English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 10 / 20 من العقيدة الطحاوية  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    :  ما زال بصفاته قديمًا قبل خلقه .

تفريغ              :  السيد عماد علان .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

            الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا ، وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً ، وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

         أيها الإخوة المؤمنون ، وصَلْنا في الدَّرْس الماضي إلى قول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى : "مازال بِصِفاته قَديمًا قبل خلقِه " إلى آخر كلامِه من الردّ على الجَهْمِيَّة والمعتَزِلَة ومن وافَقَهم مِن الشِّيعَة .

        أيها الإخوة ، اليوم أُريد أن تُصْغوا إليَّ إصْغاءً شديداً لأنّ هذا مِن أدَقِّ الموضوعات ، لن أُعْطِيَكم كَمِيَّة كبيرة إلا أنَّني أُحاوِل أن أُعَمِّق هذه الصَّفَحات التي نحن بِصَدَدها .

         الله عز وجل له صِفات ، وله صِفات أفْعال ، يا ترى قبل أن يفْعَلَ ما يفْعَل لم يَكُنْ مُتَّصِفًا بِهذه الصِّفات ، مازال مُتَّصِفًا بِهذه الصِّفات قَديمًا قبل خلقِه ، فَكَلِمَة (خالِق) ، مثلا قبل أن يَخْلُقَ العالَم ألم يكن خالِقًا ؟ فالعَالَم حادِث سَبَقَهُ عَدَم ، فَقَبْلَ أن يُخْلَق هذا العالمَ فالله عز وجل ألَمْ يَكُنْ قادِرًا على أن يَخْلِق ثمَّ صارَ خالِقًا ؟! هذا المعنى كُفْر .

        يقول الإمام الطحاوي : ما زال بِصفاتِه قديمًا قبل خلْقِهِ ، طبْعًا المعتزلة والجَهْمِيَّة ومَن وافَقَهم مِن بعض الشِّيعَة ، يقولون : إنَّ الله تعالى صارَ قادِرًا على الفِعْل والكلام بعد أن لم يَكُن قادِرًا عليه ، لِكَوْنِهِ صار الفِعْل والكلام ممكنًا ، بعد أن كان مُمْتَنِعًا ، وأنَّه انْقَلَبَ مِن الامْتِناع الذاتي إلى الإمْكان الذاتي ؛ هذا كلام المعتزِلة والجَهْمِيَّة وبعض فِرَقِ الشِّيعَة .

        فالله عز وجل لم يَزَل مُتَّصِفًا بِصفاتهِ قبل خلْقِه ، فَهُوَ تعالى خالِقٌ قبل أن يخْلُق ، ومُتَكَلِّمٌ قبل أن يتكَلَّم ، مُعْطٍ قبل أن يُعْطي ؛ هذا هو موضوع الدرْس اليوم .

        بعضهم أيْضًا يقول : إنَّ الفِعْلَ صارَ مُمْكِنًا بعد أن كان مُمْتَنِعًا منه ، إذًا كيف تَوَصَّل هؤلاء إلى هذه الحقيقة التي لا تتَّفِقُ مع أُصول العقيدة ؟ قالوا : إنَّ دوام الحوادِث مُمْتَنِع ، طبْعًا الإنسان يفْعَلُ شيئًا وينتهي الفِعْل ، فَدَوامُ الحوادِث مُمْتَنِع ، أنت تَصْنَع طاوِلَة وينتهي صُنْعُها ! لم تَكُنْ مَصْنوعَة ثمَّ صُنِعَت ، وانتهى صُنْعُها ، فَما دام الشيء الحادِث لهُ بِداية وله نِهايَة ، فَهَؤُلاء يقولون : دوام الحوادِث مُمْتَنِع ، وأنَّهُ يجب أن يكون للحوادِث مَبْدأ ، لامْتِناع الحوادِث ألاّ يكون لها أوَّل ، إذا وُجِدَ حادِث لا أوَّل له فليس هذا بِحادِث ، وأصْبَحَ قديمًا ، ومِنَ ثَمَّ صارَ خالِقًا ، فَنَحن عندنا فرْق دقيق ؛ فالله تعالى قديم وما سِواه حادِث ، فهو تعالى لا أوَّل له ، أما الحادِث فَسَبَقَهُ عَدَم، والحادِث لا يسْتَمِرّ إلى ما شاء الله ، له بِداية وله نِهاية ، وهؤلاء قالوا : إنَّ دوام الحوادِث مُمتنِع ، وإنَّه يجب أن يكون للحوادِث مَبْدأ ، لامْتِناع حوادِث لا أوَّل لها ، فَيَمْتَنِعُ أن يكون الباري عز وجل لم يَزَل فاعِلاً مُتَكَلِّمًا بِمَشيئتِه ، فَيَسْتحيل على الله أن يكون دائِمًا فاعِلاً ، ودائِمًا مُتَكَلِّمًا ، بل يَمْتَنِعُ أن يكون قادِرًا على ذلك ، لأنَّ القُدْرَة على المُمْتَنِع مُمْتَنِعَة ، هذا هو الوَهْم الخطير الذي تَوَهَّمَهُ المعتزلة والجَهْمِيَّة ، ومَن وافَقَهم من الشِّيعَة ، فالشيء الحادث ليس قديمًا ، سَبَقَهُ عَدَم فله بِدايَة ، وليس مُسْتَمِرًا أي ينتهي وما دام الحادِثُ مُنْتَهِيًا ، والله عز وجل هو الذي خلق هذه الحوادِث فَفِعْلُهُ له بِدايَة وله نِهايَة ، قبل البداية وبعد النِّهايَة ، اِمْتَنَعَ عليه أن يفْعَل فَكَيْفَ نحلُّ هذا الإشْكال ؟ قال : إنّ هذا فاسِد ، لأنَّه يدلّ على امْتِناع حُدوث العالَم ، وهو حادِث ‍! والحادِث إذا حدَثَ بعد أن لم يَكُن مُحْدَثًا فلا بدّ أن يكون مُمْكِنًا .

        الآن سَنَدْخُل في مَوضوع ، فالإمكان شيء ، والحُدوث شيء ، فأنا مَثَلاً دائِمًا بِإمكاني أن أنقُل هذا الكأس مِن هذا المكان إلى ذاك المكان ، فقد نَقَلْتُه في وَقْتٍ مُعَيَّن ، وقبل أن أنْقُلَهُ فأنا قادِر عليه ، وبعد أن نَقَلْتُه أنا قادِر عليه ، فأنا دائِمًا يُمْكِنُني أن أفْعَلَ ذلك ، لَكِنّ الفِعْل مرتبط بِوَقْت مُعَيَّن ، ومكان مُعَيَّن ، والآن دَخَلْنا في موضوع حلّ الإشْكال ، فالإمْكان يعني أنَّ الله عز وجل دائِمًا قادِر على أن يفْعَل ما فَعَل ؛ قبل أن يفْعَل ، وبعد أن يفْعَل فهو قادِرٌ على فِعْل ما فَعَل ، فالقُدْرة المُسْتَمِرَّة تُلْغي معنى الحُدوث الطارئ فيما هو خَلَقَهُ عزَّ وجل .

         قال : فلا بدّ أن يكون مُمْكِنًا ، والإمكان ليس له وَقْتٌ مُحَدَّد ، أما الحُدوث فَلَهُ وَقْت ، وما مِن وَقْتٍ يُقَدَّر إلا والإمكان ثابت فيه ، مهما أَغْرَقْتَ في القِدَم ، ومهما أغْرَقْتَ في المُسْتَقْبَل فإنّ الله سبحانه وتعالى قادِرٌ على أن يَفْعَلَ الذي فَعَلَهُ.

        قال : فليس لإمكان الفِعْل ، وجوازه ، وصِحَّتِه مَبْدَأٌ ، ولا نِهايَة ، فالله عز وجل كامِلٌ في قدْرَتِه ، والعالَم حادِث ، أما الله تعالى فهو قادِر على كُلّ مُمْكِن ، والعالَم مِن المُمْكِن ، فَقَبْلَ أن يخْلِقَهُ فهو قادِرٌ عليه ، وبعد أن خَلَقَهُ فهو قادِرٌ على مِثْلِهِ ، فَقُدْرَتُهُ ليْسَت مُمْتَنِعَة ، بل مُسْتَمِرَّة ، أما الحادِث فلم يُسَمَّ حادِثًا إلا لأنَّ له بِداية ، وله نِهايَة ، فَيَجِب إذاً أنَّهُ لا يزال الفِعْل جائِزًا مُمْكِنًا صحيحًا ، فَيَلْزَمُ أنَّه لا يزال الربّ قادِراً عليه ، فَيَلْزَمُ جواز حوادِثَ لا نِهاية لأوَّلِها ، كيف حَلَلْنا الإشكال ؟ الله تعالى له أفعال ، وأفْعاله حوادِث ، وسَبَقَها عَدَم ، وانْتَهَت ، إلا أنَّ الله عز وجل قادِرٌ دائِمًا على كُلّ مُمْكِن .

          ثمَّ إنَّ أسماء الله تعالى وصِفاتُه قديمةٌ قِدَمَ وُجودِه ، وكان الله عليمًا ، وكان الله على كلّ شيء قديرًا ، فَقُدْرَتُه لا تنْفَكُّ على وُجودِه ، فَهُوَ تعالى مَوْجود ، وهو تعالى قادِر ، وأسماؤُهُ كُلُّها قديمة أزَلِيَّة أبَدِيَّة ، فالحادِث سَبَقَهُ عَدَم ، وينتهي بِعَدَم ، أما الله تعالى فقادِر على كُلّ مُمْكِن ، فالقُدْرَة على المُمْكِن ليس لها وَقْت ، فَهِيَ مُمْتَدَّة في القِدَم ومُمْتَدَّةٌ في المُستَقْبَل ، لكنَّ الحادِث سَبَقَهُ عَدَم ، وينتهي بِعَدَم .

        حينما تتَحَدَّث عن الآخرة فليس لك إلا الخبر الصادِق ، يا ترى ما نوع الجَنَّة ؟ خلْق مُتَجَدِّد ، طبْعًا العلماء أجابوا ، عندنا شيء اسمه التَّسلسل ، وهو أن تقول : هذه الدَّجاجة من هذه البيْضَة ، والبَيْضة من الدجاجة ، فهذا إلى متى ؟ العَقْل لا يقبل هذا التَّسلسل اللاَّنِهائي ، فلا بدّ مِن خالِقٍ خلق أوَّل دجاجة ، ثمَّ بدأتْ دجاجة وبيضة إلخ ... فالتَّسَلسل مُمْتَنِع في الماضي ، والتَّسلسل مُمْتَنِع في المستقبل إلا أن يكون تسَلْسلُ الماضي ينتهي بالله عز وجل ، وأن يكون تَسلسلَ مُستقبل ينتهي بالله عز وجل ، فالله عز وجل قادِر أن يخلق في الجنَّة كلّ يومٍ شيئاً جديداً إلى   ما لا نِهاية، إلا أنّ آخر شيء هو ذاتُه ، فالتَّسلسُل من دون إله مُمْتَنِع ، أما إن كان الله تعالى هو الأوَّل، وبعده خَلْقٌ مُتَسَلْسِل فهذا مُمْكِن ، هو الآخر وقبله خَلْق مُتَسلسل فهذا مُمْكِن ، متى ما قلتَ : الله يعني لا بِداية ولا نِهاية ! والزَّمن خالِقُه الله تعالى ، والمُشْكِلة أنَّ القَضِيَّة تَفوق العُقول ، وعندما يريد العَقْل الحادِث أن يفْهَم الذات الإلهِيَّة ، والأبَدِيَّة السَّرْمَدِيَّة ، فهذا شيء فوق طاقَتِه ، لكن إذا قلت : (الله) عز وجل كان المعنى ألاّ بِدايَة له ، فإذا قُلْتَ : له بِدايَة أصْبَحَ حينئذٍ مَخْلوقًا ! فَكَلِمَة حادِث يعني سَبَقَهُ عَدَم ، وينتهي بِعَدَم ، فإذا قلتَ : متى كان الله عز وجل ؟ نقول لك : ومتى لم يَكُن ؟! والحديث عن ذات الله عز وجل نُفَوِّض للَّه معنى هذه الآيات الدَّقيقة المُتَعَلِّقَة بِذاتِه ، والحقيقة المُطْلَقَة عن الله لا يعلمها إلا الله تعالى .

        فَيُقال لهم : هَبْ أنَّكم تقولون ذلك ، لكن يُقال : إنْ كان جنس الحوادِث عندكم له بِدايَة ، فإنَّه صار جنس الحوادث عندكم مُمْكنا بعد أن لم يكن مُمْكِنًا ، وليس لِهذا الإمكان وَقْت مُعَيَّن ، بل ما مِن وقْتٍ يفرض إلا والإمكان ثابتٌ قبله ، فالله تعالى خلق العالم قبل مليار سنة ، وهو تعالى قادِر على خلقه قبل مليار مليار سنة ! وقبل ذلك ، والله عز وجل دائِمًا قادِر على خَلْق العالم ، إذاً فقُدْرَتُه تعالى لا علاقة لها بالزَّمَن ، بل إنَّ الزَّمَن بعض خلقِه .

          الفرْق كبير بين أن يكون الإنسان مُحاطًا بالزَّمان والمكان ، وبين أن يكون الله عز وجل هو خالقَ المكان والزَّمان ، فَيَلْزَمُ دوام الإمكان ، وإلا لَلَزِم انْقِلاب الجنس ، فالإمكان مُسْتَمِرّ ، وإلا للَزِم انقِلاب الجِنس من الامْتِناع إلى الإمكان ، مِن غير حُدوث شيء ، فأنت إذا قلتَ : لم يكن الله تعالى قادِرًا ، ثمَّ أصْبَحَ قادِرًا ، يُمكن أن نَنْفي العالم كلَّه بهذه المَقولة الضَّالة ! فما دام الله تعالى غير قادِر فَكَيف خلق العالم ؟! فالله تعالى دائِمًا قادِر على خَلْق العالم ، وخلقهُ في وَقْتٍ مُعَيَّن ، وقُدْرَتُهُ على الخَلْق لا علاقة لها بالزَّمَن ، أما الحُدوث فله زَمَن ، وسَبَقَهُ عَدَم ، وينتهي إلى عَدَم ، أمَّا الإله مع أنَّه خلق فلا يجوز أن نقول : قبل أن يخْلُق كان مُمْتَنِعًا على الخَلْق ، او غير قادِرٍ على الخلْق .

          هناك رأيٌ دقيق عن التَّسَلْسل ، قال : وهو أيْضًا انْقِلاب الجِنْس مِن الامْتِناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي ، فإنّ ذات جِنْس الحوادِث عندهم تصير مُمْكِنَة بعد أن كانت مُمْتَنِعة ، وهذا الانْقِلاب لا يَخْتَصّ بِوَقْتٍ مُعَيَّن ، فإنَّه ما مِن وقْتٍ يُقَدَّر إلا وإمكانٌ ثابِتٌ قبله ، فَيَلْزَم أنَّه لم يَزَل هذا الانْقِلاب مُمْكِنًا ، فالحوادث ذاتِيًّا مُمْتَنِعة قبل أن تكون ، وممْكِنة بعد أنْ كانت ، والله سبحانه وتعالى دائِمًا وسابِقاً ولاحِقًا وأزَلاً وأَبَدًا قادِرٌ على خلقِها ، إذاً صفاته ليْسَت مُتَعَلِّقة بالحوادِث ، فَهُوَ تعالى فعَّال قبل أن يفْعَل ، وخلاَّق قبل أن يخلق ، ومُحْيٍ قبل أن يُحْيي ، ومُميت قبل أن يُميت ، وأرْجو الله تعالى أن أكون قد وَضَّحْتُ لكم هذه الحقيقة : أنّ الحادث له بِداية ونِهاية ، وسبَقَهُ عدم وينتهي بعَدَم ، فإذا ربَطْتَ الحادث مع قدرة الله عز وجل ينتج معك كلامٌ فيه كُفْر ، وهو أنَّ الله عز وجل قبل أن يخْلق لم يكن قادِرًا على الخَلْق ‍! وبعد أن خلَق لم يكن قادِرا بعد أنْ خلَق ! فإذا ربَطْتَ فِعْل الله تعالى مع الحادِث ، فهذا غلط كبير ، صِفات الله تعالى الكاملة جلَّ جلاله هي كامِلَة، ولا علاقة لها بالحوادث ، وصِفات أفعاله كلَّها أبَدِيَّة أزَلِيَّة ، لكن لِحِكْمَةٍ أرادها الله تعالى خلَقَ العالم بعد أن لم يَكُن ، وربَّما أنْهى الأرض بِقِيام الساعة ، وهذا مُمكن لأنَّها مِن خلقِه .

        قال : فَيَلْزَم أنَّهُ لم يَزَل المُمْتَنِعُ مُمْكِنًا ، وهذا أبْلَغُ في الامْتِناع من قولنا لم يزَل الحادِثُ مُمْكِنًا ، فالشيء المُمْتَنِع مُمْكِن ، منَعَهُ لِحِكْمة ، فقَدْ لزمهم فيما فرُّوا إليه أبْلَغ مما لزِمَهم فيما فرُّوا منه ، وهذه نقطة دقيقة جدًا ، فالإنسان إذا أقْحَمَ عقله في غير اخْتِصاص العَقْل ، وأدْخَلَ عقْله في الذات الإلهِيَّة ، وبدأ يُفَكِّر ، كُلَّما فرَّ مِن فِكْرة خاف منها وَقَعَ في فِكْرة أكبر منها ، ويقع في متاهات ، لذلك قال تعالى :

[سورة الإخلاص ]

        فَمِمَّا يُريح الإنسان أن يَقِفَ عند حُدوده ، ويَعُدَّ أنَّ جَهْلَهُ بِذات الله هو عَيْن العِلْم به ، وأنَّ عِلمه بِكُلّ شيء عن الله هو عَيْن الجَهْل به ! لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يُحيط به مَخْلوق، بما في ذلك النبي عليه الصلاة والسلام .

         قال : فإنَّهُ يُعْقَل كَوْنُ الحادث مُمْكِنًا ، ويُعْقَلُ أنَّ هذا الإمكان لم يَزَل ، وأما كَوْنُ المُمْتَنِع مُمْكِنًا فَهُوَ مُمْتَنعٌ في نفسِه ، فكَيف إذا قيل : لم يَزَل إمكان هذا المُمْتَنِع ، وهذا مَبْسوط في مَوْضِعِه.

       فليس الشيء الذي لم يحدث ، المُمْتَنِع ممكن عند الله عز وجل ، ليس الحادث ممكن أن يخلقه الله ، وإنَّما الشيء الذي لم يخْلقه هو عند الله عز وجل قادِر على أن يخلقه ، لذا قال سيِّدنا عليّ رضي الله عنه : ((علِمَ ما كان وما لم يكن لو كان كيف كان يكون)) .

      نوع الحوادث ، هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا ؟ أم في المستقبل فقط ؟ أم في الماضي فقط ؟ قال : فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النَّظر من المسلمين وغيرهم ، فأضْعفها قَوْل من يقول : لا يمكن دوامها لا في الماضي ولا في المستقبل ، فالتَّسلسل من الماضي إلى ما لا نهاية لا يُمكن ! والعقل لا يقبل ذلك ، فلا بدّ مِن حدّ وثانيها : قَوْلُ من يقول : يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي ، كَقَوْل كثير من أهل الكلام ، ومَن وافَقَهم من الفقهاء وغيرهم .

     والثالث : قَوْل مَن يقول : يُمكن دوامها في الماضي والمستقبل كما يقول أئِمَّة الحديث ، مع بعض التَّوْجيهات ، وهي من المسائل الكبار ، ولم يقل أحدٌ يمكن دوامها في الماضي دون المستقبل ، ولا شكّ أنَّ جمهور العلماء مِن جميع الطوائف يقولون : إنَّ كُلّ ما سِوى الله تعالى مَخلوق ، كائِنٌ بعد أن لم يَكُن ، وهذا قَوْل الرُّسُل وأتْباعِهم مِن المُسلمين واليهود والنَّصارى وغيرهم ، ومِن المَعْلوم بالفِطْرة أنَّ كَوْن المَفْعول مُقارِنًا لِفاعِلِه لم يزَل ولا يزال معه مُمْتَنِع المُحال ، فالله عز وجل خلق العالم ، فإذا كان هذا العالم الذي خلقه الله عز وجل مُقارِن لله تعالى أصْبَحَ العالم مثل الله عز وجل ! أزَليّ أبديّ !! هذا الكلام فاسِد ، فالمَفْعول ليس بالضَّرورة مُقارن للفاعِل ، ولمَّا كان تَسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الربّ سبحانه وتعالى هو الآخر، الذي ليس بعده شيء ، فكذا تَسلسل الحوادث في الماضي لا يمنَعُ أن يكون الله سبحانه وتعالى هو الأوَّل الذي ليس قبله شيء فَنَحن نقول : التَّسلسل ممكِن بِشَرط ، والماضي ممكن بِشَرط أن ينتهي إلى الله ، وإلى الأوَّل الذي ليس له بداية ، والتَّسلسل مقبول في المستقبل بِشَرط أن ينتهي إلى الله تعالى الآخر الذي ليس له نِهاية ، أما مِن دون الله تَسلسل مُستقبلي مُسْتَمِرّ فالعَقْل لا يقبله ! فإنَّ الربّ سبحانه وتعالى لم يزل ، ولا يزال يفعل ما يشاء ، ويتكلَّم إذا شاء ، قال تعالى:

[ سورة آل عمران ]

وقال تعالى :

 

[ سورة البقرة ]

وقال تعالى

[ سورة البروج ]

وقال تعالى :

[ سورة لقمان ]

وقال تعالى :

[ سورة الكهف ]

         فالله عز وجل خالق خلْقًا مُسْتَمِرًّا ، بِمَعنى أنَّه قادِرٌ قدرة لا تتعلَّق بالزَّمان ، فهو تعالى فعَّال لما يريد في أيّ وقْت ، ومشيئته لا يحدّها شيء ، والمُثْبَتُ : إنَّما هو الكمال المُمْكن الوُجود ، وحينئذٍ فإذا كان النَّوع دائِمًا ، فالمُمْكن والأكمل هو التَّقدّم على كلّ فرْد من الأفراد ، فالله عز وجل خلَق هذا الإنسان بالذَّات ، إلا أنَّه تعالى دائِمًا قادِر على خَلْق نَوْع هذا الإنسان ، بحيث لا يكون في أجزاء العالم شيء يُقارنُه بِوَجْهٍ من الوُجوه ، فالله عز وجل دائِمًا وأبَدًا قادِر على خَلْق النَّوع ، بلا زمان وبلا مكان .

       وأما دوام الفِعْل فَهُوَ أيْضًا من الكمال ، فإنّ الفِعْل إذا كان صِفَة كمال فَدَوامُهُ دوامُ الكمال ، ودوام الفِعْل يعني دوام الإمكان .

       قالوا: والتَّسلسل لفْظ مُجمل لم يَرِد في نَفْيِهِ كتاب ولا سنَّة ، ويجب مُراعاة لفْظه ، وهو ينقسم إلى واجب ومُمْتَنِعٍ وممكن ، فكان التَّسلسل في المُؤَثِّرين مُحال مُمْتَنِع لذاته ، إذا اعْتبرنا أنَّ الله غير موجود فالشيء نفسه ، هذا يُؤَثِّر في الذي بعده ، وذاك في الذي بعده ، فالله عز وجل يخلق البَيْضة ويخلق منها الدَّجاجة ، أما أن نعتَقِد أنّ البيضة وحدها هي التي تخلق ، أو العكس فهذا شيء مُستحيل .

      والتَّسلسل الواجب ما دلَّ عليه العقل والشَّرع مِن دوام أفعال الربّ تعالى إلى الأبَد ، وأنَّه كلَّما انقضى لأهل الجنَّة نعيمٌ أحْدَث لهم نعيماً آخر لا نفاذ له ، معنى هذا أنَّ التسلسل قائم في الجنَّة ، والله تعالى قال :

[ سورة الحجر ]

         وكذا التسلسل في أفعاله سبحانه من طرف الأزَل ، وأنَّ كلّ فِعْل مَسْبوق بآخر فهذا واجب في كلامه ، فإنَّه لم يزَل مُتَكَلّمًا إذا شاء ، أي قادِرًا على التَّكلّم متى شاء ، فالموضوع كلّه على هذه الفِكْرة وهو أنَّ الله عز وجل دائِمًا وأبَداً قادِرٌ على كلّ شيء ، فَصِفات أفعاله لا علاقة لها بالعلم الفاني والذي سَبَقه عَدَم ، والبديل أنَّ الله تعالى قادِر على كلّ ممكن ، والقُدرة على الممكن ليس لها وقتٌ تحَدّ به ، فإنَّه لم يزل متَكَلِّمًا إذا شاء ، ولم تحدث له صِفَة الكلام في وقْتٍ ، وهكذا أفعاله التي هي من لوازم حياته ، فإنَّ كل حيِّ فعَّال ، والفرق بين الحي والميِّت الفِعْل ، ومعنى أنَّه تعالى دائِمًا فعَّال أي : دائِمًا قادرٌ على الفِعْل .

         لو فرضْنا أنَّ أحَدًا دخل إلى القِطار ، وإلى أحد الغرف فيه ، وخلال ربع ساعة تجده يستَوْعب ما في القِطار ؛ طاولة مُتَحَرِّكَة ، ومقْعد ، وتَكْييف ، وتدفئَة ، وإعلانات ، فلو أنَّ النوافذ مغلقة لضاق نفسه ، أما لو كان القِطار يمْشي ، والنوافذ مَفْتوحة ، وينظر مِن خِلالها إلى الطبيعة، فما دام هناك تَجدّد لا يشعر بمَلَلٍ ، لذا أفْخَم قِطار مِن دون تَجَدّد تملّ فيه،  وأبسَط قطار لو ترى مِن خلاله المناظر تُسَرّ ، فلا يمكن إلا أن تكون الجَنَّة مُتَجَدِّدة باسْتِمرار ، ما معنى : وهم فيها خالدون ؟ إذا أَلِفَ الإنسانُ شيئًا يضجر منه ويمَلّ منه ، ولكن من أجل أنَّ الجنَّة مُتَجَدِّدَة فإنَّهُ يخْلُد إليها ، فَمَعنى الخُلود الميول ، تقول خَلَدَ إلى الشيء أيْ مال إليه ، أما البقاء فيها دوماً فهذه هي الأبَدِيَّة ، فهي فيها جمال مُتَجَدِّد ، فهذا التَجَدُّد يجعلك تخلد إليها ، وهذا هو معنى قوله تعالى

[سورة التوبة : الآية 100]

      أما الدَّوام الذي لا نهاية له فَهُوَ مُسْتفاد من كلمة أبَدًا ، أما التَّجَدُّد فهو مُستفاد من كلمة خالدين فيها .

      قال : أما التَّسلسل المُمْكن ، فالتَّسلسل في مفعولاته من هذا الطَّرَف كما تتسلْسل في طرف الأَبد ، فإنَّه إذْ لم يزَل حَيًّا قادِرًا مُريدًا ومتَكَلِّمًا وذلك من لوازم ذاته ، فالفِعْلُ مُمْكن له بِمُوجب هذه الصِّفات له ، وأن يفْعَل أكمل من ألاّ يفْعَل ، ولا يلْزَمُ من هذا أنّه لم يزل الخلْق معه ، فإنَّهُ سبحانه مُتَقَدِّمٌ على كلّ فَرْدٍ مِن مَخلوقاته تَقَدُّمًا لا أوَّلَ له ، فَلِكُلِّ مَخلوقٍ أوَّل ، والخالق سبحانه وتعالى لا أوَّل له ، فَهُوَ وَحْده الخالق وما سِواه مَخْلوق كائِن ، بعد أن لم يكن ، والتَّسلسل المُمْكن نحو الماضي ، والواجب نحو المستقبل ، والمستحيل أن تعتقد أنَّ الشيء في التسلسل يخلق الذي بعده .

قال : وكلّ قَوْل سوى هذا فَصَريحُ العَقْل يرُدُّه ويقضي بِبُطْلانه ، نحن عندنا تَسلسل مستحيل ، أنَّ الشيء في التسلسل يخلق الذي بعده ، والواجب هو تَسَلْسُل المستقبل ، والمُمْكِن تسلسل الماضي ، والتَّسلسل في الأصل ممْتَنِع عقْلاً إلا أن يكون الله نِهايَةَ التَّسلسل المستقبلي والله جلَّ جلاله بِداية الأوَّل ، وكلّ قَوْلٍ سوى هذا فصَريحُ العقل يرُدُّه ويقضي بِبُطْلانه ، وكلّ من اعْتَرف أنّ الربَّ لم يزل قادِراً على الفِعْل لَزِمَهُ أحَدُ أمْرَيْن لا بدّ له منهما : فإمَّا أن يقول : إنَّ الفِعْل لم يَزَل ممكنًا ، وإما أن يقول : لم يزَل واقِعًا ، وإلا تناقَضَ تناقُضًا بيِّنًا ، فَنَحْنُ عندنا ممكن وعندنا واقِع ، أما لم يَزَل ممكنًا فهذه لا مشكلة فيها ، فَكُل شيء وَقَع فالله تعالى قادِر على إيقاعه متى شاء .

      المَقصود أنَّ الذي دلَّ عليه العقل والشَّرع أنَّ كلّ ما سوى الله تعالى مُحْدَثٌ كائِنٌ بعد أن لم يكن .

      وموضوع لم يزَل ممكنًا أوْسَع من موضوع لم يزل واقِعًا ، وهو موضوع الدَّرس كلِّه ، فالله تعالى قادِر على كلّ ممكن ، أما أفعاله التي هي حوادث ، وقد سبقها عدَم ، وتنتهي بِعَدم ، فالإمكان أوْسَع من الحُدوث .

     وأمَّا كَوْنُ الربّ تعالى لم يَزَل مُعَطَّلاً عن الفِعْل،  ثمَّ فَعَل ، فليس في الشَّرْع ولا في العَقْل ما يُثْبِتُه ، بل كلاهما يدلّ على نقيضِه ، وهذه الفِكْرة من أعْقَد أفكار الكتاب .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi