English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 08 / 63 من العقيدة  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    :  تخزين العقيدة في العقل ومقارنة أي أمر بها  .

تفريغ              :  السيد وسام عودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ محمد موسى حلوم والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

          الدرس الماضي كان حول المطلب الأسمى لكل إنسان ، وبينت لكم فيه أن كل إنسان على وجه الأرض يبتغي السلامة والسعادة ، فمن أين يأتي الشقاء إذاً ؟ من الخطأ في تصور الطريق المؤدي إلى السعادة ! .

          إذاً : المؤمن كغيره ، يبتغي السعادة ، لكنه أصاب الهدف ، وأصاب الطريق الصحيح إليه ، فسعد في الدنيا والآخرة ، وبينت لكم أيضاً أن الإنسان حينما يتلقى من العالم الخارجي هذه الصور " الحسية  ، و البصرية ، والسمعية ، والشمية ، والذوقية ، واللمسية ، وحينما يتلقى من عالمه الداخلي المشاعر ، كالإحساس بالخوف ، والغضب ، والرجاء ، والحزن ، والانقباض ، والانشراح ، فهذه الصور الخارجية والداخلية ، أو هذه الصور الحسية ، والشعورية تجتمع في مكان ، هو المصورة ، أو مركز الإدراك ، ومركز الإدراك يعطي نسخة من هذه الصور إلى المخيلة ، والإنسان حينما يبدع يحتاج إلى مواد أولية للإبداع ، وتعطي نسخة أخرى إلى الذاكرة ، ونسخة ثالثة إلى مركز البحث العلمي ، أو مركز التفكير والمحاكمة ، والإنسان حسب مقاييسه يحاكم ، ويوازن ، ويقيس ، ويقبل ، ويرفض ، ويعترض ، ويتحفظ ، فهناك مركز للمحاكمة ، أو مركز للتفكير ، وهذه الصور الكثيرة من خلال هذا المركز تصنف إلى أربعة أصناف :

1- الوهم : وهو الشيء الباطل يلقيه جانباً .

2- الشك : تساوت أدلة تثبيته مع أدلة نقضه ، فيوضع في مكان مؤقتاً كي يبت في أمره .

3- وغلبة الظن : ما يغلب على ظنك أنه صحيح .            

4 - واليقين .

          اليقين وغلبة الظن تحتلان مركزاً هاماً في العقيدة ، والعقيدة هي التي توجه الإرادة ، والإرادة توجه السلوك ، إذاً هذا الذي يجري محاكمة صحيحة فيأخذ ما صح ، ويدع ما بَطل ، وتُقبل هذه المفاهيم إلى مركز العقيدة ، ومركز العقيدة ينقله إلى الإرادة ، والإرادة إلى السلوك وهكذا استقام الإنسان على أمر الله ، لأن عقيدته صحيحة ، فإذا اعتقد الإنسان أن الجنة ليست بالعمل ، إنما بالأمل ، وإذا اعتقد أن الله عز وجل لن يحاسب الناس على أعمالهم ، وإذا اعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول بعض السذج يأخذ العصاة مهما كانت معصيتهم ، فيدخلهم الجنة ، فإذا اعتقد الإنسان هذا المعتقد ، وهو خطأ ، ووضعه في مركز اليقين نتج عنه سلوك منحرف ، إذاً ترون معي ما أخطر العقيدة ، و من كانت عقيدته صحيحة صح عمله ، ومن كانت عقيدته فاسدة فسد عمله ، فالاعتقاد الصحيح هو الشيء الأول في الدين ، ولذلك فعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قال : ((إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ)) .

(أخرجه الدارمي عن هشام بن حسان)

          وقال صلى الله عليه وسلم :

 " ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا "

          ولذلك فحضور هذا المجلس مهم جداً ، والإنسان إذا صحت عقيدته صح عمله ، وسعد في الدنيا والآخرة ، ولذلك كان طلب العلم فرض عين على كل مسلم ، ولست مخيراً فيه ، فلا ينبغي لك أن تحضر الدرس من قَبِيل أنك اليوم لا عمل لك ، وبقي من وقتك فضلٌ ، والوقت شتاء ، والسهرة في المنزل أولى من هذا الدرس ، إذاً لابد من حضور مجلس العلم ، لأنك بالعلم تعرف الله عز وجل ، وإذا عرفت الله سعدت به ، واليوم درسنا في موضوع الأحكام العقلية ، والأحكام العادية .

          وسوف أقوم بتبسيط الأمر بقدر ما أستطيع ، وذلك لدقه الأحكام العقلية ، فعندنا الأحكام العادية ، أي أنت في حياتك أَلِفْتَ أن النار تحرق ، فإذا رأيت النار حكمتَ عليها بأنها لابد أن تحرق ؛ وهذا الحكم استنبطته من العادة ، ومن التجربة ، ولكن العقل له أحكام خاصة ، العقل مستقل بأحكامه ، فكيف يحكم العقل ؟.

          قال العلماء : "كل ما يتصور الفكر لا يخلو أن يكون واحداً من الأقسام التالية " ، فأي شيء تتصوره ، وأي شيء يخطُر في بالك ، وأيّة قضية ، وأيّة قصة حدثت ، وأيّة فكرة ، وأيّ طرح ، أو أي شيء تتصوره فلابُدَّ أن يكون ضمن الأقسام التالية :

          القسم الأول : هو ما يقبل العقل إمكان وجوده ، وإمكان عدمه ، ففلانٌ موجود ، وكان من الممكن أن يكون غير موجود ، فالقسم الأول هو ما يقبل العقل إمكان وجوده ، وإمكان عدمه ، وهذه الورود موجودة ، ويمكن أن تكون غير موجودة ، وهذا الكأس كذلك ، والعقل يقبل ألاّ يوجد، فلو أن الذي قدّم هذه الكأس ، لم يُقدّمها ، أو نسي أن يُقدّمها ، يوجد قسم يسمى جائز الوجود ، أي يجوز أن يوجد ، ويجوز ألاّ يوجد ، فالإنسان جائز الوجود :

(سورة الإنسان)

          الإنسان جائز الوجود ، جبل قاسيون جائز الوجود ، ولو أن الله عز وجل وضعه في مكان آخر لما وُجِد ، أو أنَّ هذا الاستواء الذي صنعه الله لم يصنعه ، فهذا الجبل لو لم يوجد لكانت دمشق أرضاً منبسطة ، فكل شيء تقع عليه عينك فهو من باب جائز الوجود ، لأنَّ الله خلقه ، فالذي خلقه كان من الممكن ألاّ يخلقه ، الأمر واضح ، فجائز الوجود هو ما يقبل العقل إمكان وجوده وعدمه  وهذا القسم يُسمى جائز الوجود ، أو ممكن الوجود عقلاً ، لأن وجوده أو عدمه ليس واجباً ، ولا مستحيلاً ، وليس واجب الوجود ، وليس مستحيل الوجود ، إذاً إنه جائز الوجود ، فأنت من هذا القسم ، ونحن نقول دائماً : هناك نعمة الإيجاد ، وإن الله عز وجل تفضل علينا وخلقنا ، ولو أن مشيئة الله لم تتعلق بخلقنا لم نُخلَق ، ولم نكن في هذا المسجد ، فمن هو فلان ؟ شاءت إرادة الله عز وجل أن يكون ، وما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، كان الله ، ولم يكن معه شيء ، والذي وجد بعد ذلك وجد بمشيئته ، فالذي وجد ، وهذا الذي وجد وكان من الممكن ألاّ يوجد فهو جائز الوجود .

          "2- القسم الثاني : هو ما يوجب العقل عدمه ، أيْ يستحيل أن يوجد ، ولو بشكل بسيط، فمستحيل أن يكون هذا الحرم منيراً بهذا الضوء ومعتماً في الوقت نفسه ، فإذا قلت : هناك نور ، فليس هناك ظلمة ، وإذا قلت هناك ظلمة ، فليس هناك نور ، لأن النور والظلام نقيضان لا يجتمعان في مكان واحد ، وفي زمان واحد ، وفي جهة واحدة ، وفي حالة واحدة ، فإن اجتماعهما مستحيل ، وإنَّ وجود أحدهما ينقض وجود الآخر .

          وفلان عالم جاهل ، هذا مستحيل ، فالعقل يرفض هذا الزعم ، والعالم لا يكون جاهلاً والجاهل لا يكون عالماً ، أما عالم بعلمٍ ، وجاهل بعلم ، فهذا بحث آخر ، أي علم من جهة واحدة، وبوقت واحد ، وفي مكان واحد ، وفي صفة واحدة ، فالشيء لا يقبل نقيضه ، والعلماء فرقوا بين الشيئين المتعاكسين ، والشيئين المتناقضين ، الشيئان المتناقضان أحدهما ينقض وجود الآخر ، والشيئان المتعاكسان كالأبيض والأسود ، فهل من الممكن أن الأبيض والأسود لونان متعاكسان يجتمعان ؟ فالمتعاكسان يجتمعان ، لكن المتناقضين لا يجتمعان ، أحدهما ينقض وجود الآخر .. وإلى الآن فالأمر واضح .

         و الشيء الثاني : ما يوجب العقل عدمه ، ولا يجيز إمكان وجوده في أية حالة من الحالات التي يتصورها الذهن ، وهذا القسم يسمى مستحيل الوجود عقلاً ، والإنسان أحياناً يقول عن أشياء : إنها مستحيلة ، مثلاً : فلان قال : إني كنت في حلب ، والتقيت بصديقك فلان ، فتقول له : مستحيل ، لأنه كان عندي في تلك الساعة ، فهل من الممكن أن يكون الإنسان في ليلة واحدة، وفي ساعة واحدة في دمشق وحلب ؟ فالعقل ضابط يضبط الأمور ، وهذا مستحيل عقلاً.

          " 3- القسم الثالث : ما يوجب العقل وجوده ، ولا يجيز إمكان انعدامه في أيّة حالة من الحالات التي يتصورها الذهن ، وهذا القسم يسمى واجبَ الوجود عقلاً ، فالقضية مُبسّطة عقلاً ، جائز الوجود ، مستحيل الوجود ، واجب الوجود ، وهذه المعلومات نظرية ، وإليكم الأمثلة .

أ- جائز الوجود : نحن البشر موجودون على سطح الأرض بشكل واقعي ، ولكن العقل يرى أنه كان من الممكن ألاّ نكون موجودين ، فوجودنا إذاً أمر ممكن عقلاً ، ومعنى ممكن ، أي : يجوز أن نوجد ، ويجوز ألاّ نوجد ، العقل يقبل وجودنا وعدم وجودنا ، وسيدنا علي رضي الله عنه قال عن الله عز وجل : ((علِم ما كان ، وعلِم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون)) ، هذا جائز الوجود ، فلو كان لك دخل محدود ، ففرارُك من بيتك إلى المسجد ، ولو أعطاك شخصٌ مبلغاً ضخماً كثيراً فلا تعرف أين تصبح ، ربما في الملاهي ، لا تعرف " وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون" .

          لذلك قال الإمام الغزالي : ((ليس بالإمكان أبدع مما كان)) ، بل إن تفسير هذا القول ليس بالإمكان أبدع مما أعطاني " إن هذا الذي أعطاك هو الله أبدع ما يكون ، لأنه علم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، هذه نعمة الإيجاد ، النار محرقة ، هكذا صممها الله عز وجل ، ولو صممها غير محرقة لكانت كذلك ، فالنار محرقة ، وهذا حكم جائز الوجود ، واللهُ عز وجل هو الخالق ، وهو الذي أعطاها هذه الصفة ، فلو شاء في لحظة ما أن يسلبها هذه الصفة لكان ذلك :

(سورة الأنبياء)

          هل القرآن فيه خرافات ؟ ليس فيه خرافات ، لو كنت مفكراً لعلمت أن الذي أعطى النار القدرة على الإحراق هو الله عز وجل ، والذي أعطى يسلب ، فكما أن من الممكن أن تكون النار محرقة ، فمن الممكن أيضاً أن تكون غير محرقة ، فصفة الحرق في النار من نوع جائز الوجود، وليس من نوع واجب الوجود .

          وهذا مثل ثانٍ : الأحياء الذين نشاهدهم إذا ماتوا لا يعودون إلى الحياة ، ففي كل حياتنا ما سمعنا أنَّ إنساناً بعدما مات ، ودفنوه سمعوا صوتاً في القبر ، وفتحوه فوجدوه حياً ، فأرجعوه إلى بيته ، فهذا لم يحصل بعدما مات ، فهل يرجع ؟ هذا نوع جائز الوجود ، فالذي وهبه الحياة سلبه الحياة ، والذي سلبه الحياة من الممكن أن يهبه الحياة مرة ثانية ، من هنا كانت معجزة سيدنا عيسى في إحياء الموتى ، فنظرة المؤمن لهذه الأمور يراها سهلة ، لأن ذلك على الله يسير ، فإن يعُد الميت حياً فهذا شيء جائز الوجود ، وهذه القضية تطرح على الشكل التالي : الذي وهبه الحياة سلبه إياها ، والذي سلبه إياها وهبه إياها ، اجتاز الإنسان المسافات البعيدة في أقطار الأرض ، والسماء بطرفة عين ، وهو أمر ممكن عقلاً ، بحسب معطيات الأرض ، فيجب أن يكون هناك واسطة نقل كسيارة أو طائرة ، والإنسان ركب مركبة سرعتها 40000 كم/ سا ، وذهب بها إلى القمر ، والطائرات الراقية جداً سرعتها 1300كم/سا ، تقريباً أما هذه المركبة التي ركبها الإنسان فسرعتها 40000 كم/سا ، ولو أن هناك قدرة أن تنقل الإنسان إلى القمر  في ثانية لكان هذا ممكنًا عقلاً .

          إذاً : حينما أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس بلمح البصر هذا الشيء كان هذا ممكنًا عقلاً ، بشرط وجود قوة تنقله بهذه السرعة ، فكيف كان أجدادنا يستحيل عليهم ذلك ، أن ينتقل الإنسان من دمشق إلى المدينة المنورة أو إلى جدة في ساعتين فهذه قبل ألف سنة مستحيلة ، فلما توافرت للإنسان طائرة تسير بسرعة عالية جداً صار الأمر مقبولاً ، فالآن هذه " تشالنجر المتحدي " التي احترقت كانت تطوف حول الأرض دورات عديدة ، وركاب هذه الطائرة يرون الأرض كما ترونها على الخارطة ، العلم تقدم إذاً ، فلمّا نقل الله عز وجل بقدرته هذا النبي الكريم من مكة إلى بيت المقدس بلمح البصر ، كان هذا شيئًا جائزًا عقلاً ، أي جائز الوجود ، ما دام هناك قدرة توفِّر له هذا النقل السريع  .

          وجبل بكامله لو زحزح عن مكانه وارتفع ، يبدو لكم مستحيلاً ، وقف بالسماء ، فهذا ليس مستحيلاً ، بل هو جائز ، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي الأرض في قبضته :

 

(سورة فاطر)

(سورة الزُمر)

          الذي يحمل الأرض ومن عليها قادر أن يحمل جبلاً في السماء ، حتى إنك لو قلت جبل قاسيون ، هل يقصد أن يزحزح عن مكانه ، ويرتفع إلى قبة السماء ، هذا ممكن عقلاً ، لأن الذي يحمل الأرض هو الله عزّ وجل ، وهو على كل شيء قدير .

          انقلاب الجماد إلى حيوان أثر ممكن عقلاً ، هذه المادة تقودنا إلى موضوع الكيمياء ، لأن المواد كلها مركبة مِن العناصر ، والعناصر في الكيمياء عددها مائة وستة : هيدروجين ، أوكسجين ، النحاس ، القصدير ، اليورانيوم - الخ 106 عناصر ، وجزئيات العنصر تتألف من ذرات ، والذرة عبارة عن نواة حولها كهارب ،  وأول مدار في كهرب واحد والثاني 2 وهذا ، 8 مدارات على ما أذكر ، فالفرق بين عنصر غازي وعنصر صلب كهروب واحد ، فإن أراد ربنا عز وجل أعطى البحر أمراً أن يكون جماداً ، فربنا عزّ وجل أجرى تعديلاً بسيطاً ، وأضاف كهروباً حول النواه لانقلب البحر جماداً ، وليسَ على الله بكثير ، كما قال لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام :

(سورة طه)

(سورة الأعراف)

(سورة طه)

          والأمر على الله عز وجل سهل جداً ، إنه تعديل يسير كن فيكون ، فإن تكن العصا أفعى، والأفعى عصاً ، وأن ينقلب البحر جماداً ، طريقاً يبساً أمر ممكن جائز الوجود ، لأن الله عز وجل على كل شيء قدير ، فجائز الوجود يقبل العقلُ وجودَه ، ويقبل عدم وجوده كاستنباط أخير ، وهكذا كل موجود سوى الله تعالى فوجوده ، وصفاته ، وكذلك انعدامه ، وانعدام صفاته أمر ممكن عقلاً ، وليس شيء منه في حكم العقل بواجب ولا مستحيل ، والشيء وجوده ووجود صفاته ، وانعدامه وانعدام صفاته ممكن عقلاً ، مثلاً : رجل اشترى بيتاً بمليوني ليرة ، وكسوته ممتازة جداً ، وظن نفسه أنه مستقر فيه هذا الحديد الصلب ، وصفاته الثابتة بيد الله عز وجل ، وفي أية لحظة يأمر الحديد أن يتخلى عن صفات القساوة فيُهدَم البيت ، فالذي يسكن في الطابق الثاني عشر ، أو الطابق الخامس فهذا البيت قائم بالله ، ولكن الله عز وجل من أجل استقرار الحياة ثبت أشياء ، وأعطاها صفات ثابتة ، أما هذه الصفات ففي أي لحظة يسلبها ، مثلاً : يسلب قسوة الحديد فينهار البناء ، ويسلب استقرار الأرض فتُهدَم الأبنية ، فوجود بيتك واستقراره بقدرة الله ، والذي يقول : قد وضعت سبعة أكياس إسمنت للسقف ، فهذا أمكن وأقوى ، فإن عِلمَ التوحيد يعتبر ذلك الكلام فيه سخف ، لأن الله عز وجل عندما يسلب الإسمنت تماسكه ، والحديد متانته ينهار البناء ، لكن ربنا عز وجل من أجل انتظام الحياة ثبت صفات الأشياء ، وهذا التثبيت بمشيئته ، وفي أية لحظة يسلب الشيء صفاته ، لذلك قال علماء التوحيد : "الأشياء لا تفعل بذاتها، إنما تفعل بمشيئة الله " ، فالدواء فعّال إذا شاء الله ، وليس فعالاً إذا لم يشأ ، فالشيء الظاهري أن الإنسان يأخذ دواء فيشفى ، والثاني يستعمل الدواء نفسه فلا يشفى ، إذاً ما القصة ؟ ، عندما أعطى الله هذا الدواء شفاء الداء والتسكين سمح لهذه الصفات أن تفعل فعلها ، وهنا لم يسمح لذلك عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصابَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)) .

(أخرجه مسلم وأحمد)

          الشفاء يحتاج إلى إذن من الله ، أيّ الدواء لا يستطيع أن يشفي إلا إذا سمح الله له أن يشفي ، والصفات الفعالة في الدواء لا تفعل فعلها إلا إذا شاء الله سبحانه وتعالى ، وهذا هو التوحيد ، ولذلك فالإنسان بالتوحيد ترتاح نفسه ، فالأشياء والأشخاص ، والخيرون ، والشريرون كلهم بيد الله ، إلى أن يشاء الله ، ماذا قال سيدنا إبراهيم :

(سورة الأنعام)

(سورة هود)

          هذا هو التوحيد ، وخلاصة لِما سبق : فالمستحيل عقلاً كل شيء موجود سوى الله عز وجل وجوده ، وصفاته ، وانعدامه ، وانعدام صفاته أمر ممكن عقلاً ، ليس واجباً ، وليس مستحيلاً .

الأمثلة على المستحيل وجوده عقلاً :

 الشيء الواحد من جهة واحدة ، وفي مكان واحد ، وفي زمان واحد ، وفي صفة واحدة يستحيل في حكم العقل أن يكون موجوداً ومعدوماً في الوقت نفسه ، مثلاً : عالم جاهل ، لا يمكن أن يكون ومظلمة منيرة ، كذلك فإما أن تكون مظلمة ، وإما أن تكون منيرة ، وموجود وغير موجود ، هذا مستحيل ، فالشيء الواحد من جهة واحدة ، وفي وقت واحد ، وفي مكان واحد ، وفي صفة واحدة يستحيل وجوده وعدم وجوده ، فإذا اختلف الزمن فممكن ، موجود اليوم ، غائب البارحة ، وإذا اختلف المكان فممكن وجوده في دمشق ، غائب في حلب ! وإذا اختلف الشخص : فلان موجود في الشام ، وفلان في حلب موجود ، فإذا اختلفت الجهة ، أو المكان ، أو الزمان ، أمكَنَ أن يجتمع النقيضان ، فلان عالم في الطب وجاهل في الدين ، هذا ممكن ، أما في الطب شخص واحد ، وبوقت واحد ، وبمكان واحد عالم وجاهل ، فهذا مستحيل ، هذا مثال على المستحيل وجوده عقلاً، والجزء أصغر من الكل ، لأنه جزء ، والعقل لا يقبل أن يكون الجزء أكبر من الكل ، رجل راتبه 1000 ل . س ، صرف منه أجرة البيت 5000 ل . س ، دفعها من راتبه ، فهذا مستحيل ، وهذه أشياء بدهية ، وهذا مستحيل عقلاً ، فالجزء لا يكون أكبر من الكُل .

          الدجال : له عين عمياء ، فهذه العين العمياء عمياء ، أما أن تكون عمياء وبصيرة في وقت واحد فهذا شيء مستحيل ، لكن قال : الأعور نصف أعمى ، والأعور نصف بصير ، وهذا صحيح ، ضع نصف أعمى صورة ، ونصف بصير مخرجًا ، فهناك قاسم مشترك بينهما ، قسم على النصف نتج معه الأعمى كالبصير ، وهذا الشيء مستحيل ، أما الأعور فنصف أعمى ، فهذه العين إما أنها عمياء أو مبصرة ، أما عمياء مبصرة ، فهذا مستحيل عقلاً ، والشاعر بشار بن برد ذهب إلى خياط ليخيط له ثوباً ، فانزعج من الخياطة ، فلا هو بالطويل ، ولا هو بالقصير ، فقال هذا الشاعر للخياط : والله لأهجونك في بيت ، لا تدري أهو مدح أم ذم ، فالخياط كان أعورَ ، فقال هذا الشاعر : خاط لي زيد قباء ليت عينيه سواء ، لا تدري  في هذا البيت هل تمنى للعينين أن تكونا مبصرتين أم عمياوين ؟.

          إذاً : من القواعد الفلسفية في المستحيل أنه يستحيل عقلاً اجتماع النقيضين في شيء واحد وزمان واحد لها تطبيقات مهمة جداً ، مثلاً بالقضاء إذا كان المتهم أثبت للقاضي أنه في وقت وقوع الجريمة كان خارج القطر مثلاً ، فيعطيه براءة ، إذ مستحيل عقلاً أن يكون الإنسان في دمشق وفي باريس في وقت واحد  ، فإذا أثبت المتهم أن وقت وقوع الجريمة كان خارج القطر ، عند موظف في بلد آخر فالمحقق اتصل بالموظف وسأله : هل كان عندك في يوم كذا وساعة كذا ؟ قال نعم ، أطلق سراحه ، إذ يستحيل عقلاً أن يكون في آن واحد في بلدين ، ويستحيل عقلاً اجتماع النقيضين في شيء واحد ، ويستحيل عقلاً ترجيح أحد المتساويين تساوياً تاماً على الآخر من غير مرجِّح ، وكأسان بالوزن ، والشكل ، واللون ، والصفاء نفسه ، تقول : إحداهما أحسن من الأخرى ، فهذا مستحيل عقلاً ، وهناك شيء مستحيل ، وهو مهم جداً ، هو مستحيل توقف وجود الشيء على وجود نفسه ، مثلاً : والله لا أدخل الدار حتى آخذ منك ألف درهم ، ثم تقول : والله لا آخذ منك ألف درهم حتى أكون داخل الدار ، فهذا مستحيل ، فهنا علّقنا دخول الدار على أخذ الدراهم ، ثم علقنا أخذ الدراهم على كوننا داخل الدار ، فأصبحت القضية مستحيلة عقلاً .

ومنه قولهم : صحيح لا تقسم ، مقسوم لا تأكل ، وكل حتى تشبع ، فشيء مستحيل .

          وأيضاً :

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له       إياك إياك أن تبتل بالماء

هذا مستحيل ، سيبتلُّ بالماء ، والعياذ بالله هذه عقيدة الجبر ، خلقه شقياً ، وقدر عليه أن يرتكب كل المعاصي ، فارتكبها تنفيذاً لأمر الله ، فلما ارتكبها حاسبه عليها ، وأدخله النار خالداً مخلّداً ، ومن كان يظن بالله ذلك فهو لا يعرف الله مطلقاً ، ويقال لك : هذه المعصية لن تتركها إلا إذا شاء الله ، والله عز وجل لم يشأ لك أن تتركها ، فلماذا فعلتها ؟ هذا الشيء مستحيل عقلاً ، لن تقلع عن المعصية إلا إذا شاء الله ، والله عز وجل لم يشأ أن تقلع عنها ، ثم تحاسب على فعلها ؟ فهذا مستحيل عقلاً ، ليسَ له ذنب .

          الشيء لا يمكن أن يوجد نفسه ما لم يكن موجوداً ، لأن الإيجاد يحتاج إلى قوة موجدة ، ولا يمكن أن يكون موجوداً حتى يوجد نفسه ، فتوقف وجود الشيء المعدوم على وجود نفسه ، وهذا مستحيل عقلاً ، وهذا الكون العظيم كيف يا أخي أوجد نفسه ؟ وإن كان في عدم فالعدم شيء سلبي ، فكيف أوجد نفسه ؟ فهل كان موجوداً سابقاً حتى أوجد نفسه ، لم يكن موجوداً سابقاً ، ولو كان موجوداً قبل أن يكون موجوداً فمعقول ، لكن كان في عدم قبله ، فكيف كان معدوماً ثم صار موجوداً ، فإذا قلت : هو أوجد نفسه ، فالموجِد موجود قبل الشيء الذي أوجده ، وهذا شيء مستحيل عقلاً .

          مثل آخر : فكلمة (ضرب) لها ستة تقاليب في اللغة : ضرب ورضب يرض ، ضبر ، ربض ، وبضر ، يستحيل عقلاً أن توجِدَ احتمالاً سابعاً ، وموضوع الوجود هذا نتناوله في الدروس القادمة إن شاء الله ، وهناك أمثلة كثيرة ، وسوف نصل إلى جوهر الموضوع .

          والآن كمقدمات : تحدثنا عن جائز الوجود ، وعن مستحيل الوجود ، وبقي علينا واجب الوجود ، وهو الله سبحانه وتعالى ، يعني وجوده واجب ، ووجوبه واحد ، ينحصر وجوب الوجود في الخالق جل وعلا ، وفي صفاته العليّا ، فالعقل لا يقبل هذا الكون من دون خالق ، فوجوده واجب ، وليس مستحيلاً ، وليس ممكناً ، بل هو واجب الوجود ، وأوضح مثل أنت تشاهد هذه المسجلة ، لا توجد قوة في الأرض أقنعتك أنها وحدها صارت مسجلة ، إذْ هناك مهندسون ، وخبرات طويلة ، وهناك بحوث يومية ، وتحسينات ، وإضافات ، حتى صارت على هذا الشكل ، وكذلك السيارة لابد لها من مصنع ، وكل شيء لابد له من خالق ، وكل منظَّم لابد له من منظِّم .

          أوضح مثل : كان هناك مقالم خشب قديماً ، فلو جئت بقطعة حطب ، ووضعتها على الطاولة ، فكم سنة ، أو كم شهرًا ، أو كم قرنًا تنقلب هذه القطعة من الحطب إلى مقلمة ؟ الجواب: لو بقيت مليار مليار سنة فإنه يبقى الحطب حطباً إلى أن تأتي يد ، وتصنع المقلمة ، إذاً كل صنعة لابد لها من صانع ، وكل منظَّم لابُد له من منظِّم ، وكل شيء لابُد له من خالق ، اقترن النظام مع الحركة ، فلابد له من مسير ، مثلاً سيارة واقفة فوراً تنتقل للمعمل ، تصوّر أن المعمل مساحته 10000دونم ، قسم للحديد ، وقسم للتجميع ، ومكان تجريب ، وخبرات ، ومكان بحوث ، وخط السير ، وأعداد كبيرة جداً لقطع السيارة ، ولكل نوع مستودع ، وله تركيب دقيق ، وهذه السيارة لابُد لها من صانع ، فقسم للعجلات ، و قسم للأجهزة الكهربائية ، وقسم للمحرك ، ومكان للإدارة، ولكنك إذا شاهدت سيارة تسير في الطريق بحكمة ، وتقف أمام الإشارة الحمراء ، ومرَّ طفلٌ أمامَها ، وقد أطلق السائق البوق ، عند الانعطاف فالسرعة خفت ، وجدت حفرة حادت عنها ، وأنت تنظر إليها فماذا تحكم ؟ أن في هذه السيارة سائقاً ، لأن حركتها بنظام فقط ، فيلزمه صانع، والحركة والنظام يلزمهما مسيّر ، وإن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ، الأرض تسير على خط دقيق جداً ، لا تحيد عنه قيد أنملة ، فمن الذي يمسكها أن تزول ؟ إنه الله سبحانه وتعالى، فالقطار الذي يخرج عن سكته ، ويوجد قطارات ضخمة جداً ، تحتاج إلى رافعات ضخمة جداً كي تعيدها إلى السكة ، فهذه الأرض لو أنها خرجت عن مسارها من الذي يستطيع أن يعيدها إلى مسارها ؟ الله سبحانه وتعالى ، وهو القائل :

 

(سورة فاطر)

          فمن يستطيع أن يمسكها مِن بعده ؟ لا أحد ، فينحصر وجوب الوجود في الخالق جل وعلا ، وفي صفاته العليا ، وقد قدم الدليل الفعلي على أن وجود الخالق العظيم واجب ، وأنه يستحيل عدمه ، لأن العقل لا يجيز بحال أن يكون العدم هو أصل الوجود ، أي لا شيء من لا شيء ، وكل شيء من كل شيء ، إذ لو كان الأصل العدم لاستحال أن يتحول العدم إلى وجود ، بما فيه من ذوات ، وصفات ، وقوى ، وهذا كله له تفصيلات كثيرة جداً ، نأخذها في مكانها عند الحديث عن أسماء الله الحسنى ، وعن أول أسمائه ، وهو أنه موجود .

          هذا كله عن الأحكام العقلية : جائز الوجود ، ومستحيل الوجود ، وواجب الوجود ، فواجب الوجود ، الله سبحانه وتعالى ، والكون كله جائز الوجود ، وهناك قواعد مستحيلة الوجود ، كأن يكون الجزء أكبر من الكل ، والشيء نقيضه بالشيء وعدمه تحدثنا عنه .

          والآن الأحكام العادية : أنت من خلال حياتك اليومية أَلِفْتَ أن النار تحرق ، فإذا حكمتَ عن النار بأنها تحرق فهذا حكم عادي ، وليس حكماً عقلياً ، بل هو مستنبط من التجربة ، فأحكام البشر كهذا الميت لن يعود ، وهذا البحر لن ينقلب إلى يبس ، وهذه النار لابد أن تحرق ، هذا حكم عادي ، وهذه الأحكام العادية مستنبطة من التجربة ، لكن الأحكام العقلية مستنبطة من بنية العقل .

          وفي الأمور العادية نحكم على الشيء بحسب العادة ، لا بحسب المنطق ، فهناك أشياء مستحيلة ، مستحيلة في حكم العادة ، لا في حكم العقل ، مستحيل أن يعود الميت حياً ، لكن لو أن النبي بإذن الله لمسَ الميت ، فعاد ينطق ، فهذا ممكن في حكم العقل ، مستحيل في حكم العادة ، وهناك واجب في حكم العادة  وهو ضد المستحيل ، حينما تميل هذه الكأس ينصب الماء على الطاولة ، هذا واجب بحكم العادة ، لكن ممكن ألاّ ينصب عقلاً ، فموضوع العادة كل حياتنا اليومية أحكامها مأخوذة من العادة ، فممكن ، وغير ممكن ، وواجب ، ومستحيل ، هذه بحكم العادة ، ولكنك إذا تلوت كتاب الله ، وقرأت قوله تعالى :

 

(سورة آل عمران)

          " قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ " ، " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا "، وقول سيدنا عمر : ((يا سارية ، الجَبلَ الجبلَ))  ، هذه ممكنة عقلاً ، ولكنها بحكم العادة المألوفة مستحيلة ؟! وإن شاء الله سننتقل في درس آخر إلى أن في حياةِ كلٍّ منا أسئلة كبرى ملحة جداً ، والإنسان حيال هذه الأسئلة إما أن يستغني عن الإجابة ، فيعيش حائراً ، ضائعاً ، متردداً ، قلقاً ، وإما أن يبقى حائراً في الإجابة عنها فتشغله ، وإما أن يعرف الجواب فيسعد في حياته وآخرته .

          سؤال : لماذا خلقني الله عز وجل ؟ هذا أكبر سؤال ، فعندما تذهب إلى مجلس علم ثمَّةَ تعلم لماذا أنت مخلوق ، أناس يقولون : إن الله خلقنا للعذاب ، ويقول : سبحان الله ، هل هذا هدف إلهي ، ويقول : لا أحد مرتاح ، هذا السؤال المهم ، لماذا أنت موجود ؟ هل هناك إنسان يعمل عملاً تافهاً دون هدف أو غرض ، أنا عندما أزيح الكأس فلي هدف ، وعندما أقلب الصفحة فلي هدف ، ومهما بدا العمل تافهاً فلابد من هدف كبير ، وهذا الخالق العظيم هل خلَقَنا بلا هدف ؟.

(سورة المؤمنون)

          " أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى " ، " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ "،  هذا جواب السؤال الأول .

          السؤال الثاني : ما أهم شيء على وجه الأرض ؟ قال الله تعالى  :

 

(سورة الليل)

          فلو فرضنا شارعاً مزدحماً في الصباح ، الساعة الثامنة والنصف ، وجعلت حاجزاً فيه ، وسألت ألف شخص : أنت إلى أين ذاهبٌ ؟ فيقول : لأشتري ، والآخر يقول : إلى العمل ، والآخر : لشراء الخضر ، والآخر : إلى الطبيب ، فما هو أثمن اتجاه في الحياة ، المال ، أم البيوت ، أم السياحة ، أم المورد الضخم ، أم تتزوج زوجة جميلة ؟ فما الهدف ؟ وما أثمن اتجاه في الحياة .

          سؤال ثالث : ماذا بعد الموت ؟ فكل يوم أربعون حالة وفاة ، وعشرات من النعي ، والباقي دراويش ، فهذا الميت إلى أين يذهب ؟ بعض الدول الخليجية عندها عبارة على الجواز تُثير الفزع بالنفس ، وهي تأشيرة الخروج بلا عودة ، وكذلك الإنسان عندما يموت يعطى تأشيرة خروج بلا عودة ، فيترك البيت ، والسيارة وغرفته الخاصة ، وأمواله ، وأعماله ، وكل أشيائه ، فأين هو الآن ؟ إنه تحت التراب ، أُعطي تأشيرة خروج بلا عودة ، فالأسئلة ثلاثة :

          لماذا نحن هنا على الأرض ، وهل خُلِقنا عبثاً ؟ لا، ولا سدى ، ولا لعباً ، فإذا عرفت الهدف الكبير الذي خلقك الله من أجله فأنت أسعد الناس ، أولاً ، وإذا عرفت ما هو أثمن شيء في الأرض " قـُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا " ، يحسب نفسه أنه أخذ الأرض ، والآن ثمنها ثلاثة وعشرون مليوناً ، وضحكته كبيرة ، ويحسب نفسه ذكياً ، لا ليسَ لكَ إلا ما أكلت ، صحن الفاصولياء ، ونصف تفاحة ، وإذا كان لديك ألف ألف متعة من صحتك فليسَ لكَ إلا ما أكلت ، فالجاهل يعتبر نفسه ذكياً عندما يغش أحداً ، أو يربح ربحاً معيناً ، مهما بلغ من الحجم فهل يعني ذلك أنه قدم غرضاً جلياً ؟ فعَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ يَقُولُ : ((ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي قَالَ وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ )).

(رواه مسلم)

          فبعض الناس يعملون من الفجر إلى آخر الليل ، يذهب وأولاده نيام ، ويعود وأولاده نيام، ويقول لك : العمل عبادة ، يُضفي عليه طابع العبادة ، " وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلكن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ، ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً "

(سورة العصر)

          إذا استطعت أن تعرف لماذا أنت موجود ، وما هو أثمن شيء في حياتك ، وماذا بعد الموت ، ترى أن مشاكلك كلها انتهت ، ثلاثة أسئلة : لماذا أنت هنا ؟ وماذا يجب أن تفعل هنا ؟ وماذا بعد هنا ؟ إذا تمكنت أن تعرف هذه الأسئلة سعدتَ في الدنيا والآخرة .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi