English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 15 / 20 من العقيدة الطحاوية  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس      : المشيئة والاختيار .

تفريغ              :  السيد عماد علان .

تدقيق لغوي          :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي       :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

           الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

         أيها الإخوة المؤمنون ، قبل أن نُنْهِيَ موضوع الإلهِيَّات في كتاب العقيدة الطَّحاوِيَّة ، أُريد أنْ أقْرأ لكم فقراتٍ للإمام الجليل ابن القَيِّم حول معرِفَة الله ، وحُسْن الظنّ به.

        يقول هذا العالم الجليل : ((مَن ظنَّ أنَّ الله سبحانه وتعالى لا ينْصُرُ رُسَلَهُ ولا يُتِمُّ أمْرَهُ ، ولا يُؤَيِّدُ جُنْدَهُ ، ولا يُعْليهم ، ولا يُظْفِرُهم على أعدائِهم ، وأنَّهُ لا ينْصُرُ دينهُ ، ولا كتابَهُ ، وأنَّهُ يُديل الشِّرْك على التَّوحيد ، والباطل على الحق إدالَةً مُسْتَحِقَّةً يَضْمَحِلُّ معها التَّوْحيد والحق اضْمِحْلالاً فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء ، ونسَبَهُ إلى خِلاف ما يليقُ به وكمالِه وجلاله وصِفاته ونُعوتِه ، فإنَّ عِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ تأبى ذلك ، ويأبى أن يُذِلَّ حِزْبَهُ وجنْدَهُ ، ويأبى أن تكون النُّصْرة المُسْتَقِرَّة ، والظَّفْر الدائِمَ لأعْدائِهِ المشركين ، فَمَن ظنَّ به ذلك فما عرَفَه ، ولا عرف أسْماءَهُ ، ولا عرفَ رُبوبِيَّتهُ وأسماءَهُ ، وكذلك مَن أنْكَرَ أن يكون قد قدَّر ما قَدَّرَهُ من ذلك لِغَيْر حِكْمَةٍ بالِغَة ، وغايَةٍ مَحْمودَة يسْتَحِقُّ الحَمْد عليها ، وأنَّ ذلك إنَّما نشأ عن مشيئَةِ مُجَرَّدة عن حكْمةٍ وغايَةٍ مطْلوبة)) ، فالله تعالى ما يفعله هو عن حِكْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَةٍ ، ورحْمَةٍ بالِغَةٍ بالِغَةٍ ، وعَدْلٍ بالِغٍ بالِغٍ .

          وأكثر الناس يَظُنُّون بالله غير الحقّ ، ظنَّ السَّوْء ، فَمَن ظنَّ بالله ذلك فما عرَفَهُ ، ولا عرف أسْماءَهُ ، وصِفاته ، ولا عرف موجِبَ حَمْدِهِ ، وحِكْمَته ، فَمَن قنَطَ من رحمة الله ، وأيِسَ من روحِهِ فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء ، ومن جوَّز عليه أن يُعَذِّب أوْلياءَهُ مع إحْسانِهم ، وإخْلاصِهم ، ويُسَوِّي بينهم وبين أعْدائِهِ ، فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء ، ومن ظنَّ أنَّ الله جل جلاله يخْلق خلْقَهُ سُدًى مُعَطَّلين من الأمْر والنَّهْي ، ولا يُرْسِلُ ، ولا يُنْزِلُ عليهم ، كتبهُ بل يتْرُكهم هَمَلاً كالأنعام فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء ، ومن ظنَّ أنّ الله جلَّ جلاله لن يجْمَعَ عبيده بعد موتِهم للثَّواب ، والعِقاب في دارٍ يُجازى فيها المُحْسِنُ بِإحْسانِه ، والمسيء بِإساءَتِه ، ويُبَيِّن لِخَلْقِهِ حقيقة ما اخْتَلَفوا فيه ، ويُظْهِرُ للعالمين كلَّهم صِدْقَهُ وصِدْق رُسلِه ، وأنّ أعْداءَهُ كانوا هم الكاذبين ؛ فقد ظنَّ به ظنَّ السَّوْء ، ومن ظنَّ أنَّ الله تعالى يُضَيِّعُ على عبْده عملهُ الصالِح الذي عَمِلَهُ خالِصًا لِوَجْههِ الكريم على امْتِثال أمْرِهِ ، ويُبْطِلُهُ عليهم بلا سبب من العَبْد ، وأنَّهُ يُعاقِبُه بما لا صنيع له ؛ لأنَّهُ قدَّر عليه ذلك قبل أن يُخْلَق ، ولا اخْتِيار له ، ولا قُدرة ، ولا إرادة في حُصوله ، بل يُعاقِبُه على فعْلِهِ هو سبحانه ، أو ظنَّ أنَّهُ يُجَوِّزُ عليه أن يُؤَيِّد أعداءه الكاذبين عليه بالمعجِزات التي يُؤَيِّدُ بها أنبياءه ورسله ، ويُجْريها على أيْديهم ؛ يُذِلُّون بها عباده - الآن دَقِّقوا - ومن ظنَّ أنَّهُ يَحْسُنُ منه كل شيء حتى تعذيب من أفْنى عمره في طاعته ؛ فَيُخَلِّدُهُ في الجحيم أسْفَل سافِلين ، ويُنَعِّمُ من اسْتَنْفَذَ عمره في عداوته وعداوة رسلهِ وأنبيائِه فيَرْفَعُهُ إلى أعلى عِلِيِّين ، فهذا الإله العظيم يضع مَن أمْضى كلّ حياتِه ، وكلّ عمره في طاعة الله ، وخدْمة عباده ، والإيمان برُسُلِه ، والدَّعوة إليه ، ومع ذلك يَضَعُهُ في جهَنَّم أسفل سافلين ، ، ويُنَعِّمُ من اسْتَنْفَذَ عمره في عداوته وعداوة رسلهِ وأنبيائِه فيَرْفَعُهُ إلى أعلى عِلِيِّين !! كل شيء يَصْدُر عنه يَحْسُن ، وكِلا  الأمْرَين ؛ أن يَضَعَ أولْياءه في النار ، وأعْداءَهُ في الجنَّة ، في الحُسْنِ سواء عنده ، ولا يُعْرفُ امْتِناع أحدهما ووُقوع الآخر إلا بالخَبَر الصادِق ؛ أي لو ثبت بالخبر الصادِق وَضع المؤمنين في جهنَّم ، والمذنِبين في الجنَّة كان هذا الكلام صحيحًا .

          وإلا فالعَقْل لا يقضي بِقُبْح أحدهما ، وحُسْن الآخر ، فالعقل ليس مقْياسًا صحيحًا ، ومَن ظنَّ به أنَّهُ أخبَر عن نفْسِهِ وصِفاتِه بِما ظاهرهُ باطل ، وتشْبيهًا وتمْثيلاً ، ، وترك الحق لم يُخْبِر به ، فأصبح المعنى أنَّ الله تعالى يُضَلِّلُ عباده ‍‍!! لكنَّ الله تعالى كلامُهُ الصِّدْق ، وإذا قال لك : أنت مُخَيَّر يعني أنَّكَ مُخَيَّر ، فلا تُحاوِل أن تدْخُل في شؤون الله الذاتِيَّة ، فالنبي عليه الصَّلاة والسَّلام نهاكَ عن ذلك ؛ تَفَكَّروا في مخلوقات الله ولا تفَكَّروا فيه فَتَهْلَكوا .

         ومن ظنَّ به أنَّهُ أخْبر عن نفسِه ، وصِفاتِه وأفعالِه بما ظاهرُهُ باطِل وتشْبيهًا وتمْثيلاً ، وترك الحق ، ولم يُخْبِر به ، وإنَّما رمَزَ به رُموز البعيد ، وأشار إليه إشارات مُلْغِزَة ؛ ولم يُصَرِّح به ، وصَرَّح دائِمًا بالتَّشبيه والتَّمثيل الباطل ، وأراد من خلْقِهِ أن يُتْعِبوا أذْهانهم ، وقِواهُم ، وأفْكارِهم في تَحْريف كلامِه عن مواضِعِه ، وتأويلهِ على غير تأويلِه ، ويتطَلَّبُ له وُجوه الاحْتِمالات المُسْتَكْرَهَة ، والتأويلات التي هي بالألْغاز والأحاجي أشبَه ، وأحاله في معرفة صفاتِه وأسْمائِه على عُقولِهم وآرائِهم ، لا على كتابه ، بل أراد منهم ألاّ يَحْمِلوا كلامهم على ما يعْرِفونه من خِطابِهم .

          أكبر حُجَّة يقولها بعض الناس عَدْلُهُ غير عَدْلِنَا ، لأنَّهُ لو وَضَع هذا الإنسان الطائع في النار فهذا ليس ظلمًا لأنَّنا في مُلْكِهِ .

         دَقِّقوا ؛ وأحاله في معرفة صفاتِه وأسْمائِه على عُقولِهم وآرائِهم ، لا على كتابه ، بل أراد منهم ألاّ يَحْمِلوا كلامهم على ما يعْرِفونه من خِطابِهم ولُغاتِهم ، والله عز وجل قال بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبين ، معنى ذلك أنَّ كلامَ الله عز وجل يُفْهَم وَِفْقَ كلام اللُّغَة العرَبِيَّة ، وَوِفْقَ أساليب العَرَبِيَّة في التَّعْبير ؛ وهل مِنَ المَعقول أن يُخاطِبَ الناسَ بِلُغَتِهِم ، وبِلِسانٍ عرَبِيٍّ مُبين ، ويريد منَّا غير الذي حكاه ؟! هذا لا يليق بالله عز وجل ، فالله تعالى خلقك لِيَرْحَمَك ، فهو كذلك ، وليس لِيُعَذِّبَك ، وإن قال لك : أنت مُخَيَّر ، فأنت كذلك ، وإن قال لك : أنا أعلم ، فهُوَ تعالى حقيقَةً يعْلَم ، فأنا أريد أن نكْتَفي بِما قالهُ الإله الكريم في كتابه ، وأنا لا أتمنَّى على الله إلا كتابًا في العقيدة لا ينطلق إلا من القرآن والحديث فقط ، أما عِلْمُ الكلام إن دخَلَ في العقيدة يجْعَلُها ألْغازًا ، وأحاجيّ .

        نُكْمِلُ ؛ قال : بل أراد منهم ألاّ يَحْمِلوا كلامهم على ما يعْرِفونه من خِطابِهم ، ولُغَتِهم ، مع قُدْرَتِه على أن يُصَرِّح لهم بالحقّ الذي ينبغي التَّصْريح به ، ويُريحُهم من الألفاظ التي توقِعُهم في اعْتِقاد باطل ، بل سلك بهم خِلاف طريق الهُدى والبيان ، ومن ظنَّ ذلك فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء ؛ فَكُلُّ هذا الكلام على قوله تعالى :

[ سورة آل عمران ]

         وتَوْضيحًا لهذه الحقيقة أقول : أنتم تسْكُنون في الشام ، ولو أنّ أحدكم ذَهَبَ إلى أمْريكا ، واشْتَرى كتاب جغرافيا مِن أرْقى مُسْتوى ، وأكبر دار نَشْر نشَرَتْهُ ، مِن ألف ومائتي صفْحة ، تأليف مجموعة من الدَّكاتِرَة ، فَتَح على الشَّرْق الأوْسَط ، فإذا دمشق تحت بيروت على الساحِل ؛ أَيُّهُما أصْدَقُ عنده ، دِمَشْق في الداخِل ، أم أن يرى دمشق على الساحِل ؟ فالمؤمن شُعورًا بِكَمال الله عز وجل أقوى مِن أيِّة مناقَشَةٍ عِلْمِيَّة ، فَلِذلك المؤمن يُحْسِنُ الظنَّ بالله تعالى .

       فإن ظنَّ قائل أنَّهُ غير قادِرٍ على التَّعْبير عن الحق باللَّفْظ الصَّريح الذي عبَّرَ به هو ، وسَلَفُه فقد ظنَّ بِقُدْرَتِهِ العَجْز ، فإذا لا يَقْدِرُ الله تعالى أن يُعَبِّر تعبيرًا واضِحًا يُريحُنا من هذه الخِلافات ، معنى ذلك أنَّ الله عاجز عن الكلام ، وإن قال : إنَّهُ قادِر ، ولم يُبَيِّن ، وإنَّه عدَلَ عن البيان ، وعن تَصْريح الحق ، وأنَّهُ يوهِم خِلاف ما قال فقد ظنَّ بِحِكْمَتِه ورحْمَتِه ظنَّ السَّوْء ، فهو إمَّا أن يظنّ بقُدْرَتِه عن التعبير ظنَّ السَّوء ، وإما أن يظنّ بِرَحْمَتِه ، وقُدْرَتِه ظنَّ السَّوْء .

          وبالجُمْلَة من ظنَّ به خِلاف ما وَصَفَ به نفْسَهُ فقد خاب وخسر ؛ فالله عز وجل وصَفَ نفْسَهُ بالعَدْل بالآية ، أو عطَل حقائق ما وصَفَ به نفْسَهُ ، آية واضِحة بِلِسانٍ عربيٍّ مبين ؛ لو قرَأتَها على مليون عربي لقال لك : هذا هو معناها !

           ومن ظنَّ أنَّ أحَدًا يشْفَعُ عنده من دون إِذْنِهِ ، أو أنَّ بينه وبين خَلْقِهِ وسائِط يرْفَعون حوائِجَهم إليه ، أو أنَّ أحَدًا نصَر عباده وأوْلِيائَه من دونه ، ويتقَرَّبون بهم إليه ، ويتوَسَّلون بهم إليه ، ويَجْعَلونهم وسائط بينه وبينهم  فَيَدْعونهم ويخافونهم ويَرْجونهم فقد ظنَّ به أقْبَحَ الظنّ وأسوَأهُ .

           ومن ظنَّ أنَّهُ يُسَلِّطُ على رُسُلُه أعْداءَهُ تَسْليطًا مُسْتَقِرًّا دائِمًا في حياتِه وفي مماتِه ، ولا يُفارِقونَهُ ، فلَمَّا مات اسْتَبَدُّوا بالأمن دون وَصِيَّتِه ، و ظَلموا أهل بيْتِه ، وسَلَبُوهم حُقوقهم ، وأذَلُّوهم وكانت العِزَّة والغَلَبة والقهْر لأعْدائِه وأعْدائِهم دائِمًا ، مِن غير جُرْمٍ ولا ذَنْبٍ لأوْلِيائِه وأهل الحق ، وهو يرى قَهْرَهم لهم ، وغَصْبَهم إياهم حقَّهُم ، وتَبْدبلهم دين نبِيِّهم وهو يَقْدِرُ على نُصْرتهم ، وحِزْبُهُ وجُنْدُه فقد ظنَّ بالله ظنَّ السَّوْء .

           والذي أريده بهذا الكلام أنَّ هذا الكَوْن ينْطلق بكمال الله ، ووَحْدانِيَّتِه وينطقُ بِوُجوده ، وهو الشيء الثابت ، وكمالُ الخَلْق يدُلّ على كمال التًّصرُّف ، ولكنَّ البشر جميعًا لا يسْتطيعون أن يُحيطوا بِعِلْمِ الله ، ولا أن يَفْهموا ذات الله ، فهذا شيء فوق طاقتنا ، إلا أنَّهُ يَكْفينا أنْ نفى الله تعالى عن نفْسِهِ الظُّلْم ، فهل في هذا إشْكال ؟ يَكفينا أنّ الله تعالى بآياتٍ صريحة وغير صريحة أكَّدَ أنَّنا مُخَيَّرون ، وأنّ الله تعالى لا يظْلِمُنا ولا النبي عليه الصلاة والسلام يستطيع أن يُحيط بالله تعالى ، وأنا أتَمَنَّى من إخواننا أنْ يمسكوا موضوع القضاء والقَدَر ؛ والنبي عليه الصلاة والسلام وصَانا وقال : ((إذا ذُكِرَ موضوع القضاء والقَدَر فأمْسِكوا)) ، فأنت معك دليل ‍، وكلُّ هذا الكون ينْطِقُ بِكَمال الله وبِوَحْدانِيَّتِه ووُجودِه وهذا المنهج الذي بين أيْدينا مَنْهَجٌ كامٍل وموصِل إليه ، أما أن ندْخل في ذات الله ؛ فَكَيف نُوَفِّق بين أنَّه تعالى يعْلم ، وبين أنَّ الإنسان مُخَيَّر ؟ فهو تعالى يعْلَم ، قال تعالى :

[ سورة الحجرات ]

تَعَلَّق عِلْمُ الله بِكُلِّ شيء ، وقال تعالى :

[ سورة الأنعام ]

            فقالوا : أنت مُخَيَّر بِمِائَة آية ، ويعلم بِألف آية ، فأنا حتَّى أجعل مُلَخَّصًا لما جرى في الأسبوع الماضي أقول : الله عز وجل كامِل ، ثمَّ أصبحنا أيها الإخوة وكأنَّنا لا نفهم معنى العُبودِيَّة! ما العُبودِيَّة ؟ أنت عَبْدٌ ومُهِمَّتُك أن تتحَرَّى أمْرَهُ تعالى وتُطَبِّقَهُ وعندها تنتهي مُهِمَّتُك ، والدليل قوله تعالى :

[ سورة الزُّمَر ]

         فقد أصبح بعضنا يتطاوَل إلى أن يُناقِشَ الله عز وجل ، لِمَ فَعَلْتَ ؟ ولِمَ لمْ تَفْعَل ؟ ولِمَ تَعْلَم؟ ولِمَ لا تعلَم ؟ ليس هذا هو مقام الإنسان ! فالعَبْدُ عَبْدٌ والربُّ ربٌّ .

        أنا أحْيانًا أميل إلى السَّلَف الصالِح من حيث أنَّنا عِباد ، وما علينا إلا أن نُطيعَهُ ، وانْتَهى الأمْر ، وهذا عِلْمٌ عالٍ ، فأنت في أعلى درَجات العلْم حينما تقول : لا أدْري ! والعَجْزُ عن الإدْراك إدْراك ، فالذي يدْخُل في متاهات ، ويتَّهِمُ الله تعالى في عَدْلِه وعِلْمِهِ ويقول : الله تعالى لا يعْلَم ! فهل هذا هو مقامُك ؟ أن تنفي عن الله العِلْم مِن أجل أن تُثْبت بِبَساطة وسذاجَةٍ أنَّهُ عادِل !! ألا يكْفي أنَّه نفى عن نفْسِه الظُّلم في كثير من الآيات ؟ عِلْمًا أنَّك لن تستطيع أن تُثْبِتَ عدالتَهُ بِعَقْلِك إلا في حالةٍ واحِدَة ، وهي أن يكون لك عِلْمٌ كَعِلْمِ الله ؛ كُلُّ هذا الكون لا يَكْفيك ! فأنت لو دَخَلْتَ إلى طبيب ، ووجدْتَ على الحائط شَهادة بورد ، وهي أكبر شهادة طبّ في العالم ! فيُمْكِن لهذا الطبيب أن يُعْطيك دواءً لا ترْضَى به أنت ! فلا أعْتَقِدُ أنْ يَشُكَّ المريض بالطبيب العالم ، والمُخْتَصّ ولو جاءَتْ التَّعْليمات خِلاف المرغوب ، أفلا يسْتَحِقُّ الله جلّ جلاله ، وهذا الكَوْن الذي خلقَهُ لنا أن نسْتَسْلِمَ له ؟ لذا أنْصَحُكم ؛ هناك موضوعات عليكم أن تُريحوا أنفسَكم منها ، والوَقْت ثَمين والمُهِمَّة كبيرة ، والجنَّة عرْضُها السَّماوات والأرض ، وهي تَحْتاج إلى اسْتِسْلام ، فأكبر خطأ نرْتَكِبُه جميعًا هو : هل أنَّ عَقْلَنا قادِرٌ على فَهْمِ كلِّ شيء ؟! لا ، عَقْلُكَ ميزانٌ مَحْدود ، وَلَهُ مُهِمَّات مَحْدودة ، فما دُمْتَ تَصْرِفُهُ إلى هذه المُهِمَّات فَهُوَ يُعْطيك أرْوَع النَّتائِج ، أما حينما تتجاوَزُ المُهِمَّات التي أُنيطَتْ به ؛ فرُبَّما يعْطيك نتائِج غير مُتَوَقَّعة ، وتكون بهذا قد حَطَّمْتَ عَقْلَك.

        اليوم سَنُكْمِل الإلهِيَّات إن شاء الله عز وجل ، وبعدها ننتَقِلُ إلى النبوَّات إن شاء الله عز وجل .

        بالمناسبة أقول حول سؤال ذُكِر : إنَّه لا بدّ علينا أنْ نُعْمِلَ عقولَنا ، وأن نُفَوِّض في آنٍ واحِدٍ ، أنْ نُعْمِلَ عقلنا فيما قاله الله عز وجل ، لا في رَدِّهِ ، ثمَّ إنَّ كلام الشيخ ابن القَيِّم أَعُدُّهُ أنا حُجَّةً ، وهو شيء مُهِمّ جدًا ، فالله تعالى قال :

[ سورة الأعراف ]

وقال تعالى :

[ سورة الأعراف ]

            فالحاصل من كلامنا أنَّه لا يمكننا أن نُصَدِّق أن يُعَذَّب إنسانٌ إلى الأبَد ، ولا ذَنْبَ له ! وقال العلماء : الجَنَّـةُ مَحْضُّ فَضْلٍ ، والنار مَحْضُ عَدْلٍ ، فَهَل يُعْقل أنَّ إنسانًا لا ذَنْب له ولا اختِيار ولا إثْم يَخْلُدُ في النار إلى أبَدِ الآبِدين ، فَعَدْلُهُ تعالى يُفْهَمُ وَفْق مقاييِسِنا ، وكلامه يُفْهَمُ وَفْق لُغَتِنا .

          فالعقيدة شيء خطير إذا كانت على غير منهج الله تعالى ، ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلَّم ، وقد ذَكَرْتُ لأحدهم فقُلْتُ : لو أنَّ الإنسان مصاب بضَغْط ثمانية عشر ؛ وهذا يعني أنَّه يمكن أن تنتج عنه عواقب وخيمة ؛ انفجار شريان بالدِّماغ ! يُسَبِّب خَثرة دِماغِيَّة ؛ إما شللا أو فقْدَ ذاكرة ، فلو أنّ الواحِد يعتَقِدُ أنّ المِلْح ينزِّل الضَّغْط ؛ ما هذه الرأي ؟ هذا رأيٌ قاتِل ، أما لو نوى أن يأكل سُكَّرًا فإذا به يأكل الملْح ! فهذا خطأ لا يتكَرَّر ، أما الخطأ أنَّ الملح يُنَزِّل الضَّغْط فهو قاتِل ، فأخْشى ما أخْشاه أن يكون في العقيدة خلل ، وسوء ظنٍّ بالله ، ولا تقلْ : الله يعلم كلّ شيء، وانتهى الأمر ، لكنّ العلماء قالوا كلامًا نفيسًا ، وهو أنَّ عِلْمَ الله تعالى عِلْمُ كَشْفٍ وليس جَبْرٍ ، وأنت مُخَيَّر بِنَصِّ القرآن الكريم قال تعالى :

[ سورة البقرة ]

وقال تعالى :

[ سورة البقرة ]

          فأنت مُخَيَّر بِعَشرات الآيات ، والله تعالى يعْلم بِعَشَرات الآيات ، وانتهى الأمر ، وإلى هنا قِف ! لأنَّ القضاء والقدَر كالناظِر في الشَّمْس ؛ كلَّما ازْداد تَحْديقًا بها ازْداد عمًى ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : ((إذا ذكر القضاء فأمسِكوا )).

[ رواه المناوي في الفيض ]

         يُمْكِن أن تُفَكِّر في الكَون فَتَذوب كالشَّمْعَة ، تَعْظيمًا لله تعالى ، ولِعِلْمِهِ مِن خِلال صَنْعَتِهِ ، فهذا باب مُسْتَحْسَن ، ومَطْلوب ، ومَرْغوب فيه ؛ فَكِّرفي مخلوقات الله ، أما إنْ فَكَّرْتَ في الله فإنَّك تَهْلَك ، وهذا كلام نقوله لكل البَشَر ، قال تعالى :

[ سورة البقرة ]

وقال تعالى :

[ سورة الإسراء ]

ولا يعرف الله إلا الله ، ولا يعرف رسول الله إلا الله ورسول الله ، فَنحن نَقِفُ عند حَدِّنا ، ورَحِمَ الله عبْدًا عرف حَدَّهُ فَوَقَفَ عنده .

           أضرب لكم مثَلاً ؛ لو أنَّه قيل لك : لك عندي قصْرٌ في آخر هذا الطريق ! فالأوْلى أن أسير ، أم أنْ أبقى أُفَكِّر في القَصْر ؟‌‍‍! عَمَلٌ غير حكيم ، ولذا النبي عليه الصلاة والسلام قال : ((ادُّخِرَ سرّ القضاء والقدر إلى يوم القيامة )) ، فالله تعالى ادَّخَر لنا مُفاجأة ، والأمر إذا كان واضِحًا واضِحًا يصبح لا قيمة له ، فنحن ليس بالضرورة أن نعْرِفَ كلّ شيء فَمَثَلاً مثلَّث بَرْمُودا! لا أعرف كنهه ، والله تعالى جعَلَ هذا المثلَّث تَحَدِّيًّا للبشر، وليس شرْطًا أن أعرف ظروفه ؛ تَمُرُّ طائرة فَتَنْزِل ، أو باخرة فتَغوص ! ماذا بهذا المثلثّ ؟! هو لغزٌ في العالم ، ولا أحَدَ يعرف !!! مثلَّث قبل أمريكا ، ومرض الإيدز أليس سرّ ؟ وكذا مرض الرَّشَح أخْطر مرض يتحَدَّى العصْر ؛ يقول لك:  إن أخَذْتَ الدَّواء أو لم تأخذْهُ فَمُدَّة التخلُّص منه واحِدَة !! لذا لا تظنّ مِن السَّهْل الإحاطة بالله تعالى ! وهل يمكن أنْ تعرف نِهايَة الكَوْن ؟! دَعْكَ من خالق الكون ، وتعال إلى الكون ؛ هل هذه المجرات تعرف دقائقها بالتَّفْصيل ؟!  فالمجَرَّة تمشي بِسُرعة مائتين وأربعين ألف كيلومتر في الثانية ، والآن أين هي ؟ وإذا كانت المُوَرِّثات ؛ خَمْسَة آلاف مليون معلومة مُبَرْمَجَة مَوْضوعة على نُوِيَّة خَلِيَّة ، لم يعرفوا الآن إلا ثمانمائة فقط ! كرموزومات ؛ هذا طويل وذاك قصير ، وذاك عُيونه سود ، والآخر خضر ، وذلك زرق ، شَعْر كثبف ومُجَعَّد ؛ وهذا عصبي ، وآخر هادئ ، خمْسة آلاف مليون مَعْلومة تُسْهِم في تَشْكيل الإنسان .

             الشرايين تضيق ، وفَقْدُ الإنسان لِشَوارِد البوتاسيوم يجعله يسقط حينما يقفُ ، فإذا  تَقَدَّم الإنسان في السِنّ ، وضَعُفَت عنده هذه الشَّوارِد تجده عندما يقف يسقط رأسًا ! ما هذه الآلِيَّة ؟ لا يزال جسم الإنسان يحوي ملايين المجاهيل التي لم يكتشِفْها الإنسان ، وكذا النبات والحيوان ، مئة وأربعون مليار خَلِيَّة سمْراء لم تُعْرَف وظيفتها بعْدُ في الدِّماغ ! فأنت إذا كنت لا تستطيع أن تعرف مخْلوقاتِه ، فكيف تريد أن تعرفه هو تعالى ؟!!.

             قال : ولم يَخْفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم ، وعلِمَ ما هم عامِلوه قبل أن يخلقهم ، الآن هذا سؤال : إذا قلنا : فألْهَمَها فُجورَها وتَقْواها ، إذا قيل لك : ألْهَمَها فُجورَها ،أي : أَجْبَرَها على أن تكون فاجِرَة ! هكذا فَهِمَها ، وقال لك آخر : ليس هذا هو المعنى ، ولكن إذا فَجَرَتْ تَكْشِفُ فِطْرَتُها العالِيَة أنَّها فَجَرَت ، فأيُّ المعنى الذي يليق بذات الله ؟ الثاني طَبْعًا إذْ لو قلنا بالقَول الأوَّل لكان فُجورها من فِعْل الله تعالى ، ولا ذَنْبَ لها به لكنَّهُ يُعَذِّبُه على فُجورها .

            وهناك معنىً آخر وهو أنَّهُ تعالى فطَرَها فِطْرَةً بِحَيْث إذا فَجَرتْ تَعْلِمُ أنَّها فَجَرَت مِن دون مُعَلِّم ، ومن دون مُوَجِّه ، فلا تقل : ولكن ، وإن سَرَق ، وزنا ! فهذا الأمر بالماضي ؛ قال : سرقَ ولم يقل يسْرق فالإنسان إذا أسْلَم فإسلامه يَجُبُّ ما قبله .

           بالمناسبة ؛ سيِّدُنا يوسف عليه السلام هل كان معه كتاب سماوي ؟ ولكن كان معه شيء لا يقل من مرتبة الكتاب ، قال تعالى :

[سورة يوسف]

فَتَأويل النَّص عِلْمٌ قائِمٌ بذاتِه ! والقُدْرة على فَهْم النَّص اخْتِصاص .

قال : فإنَّه سبحانه يعْلم ما كان وما يكون ، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، كما قال تعالى :

[سورة الأنعام]

وإن كان يعلم أنَّهم لا يُرَدُّون ، ولكن أخبر أنَّهُم لو رُدُّوا لعادوا كما قال تعالى :

[ سورة الأنفال ]

          وفي ذلك رَدٌّ على الرافضة والقَدَرِيَّة الذين قالوا : إنَّهُ لا يعْلمُ الشيء قبل أنْ يَخْلُقَهُ ! فلو كان الأمر كذلك فما الفرق بيننا وبين الله تعالى ؟ فلو كنت بِبُسْتانٍ ورأيْتَ ورَقَةً تسقط ، فأنت الآن علِمْتَ وهي تَسْقُط أنَّها تسْقُط ! والله تعالى قال :

[ سورة الأنعام ]

          فإذا أنت كنت تعلم حينما تسقط ، والله تعالى يعلم حينما تسقط فهل هناك فرق بين عِلْمِكَ وعِلْمه ؟! سِيَّان !!

قال : وأمَرَهُم بِطَاعتِهِ ونهاهُم عن مَعْصِيَّتِه ، وذكرُ الشيخ رحمه الله تعالى الأمْرَ والنَّهْي بعد ذِكْرِه الخلْقَ والقَدَر إشارَةً إلى أنّ الله تعالى خلَقَ الخَلْق لِعِبادَتِه ، كما قال تعالى :

[ سورة الذاريات ]

وقال تعالى :

[ سورة الملك ]

            قوله : كلّ شيء يجْري بِتَقْديرِهِ ومشيئَتِه ، ومشيئَتُهُ تنْفُذ ، ولا مشيئَةَ للعِباد إلا ما شاء لهم ، فما شاء لهم كان ، وما لم يشأ لم يكن .

           اسْمَحوا لي الآن أن أقْرَأ الآيات ، وأُفَسِّر معناها ، فهذا الكونُ كَوْنُ الله تعالى ، ولا يقَعُ شيء إلا بِمَشيئة الله تعالى ، ولا يستطيعُ عَبْدٌ مهما كان كبيرًا أن يفعَلَ شيئًا ما أراده الله ، وإنّ كلّ شيء وقع أراده الله تعالى ، وكل شيء أراده الله وقَع ، وإرادة الله تعالى مُتَعَلِّقَةٌ بالحِكْمَة المطلقة ، وحِكْمَتُهُ المطلَقَة مُتَعَلِّقَةٌ بالخير المطلق ، فَكُلُّ شيء يجري بِتَقْديره ومشيئَتِه ، ومشيئتُهُ تنْفذ لا مشيئة للعبد ، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن ، وهذا الكلام يحْتاج إلى تَوْضيح ، فَمَشيئةُ الله تَسْتَوْعِبُ مشيئة العِباد ، فأنت مُخَيَّر ، ثم أَراَدَ لا سَمَحَ الله إنسانٌ فاجر وفاسق أن يسْرِق ، فأراد الله له أن يُحَقِّقَ له اخْتِيارَهُ ، فمشيئةُ الإنسان تَعَلَّقَتْ بالسَّرِقَة ، ولأنَّ الإنسان مُخَيَّر تَعَلَّقَتْ مشيئة الله تعالى بِتَمْكينِهِ من السَّرِقَة ، ولكنَّ الله تعالى يُنَسِّق ؛ اِسْرِق مِن هذا !! فهو يُحَقِّق لِهذا السارِق مشيئَتَهُ ، ويُؤَدِّب هذا المَسْروق ، والظالم سوْط الله ينْتَقِمُ به ثمّ ينْتَقِمُ منه ، وهذا الكلام معناه أنَّ مشيئة الله تَسْتَوْعِبُ مشيئة الإنسان ، فلَمَّا يسرق هذا الكافر أو يقتل فهو ما فعَلَ إلا ما أراده الله تعالى ، لِحِكْمَةٍ بالِغَة ، حَقَّقَ لِهذا مشيئتَهُ لأنَّهُ مُخَيَّر ، وأدَّب بِهذه المشيئة بَقِيَّة خلقِه ، وهذا هو التَّنسيق ، وكل شيء يجْري بتَقْديرِهِ ومشيئته ، ومشيئتُهُ تنْفذ ، ولا مشيئَةَ للعباد إلا ما شاء لهم ، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن ، فالشيء إذا وَقَعَ يعني أنَّ الله تعالى قد شاءَهُ ، وإذا اخْتَرْتَ شيئًا وأنفَذتَ ما شئتَ فالمعنى أنّ خطَّة الله اسْتَوْعَبتْ مشيئتك ، فما كان لك أن تشاء ، وأن تُحَقِّق ما تشاء ؛ لولا أنَّ الله تعالى شاء لك أن تُحَقِّقَ ما تشاء ، فأنت تبقى مُخَيَّرًا ، ولكن فعْلَك يُنَسَّق من قِبَلِ الله تعالى .

قال تعالى :

[ سورة الإنسان ]

وقال تعالى :

[ سورة الإنسان ]

فأنت مُخَيَّر ، ومشيئتُكَ لا تَتَحَقَّق إلا أن يسْمَحَ لك الله تعالى ، فالفِعْلُ فِعْلُهُ  ولا يُحَقِّق لك مِن مشيئتِك إلا ما يشاء ، ثمّ قال تعالى :

[ سورة الإنسان ]

فالقَضِيَّة ليْسَت مِزاجِيَّة ، فهو تعالى أدْخَلَ المُقْسِطين ، ولم يُدْخِل الظالمين ، وأدخل المستقيمين ، وهذا يعني أنّ مشيئته مُقَنَّنة بِكمالِهِ .

          فأنت لك مشيئة لكنَّ هذه المشيئة تفْتَقِرُ إلى فِعْل ، والله عز وجل فعَّال لِما يُريد أما أنت وأنا نشاء ولا نفْعَل ، فمثَلاً أتمنَّى أنا أن يكون معي ألف مليون ، ولكن لا أسْتطيع ، إلا أنّ الله تعال فعَّال لما يريد ، ومشيئة الإنسان يتحَقَّقُ منها ما يُريدُه الله تعالى فإذا انْقَلَبَتْ إلى فِعْل ، فَمَشيئة الله تعالى شاءت أن تقَعَ هذه المشيئة ، فَتَنْفيذ المشيئة تحتاج إلى مشيئة الله تعالى .

           فأنت - حسب أصحّ الكلام - سُمِحَ لك أن تخْتار ، وشاءتْ مشيئة الله أن تكون أنت ذا مشيئة ، فأنت مُكَرَّم ، أما كل الخَلْق فمُسَيَّرون ؛ الحيوان والملائكة والجماد ؛ إلا الإنس والجنّ اللَّذَيْنِ شاءت لهما مشيئة الله أن يشاؤوا ، قال تعالى :

[ سورة الإنسان ]

وقال تعالى :

[ سورة الأنعام ]

              ما معنى هذه الآية ؟ إذا صعد شخصٌ إلى السماء ، ورجع بعد ساعتين،  وقال : رأيت الذات الإلهِيَّة فالآن أُومِن ، أما الآخر فقال : لا ، أنا لا أومن ، وإذا خرج شخصٌ من قبره ، وقال : هناك آخرة أُصَدِّقُه ، وذاك قال : إذا مشى الجبل أُصَدِّق ، فالله تعالى قال :

[ سورة الأنعام ]

           فالله رسم للإيمان طريقه ، وبشَكْلٍ مُبَسَّط لو أنَّك تقرأ الطب خمْس سنوات فلن تحصل على شهادة طبّ ، ولو بقيتَ في المستشْفيات خمْس سنوات كذلك لن تنالها إلا إذا تحَصَّلْتَ على شهادة البكالوريا بِتَفَوُّق ؛ فلن تكون طبيبًا حتَّى تسْلك الطريق التي رُسِمَتْ للأطِبَّاء ؛ بكالوريا زائد سبع سنوات دراسة طب ، وإلى آخره ، فلو أنَّكَ طَلَبْتَ الإيمان بالله عن طريق المعْجزات فلن تؤمن إذا شاء الله ، فاليهود رَأوْا المُعْجِزات ؛ عصاً أصْبَحَتْ ثعبانًا ‍‍فمنهم مَن انحرف وضلّ ! فالآية هذه دقيقة جدًا ، والله تعالى رسَمَ للإيمان طريقَهُ ، فلن تؤمن إلا من خِلال هذه الطريق ، قال تعالى :

[ سورة الأنعام ]

لأنَّ الفعْلَ فِعْلُهُ .

          هناك مَثَلٌ أُوَضِّحُهُ لكم كثيرًا ، وأذْكرهُ كثيرًا ، أنت صَيْدلي وتطلب مُوَظَّفًا على مستوى عالٍ من الثَّقافة ، وأرَدْتَ أن تمْتَحِنَهُ ، فأتَيْتَ بِكَمِيَّة من الدواء ، وقلتَ له : ضعْ هنا الفيتامينات ، وهنا الحبوب ، وهنا السُّموم ، ثمّ قلت له : وَزِّع هذه الأدْوِيَة ! فلو أنَّه وضَع الفيتامينات مع السُّموم ، ومنَعْتَهُ من الإتْمام فأنت لم تمْتَحِنْهُ ! لكنَّك تشاء له أن يتَحرَّكَ خطأً ، لأنَّهُ في مَوْطِن الامتِحان ، فالله تعالى ما أمَرَ بالكُفْر ، فإن كفَرَ شخصٌ فهو تعالى أراد ، ولم يرْضَ ، ومعنى أراد أي سَمَحَ .

ومِن ثَمّ قال تعالى :

[ سورة يونس ]

            لو أنَّ الله تعالى ألغى الاخْتِيار ، وجعلنا كالملائكة والحيوانات ، لا تكليف ، ولا أمانة ولا شَهَوات ، فالله تعالى أعْطانا الحُرِيَّة كي نرْقى بها ، ونكون مخلوقات مُتَمَيِّزَة جدًا .

هناك آية فيها إشكال ، وهي قوله تعالى :

[ سورة الأنعام ]

         فالله تعالى يُعينُ المؤمن إذا اخْتار الطريق الصحيح ، ويشْرح صدْره ؛ فهذه اسمُها مُعينات ، فالإنسان إذا صلى واستقام يُسَرُّ ويرتاح ، فهذا خلق الله فيه السرور والراحة تَشْجيعًا لك، وإذا انتَكَس الشخصُ ، وترك الصَّلاة ، وخرق الاستقامة فإنَّهُ يجدُ ضيقًا ، فالقلوب بِيَد الرحمن، يشْرحها لك تشْجيعًا لك ، ويُضَيّقُها رَدْعًا لك ، ليس المعنى أنّ الإنسان مَجْبور ، فأنا أُحاول أن أُبَيِّنَ معنى الآيات التي يُفهَم منها خطأً عقيدة الجبْر .

قال تعالى :

[ سورة هود ]

        كيف نُفَسِّرُ هذه الآية ؟ معنى كلمة يُغْوِيَكم ؛ أيْ يُخْرِج ما في نُفوسِكم من شرّ ! الإغْواء هو الإضلال ، فالله تعالى لو أراد أن يُغْوِيَكم لما أفادكم نصحي وهناك معنى ثانٍ ؛ وهو لو اعْتِقَدْتم أنَّ الله خلقكم لِيُغْوِيَكم لن تسْتفيدوا من دَعْوتي .

قال تعالى :

[ سورة الأنعام ]

           فهذا ضَلال جَزائي ، المَبْني على ضَلال اخْتِياري ، فمَثلاً لو أنَّ الإنسان له زوْجة ممتازة ، وعاملَها باللُّطْف ، وأحْسَنَ إليها ، فهذا لم يفْعَلَ شيئًا ، أما لو أُصيبَتْ زَوْجَتُهُ بشَلل - عافانا الله - ، ثمَّ تضايَقَ منها ، وأهْمَلَها ، فهذا كذَّاب ، ومنافق ، لأنَّه صاحب مصْلَحَة ، فالخبث الكامن لا يظهر إلا بالامْتِحان ، فالله عز وجل لمَّا علِمَ أنّ فيهم خبْثًا ، وضَعَهُم بِظَرْفٍ أخْرج به خُبْثَهم .

فإن قيل : يُشْكِلُ على هذا قوله تعالى :

[ سورة الأنعام ]

وقوله تعالى :

[ سورة النَّحل ]

وقوله تعالى :

[ سورة الزخرف ]

             فقد ذَمَّهم الله تعالى حيث جَعَلوا الشِّرْك كائِنًا منهم بِمَشيئَةِ الله ، فعَزَوا أخْطاءَهم وشِرْكَهم إلى الله عز وجل .

وكذلك ذمّ إبليس حيث أضاف الإغواء إلى الله ، إذْ قال في قوله تعالى :

 

[ سورة الحجر]

فالله تعالى ما أقَرَّهُ على هذا الكلام ، وهي دَعْوى إبليس !

        قال : قد أُجيب على هذه الآيات بِأجْوِبَة ؛ أحْسَنُها أنَّهُ أنْكر عليهم ذلك ، لأنَّهم احْتَجُّوا بِمَشيئَتِه على رِضاه وَمَحَبَّتِه ، فالمشيئة شيء ، وأمْرُهُ ورِضاه شيء آخر ، فأحْيانًا يكون الأب مُثَقَّفًا ثقافَةً عالِيَة ، فيَكون كلّ طُموح الأب أن يكون ابنه مُثَقَّفًا ، فإن لم يكن كذلك يَضَعُهُ في صَنْعَة يتعلمها ، فالأب شاء له العلم ، ولم يرْضَ لابنه أن يكون صاحب صَنْعة ، بل صاحب ثقافة دراسِيَّة ، فأكْبَر خلط أن تظن أنَّ مشيئته هي عَيْنُ رِضاه ، وأنَّ مشيئته عين أمْرِه ! لا ، ثم لا ، ما معنى ليس في إمكاني أبْدعُ مِمَّا أعْطاني ؟ هل يوجد أبٌ يَتَمَنَّى لابنِه عَمَلِيَّة جِراحِيَّة ؟ ولكنه يرضاها له ، فَمَشيئته غير رضاه وغير أمْرِه .

وقالوا : لو كرِهَ ذلك وسَخِطَه لما شاءَهُ ، فجعلوا مشيئتَهُ دليل رِضاه ، فرَدَّ الله عليهم ذلك .

       أو أنَّهُ أنْكر عليهم اعْتِقادهم أنَّ مشيئة الله تعالى دليل على أمرِه به فليسَتْ مشيئة الله تعالى دليل على أمرِهِ ، ولا على رِضاهُ ، وهذا واضِحٌ .

       أو أنَّهُ أنكر عليهم معارضَتَهُ شرْعَهُ ، وأمْرَهُ الذي أرْسَل به رسله وأنْزل به كُتُبَهُ بِقضائه وقدره فجعلوا المشيئة العامَّة دافِعَةً للأمْر ، فلم يذْكروا المشيئة على جهة التوحيد ، وإنَّما ذكروها مُعارضين بها لأمْره ، دافِعين بها لِشَرْعِهِ ، كَفِعْل الزنادِقَةِ والجُهَّال إذا أُمِروا ، أو نُهوا احْتَجُّوا بالقَدَر ، وهناك رواية قال : وقد احْتَجَّ سارق على عمر رضي الله عنه بالقَدَر ، فقال : إنَّ الله قدَّر عليَّ ذلك ، قال : وأنا أقْطَعُ يدك بِقَضاء الله وقدَرِهِ ! إذا كنتَ تظنّ أنَّ هذه الجريمة التي قد ارْتَكَبْتَها بِقَضاء الله وقدره ، فنحن نقطع يدك بِقَضاء الله وقدرِه ، فهذا أراد أنَّ الله تعالى هو الذي أجْبره على ذلك ، ويشهد لِذلك قوله :

[ سورة الأنعام ]

        فَعَلِمَ أنَّ مُرادهم التَّكْذيب ، فهو مِن قبل الفِعْل مِن أين له أنْ يعلمَ أنَّ الله تعالى قدَّره أو لم يُقَدِّرْهُ ؟ أطَّلَعَ الغيْب ؟! فما دُمْتَ لا تعلم الذي يعْلمُه الله فهذا العِلْم لا يمكن أن يكون حجَّةً لك .

        وإن شاء الله تعالى في درْس قادِم نُتابع الموضوع ، ونَصِل إلى النبوَّات ، ونكون قد تجاوزنا أصعب جزء من الكتاب ، والباقي سيَكون سهْلاً إن شاء الله تعالى .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi