهذه المعلومات نظرية وإليكم الأمثلة .

 

Text Box: ذكر الأمثلة على حكم العقل الجائز للوجود :

 

        1-  جائز الوجود :  نحن البشر موجودون على سطح الأرض بشكل واقعي ،  ولكن العقل يرى أنه كان من الممكن ألاّ نكون موجودين ،  فوجودنا إذاً أمر ممكن عقلاً ,  ومعنى ممكن أي : يجوز أن نوجد ،  ويجوز ألاّ نوجد ،  العقل يقبل وجودنا وعدم وجودنا ،  وسيدنا علي رضي الله عنه قال عن الله عز وجل : ((علِم ما كان ،  وعلِم ما يكون ،  وعلم ما سيكون ،  وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ؟ ))

( قول مأثور )

 

 هذا جائز الوجود ،  فلو كان لك دخل محدود ففرارُك من بيتك إلى المسجد ،  ولو أعطاك شخصٌ مبلغاً ضخماً كثيراً فلا تعرف أين تصبح ؟  ربما في الملاهي  لا تعرف  " وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ؟ " ,  لذلك قال الإمام الغزالي : ((ليس بالإمكان أبدع مما كان)) بل إن تفسير هذا القول ليس بالإمكان أبدع مما أعطاني  " إن هذا الذي أعطاك هو الله أبدع ما يكون ،  لأنه علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون  ؟ "  هذه نعمة الإيجاد ،  النار محرقة هكذا صممها الله عز وجل ولو صممها غير محرقة لكانت كذلك وهذا حكم جائز الوجود ،  واللهُ عز وجل هو الخالق وهو الذي أعطاها هذه الصفة ،  فلو شاء في لحظة ما أن يسلبها هذه الصفة لكان ذلك :

(سورة الأنبياء الآية : 69)

 

         هل القرآن فيه خرافات ؟  ليس فيه خرافات ،  لو كنت مفكراً لعلمت أن الذي أعطى النار القدرة على الإحراق هو الله عز وجل ،  والذي أعطى يسلب ،  فكما أن من الممكن أن تكون النار محرقة ،  فمن الممكن أيضاً أن تكون غير محرقة ،  فصفة الحرق في النار من نوع جائز الوجود وليس من نوع واجب الوجود .

         الأحياء الذين نشاهدهم إذا ماتوا لا يعودون إلى الحياة ،  ففي كل حياتنا ما سمعنا أنَّ إنساناً بعدما مات ودفنوه سمعوا صوتاً في القبر ،  وفتحوه فوجدوه حياً  ،  فأرجعوه إلى بيته ،  فهذا لم يحصل بعدما مات ،  فهل يرجع ؟  هذا نوع جائز الوجود ،  فالذي وهبه الحياة سلبه الحياة ،  والذي سلبه الحياة من الممكن أن يهبه الحياة مرة ثانية ،  من هنا كانت معجزة سيدنا عيسى في إحياء الموتى ،  فنظرة المؤمن لهذه الأمور يراها سهلة ،  لأن ذلك على الله يسير ،  فإن يعُد الميت حياً فهذا شيء جائز الوجود ،  وهذه القضية تطرح على الشكل التالي :  الذي وهبه الحياة سلبه إياها ، والذي سلبه إياها وهبه إياها ،  اجتاز الإنسان المسافات البعيدة في أقطار الأرض والسماء بطرفة عين وهو أمر ممكن عقلاً ،  بحسب معطيات الأرض يجب أن يكون هناك واسطة نقل كسيارة أو طائرة ،  والإنسان ركب مركبة سرعتها 40000 كم/ سا وذهب بها إلى القمر ،  والطائرات الراقية جداً سرعتها 1300كم/سا  تقريباً  , أما هذه المركبة التي ركبها الإنسان فسرعتها 40000 كم/سا  لو أن لها قدرة أن تنقل الإنسان إلى القمر  في ثانية لكان هذا ممكنًا عقلاً  ,  حينما أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس بلمح البصر هذا الشيء كان هذا ممكنًا عقلاً  بشرط وجود قوة تنقله بهذه السرعة ،  فكيف كان أجدادنا يستحيل عليهم ذلك ؟  أن ينتقل الإنسان من دمشق إلى المدينة المنورة أو إلى جدة في ساعتين فهذه قبل ألف سنة مستحيلة ،  فلما توافرت للإنسان طائرة تسير بسرعة عالية جداً صار الأمر مقبولاً ،  العلم تقدم إذاً ،  فلمّا نقل الله عز وجل بقدرته هذا النبي الكريم من مكة إلى بيت المقدس بلمح البصر ،  كان هذا شيئًا جائزًا عقلاً أي جائز الوجود ،  ما دام هناك قدرة توفِّر له هذا النقل السريع  .

         وجبل بكامله لو زحزح عن مكانه وارتفع  يبدو لكم مستحيلاً  ،  فهذا ليس مستحيلاً بل هو جائز ،  لأن الأرض في قبضة الله :

 

(سورة فاطر الآية : 41)

 

(سورة الزُمر الآية : 67)

 

الذي يحمل الأرض ومن عليها قادر أن يحمل جبلاً في السماء  ،  حتى إنك لو قلت جبل قاسيون   هل يقصد أن يزحزح عن مكانه ،  ويرتفع إلى قبة السماء هذا ممكن عقلاً ؟  لأن الذي يحمل الأرض هو الله عزّ وجل وهو على كل شيء قدير .

         انقلاب الجماد إلى حيوان ,  ممكن عقلاً  ،   هذه المادة تقودنا إلى موضوع الكيمياء  ، لأن المواد كلها مركبة مِن العناصر ،  والعناصر في الكيمياء عددها مئة وستة : هيدروجين ، أوكسجين ،  النحاس ،  القصدير ،  اليورانيوم ... الخ  ،  وجزئيات العنصر تتألف من ذرات والذرة عبارة عن نواة حولها كهارب ،   وأول مدار في كهرب واحد والثاني 2 وهذا  8 مدارات على ما أذكر ،  فالفرق بين عنصر غازي وعنصر صلب كهروب واحد ،  فإن أراد ربنا عز وجل أعطى البحر أمراً أن يكون جماداً  ،  فربنا عزّ وجل أجرى تعديلاً بسيطاً ،  وأضاف كهروباً حول النواة لانقلب البحر جماداً وليسَ على الله بكثير ،  كما قال لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام :

 

(سورة طه الآية : 69)

(سورة الأعراف الآية : 107)

 

 

(سورة طه الآية : 20-21)

 

والأمر على الله عز وجل سهل جداً إنه تعديل يسير كن فيكون ،  فإن تكن العصا أفعى والأفعى عصاً ،  وأن ينقلب البحر طريقاً يبساً أمر ممكن جائز الوجود ،  لأن الله عز وجل على كل شيء قدير ،  فجائز الوجود يقبل العقلُ وجودَه ،  ويقبل عدم وجوده كاستنباط أخير ،  وهكذا كل موجود سوى الله تعالى فوجوده ،  وصفاته ،  وكذلك انعدامه ،  وانعدام صفاته أمر ممكن عقلاً ،  وليس شيء منه في حكم العقل بواجب ولا مستحيل ،  لكن ربنا عز وجل من أجل انتظام الحياة ثبت صفات الأشياء ،  وهذا التثبيت بمشيئته ،  وفي أية لحظة يسلب الشيء صفاته ،  لذلك قال علماء التوحيد : " الأشياء لا تفعل بذاتها إنما تفعل بمشيئة الله "  فالدواء فعّال إذا شاء الله ، وليس فعالاً إذا لم يشأ ،  فالشيء الظاهري أن الإنسان يأخذ دواء فيشفى ،  والثاني يستعمل الدواء نفسه فلا يشفى ، إذاً ما القصة ؟ عندما أعطى الله هذا الدواء شفاء الداء والتسكين سمح لهذه الصفات أن تفعل فعلها وهنا لم يسمح لذلك  ,  عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصابَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)) .

 

(أخرجه مسلم في الصحيح وأحمد في المسند عن جابر)

 

 الشفاء يحتاج إلى إذن من الله ،  أيّ الدواء لا يستطيع أن يشفي إلا إذا سمح الله له أن يشفي ،  والصفات الفعالة في الدواء لا تفعل فعلها إلا إذا شاء الله سبحانه وتعالى وهذا هو التوحيد ،  فالإنسان بالتوحيد ترتاح نفسه ،  فالأشياء والأشخاص كلهم بيد الله إلى أن يشاء الله ، ماذا قال سيدنا إبراهيم ؟

(سورة الأنعام الآية : 80)

 

(سورة هود الآية : 55-56)

هذا هو التوحيد .

 

Text Box: ذكر الأمثلة على حكم العقل المستحيل الوجود :

 

         الشيء الواحد من جهة واحدة ،  وفي مكان واحد ،  وفي زمان واحد ،  وفي صفة واحدة يستحيل في حكم العقل أن يكون موجوداً ومعدوماً في الوقت نفسه ،  مثلاً : عالم جاهل لا يمكن أن يكون ،  هذا مستحيل ,  يستحيل وجوده وعدم وجوده ،  فإذا اختلف الزمن فممكن ، موجود اليوم ، غائب البارحة ،  وإذا اختلف المكان فممكن وجوده في دمشق ، غائب في حلب ,  وإذا اختلف الشخص :  فلان موجود في الشام ، وفلان في حلب موجود ،  فإذا اختلفت الجهة  أو المكان أو الزمان أمكَنَ أن يجتمع النقيضان ،  فلان عالم في الطب وجاهل في الدين هذا ممكن  ، أما في الطب شخص واحد ،  وبوقت واحد ، وبمكان واحد عالم وجاهل فهذا مستحيل ،  هذا مثال على المستحيل وجوده عقلاً ،  والجزء أصغر من الكل لأنه جزء ،  والعقل لا يقبل أن يكون الجزء أكبر من الكل ،  رجل راتبه 1000 ل . س  صرف منه أجرة البيت 5000 ل . س دفعها من راتبه  فهذا مستحيل وهذه أشياء بدهية ومستحيلة عقلاً ،  فالجزء لا يكون أكبر من الكُل

الدجال له عين عمياء ، أما أن تكون عمياء وبصيرة في وقت واحد فهذا شيء مستحيل ،  لكن قال : الأعور نصف أعمى ،  والأعور نصف بصير هذا صحيح ,  فهذه العين إما أنها عمياء أو مبصرة ،  أما عمياء مبصرة فهذا مستحيل عقلاً .

         من القواعد الفلسفية في المستحيل أنه يستحيل عقلاً اجتماع النقيضين في شيء واحد وزمان واحد لها تطبيقات مهمة جداً ،  مثلاً بالقضاء إذا كان المتهم أثبت للقاضي أنه في وقت وقوع الجريمة كان خارج القطر فيعطيه براءة ،  إذ مستحيل عقلاً أن يكون الإنسان في دمشق وفي باريس في وقت واحد  ,  ويستحيل عقلاً اجتماع النقيضين في شيء واحد ،  ويستحيل عقلاً ترجيح أحد المتساويين تساوياً تاماً على الآخر من غير مرجِّح ،  كأسان بالوزن  والشكل واللون نفسه ,  تقول : إحداهما أحسن من الأخرى فهذا مستحيل عقلاً ،  وهناك شيء مستحيل  وهو توقف وجود الشيء على وجود نفسه ،  والله لا أدخل الدار حتى آخذ منك ألف درهم  ثم تقول : والله لا آخذ منك ألف درهم حتى أكون داخل الدار فهذا مستحيل ،  فهنا علّقنا دخول الدار على أخذ الدراهم ، ثم علقنا أخذ الدراهم على كوننا داخل الدار فأصبحت القضية مستحيلة عقلاً ,  ومنه قولهم : صحيح لا تقسم ،  مقسوم لا تأكل ،  وكل حتى تشبع ،  فشيء مستحيل , وأيضاً :        

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له       إياك إياك أن تبتل بالماء

والعياذ بالله هذه عقيدة الجبر ،  خلقه شقياً ،  وقدر عليه أن يرتكب كل المعاصي ،  فارتكبها تنفيذاً لأمر الله ،  فلما ارتكبها حاسبه عليها ،  وأدخله النار خالداً مخلّداً ،  ومن كان يظن بالله ذلك فهو لا يعرف الله مطلقاً ،  ويقال لك : هذه المعصية لن تتركها إلا إذا شاء الله ،  والله عز وجل لم يشأ لك أن تتركها ،  فلماذا فعلتها ؟  هذا الشيء مستحيل عقلاً ،  لن تقلع عن المعصية إلا إذا شاء الله ، والله عز وجل لم يشأ أن تقلع عنها ،  ثم تحاسب على فعلها ؟  فهذا مستحيل عقلاً ليسَ له ذنب .

 

Text Box: ذكر الأمثلة على حكم العقل الواجب الوجود :

 

         تحدثنا عن جائز الوجود ،  وعن مستحيل الوجود ،  وبقي علينا واجب الوجود ،  وهو الله سبحانه وتعالى يعني وجوده واجب ووجوبه واحد ،  ينحصر وجوب الوجود في الخالق جل وعلا  فالعقل لا يقبل هذا الكون من دون خالق ،  فوجوده واجب وليس مستحيلاً  وليس ممكناً  بل هو واجب الوجود ،  وأوضح مثل أنت تشاهد هذه المسجلة ,  لا توجد قوة في الأرض تقنعك أنها وحدها صارت مسجلة ،  هناك مهندسون ،  وخبرات طويلة ،  وهناك بحوث يومية ،  وتحسينات  وإضافات حتى صارت على هذا الشكل ،  وكذلك السيارة لابد لها من مصنع ،  وكل شيء لابد له من خالق ،  وكل منظَّم لابد له من منظِّم .

        كان هناك مقالم خشب قديماً ،  فلو جئت بقطعة حطب ووضعتها على الطاولة ، كم سنة أو كم شهرًا أو كم قرنًا تنقلب هذه القطعة من الحطب إلى مقلمة ؟  الجواب :  لو بقيت مليار مليار سنة فإنه يبقى الحطب حطباً إلى أن تأتي يد وتصنع المقلمة ،  إذاً كل صنعة لابد لها من صانع ،  وكل منظَّم لابُد له من منظِّم ، وكل شيء لابُد له من خالق ،  اقترن النظام مع الحركة فلابد له من مسير ،  مثلاً سيارة واقفة فوراً تنتقل للمعمل ،  تصوّر أن المعمل مساحته 10000دونم  ، قسم للحديد ،  وقسم للتجميع ،  ومكان تجريب ،  وخبرات ،  ومكان بحوث ،  وخط السير ، وأعداد كبيرة جداً لقطع السيارة ولكل نوع مستودع وله تركيب دقيق ،  هذه السيارة لابُد لها من صانع ،  فقسم للعجلات ،  و قسم للأجهزة الكهربائية ،  وقسم للمحرك ،  ومكان للإدارة ،  ولكنك إذا شاهدت سيارة تسير في الطريق بحكمة ،  وتقف أمام الإشارة الحمراء ،  ومرَّ طفلٌ أمامَها ،  وقد أطلق السائق البوق عند الانعطاف فالسرعة خفت ,  و وجدت حفرة حادت عنها وأنت تنظر إليها فماذا تحكم ؟  أن في هذه السيارة سائقاً لأن حركتها بنظام  فيلزمه صانع ، والحركة والنظام يلزمهما مسيّر ،  وإن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ،  الأرض تسير على خط دقيق جداً لا تحيد عنه قيد أنملة ،  فمن الذي يمسكها أن تزول ؟ إنه الله سبحانه وتعالى  فهذه الأرض لو أنها خرجت عن مسارها من الذي يستطيع أن يعيدها إلى مسارها ؟ الله سبحانه وتعالى ، وهو القائل :

 

(سورة فاطر الآية : 41)

 

فمن يستطيع أن يمسكها مِن بعده ؟  لا أحد ،  فينحصر وجوب الوجود في الخالق جل وعلا ،  وقد قدم الدليل الفعلي على أن وجود الخالق العظيم واجب وأنه يستحيل عدمه ، لأن العقل لا يجيز بحال أن يكون العدم هو أصل الوجود ،  أي لا شيء من لا شيء ،  وكل شيء من كل شيء ،  إذ لو كان الأصل العدم لاستحال أن يتحول العدم إلى وجود بما فيه من ذوات ، وصفات ،  وقوى وهذا كله له تفصيلات كثيرة جداً نأخذها في مكانها عند الحديث عن أسماء الله الحسنى وعن أول أسمائه وهو أنه موجود .

       

Text Box: الأحكام العادية :

 

Text Box: الفرق بين حكم العادة وحكم العقل : 
 

 

         الأحكام العادية : أنت من خلال حياتك اليومية أَلِفْتَ أن النار تحرق ،  فإذا حكمتَ عن النار بأنها تحرق فهذا حكم عادي وليس حكماً عقلياً بل هو مستنبط من التجربة ،  فأحكام البشر كهذا الميت لن يعود ،  وهذه النار لابد أن تحرق هذا حكم عادي ،  وهذه الأحكام العادية مستنبطة من التجربة ،  لكن الأحكام العقلية مستنبطة من بنية العقل ,  وفي الأمور العادية نحكم على الشيء بحسب العادة لا بحسب المنطق ،  فهناك أشياء مستحيلة في حكم العادة لا في حكم العقل ،  مستحيل أن يعود الميت حياً ،  لكن لو أن النبي بإذن الله لمسَ الميت فعاد ينطق فهذا ممكن في حكم العقل ، مستحيل في حكم العادة ،  وهناك واجب في حكم العادة  وهو ضد المستحيل ،  حينما تميل هذه الكأس ينصب الماء على الطاولة هذا واجب بحكم العادة لكن ممكن ألاّ ينصب عقلاً ،  فموضوع العادة كل حياتنا اليومية أحكامها مأخوذة من العادة ,  فممكن وغير ممكن ,  وواجب ،  ومستحيل هذه بحكم العادة ،  ولكنك إذا تلوت كتاب الله وقرأت قوله تعالى :

 

(سورة آل عمران الآية : 49)

 

 ( سورة الأنبياء الآية : 69)

وقول سيدنا عمر : ((يا سارية ، الجَبلَ الجبلَ)) 

( قول مأثور )

 

هذه ممكنة عقلاً ولكنها بحكم العادة المألوفة مستحيلة ؟.

 

Text Box: الغاية من الدرس الوصول إلى هذه الأسئلة :

 

Text Box: 1- ماهو الهدف من خلق الإنسان ؟

 

         السؤال الأول :  لماذا خلقني الله عز وجل ؟  هذا أكبر سؤال ،  فعندما تذهب إلى مجلس علم ثمَّةَ تعلم لماذا أنت مخلوق ؟  أناس يقولون : إن الله خلقنا للعذاب ،  لماذا أنت موجود ؟ هل هناك إنسان يعمل عملاً تافهاً دون هدف أو غرض ،  أنا عندما أزيح الكأس فلي هدف ،  وعندما أقلب الصفحة فلي هدف ،  ومهما بدا العمل تافهاً فلابد من هدف كبير ،  وهذا الخالق العظيم هل خلَقَنا بلا هدف ؟.

 

                                                                                                               (سورة المؤمنون الآية : 115)

هذا جواب السؤال الأول .

 

Text Box: 2- ما أثمن شيء في هذه الحياة ؟ 

 

        السؤال الثاني : ما أهم شيء على وجه الأرض ؟  قال الله تعالى  :

 

(سورة الليل الآية : 1-4)

 

 فلو فرضنا شارعاً مزدحماً في الصباح الساعة الثامنة والنصف ،  وجعلت حاجزاً فيه  ،  وسألت ألف شخص : أنت إلى أين ذاهبٌ ؟  فيقول : لأشتري ،  والآخر يقول : إلى العمل  ، والآخر : لشراء الخضر ،  والآخر : إلى الطبيب ،  فما هو أثمن اتجاه في الحياة  ،  المال  أم البيوت ،  أم السياحة ،  أم المورد الضخم  ،  أم تتزوج زوجة جميلة ؟  فما الهدف ؟  وما أثمن اتجاه في الحياة ؟ .

 

Text Box: 3- ماذا بعد الموت ؟

 

         السؤال الثالث : ماذا بعد الموت ؟  فكل يوم أربعون حالة وفاة ،  وعشرات من النعي  ، فهذا الميت إلى أين يذهب ؟  بعض الدول الخليجية عندها عبارة على الجواز تُثير الفزع بالنفس وهي تأشيرة الخروج بلا عودة ،  وكذلك الإنسان عندما يموت يعطى تأشيرة خروج بلا عودة  ، فيترك البيت ،  والسيارة ,  وغرفته الخاصة ،  وأمواله ،  وأعماله فأين هو الآن ؟ إنه تحت التراب .

 

Text Box: إذا توصلت إلى معرفة هذه الأسئلة سلكت سبيل السعادة في الدنيا والآخرة :

 

         لماذا نحن هنا على الأرض ؟  وهل خُلِقنا عبثاً  ؟  لا ,  ولا سدى ولا لعباً ،  فإذا عرفت الهدف الكبير الذي خلقك الله من أجله فأنت أسعد الناس ،  وإذا عرفت ما هو أثمن شيء في الأرض .

 

( سورة الكهف الآية : 103-104)

 

  يحسب نفسه أنه أخذ الأرض ،  والآن ثمنها ثلاثة وعشرون مليوناً وضحكته كبيرة  ويحسب نفسه ذكياً ، لا  , ليسَ لكَ إلا ما أكلت ,  فالجاهل يعتبر نفسه ذكياً عندما يغش أحداً أو يربح ربحاً معيناً ،  و مهما بلغ من الحجم فهل يعني ذلك أنه قدم غرضاً جلياً ؟  فعَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ يَقُولُ : ((ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي قَالَ وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ )) .

 

(رواه مسلم في صحيحه عن مطرف عن أبيه)

 

         فبعض الناس يعملون من الفجر إلى آخر الليل ،  يذهب وأولاده نيام ،  ويعود وأولاده نيام ،  ويقول لك : العمل عبادة يُضفي عليه طابع العبادة  " وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلكن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ، ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً "

( ورد في الأثر )

 

(سورة العصر الآية : 1-3 )

 

       ثلاثة أسئلة : لماذا أنت هنا ؟  وماذا يجب أن تفعل هنا ؟  وماذا بعد هنا ؟  إذا تمكنت أن تعرف هذه الأسئلة سعدتَ في الدنيا والآخرة .

 

الحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi