English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 09 / 63 من العقيدة  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    :  مسالك العقيدة .

تفريغ              :  السيد وسام عودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ محمد موسى حلوم والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

          وصلنا في موضوع العقائد إلى أن هناك أسئلة ثلاثة لوتمكن الإنسان من الإجابة عنها إجابة صحيحة لحل لنا كل مشاكله ولسعد في الدنيا والآخرة .

   * السؤال الأول : لماذا خلقنا الله عز وجل ؟ هذا أكبر سؤال لأنه ما من إنسان عاقل على وجه الأرض يعمل عملاً من دون هدف ، فما هو الهدف الكبير الذي خلقنا الله من أجله ، إذا أرسلك أبوك إلى بلد أجنبي من أجل أن تدرس ، وإذا عرفت الهدف من إرساله إليك والتفت إلى الدراسة حققت الهدف من هذه البعثة فرضيت وأرضيت  وإذا أرسلك أبوك إلى بلد أجنبي من أجل الدراسة فظننت أنه أرسلك من أجل اللهو ، فقد شقيت وأشقيت ، ومعرفة الهدف الكبير من خلق الإنسان شيء مهم جداً ، لأن الناس يسعون في متاهات ويمشون في طرق مسدودة ، فما الطرق المسدودة ؟ أي طريق ينتهي بالموت ، طريق المال ، و الشهرة والعلو في الأرض وطريق الشهوات كلها تنتهي بالموت ، إذاً هذه الطرق المختلفة المتعددة التي يمشي فيها الناس كلها تنتهي بالموت ، وهذه الطرق كلها مسدودة : عش ماشئت فإنك ميت ، وأحبب من شئت فإنك مفارقه ، واعمل ماشئت فإنك مجزي به .

   * السؤال الثاني : أما وقد خلقنا على وجه هذه الأرض ، فما أثمن شيء فيها ؟ هذا السؤال له علاقة بالسؤال الأول ، إذا عرفت الهدف الذي خلقت من أجله ، تعرف ما أثمن شيء على وجه الأرض ، أي سؤالين لسؤال واحد ، وإذا عرفت لأي شيء خلقت ، وما أثمن شيء تفعله في الدنيا لاشك أنك تعرف إلى أين المصير ، هذه الأسئلة الثلاثة التي طرحتها في الدرس الماضي أحاول وبالله التوفيق توضيحها .

          الله سبحانه وتعالى الذات الكاملة ، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم كان الله ولم يكن معه شيء . هذه " كان " تامة وليست ناقصة فهي لا تعني بأنه كان في الماضي بل إنه وُجِدَ ولا يزال ، اتق الله حيثما كنت بمعنى حيثما وجدت كان الله ولم يكن معه شيء ، والكون كله حادث وبمشيئة الله سبحانه وتعالى اقتضى خلق الكون فلماذا خلق الله هذا الكون ؟ لو لم تعرف لماذا خلق الله هذا الكون ، لو تأملت في ملكوت السماوات والأرض لعرفت لهذا الكون إلهاً عظيماً ، ابحث أنت عن هدف يليق بجلال الله عز وجل حينما يبنى بناء ضخم جداً أتظن أنه أُنشئ لِهدف سخيف ،إنه مزوّد بكل وسائل الراحة فلا يعقل أن يكون قد أنشئ لهدف سخيف لو لم تعرف ما الهدف ؟ فالكون ينبئك أن وراء خلقه هدفاً عظيماً ، والشيء الأساسي أن الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ، ولا يرى بالحواس ولكن كل هذا الكون ، مجراته التي يقدرها العلماء الآن بمليون مليون وكل مجرة يقدر العلماء أن فيها مليون مليون نجم على حد تقريبي .

          وأن من النجوم ما يزيد عن حجم شمسنا بملايين المرات ، وأن نجم قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما ، وأن مجرتنا التي نحن فيها يزيد طولها عن 150 ألف سنة ضوئية ، وأن بيننا وبين القمر ثانية ضوئية واحدة ، يعني هذا الكون يجسّد قدرة الله ، وعلمه ، يوخبرته وغناه عز وجل ، هذا الكون دليل على وجود خالق عظيم له أسماء حسنى فما قولك في هدف يليق بجلال الله عز وجل هل خلقنا ليعذبنا ؟ أمحتاج هو أن يعذبنا ؟ إذا عذبنا ماذا   يستفيد ؟ حديث :

"عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فلا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ "

          فهل يليق به أن يخلقنا ليعذبنا ؟ وهل يليق به أن يخلقنا عبثاً بلا هدف ؟ أيفعلها إنسان عاقل ؟ هل يليق به أن يخلق سماوات وأرضين ، ومجرات وكواكب ، وشمساً ، وقمراً ، ونجوماً ، وليلاً ونهاراً ، ثم تكون حياتنا قصيرة لا تزيد عن ستين سنة نصفها في الإعداد لها إلى أن يستطيع الإنسان الزواج والسكنى في بيت مستقل وتأمين حاجاته ، وتأمين دخل معقول، في الثلاثينات ، أو في الأربعينات ، الآن أصبح في الخامسة والخمسين فحصل له أزمة قلبية ، أيعقل أن يكون كل هذا الكون لأجل سنوات معدودة أيقبله عاقل ، لماذا خلقنا الله عز وجل ؟ لابد من هدف يتناسب مع كماله ، ولابد من هدف يتناسب مع جلاله ، ولابد من هدف يتناسب مع قوته هو القوي ، ولذلك فربنا عز وجل أجاب عن هذا السؤال في آيتين واضحتين وفي آيات كثيرة ، قبل أن يجيب نفى يتهمه به بعض الناس قال :

 

     

)سورة المؤمنون(

          مستحيل خالق عظيم ، أي دولة تبني بناء يكلفها ثلاثة عشر ملياراً ويستغرق البناء عشرين سنة وبالأخير تأتي الأجهزة الحديثة فتهدمه وتخربه بلا سبب لماذا بنيتم هذا البناء ؟  لا لشيء ، أتفعلها دولة على وجه الأرض ؟ بناء ضخم يكلفها مئات الملايين مجهز بأحدث الأشياء من تدفئة وتبريد وتكييف وأثاث وبعد أن ينتهي يدمر لماذا ؟ " أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ " .

          نفى الله أيضاً ما يتوهمه بعض الناس من أن الله عز وجل خلق الكون وهو يلعب :

 

            

             (سورة الأنبياء)

 

(سورة ص)

          هذا ظن الكفار وحدهم ، أيعقل أن يخلق الإنسان ولا يسأل عن أعماله ؟ فالضعيف ضعيف ، والقوي قوي ، والغني غني ، والصحيح صحيح ، والمريض مريض وهكذا ..... ، هذا عمّر خمساً وثمانين سنة ، وثانٍ عاش ثماني عشرة سنة ، وثالث بقي ثلاثين سنة ، وآخر مات بحادث ولم يتزوج ولم يسكن في بيت ولم يهنأ بحياته ولم ير شيئاً ، والآخر أكل وشرب وعاش سنوات طويلة وتمتع بالصحة والطعام وتزوج ، فلماذا هذا يولد ابن غني وكل شيء متوفر لديه ؟ وهذا لايحصل قوت يومه ؟ لو لم يكن هناك دار آخرة  وسؤال كبير ؟ هناك قوي ، و ضعيف ، و صحيح ، " في الحياة " قال تعالى :

   

        (سورة القيامة)

          خلقه غنياً ولايسأله عن هذا المال كيف جمعه وكيف أنفقه وخلقه فقيراً ولا يسأله لِمَ لم يصبر، ولِمَ لم يعرف " أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ  سُدًى " وربنا عز وجل نفى أن يخلق السموات والأرض إلا بالحق ، وأن يخلقها عبثاً ، وأن يكون بخلقها لاعباً ، وأن يخلقها سدىً ، و أن يهمل الإنسان ، هذا كله نفاه الله عز وجل وأثبت قوله تعالى :

 

       

         (سورة الذاريات)

          إذاً : الهدف هو العبادة فلو عرفنا معنى العبادة  ، العبادة أن تعرفه فتطيعه فتسعد بقربه إنها ذات ثلاثة حدود الله عز وجل قال : العبادة هي الهدف من خلق الكون أو من خلق الإنسان والجن ، والعبادة أن تعرفه و تطيعه ، وتسعد بقربه ، وآية أوضح من هذه الآية :

 

(سورة هود)

          إذاً : فالإنسان مخلوق للسعادة ، ولاتظنو ذلك كلاماً بل هذه حقائق ، إذا عرفت أنك خلقت من أجل أن يسعدك الله عز وجل ، شعرت بالراحة  ، والروح ، والتفاؤل ، و بأنك مكرم ، وأن الله عز وجل ، تفضل عليك بإيجادك ، وأن هناك نعمة هي نعمة الإيجاد ، وقد يقول قائل : الناس كلهم معذبون ، فهناك مجاعات ، وزلازل ، وفيضانات و شح ، وقح وقهر و حروب ، و براكين ، وصواعق ، والإجابة عن هذا السؤال : يا أستاذ تقول إن الله خلقنا لنسعد ونعبده ، ونعرفه ، ونطيعه ، ونسعد بقربه ، فهذا كلام جيد ومقبول يتناسب مع جلال الله ، هناك سؤال آخر : مابال الناس أشقياء ؟ أي على مستوى المادة الفقراء والمعذبون هم الأكثرون ، فالجواب أن السيارة لماذا صنعت ؟ من أجل أن تسير فما بال الشركة الصانعة قد زودتها بالمكابح أليست هذه تتناقض مع حركتها ؟ الجواب : إن \استعمال المكابح ضروري لسلامتها ، صنعت لتسير والمكبح يوقفها ولكنه يوقفها في الوقت المناسب من أجل أن لا تدمر صاحبها ، فكما أن الله سبحانه وتعالى خلقنا ليسعدنا من أجل هذه السعادة بالذات خلق الله عز وجل المصائب ،  لمهمة ثانية تاه الإنسان عنها ، وضلَّ ، و تلهى بالدنيا فتأتي المصائب لتذكره بالمهمة الكبرى التي خلق من أجلها ، إذاً هذا ملخص كل مصيبة تقع على وجه الأرض :

 

(سورة التوبة)

          إما أن تنفروا وإما أن تعذبوا ، وأنت إما أن تحقق الهدف الذي خُلقت من أجله وإما أن يضّيق الله عليك حباً بك ، إذاً يجب أن نتيقن يقيناً قطعياً لاشك فيه أن نعمة الإيجاد نعمة كبرى، لأنه أوجدك كي يسعدك ، ولكن يأتي سؤال آخر أهي السعادة في الدنيا ؟ الجواب : نعم ولا.

          الآن ندخل في موضوع ثانٍ : ربنا عز وجل خلق الخلائق كلها دفعة واحدة ، ما من شيء تقع عليه عينك إلا وقد خلقه الله عز وجل ، مع غيره في وقت واحد سماه العلماء عالم الأزل ، والله سبحانه وتعالى في هذا العالم عرض عليهم عطاءً غير محدود ولكن هذا العطاء غير المحدود الذي لا نهاية له والأبدي السرمدي الذي لا يوصف له ثمن ، يعني إما أن تقبل منصباً ليس له دخل محدود يعطى هذا المنصب صاحبه ، كالقضاة في بريطانيا شيكاً مفتوحاً أي رقم تكتبه تقبضه مهما كبر هذا الرقم تأخذه ، ولكن هذا المنصب الرفيع يحتاج إلى دراسة طويلة ، وإما أن ترضَى بقوت يومك من دون أن تكون مسؤولاً أو مكرماً ، أي هناك عرضان : عرضٍ مغرٍ جداً لكن يحتاج إلى جهد ومسؤولية ، فالطيار يقبض راتباً ضخماً جداً ولكن مقابل هذا الراتب الضخم جداً هو في الجو مسؤول وأية غلطة يرتكبها يموت هو والركاب معاً ، لكن هناك أعمال في الأرض راتبها محدود لأن صاحبها ليس مسؤولاً كمسؤولية الطيار ولا يقع في خطر لو سها كما يقع الطيار فربنا عز وجل عرض على الخلائق كلها عرضاً مغرياً :

 

)سورة الأحزاب)

          لقد جرى العرض على الخلائق ، خَيَّرَها الله عز وجل بين أن تكون مخلوقات تسعد بالله سعادة محدودة ، لماذا هي محدودة ؟ مثل آخر : لو فرضنا أن أحدهم أبوه غني و هذا الأب يمكنه أن يطعم ابنه أطيب الأكل ويسكنه بقصر ، ويزوجه أجمل امرأة ، و أن يهيئ له طائرة خاصة ، وسيارة خاصة ، ويختاً في البحر خاصاً ، وينتهي هنا عطاء الأب ، لكن متعة العلم هذه تعطى أم تؤخذ ؟ هذه تؤخذ ، فلو أن ابن رجل مليونير طلب منه أبوه أن يجعله رئيساً لجامعة راقية يقول له هذه لا : هذه موهبة إنها متعة العلم فلابد أن تحصلها أنت ، ولذلك فربنا عز وجل يعطي عطاءً يتناسب مع طاقة احتمال هذا المعطى ،  مثلاً أنت عندك عشرة إنش ماء وعندك نبتة صغيرة فلوأنك صببت هذا الماء عليها لسحقتها ولكن حينما تكبر وتقوى هذه النبتة تأخذ ماءاً كما تشاء .

          أردت من هذا الكلام أن أوضح لكم أن الله سبحانه وتعالى عرض على الخلائق في علم الأزل عرضاً مغرياً جداً ، عرض أن يسعدوا سعادة أبدية سرمدية ليس له حدود مقابل أن يأتوا إلى الدنيا ، وفي الدنيا يجب أن يبذلوا من أجل أن يعطيهم عطاءً غير محدود ، لابد من أن يأتي هذا المخلوق إلى مكان وهذا المخلوق مزوّد بشهوات يزوده الله بشهوة المال ، و العلو، و الجنس ، هذه الشهوات يزود الله عز وجل هذا المخلوق بها ويأمره أن ينفذ منها ما يتوافق مع شرع الله عز وجل :

 

)سورة الليل)

)سورة النازعات)

          أولاً : من مستلزمات الأمانة أن يكون هذا المخلوق مزوّداً بشهوات ، وأن يكون هناك كون يجسد أسماء الله الحسنى  ، وأن يكون هناك فكر يستطيع أن يستدل على الله  عز وجل من خلال  الكون ،و أن يكون الإنسان حراً في اختيار ما يريد ، فحرية الاختيار مع الفكر ، والكون و الشهوات أربع عوامل تجعل من هذا الإنسان أكرم مخلوق على وجه الأرض ، فكر موجود وشهوات قال الله تعالى :

 

)سورة آل عمران)

           ماالذي يحدث ؟ الله عز وجل تسعد به إذا أقبلت عليه ، ولن تستطيع أن تقبل عليه إلا إذا كان لك ثقة أنه راضٍ عنك ، وكيف يرضَى عنك ؟ إذا آثرت جانبه في كل شيء ،أعطاك شهوة النساء فغضضت بصرك عن امرأة لا تحل لك وارتقيت إلى الله عزّ وجل ، وإذا تزوجت امرأة وفق ما شرع لك ارتقيت إلى الله عز وجل ، وزودك بحب المال فإذا كسبته بطريق مشروع ارتقيت إلى الله عز وجل ، وإذا تركت المال الحرام ارتقيت إلى الله عز وجل، فلولا هذه الشهوات لن تستطيع أن تقبل على الله أبداً بترك ما حرّم الله عليك وأخذ ما أحل لك بالترك والأخذ ترقى .

          إذاً : أنت في دنيا هدفها الأكبر والأول أن تعمل أعمالاً تستطيع أن تقبل بها على الله إلى الأبد في الجنة ، أي إذا آثرت جنب الله عزَّ وجل كان لك عمل تلقى الله به ، وإذا استقمت في بيعك وشرائك ، ونصحت المسلمين ، وكنت محسناً ، وورعاً ، وآثرت ما يبقى على ما يفنى ، وإن كان لك عمل صالح بما في هذه الكلمة من معانِ أي استقامة وعمل طيب في خدمة الناس ، وهذا العمل الذي تفعله باختيارك وبمحض ارادتك من دون إجبار أو إغراء أو إكراه ، هذا العمل الصالح يؤهلك أن تُقبل على الله في الجنة إلى الأبد ، مثلاً هل يستطيع أن يدخل مجند على أعلى رتبة في الجيش بدون إذن هذا شيء مستحيل ، ويلزمه فترة شهر حتى يصل له من الرقيب إلى المساعد إلى النقيب إلى وهكذا ..... ولكن إذا كان هذا اللواء الشهير له ابن يسبح وأشرف على الغرق وهذا المجند ألقى بنفسه في هذه البحيرة وأنقذه وخاطر بحياته من أجل ابن هذا الضابط وعرف اللواء الأب ما فعل هذا المجند مع ابنه ألا يستطيع هذا المجند أن يدخل على هذا الضابط متى شاء ومن دون إذن ولله المثل الأعلى .

          إن الله عز وجل غني عنّا ولكن بعثنا إلى الدنيا وأعطانا المال وقال هل تستطيع أن تنفق المال من أجلي ، وسأزودك بشهوات هل تستطيع أن تغض بصرك من أجلي ، وهل تختار هذه المرأة الصالحة ذات الجمال المتوسط على امرأة جميلة جداً ولكنها فاسقة أيهما تختار ؟ وهل تختار هذا الدخل المشروع على دخل كبير من طريق غير مشروع .

          أريد وأتمنى أن أوضح لكم سر الحياة ، الله جاء بك إلى الدنيا وزودك بالشهوات وقال أقرضني من مالك ، وساعد أخاك ، واضبط شهواتك  من أجلي ، وابذل في سبيلي ، إذا فعلت واستقمت دمت وكنت ورعاً تحس أنه راضٍ عنك ، بهذا الإحساس تقبل عليه ، فإذا أقبلت عليه سعدت إلى الأبد في قربه ، هذا هو الهدف من مجيئك إلى الدنيا ، فكيف تسعد به ؟ ، بإقبالك عليه :

)سورة الكهف)

          إذا طرقت باب شخص مهم ومعك هديه ، فالهديه شفيع لك ،و إن الله سبحانه خلقنا ليسعدنا ، وجاء بنا إلى الدنيا كي نتأهل لهذه السعادة ، إذاً ما الأهلية فيها ؟ أن تبذل مما أعطاك الله ، لذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول : " اللهم إنّا نسألك موجبات رحمتك " . والله لا أتمكن من توضيح أكثر مما وضحت ، فنحن في حياتنا فرصة لسعادة أبدية هذه الفرصة نملكها ويكفي أن نغض بصرنا  ، و أن ننفق من مالنا ، وأن تمضي وقتنا في طاعة الله ، فهذه الجلسة تعرض عليكم يوم القيامة شريطاً مسجلاً .

          وأنت في هذا اليوم أصدقاؤك ذهبوا إلى دور السينما للهو وأمضوا وقتهم في اللعب بالنرد وفي المزاح الرخيص وفي الحديث عن النساء أمضوه يتابعون مسلسلاً رخيصاً وأنت حضرت إلى المسجد كي تعرف الله عز وجل هذا الذي يرقى بك ، أنت في الدنيا من أجل البذل :

)سورة العصر)

          أي زواجك لله ، وإنجاب الأولاد و عملك وخدمتك و نومك وأن تجلس مع أولادك وأن تؤنس زوجتك كله لله ، أنت جئت للدنيا من أجل أن تفعل شيئاً يرضى الله به عنك ،و من أجل أن تقبل عليه في الدار الآخرة بعمل صالح يصلح للعرض عليه ، هذا العمل كيف تستقيم، وكيف تعرفه هذه سلسلة ، كيف تعرفه بالتفكر بالكون فإذا فكرت بنفسك ، وبجسمك ، كيف كنت من ماء مهين ، وكيف أصبحت إنساناً سوياً وفكرت بطعامك ، وشرابك ، وثيابك ، وزوجتك ، وأولادك ، وفكرت بالجبل والشمس  ، والقمر ، والنجوم ، والكواكب ، والأمطار، والرياح ، والشجر والثلوج ، والوديان ، والسهول ، والصحاري ، والبحار ، والأسماك ، والأطيار ، فلابد من أن تعرف الله عز وجل ، إذا عرفته عرفت عظمته ، وإذا عرفت عظمته تولد في نفسك خشية منه وهذه الخشية تحملك على أن تستقيم على أمره ، فإذا استقمت على أمره وأقبلت عليه سعدت بهذا القرب وعملت الصالحات لمزيد من هذا القرب ، الدنيا كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة إلا العمل الصالح : لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ، إذاً خلقك ليسعدك سعادة أبدية سرمدية لامتناهية لكن هذه السعادة لها ثمن إذ جاء بك إلى الدنيا من أجل أن تستعد لهذه السعادة ، وذلك بأن تفكر في الآيات الكونية من أجل أن تعرفه ، وأن تستقيم على أمره ، وأن تعمل الصالحات تقرباً له ، وأن تقبل عليه ، وهذا هو التأهيل ، لذلك إذا خلت حياتنا من علم وعمل ودعوة وصبر فلا جدوى منها  والعصر إن الإنسان لفي خسر ... : من علم ، وعمل ، ودعوة ، وصبر :

 

)سورة التكاثر)

          ألهاكم التكاثر انحرف بكم عن هدفكم

 

)سورة التكاثر)

          إنكم خلقتم لغير هذا لغير جمع المال :

 

)سورة التكاثر)

 * إمبراطور اليابان واسمه  ميكادو أرسل سبعة طلاب في بداية النهضة اليابانية إلى أوروبا وأمريكا للدراسة ، هؤلاء كانوا في بلد متخلف " اليابان كان متخلفاً " فلما وجدوا في بلاد ومدن كبرى فيها مفاتن وأشياء جميلة وأشياء رخيصة فانغمسوا في الملذات الرخيصة وقصّروا في تحصيل العلم ولم ينجحوا .

          وعادوا إلى اليابان فأعدمهم الميكادو لأنه أرسلهم لمهمة محددة فنسوها وانغمسوا في شيء آخر وحينما عادوا أعدمهم ، والإنسان أرسل إلى الدنيا لمهمة محددة فإذا عرفها ونفذها وكان في مستواها سعد في الدنيا والآخرة ، وإذا تغافل عنها أو جهلها أو عمل عملاً يتناقض معها حينما يموت يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا إنها " صيحة الندم " ياليتني قدمت لحياتي فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولايوثق وثاقه أحد :

 

(سورة الفرقان(

          هذا كلام أسميه خطيراً يضعك أمام مسؤولياتك ويقول لك إنك مخلوق في هذه الدنيا من أجل أن تهيئ نفسك لسعادة أبدية فإن لم تفعل فلك الشقاء الأبدي ، لقد خُلِقتَ للسعادة وجئت إلى الدينا من أجل أن تؤهل نفسك من أجل سعادة الأبد في جنة عرضها السموات والأرض ، البارحة في خطبة الجمعة ذكرت أن سعد بن الربيع حين تفقد " النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بعد أن انتهت معركة أحد فقال : ما فعل سعد ابن الربيع ؟ فلم يجبه أحد فقال لأصحابه ابحثوا عنه أفي الأحياء هو أم في الأموات ؟ فأحد الأصحاب الكرام وكان أنصارياً توجه نحو ساحة المعركة ليتفقده بين القتلى إذ هو يراه وفيه رمق أخير فقال له :ياسعد إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أبحث عنك أفي الأحياء أنت أم في الأموات ، تصوّر رجلاً يموت بجرح بليغ ينزف دماً وسيفارق الدنيا فيقول الجريح المحتضر سعد أبلغ رسول الله أني في الأموات وأقرئه السلام وقل له جزاك الله عنا خير ماجزى نبياً عن أمته وأقرئ قومي السلام وقل لهم لا عذر لكم عند الله إذا أُخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف . ولم يزل هذا الصحابي الذي ندبه النبي واقفاً حتى فارق سور الحياة وعاد إلى النبي فأخبره بالخبر فبكى حتى اخضلّت لحيته بالدموع ، المهم التعليق على القصة ، هذا إنسان جريح وعلى وشك الموت وهو شاب ما هذه السعادة التي غمرت قلبه ؟  لأنه حقق الهدف الذي من أجله خُلِق ، آمن بالنبي ، وأطاع الله عز وجل ، وبذل أثمن ما يملك وهي نفسه ، فإذا كان أحدنا يعرف مهمته ويكون بمستواها والله الذي لا إله إلا هو لا يحزنه شيء .

          قرأت عن الصدّيق كلمة لا زالت ترن في أذني وصفه الواصفون وقالوا ما ندم عن شيء فاته من الدنيا قط ، مثلاً : إذا ذهب أحد ليعقد صفقة في بلد ما واشترى بضاعة بمئات الملايين وتوقع بيعها بألوف الملايين وحقق ربحاً كبيراً وليس " متغدياً " والساعة السادسة ولا يوجد أي مطعم يستطيع أن يأكل أفخر أكل لأن معه المال الوفير لكن المطاعم أغلقت أما الصفقة فتربح مئات الملايين  فهل يتألم ، لا لأن هدفه تحقق فمن الممكن أن يأكل في الفندق سندويشة لأن هدفه الكبير تحقق وهو يعيش في نشوة الربح الكبير ، فالمؤمن حينما يعرف مهمته في الدنيا وهو في مستواها وهو في طريقها يسعد سعادة الدنيا كلها لا ترضيه إذا أقبلت ولا تسخطه إذا أدبرت هكذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :

" إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء منزل ترح لامنزل فرح فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء"

   *و إذا ركب أحد سيارة ليست له فمن جهة إلى جهة لمدة خمس دقائق وعندما رأى المقعد غير مريح فهل يتألم لا يتألم لأن كل الوقت عبارة عن خمس دقائق .

" عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ وَاعْدُدْ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَى "

          تصور إنساناً بلغ الأوج في المال في ثانية واحدة يصبح من أهل الآخرة ، وكان يقول البناء الضخم كله لي فإذا كان قلبك يدق فهو لك وإن توقف فهو ليس لك ، وإذا وكّلَ أحدهم وكان بوصية أن ينفذها بطلب معرفة فيما إذا كان حياً أو ميتاً ، فالوكالة لابد من قيد نفوس لكي يفرغ البيت و الحياة هكذا إذا لم يعرف أحدنا مهمته فيها فالقضية خطيرة جداً ، وطريق المال مسدود ينتهي بالموت فهو أقرب إلى أحدنا من ظله وكذلك طريق العلو في الأرض " من عد غداً من أجله فقط أساء صحبة الموت "

          والموت ليس نهاية وهنا الخطورة فإنه البداية ، الموت بداية الحياة الأبدية يصيح الميت صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا .

 

        

         (سورة الفجر)

          إذاً إن الله خلقك ليسعدك أعلى سعادة :

 

)سورة الإسراء)

          أنت من تحمل الأمانة ، ممن قبلت بها ، وقلت أنا لها يارب ، جاء بك إلى الدنيا من أجل هدف واحد ، أن تؤهل نفسك لهذه السسعادة الأبدية ، فواحد منا يتلهى بالمال والآخر لمشكلات الحياة ، وهذا الآخر لتحقيق أهداف أرضية محدودة ، وهذا تلهى بالسخف ، وهذا يقضي حياته بالخصومات وبأشياء لا قيمة لها قال الله تعالى :

 

)سورة الليل(

          يوجد سعي واحد صحيح أن يكون سعيكم لمعرفة الله عز وجل " أصل الدين معرفته "، أنت في الدنيا من أجل مهمة خطيرة جداً فالمؤمن صار كله متعلقاً بهذه المهمة ، زواجه فهو يحب أن يتزوج امرأة صالحة لأنه مخلوق للاستقامة والعمل الصالح ، فإذا اختار امرأة سيئة  فاسقة لا تُرضي الله يكون الزواج مِعولاً هدّمَ سعادته الروحية ، فأي عمل يمتص وقتك كله ترفضه لأن لكل إنسان مهمة كبيرة جداً .

          اسمعوا ذلك أيها الأخوة : إذا عرض عليك عمل في الشهر مئة ألف ليرة سورية شرط الدوام 18 ساعة وليس لك إلا 6 ساعات نوم من 10--- 4 صباحاً ، وعمل ثانِ دخله 1500 ليرة سورية لكن الدوام 8 ساعات هل تستطيع أن تحضر مجلس علم ، أو هل تصلي الصبح حاضراً ، أو تقرأ القرآن ، أو تفكر ، أوتذكر ، أو تدعو إلى الله ! جميع الناس يقولون لك أن ترضى بهذا العمل الذي دخله 100000 ليرة أما المؤمنون فيقولون خذ الدخل الصغير ذا العمل القليل 1500ليرة لأنك خلقت لهدف كبير غير هذا الهدف غير " جمع المال " ، في الحقيقة هذا الدخل الكبير هو خسارة لأن الإنسان يأتي يوم القيامة مفلساً أما الحياه بعد الموت بالنسبة للمؤمنين فقد قال صلى الله عليه وسلم حديثاً قدسياً :

" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَلآ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) "

 " واكربتاه ياأبي قال لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه " ، إن المؤمن ينتقل من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينتقل الطفل من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا

 

)سورة يس(

          يقول بعض الناس إن هذا المسكين مات وبالواقع المسكين من يقال عنه مسكين وهو ضال فإن كان هذا الميت مؤمناً ، فالمسكين الذي يقول عنه مسكين أما هذا فقد حقق الهدف ، والنبي الكريم شاهد جنازه فقال :

" عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ فَقَالَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلادُ "

          فعندما يتوضح الهدف والمهمة للإنسان في الأرض فعندئذ قد لا ينام الليل .

" عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً مَا سَمِعْتُ مِثْلَهَا قَطُّ قَالَ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالَ فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي قَالَ فُلانٌ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ( لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) رَوَاهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ شُعْبَةَ "

          إذا دخل أحد الطلاب على الامتحان وحاول أن يضحك فإنه لا يستطيع أن يضحك إذا كانت هذه المادة صعبة ، والتخرّج متوقف عليها ، وليس هو متأكداً من تحضيره ومقدرته ، وإن كان الإنسان يتحاكم فإنه لا يضحك لأن الموقف له هيبة وهول ، قال صلى الله عليه وسلم:

" عنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُن إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ "

          لهول الموقف فإن الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك .

          إذاً السؤال الأول أنا خلقنا لنسعد ، والثاني نحن الآن في مهمة فإذا كنا معذبين فمعنى ذلك أننا قد بعدُنا عن الهدف الذي خلقنا الله من أجله  هذا هو التفكير الدقيق والبسيط والواضح، فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ، فإذا كنت مسروراً فإنك على الطريق الصحيح ، وإن كنت غير مسرور فمعنى ذلك أنك ابتعدت عن الهدف ، فربنا عز وجل برحمته وحرصه سخّرَ لك شيئاً يجذب نظرك فالمصائب كلها هدفها أن تعود إلى جادة الصواب ، هذا هو الضلال وهذا هو الهدى ، فهذا الدرس درس مقدمة ولكن أن تعرف لماذا خلقت ، وما أثمن شيء في الأرض ، مثلاً لسبب تافه يقول شخص ما إنني لم أجد وقتاً لآتي ، أو يقول كنت بردان أو صادفني المطر أوالأيام الآتية ، فذلك يعني أنك لا تعلم قيمة هذا المجلس ، وأحياناً يعصي الإنسان ربه لسبب تافه دعي الحياء من أن يصلي أمام أشخاص معينين ، ولذلك إذا عرف الإنسان المهمة هان عليه كل شيء ، وإذا عرفت لماذا خُلقت وما أثمن ما في الدنيا هان عليك كل شيء عندئذ تقول كما قالت رابعة متمثلة بقول أبي فراس الحمداني :

                فليتك تحلو والحياة مريـرة         وليتك ترضى والأنام غضــاب

                وليت الذي بيني وبينك عامر        وبيني وبين العالمين خـــراب

                إذا صح منك الود فالكـــل        هين وكل الذي فوق التراب تراب

          وصحابي جليل رأى باباً مفتوحاً وهو ماشٍ بالطريق فحالت منه نظرة للداخل فإذا امرأة في البيت ، كبر عليه ذنبه وعظمت عليه هذه المخالفة وخاف من أن يلقى النبي وينزل الله فيه وحياً فهام على وجهه في الجبال ، تفقده النبي صلى الله عليه وسلم حتى ندب أناساً يبحثون عنه  وندب سيدنا علياً لهذه المهمة ، فالتقى به في أحد شعاب مكة وهو يبكي فخفف عنه وجاء به إلى النبي ، فقال الصحابي بشرط أن تأخذني إليه  عقب صلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم يكون مسروراً جداً بعد الصلاة فجاء به عقب الصلاة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما قصتك قال له : ذنبي عظيم ، فقال صلى الله عليه وسلم أأكبر من الجبال  ؟ أم أكبر من الأرض ، أم أكبر من السماء ؟ فقال له : أكبر من الجميع ، فقال له  صلى الله عليه وسلم أأكبر من عفو الله ؟ فقال : لا إن عفو الله أكبر وهكذا وبهذه القصة نأخذ موعظة أنه كم كان الذنب يكبر عند الصحابة إن من علامات المنافق أن الذنب عنده كالذبابة ، فيقول مثلاً " ماذا فعلنا ، هل خربت المسكونة ؟ وهكذا المنافق ذنبه سهل عليه جداً ، أما المؤمن فيعظم الذنب عنده مهما صغر ، حتى قال له أأكبر من عفو الله ؟ قال لا .

          العبرة من القصة أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا المهمة ورأوا أن أي ذنب أو مخالفة أو معصية تعيق هذه المهمة تحجبهم عن مهمتهم .

 

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi