English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 12 / 20 من العقيدة الطحاوية  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    : له معنى الربوبِيَّة ، ولا مربوب .

تفريغ              :  السيد عماد علان .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا ، وانْفعنا بِما علَّمتنا ، وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً ، وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً ، وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

       أيها الإخوة المؤمنون ، وصَلْنا فيما أعْتَقِد إلى قوْل الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى : "له معنى الربوبِيَّة ولا مَرْبوب ، ومعنى الخالق وما مخلوق" .

       إنّه سبحانه وتعالى قبل أن يخلق كان له معنى الخالِق ، وقبل أن يكون ربًّا كانت له الربوبِيَّة ، فهو تعالى موصوف بالربّ قبل أن يوجَد مَرْبوب ، وَمَوْصوف بكونه خالِقاً قبل أن يكون مَخْلوق ، هذه الفِكْرة هي مِحْور دَرْسَين أو ثلاثة ، فالله سبحانه وتعالى لا تُنفَى صِفاته قبل أفعاله ، بل هي مُسْتَمِرَّة قبل فِعْلِهِ وبعد فِعْلِه .

      قال أحد المشايِخ الشَّارحين : وإنَّما قال : له معنى الرُّبوبِيَّة ، ومعنى الخالق دون الخالِقِيَّة ، لأنَّ الخالِق هو المُخْرِج للشيء من العَدَم إلى الوُجود لا غير ، والربّ يقتضي معانيَ كثيرةً ، وهي المُلْك .

       بالمناسبة أقرب اسم من أسماء الله الحسنى إلى الإنسان هو الربّ ، لذلك الحمد لله ربِّ العالمين ، قال : هو المُلْك ، والحِفظ والتَّدْبير ، والتَّرْبِيَة وهي تبليغ الشيء كماله بالتَّدْريج ، فأنت لك مُرَبٍّ هو الله تعالى ، فإذا ربَّاك إنسان فهو يُرَبِّيك بِإلْهامٍ من الله عز وجل ، ولِكُلِّ شيء حقيقة وما بلَغَ العَبْدُ حقيقة الإيمان حتَّى يَعْلَم أنَّ ما أصابه لم يكن لِيُخْطِئه ، وما أخْطأهُ لم يكن لِيُصيبَهُ ، فلا جَرَم أنّه أتى بِلَفْظٍ يشْمل هذه المعاني ، وهي الرُّبوبِيَّة .

       وفيه نَظَر ، فكما أنَّ الربوبِيَّة لها معانٍ كثيرة ، فالخَلْق أيْضًا له معانٍ كثيرة ، فَمِن معانيها التَّقْدير ، فالله عز وجل يَخْلِق ، وقبل الخَلْق هناك إرادَة ، وقبل الإرادة يوجد عِلْم ، فَمِن لوازِم الخَلْق وُجود إرادَةٍ ، ومن لوازِمِ الإرادة وُجود العِلْم ، فالإنسان كما تعلمون جميعًا يعتريه نقصٌ ، وكُلُّ إنسانٍ يؤخَذ منه ، ويرَدُّ عليه .

         قَوْلُهُ : وكما أنَّهُ مُحيي المَوْتى بعدما أحْيا ، اسْتَحَقَّ هذا الاسم قبل إحْيائِه ، كذلك اسْتَحَقَّ اسم الخالِق قبل إنشائِه ، وأنت تشعر أنَّ هناك فِتْنة صارَت ومشكلة في عُصور تأليف هذه الكُتب، وهذه الفِتْنة جاءَت من تَحْكيم عِلْم الكلام المُسْتَوْرَد إلى الشَّريعَة الإسلامِيَّة ، واكبر خطأ وَقَع به علماء المسلمين أنَّهم اقْتَبَسوا عُلومًا من مُجْتَمَعاتٍ وَثَنِيَّة وَطَبَّقوها على دينهم ، فَأوْقَعُوا الناس في حَرَجٍ شديد ، لذلك هذه الكتب تريد أن تُعيد للإسلام صفاءَهُ ، ولِهذا الدِّين نقاءَهُ ، وكما أنَّهُ مُحيي المَوْتى بعدما أحْيا ، اسْتَحَقَّ هذا الاسم قبل إحْيائِه ، كذلك اسْتَحَقَّ اسم الخالِق قبل إنشائِه ، أكبر خطأ قياس الخالق بالمَخلوق ، مَثَلاً : لو فرَضْنا أنَّه بعدما انتهى الدَّرْس أغْلَقْنا الباب جميعًا ، وعُدنا بعد حين فإذا هذه الطاوِلَة في مكان آخر ، سَتَقولون جميعًا : مَن الذي نَقَلَها إلى هذا المكان؟ لأنَّه مُرَكَّبٌ في أعْماقِنا أنّ هذه جماد ، ولا تنتقل إلا عن طريق إنسان ، لكن لو وَجَدْتَ زميلاً لك واقِفًا هنا ، تَكَلَّمْتَ مع آخر ، ثم التفتَّ فإذا بك تجده هناك ! هل تقول : مَن نقَلَهُ ؟ لا ، لأنَّ فيه الحركة ، ومِن السُّخف أو الخبث أن تقيس صِفات هذا الإنسان الحيّ ، والمريد ، والمتنَقِّل على هذه الطاوِلَة الجامِدَة ، لذلك يَبْدو لي أنَّ أكبر خطأ أنَّهم قاسوا  الخالق على المخلوق ، لذا لما قال تعالى :

[سورة الإسراء]

           كلمة (سبحان) تعني : أنْ يا عِبادي هذا الحَدَث الذي سوف أذْكُرُه لكم لا تقيسوه بِمِقْياسِكم ، ولا بِأرضِكم ، وبِمَكانكم ، ولا بِزَمانكم ، إنَّما هومِن فِعْل الله تعالى المباشِر ، وهو فوق المكان والزَّمان ، وفوق القوانين ، فما عليك إلا أنْ تطمئنّ ، وترتاح ، وما بعد الموت هناك قوانين لا علاقة لها بِما بعد الموت قال تعالى : ولا تحسبَنَّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا ، بل أحياء عند ربِّهم يرزقون ، فهذا أكبر إشْكال في عِلْم التَّوحيد ؛ قِياس الخالق على المخلوق .

         وكما أنَّهُ مُحْيي الموتى بعدما أحْيا اسْتَحَقَّ هذا الاسم وهمزته أيْ همزة اسم همزة وَصْل ، فالإنسان قد ينسى كتابة همزة القطع ، وهذا يُفَسَّر بالسَّهو ، أما إن كتب همزة الوصل همزةَ قطعٍ فهذا يُفَسَّر بالضَّعْف ، فإهْمال ما حقُّه الإثبات يُفَسَّر بالسَّهْو ، أما إثبات ما حقُّه الإهْمال يُفَسَّر بالضَّعْف ، فلو كتَبْتَ أخذ بهمزة الوصل ؛ (اخذ) نقول سها ، أما لو وَضَعْتَ همزةً على (اسْتيقظ) هكذا (إسْتَيْقَظ) فلا نقول : سَها ، أو كان مُسْتَعْجِلاً ، هذا جَهْل ! - ولو أردنا أنْ نَتَعَمَّقَ أكثر ؛ نسأل ونقول : ما فلْسَفَةُ همزة الوَصْل ؟ الأصْل أنَّ هذه الهمزة حرف مزيد ، لماذا ؟ لأنَّ العرب لا تبدأ بِساكِن ، فإذا كانت الكلمة تبدأ بِحَرْف ساكن نضيف زائِدًا مَكْسورًا ، والقاعِدَة المختصرة : أنَّ أيَّة كلمة تبدأ بِهَمْزة أَضِفْ لها واواً فإن بَقِيَتْ فأَبْقِها ، وإن سَقَطَتْ فأسْقِطْها - هذا الكلام ذكرناه لأنَّ كلمة (اسم) كتبَت في الكتاب على شكل (إسم) ، وهو خطأ .

         قال رحمه الله : وكما أنَّهُ مُحْيي الموتى بعدما أحْيا اسْتَحَقَّ هذا الاسم قبل إحْيائِهم ، كذلك اسْتَحَقَّ اسم الخالِق قبل إنشائِه ، يعني أنَّه سبحانه وتعالى مَوْصوف بأنَّهُ يُحيي الموتى قبل إحْيائِهم، وقادِرٌ دائِمًا على إحياء الموتى ، فَكَذلك يوصَف أنَّه خالقٌ قبل خلقِه إلْزَامًا للمعتزِلَة ومَن قال بِقَوْلِهم ، كما حَكَيْنا عنهم فيما تَقَدَّم ، وتَقَدَّم تقرير أنَّه تعالى لا يزال يفعل ما يشاء ، والمعتزِلَة فِرْقَةٌ حَكَّمَت عَقْلَها في كُلّ شيء ، وجَعَلَتْ عقْلها هو الحكَم ، مع أنَّ الدِّين في الأصْل نَقْلٌ ، والعَقْلُ لِفَهْم النَقْل ، لا لإلْغائه ، فإذا ألْغَيْتَ النَّقْل بِعَقْلِك ، فأنت مُعْتَزِلي ، وهي فِرْقَة ضالَّة اعْتَمَدَت على عَقْلِها فأصابَتْ حينًا وأخْطأَتْ أحْيانًا .

      قوله : ذلك بأنَّه على كلّ شيءٍ قدير ، وكل شيء إليه فقير ، وكلّ أمْرٍ عليه يسير لا يحْتاج إلى شيء ، ليس كمثله شيء وهو السَّميع البصير وذلك إشارَةٌ إلى ثُبوت صِفاته في الأزَل قبل خلقِه للعالم ، والكلام على كُلِّ ؛ على كُلِّ شيءٍ قدير ، وشُمول كلّ في كلّ مقامٍ على حَسَب ما يحْتَفُّ به مِن القرائِن .

      نحن عندنا قاعِدَة وهي أنَّ الإنسان نِسْبي أمَّا الإله مطلق ، والإنسان ممكن أن يُصيب تسعة وتسعين مرَّة ، ويغلِط مرَّة ، هذا عالِمٌ كبير أما الإله فالخطأ من جهته مَنْفِيّ ، وهو تعالى مُنَزَّهٌ عن الخطأ صغيره وكبيرِهِ ، لذلك كلّ شيء وَقَعَ أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقَع وإرادة الله تعالى مُتَعَلِّقَةٌ بالحِكْمة المطلقة ، وحِكْمَتُهُ المطلقَةُ مُتَعَلِّقَة بالخير المطلق ، وهذه الحقيقة إذا اسْتَوْعَبْناها لم يبْقَ في الأرض هَمٌّ ولا حَزَن .

وقد حَرَّفَتْ المعتزلة المعنى المَفْهوم مِن قوله تعالى :

[ سورة الحشر ]

          أي قُدْرَةُ الله مُتَعَلِّقَة بِكُلّ شيء ، ولا شيء يعْجِزُهُ ، فقالوا : إنَّهُ قادِرٌ على كُلِّ ما هو مَقْدور له ، وأما نفْسُ أفعال العِباد فلا يقْدِرُ عليها عندهم ، فالله تعالى خلَقَ الإنسان ، وأعْطاهُ قُوَّةَ فعْلٍ ، فلا علاقة بالله مع الإنسان في شؤونه !! وهي نَظَرِيَّة غَرْبِيَّة ، يقولون : الله خَلاَّق وليس فعَّالاً ! وهناك ألف ردّ ورَدّ على هؤلاء ، فلو أنَّ الله تعالى أعْطى القُدْرات بالتَّساوي ، فهو تعالى خلق الفقير والغنيّ والقويّ والضَّعيف ، فإذا قلتَ الله تعالى فعَّال ، معنى ذلك أنَّ من أعْطى للظالِمِ قُوَّةً فهُوَ أظْلَمُ منه ‍‍، الآن ماذا تفعَلُ دولةٌ أمام سِلاح نَوَوِي ؟! مَقْهورة فإنْ لم يكن لله تعالى دَخْل ؛ بل خَلَقَ وتَرَكَ كما يقولون ! والآيات التي تردَّ عليهم مقالتَهم واضحةٌ كالشَّمس ، قال تعالى :

[ سورة الزمر ]

وقال تعالى :

[ سورة الأعراف ]

        فالغَرْبُ كلُّهم يؤمنون أنَّ الله تعالى خلاَّق فقط ، وليس فعَّالاً ، بل الفعلُ فعلُ الإنسان ! أما الدِّين الحنيف ، وعقيدته الصَّحيحة تقول : إنَّ الله تعالى خلاَّق ، وفَعَّال ، والإنسان لا يمْلِكُ إلا الكَسْب فقط أو الانْبِعاث إلى العَمَل ، وقد ضَرَبْتُ مرَّةً مثلاً للتَّوْضيح ، فهذه المصابيح لو كان لها مثَلاً مِفتاح سرِّي ، وأنا الذي أتَحَكُّم بها عنْ بُعْد ، وقلت لأحد الإخوان أطفِئْ بعضًا منها ، فقام ، ولبَّى الطَّلب ، ثمَّ أمرتُ آخر بالطَّلب نفسِه فرفض أن يُلَبِّي ، فماذا فَعَلْتُ بهذا ؟ كَشَفْتُ طاعَةَ الأوَّل ، ومَعْصِيَةَ الثاني ، والفِعْلُ ليس فعْل الأوَّل ، ولا الثاني ، هذه هي الحقيقة : عندها لا بِها ، وهذا هو التَّوْحيد ، فأنت أمام وَحْش قَوِيّ ، ووَحْش ، وعَدُوّ لئيم ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

          وتنازَعوا ، هل يقدر على مِثْلِها أم لا ؟ فلو كان المعنى على ما قالوا لَكَان هذا بِمَنْزِلَةِ أن يُقال : هو عالِمٌ بِكُلِّ ما يعْلَمُهُ ، وخالِقٌ لِكُلِّ ما يخْلقه ونحو ذلك مِن العِبارات التي لا فائِدَة منها ، فسَلَبوا صِفَة كمال قدْرته على كلّ شيء ، فإذا كان يَعْلَم يخْلُقُ الذي خَلَق ، ويعْلَمُ الذي عَلِمَ هذا كلام اسمه تَحْصيل حاصِل ، ولا معنى له ! أما كمال قُدْرَتِه أن يخلِقَ الذي خَلَق ، وهو على كلّ شيء قدير ، على الذي خَلَق وعلى ما لم يخْلق وقُدرته مُتَعَلِّقَة بكلّ شيء .

           وأمّا أهل السنَّة فَعِنْدهم أنَّ الله على كلّ شيء قدير ، وأنَّ كلّ ممْكِن مُنْدَرِج في هذا وضمْنه ، فهو قدير على خَلْق هذا العالَم ، وهو خلقه فهل يقدِر أن يخْلِق عالَمًا مُضاعَفًا ضِعْف الحَجْم ؟! نعم ، فالفَرْق بين المعتزِلَة وأهْل السنَّة ؛ أنَّ المعتَزِلَة قالوا : إنَّ الله على كلّ شيء قدير على خَلْقِ ما خلَقَ ، أما أهْل السنَّة فهُوَ قدير على خلْق كلّ شيء فهو تعالى خَلَقَ هذا الخَلْق بِهذا الحجْم لِحِكْمَةٍ أرادها ، أما لو أراد أن يخلق حجْمًا أكبر لَخَلَقَ ، فَهُوَ تعالى لا شيء يَحُدُّ قُدْرَتَهُ ، ولا شيءَ يَحُدُّ عِلْمَهُ قال: وأما المُحالُ لِذاتِه مثْلُ كَوْن الشيء الواحِد مَوْجودًا مَعْدومًا في حالٍ واحِدَة ؛ فهذا الشيء مُسْتَحيل !

          كلُّكم يعْلَم أنَّ هناك واجِب الوُجود ، ومُمْكِن الوُجود ، ومُسْتَحيل الوُجود ، وعندنا طائِفَة من المُسْتَحيلات لطيفَة ؛ فالمُسْتَحيل كَوْنُ الشيء مَوْجودًا ومَعْدومًا في حالٍ واحِدَة ! وهذا لا حقيقة له ، ولا يُتَصَوَّر وُجوده ، ولا يُسَمَّى شيئًا باتِّفاق العقلاء ، ومثل هذا الباب خَلْقُ مِثْل نفْسِه ، أو إعْدامُ نَفْسِه ، وأمْثال هذا مِن المُحال ، والأصل الإيمان بِرُبوبِيَّتِه العامَّة ، فإنَّه لا يؤمن بأنَّهُ ربُّ كُلِّ شيء إلا مَن آمَنَ أنَّهُ قادِرٌ على تِلْك الأشياء ، ولا يؤمن بربوبِيَّتِه وكمالِها إلا مَن آمَنَ أنَّه على كلّ شيءٍ قدير ، وإنَّما تنازَعوا في المَعْدوم المُمْكِن ؛ هل هو شيءٌ أم لا ؟ فالله تعالى خلق خمْسة ملايير من البشر ، فهل يستطيع أن يخلِق خمسة ملايير أخرى ؟ هو قادِر على ذلك تعالى ، ولكن هذا المَعْدوم المُمْكِن فهل هذا شيء أم لا ؟! قال : وإنَّما تنازَعوا في المَعْدوم المُمْكِن ؛ هل هو شيءٌ أم لا ؟ التَّحقيق أنَّ المعدوم ليس بِشيءٍ في الخارِج ، ولكنَّ الله يعلمُ ما يكون قبل أن يكون ، ويكْتُبه ، وقد يذْكره ويُخْبِرُ به ، كَقَوْلِهِ تعالى :

[ سورة الحج ]

          فهو تعالى قال : شيء ! فَيَكون شيئًا في العِلْم ، والذِّكْر ، والكتاب ، لا في الواقِع ، ولا في الخارِج مثَلاً : ساحَة عامَّة فارَغَة إذا أرَدْنا أن نُقيم فيها احْتِفالاً ، نضع كراسي وصناديق ، وأغْطِيَة ، وتَزْيينات ، ولكن لمَّا نُخَطَّط على الوَرَق نكون تَصَوَّرنا هذا الشيء ، ولم نعْمله ، فالشيء المعدوم الممكن هو شيء ، لِقَوله تعالى :

[ سورة الحج ]

وكما قال تعالى :

[ سورة يس ]

وقال تعالى :

[ سورة مريم ]

أي لم تكن شيئًا في الخارج ، وإنَّما كان شيئًا في عِلْم الله تعالى ، وقال تعالى :

[ سورة الإنسان ]

        فالمُمْكِن غير المعدوم ، هذا شيء ، وهو مَوْجود في عِلْم الله ، وغير موجود في الواقِع ، وفي الخارج .

          وقوله : "ليس كمثله شيء" رَدٌّ على المُشَبِّهَة ، وقوله : "وهو السميع البصير" ردٌّ على المعطِّلة ، فالمُشَبِّهَة هم الذين شَبَّهوا الله تعالى بِخَلْقِه ، والمُعَطِّلَة هم الذين اعْتَقَدُوا أنّ صِفاته هي عَيْنُ ذاتِه ، وقد سَمِعْتُ في بلَدٍ عربي خطيبًا يخطب على المنبر ، وقال : إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربُّكم ، ونَزَلَ الخطيب درجة ، وقال : كما أنزل أنا ‍‍! وهم موَحِّدون ، ولقد رَفَضُوا المَجازَ في القرآن ! فهذا أحد المشايِخ سأل طالبًا يَمْتَحِنُه ، فقال له : هل تؤمن بالتَّشبيه ؟ فقال له نعم : وما الدليل ؟ قال الطالب : قوله تعالى

[سورة الإسراء]

         فإذا لغى المجاز كان السائِل بِجَهَنَّم ، أما إذا قلنا : هناك مجاز في اللُّغَة ، فهو  أعْمى القلب ، وإذا لم يكن ثمة مَجاز فهو أعمى العَيْن ، طبْعًا لم ينجَح الطالب ! خَطَبْتُ مرَّةً خطبة ، وهناك أخ كريم ؛ والله أُحِبُّهُ كثيرًا ، وهو غَيور على هذا المَسْجِد ، فقال لي : لقد قلت : نفس الله عز وجل ! فقلتُ له : الله تعالى يقول :

[ سورة المائدة ]

        فالله له نَفْس وله عين ، وصِفات الذَّات نُفَوِّض فَهْمَهَا إلى الله ، وأقَلُّ من ذلك نُؤَوِّلُها تأويلاً يليق بالله تعالى ، إلا أنَّنا لا نُعَطِّل ولا نُشَبِّه .

       هناك نقطة ، وهي أنَّ الذي ينفي عِلْمَ الله عز وجل أو يُحَكِّم عَقْلَهُ بِذات الله ، يَدْخُل بِمَتاهات وَعِرَة جدًا ، وكلَّما حلَّ مشكلةً تنشأ له مائة مشكلة ، ويُكَلِّفُ نفسَهُ ما لا يُطيق ، ويُحَمِّل عقله المحدود حمْلاً كالجبال ، ويسحق عقله لأنَّك أنت تُخاطِب إنسانًا فما هو الذي يدفعك لكل هذه المتاهات ؟ أنا أُجيب عنك ؛ الذي يَدْفَعُك لهذه المتاهات تَبْرِئَةُ الله عز وجل مِن الذلّ ، الله تعالى لا يظلمنا لا فتيلاً ولا قطميرًا ، ثُمّ تُدْخل عقلك بِذات الله ، والنبي عليه الصلاة والسلام نهاك ، حتى لا تدخلَ بِمَتاهات تؤدِّي إلى الكُفر بِعَيْنِه .

         ثمَّ إنّ هناك نقطة دقيقة جدًا ، وهي أنَّك لا تستطيع أن تثبت عدالة الله بِعَقْلِك إلا بِحالةٍ واحِدَة ؛ وهي أن يكون لك عِلْم كَعِلْمِ الله ، حكى لنا أخ من إخواننا ، وهو يعمل عند أخيه ، أُصيب أخوه بِمَرَض خبيث ، وأمُّه جاهِلَة ، قالت له : اكتب المَحَل ، والسيارة ، والمعمل باسم أخيك ، فقال لها : وَزَوْجَتي ! فقالت له : غدًا يأتي غيرك ، ويتزَوَّج امرأتك ، ويأخذ كلّ شيء ! فأُمُّه جاهلة ، وهو أجْهَل مِن أمِّه ، فهذا الأخ الذي يعمل عند أخيه بعد شهرين تزَوَّج ، وماتت الأمّ كذلك ، فأخذ هذا الصانِع هذه السيارة والمعمل ، ولم يعْط قِرْشًا للوَرَثَة ، فتَقول له زوْجته : أين المعمل ؟ فيقول لها : باعه لأخيه ، أين ثمنه ؟ لا نعرف ! سنة بِكَامِلِها ، وبعدها أصيبوا في حادِث سيرٍ ، فالمغتصب وعائلته فماتوا كلّهم ، واسْمَحوا لي أن أقول لكم : إنَّه ما مِن شيء يقع من آدم إلى الآن إلا ووراءه أسباب ، كل شيء وَقَعَ أراده الله ، وكما أراده الله وقع ، وإرادته مُتَعَلِّقَة بالحِكْمة المطلقة ، وحِكْمَتُهُ المطلقَة مُتَعَلِّقَة بالخير المطلق ، هناك عَدل مطلق من الله تعالى، وفي كُلّ الخَلْق والبشَر لا ليس مَن هو مَظْلوم .

               قال : : ليس كمثله شيء رَدٌّ على المُشَبِّهَة ، وقوله : وهو السميع البصير ردٌّ على المعطِّلة ، فهو سبحانه وتعالى موْصوف بِصِفات الكمال وليس له فيها شبيه ، فالمَخْلوق وإن كان يوصَفُ بِأنَّهُ سميعٌ بصير فليس سَمْعُهُ وبَصَره كَسَمْع الربّ وبصره .

اسْتَوْقفَني أحد الإخوة التجار ، وقال لي : فلان مِن الناس جاء لِيَفْتَحَ مَحَلَّهُ فإذا بِرَصاصَة تأتي في عموده الفقري فَجعلَتْهُ مَشْلولاً ! ثم قال لي : ماذا فَعَلَ هذا ؟ أليس هذا مكاِن عَمَله ؟ بعد عشرين يومًا حدَّثني أخٌ ، فقال : لنا جار اغْتَصَبَ أموال الأيتام ؛ أولاد أخيه ! واشْتَكوا للشَّيْخ حسين خَطَّاب ، فَجَمَعَهم الشَّيْخ كي يتَّفِقُوا ، فَرَفَضَ هذا المُغْتَصِب أن يعطيهم شيئًا ! فقال الشيخ حسين خطَّاب حينها : إيَّاكم أن تَشْكوه إلى القَضاء ، ولكن اشْكُوه إلى الله تعالى ! وكانت القِصَّة في الساعة الثامِنَة مساءً ، وفي الساعة التاسِعَة صباحًا كان المغتصِبُ مَشْلولاً ، فأنا أقول لكم مرَّةً ثانيَة : ما مِن حَدَث يقع إلا ووراءه سبب وحِكْمة ، فأنت إذا أرَدْتَ أن تُنَزِّه الله تعالى فلا يجعلك هذا تنفي عنه العِلْم ، فإنّ الله لم يكلِّفْك بِهذا ، ونَزِّهْني كما أُريد ، وليس كما تريد ! لذلك لا تُحاوِلوا بِعُقولِكم أن تدخُلوا في مَتاهات الذات الإلهِيَّة ، ولا تُفَكِّر أن تَحُل القضايا بِعَقْلِك ، فأنت حادِث ومَحْدود ، فالأَوْلى بالنسبة للآيات التي ذَكَرت صِفات ذاته تعالى ؛ إما أنْ تُفَوِّض معناها إلى الله تعالى ، وإمَّا أن تُأَوِّلَها تأويلاً يليق بالله عز وجل ، إلا أنَّك لا تُعَطِّل ، ولا تُجَسِّد ، ولا تُحكِّمْ عقلِك ، فهؤلاء هم المعتزلة الذين حَكَّموا عُقولهم في كلّ شيء .

يقولون : من دون العَقْل لا نفهم النَّقْل ! الجواب : نعم فالعَقْل له دور خطير في النَّقْل :

أوَّلاً : مُهِمَّةُ العَقْل قبل النَّقْل إثبات صِحَّة النَّقْل ، ومُهِمَّة العقل بعد النَّقْل فَهْمُ النَّقْل ، إلا أنَّه ليس للعَقْل إلغاء النَّقْل ، فلو فَرَضْنا أنَّنا قلنا لك : لك مُهِمَّة تقديم رواتب هؤلاء المُوَظَّفين ، فإذا بك تقول : دَعونا من الرواتِب ! أنت مُهِمَّتُك تقديم الرواتب ، لا إلغاؤُها ، ومَثَلٌ أوْضَح مِن ذلك : أنت وكيل لإنسان عظيم ، وأعْطاك مُهِمَّة وقال لك : أمامك اثنا عشَر بندًا عليك أن تُنَفِّذَها ، والعَمَلِيَّة تُكَلِّف مليونًا ، وأنت معك الملايين مِن مالِهِ ، فبِما أنَّك وكيله فعليك أن تتأكَّد مِن صِحَّة النَّقْل ، فلعَلَّ هذا ليس توقيعه ، لأنَّه إذا لم يكن توْقيعُه يقول لك : لمَ تصرَّفتَ هكذا ؟ فادفع المليون من جَيْبِك ، فإنَّه ليس توقيعي ! فأنت مُكَلَّف أن تَتَحَقَّق من صِحَّة التَّوْقيع ، فلو قال لك : أعْطِ فلانًا ألف دينارٍ ونصفه ! يا ترى هل هو ألف دينار ونصف دينار ، أو ألف وخمسمائة ؟! سَلْ علماء اللُّغَة : على مَن يعود هذا الضَّمير ، وهذا عِلْم الأصول ؛ استنباط الحُكْم الشرعي من النَّص الكُليّ فَعَقْلُكَ مَسْموح له أن يتأكَّد من صِحَّة التوقيع ، أو مَدْلول النَّص .

         فلما يُلغي عقلُك النَّقلَ ، لم تعُد تعبد الله ، أما عقلك من حَقِّه التأكُّد مِن صِحَّة النَّقْل ، وفَحْواه ، فالعَقْل عن طريقه نفهم أصْل النَّقْل ، وعن طريقِهِ نُثْبِتُ صِحَّة النَّقْل ، وعن طريقِه نفْهَمُ النَّقْل ، إلا أنَّ العَقْل غير مسْموح له أن يُلْغي النَّقْل .

         مثَلٌ آخر ؛ مريض مصاب بالتهاب بالمعِدَة ، بِعَقْلِه يبْحث عن أحْسَن طبيب ، وعن أكثرِهم خِبْرَةً ، لكن لما تَصِل إلى هذا الطبيب ، وتدخل عنده فهل تستخدِم عقْلَكَ ؟‍‍! هنا انْتَهَت مُهِمَّة عَقْلِكَ ، فَهُوَ أوْصَلَك إلى الطبيب ، أمّا الآن فَدَوْرُكَ التلَقِّي ، وليس المُحاكمة والتَّدقيق ! فأنت كذلك : عَقْلُكَ أوْصَلَك أنَّ هذا كون له خالِق ، والله تعالى هو الخالِق ، وهذا القرآن كلامه وهذا الإنسان رسوله صلى الله عليه وسلَّم ؛ فهذا هو دورُ العَقْل ، ثمَّ جاء دَوْر النَّقْل ، أمَرَك الله بالصلاة والصِّيام والزكاة والحج .

          فالعَقْل والنَّقل متكامِلان ، والعَقْل لا يُمكن أن يختلف مع النَّقْل ، لماذا ؟ لأنَّ العَقْل مِقياس أوْدَعَهُ تعالى فينا والنَّقْل كلامه ، والمَصْدر واحِد ، والكَوْن خلْقُه ، لذلك قالوا : لا يُمْكِنُ لِصَريح المعقول أن يُخالِفَ صحيح المنْقول ، وقد أُلِّفَت كُتُب في هذا ، تَوافُق المَعْقول مع المنْقول حَتْمٌ واجِب ، مثال : هناك عشرة أقْمِشَة قِسْتُها وكيَّلْتها وكَتَبْتُ على كلّ منها عدد أمتارها ، فهل يُعْقَل أن أعْطيكَ مِقياسًا أكون مخطئًا فيه ؟! كذلك هل يُعْقَل أن تكون الحقائق التي في القرآن مناقِضَة للعَقْل ؟ وهل يمكن أن يصِل العَقْل إلى نتائِج خاطئة مع القرآن .

     وهذا الموضوع خطير ، فأُناس أخذوا بالعَقْل كالمعتزلة ، وآخرون وقفوا عند ظاهر النص ، وجَمَّدوا عُقولهم ، وكلاهما خطأ ، فالعَقْل له دَوْر ، والنَّقْل كذلك .

     هناك علوم كثيرة في ديننا ، إلا أنَّ عِلْمَيْن منهما هما الأساس : عِلْم الحديث ، وعِلْمُ الأصول، فالأوَّل تعرف به صِحَّة النَّقْل ، والثاني يدُلُّك على الفَهْم الصحيح للنَّص ، ومشكِلَتنا مصدرها إما الأحاديث الموضوعة ، أو الغلط في الفَهْم ، فنحن إذا أمْكننا أن نضبط النَّقل والتأويل اتَّفَقْنا ، وأنا أقول لو ألْغَيْنا الأحاديث الضَّعيفة ، والفَهْم العَشْوائي للنُّصوص نَجْتَمِع على مذهبٍ واهِب ، فعلى الإنسان أن يتأكَّد من الحديث ، أو يرْويه بِصيغَة التَّمْريض .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi