English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 16 / 20 من العقيدة الطحاوية  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس      : "يهدي من يشاء ، ويعْصِمُ ، ويُعافي فَضْلاً ...عدلا "

تفريغ              :  السيد عماد علان .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

           الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

            أيها الإخوة المؤمنون ، أجمل كلمةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بالقضاء والقدر ، ومُتَعَلِّقَةٍ بِذات الله عز وجل ، نُقِلَتْ عن وَهْبٍ بن مُنَبِّه فقد قال : نَظَرْتُ في القضاء والقدر فَتَحَيَّرْتُ ، ثمَّ نظرتُ فيه فَتَحَيَّرْتُ ، ووجَدْتُ أعلم الناس بالقَدَر أكَفَّهُم عنه ، وأجْهَلَ الناس بالقَدَر أنْطَقَهُم فيه !

معنى ذلك أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول :

[ سورة الإسراء ]

وقال تعالى :

[ سورة البقرة ]

         فنحن نتوَغَّلُ في المنطقة التي أُمِرْنَا أن نتَوَغَّلَ فيها ، وهي التَّفَكُّر في خَلْق الله ، وعلينا أنْ نحْجم عن المنْطقة التي نُهينا عن الخَوْض فيها ، مع أنَّنا نُحْسِن الظنَّ بالله عز وجل ، فَحُسْنُ الظنِّ بالله تعالى ثَمَن الجنَّة ، والله سبحانه وتعالى فيما أخْبَرَنا عن ذاتِه لا نُحِكِّمُ عُقولنا في ذاتِه تعالى ، فقد نفى عن نفْسِه الظُّلْم في آياتٍ كثيرة ، ويَكْفينا الخَبَرُ الصادق عن خالِقِ الأكوان أنَّهُ لا يظْلِم ، ولذا علينا أن نَلْتَفتَ إلى موضوعات أُمِرنا أن نخوض فيها ، وأن نتَوَغَّل فيها ، فَكُلَّما ازْدَدْنا فِكْرًا في خَلْق السَّماوات والأرض ازْدَدْنا عِلْمًا به تعالى وتَعْظيمًا له ، وخَشْيَةً وإقْبالاً عليه ، وسَعِدْنا في الدنيا والآخرة .

             قال الإمام الطحاوي : "يهدي من يشاء ، ويعْصِمُ ، ويُعافي فَضْلاً ، ويُذِلُّ من يشاء ، ويخْذُل ، ويبْتَلي عَدْلاً" ، كلامٌ دقيق جدًا يتراوَحُ بين الفضْل والعَدْل ؛ جنَّتُهُ جلَّ جلاله مَحْضُ فضْلٍ، ونارُهُ مَحْضُ عَدْلٍ ، فإذا أعْطى فَمِن فضْلِهِ ، ولا أجِدُ مثالاً في تَوْضيح هذه الفِكْرة مِن أنَّ أبًا رحيمًا عالِمًا له ابنٌ شَجَّعَهُ على الدِّراسة ووعَدَهُ بِجائِزَةٍ كبيرة جدًا إذا هو نَجَح ، فهذا الطِّفْل ظنَّ أنَّ ورقَة النَّجاح وحْدَها يُمْكِنُهُ أن يشْترِيَ بها هذه الجائزة ، فلما نَجَح وأخذَ جلاءَهُ تَوَجَّهَ إلى بائِعِ الدَّرَاجات ، وانتَقى أغلى درَّاجة ، فهل يأخذ هذه الدَّراجة لِتَفَوُّقِهِ ؟ لا ، لا بدّ مِن أن يدْفَعَ الأب ثَمَنَها ، فهذه الدَّراجة - وإن كان مثلاً بسيطًا - يدْفَعُ ثَمَنَها الأب ، وهي مَحْضُ فضْل منه ، إلا أنَّ دِراسَتَهُ لا تكْفي لاقْتِناء هذه الدَّراجَة ، لكنَّ الأب قال : إذا نَجَحْتَ فلك هذه الدَّراجة ؛ لذا فهي مَحْضُ فضْلٍ منه .

        إذا تاب المرءُ في سن الأربعين ، ومات في الخامسة والخمْسين ، كم سنة عاش ؟ خمْسَ عشرة سنة ، غَضَّ بصَرَهُ ، وحرَّرَ دَخْلَهًُ ، وأدَّى الصَّلوات ، وصام رمضان ، وحضر مجالِسَ العِلْم ، ثمَّ توفَّاهُ الله ، فاسْتَحَقَّ الجنَّة إلى الأبَد الآبِدين ، فَنَعيمٌ مُقيم في جنَّة عرضها السماوات والأرض لا يتناسَب مع عمَلٍ لا يتجاوَزُ بِضْعَ سنوات ! لَكِنَّ الجنَّة مَحْضُ فضْلٍ بينما النار مَحْضُ عَدْلٍ ، فهو تعالى إنْ عَذَّبَنا فبِعَدْلِهِ ، وإنْ كرَّمَنا فَبِفَضْلِهِ ؛ هذا كلامٌ دقيق ، يهدي من يشاء ، ويعْصِمُ ويُعافي فَضْلاً ، ويُذِلُّ من يشاء ، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً ، هنا نقْطة دقيقة وهي : أنَّنا إن قلنا: يُذِلُّ من يشاء ، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً معنى ذلك هناك سبب من المخْلوق وإلا انْقَلبَ إلى ظلْمٍ ، فلا بدّ مِن سببٍ مُتَعَلِّقٍ بالمَخْلوق ، فما دام يُذِلُّ من يشاء ، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً ، يَعْتَقِدُ المسلم أنَّ الله سبحانه وتعالى إنْ عَلِمَ في عبْدِهِ ذَرَّةً من خير ، فهذه تُنَمَّى ، وتُنَمَّى ، ويُشَجَّع ، ويُكافَأ ، ويُثاب ، ويتجَلَّى الله على قلبه ، ويُسْعِدُه ، ويشْرح له صدْره ، إلى أن تغْدو هذه الذَرَّة حجْمًا كبيرًا.

        ذكرْتُ لكم في الدَّرْس الماضي كلِمَةً تَهزّ مشاعر الإنسان ؛ النبي عليه الصلاة والسلام حينما بايَعَهُ أصْحابه في صلح الحُدَيْبِيَّة ، ولما انتهى أصحابه من بيعتهم أمْسَكَ يدًا بِيَد وقال : هذه عن عثمان ، تذكرون هذا في السيرة ، فإنَّهُ في حاجة الله ورسوله ، وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام ليس فيه شطحات أبَدًا ؛ ما معنى أنّ عثمان في حاجة الله ورسوله ؟ ما حاجة الله عز وجل ؟ حاجة الله عز وجل إسْعاد خلْقه وإكرامهم وهِدايتهم ، لذلك كلّ شيءٍ شاءهُ لهم قد يتناقض مع أمْره ورِضاه فَشاءهُ لهم أي سمَحَ لهم أن يفْعَلوه ؛ تَحْقيقًا للأمانة التي أوكِلَت إليهم ، وللتَّكْليف الذي كُلِّفوا به ، وتَحْقيقًا لِحُرِيَّة الاخْتِيار ؛ شاء ، ولم يرْضَ ، ولم يأْمُر ، فحينما نقول : إنَّ إضْلال الله عز وجل ، وخِذْلانه ، وابْتِلاءَهُ مَحْضُ عدْلٍ فَلِسَبَبٍ مِن المَخْلوق ، وهذا الكَسْبُ الذي يُحاسَبُ عليه الإنسان ؛ قال تعالى:

[سورة البقرة ]

        إذا ألْغَيْنَا سبب المخلوق كما قال ابن القَيِّم رحمه الله كما مر معنا في الدرس الماضي ؛ وإذا وضعَ الله عز وجل إنسانًا في النار إلى أبَدِ الآبِدين مِن دون ذَنْبٍ منه إطْلاقًا ، فهذا شيء يتناقض مع كمال الله وأسمائِهِ الحُسْنى ، لذلك هذه الكلمة على إيجازِها واخْتِصارِها لها دلالاتٌ كبيرة .

         أيها الإخوة ، أريدُ أن أضَعَ بين أيديكم هذه الحقيقة ؛ قد تقرأ كتابًا وتمْتلئ نفسُكَ إعْجابًا به ، وهذا لا يعْني أنَّ مُؤَلِّفَهُ مَعْصوم ، فلا ينبغي أن نعْتَقِدَ العِصْمَة لِغَير النبي عليه الصلاة والسلام ، فهو عليه الصَّلاة والسلام وحْدهُ مَعْصوم ، بينما أُمَّتُهُ بِمَجْموعِها معْصومة ، والمعنى أنَّ كلّ مسلمٍ ومؤمنًٍ وعالمٍ تَفَوَّقَ في جانِبٍ ، ولا أقول جَهِلَ جانِبًا ؛ غابَ عنه بعضُها ، فجاء أخوهُ فَتَفَوَّق في هذا الجانب ، وغاب عنه كذلك جانب آخر ، فمَجْموع العلماء والدُّعاة إلى الله مَعْصومون ، لا بِمُفْرَدِهِم ، وكيف تعْرِِف أنَّ هذا العالم ألَّف كتابًا من مائة صفْحة ؟! فقد تجد أخطاءً وثغراتٍ في صَفْحَةٍ من الصَّفحات ، وهذه النُّقْطة لا تقْدَحُ في مكانَتِهِ ، ولا تُقَلِّلُ من قيمتِه ولا تهدر كرامتَهُ ؛ لأنّ كلّ بني آدم خطَّاء وخير الخطَّائين التَّوابون ، فنحن لا نعتقِدُ العِصْمة إلا لِرَسول الله ، وما سِواه يؤْخَذُ منه ويُرَدّ عليه إلا صاحب القبَّة الخضراء .

            كيف تعرف كطالب عِلْمٍ أنَّ هذه الفِكْرة أو أنَّ هذا الكتاب لم يُدْرِك الصَّواب ؟ هذا يُسَمِّهِ العلماء التَّقاطُع ، فأنت قد تكون كطالب علم أقلّ شأنًا من كلّ هؤلاء العلماء ؛ وهذا ليس من باب التَّواضع ، ولكن قرَأْتَ لِهذا العالم فلفَتَ نَظَرَكَ إلى حقيقةٍ غابَتْ عن هذا العالِم ! نحن الآن ندْخُل في موضوع ؛ هل يجب على الله تعالى الأصْلَح ؟ هذا موضوع سَبَقَ أن عالَجْنَاهُ في جَوْهرة التَّوحيد ؛ هل يجب على الله تعالى الأصْلَح ؟ فالمُعْتَزِلَة قالوا : يجب على الله الأصْلَح ، وأهل السنَّة والجماعة قالوا : لا يجب على الله الأصْلَح ؛ لأنَّ الله تعالى لا يجب عليه شيء .

         أرْجو الله سبحانه وتعالى أن أكون دقيقًا في تَوْضيحِ هذا الجانب ‍! نعْتَقِدُ جميعًا أنَّ الله جلَّ جلاله كامِل ، وكماله كمالُ مُطْلَقٌ ، فما معنى كماله كمالُ مُطْلَقٌ ؟! القاضي العادل قد يحْكُم ألْف حُكْمٍ ، فَتِسْعُمائة حُكْمٍ وتسْعَةٌ وتسعون عادلة ، وواحِدٌ جائِر ؛ حينها يُسَمَّى القاضي عادِلاً ، بل حتَّى لو حكم عشْرة أحكام جائرة لَسُمِّيَ عادِلاً ! فهذا في حُكْم البشر ، ولأنَّ كمال البشر نِسْبِيّ ، لكِنَّ الله سبحانه وتعالى عدْله مطلق لا نسبي ، ففي الأرض الآن هناك ستة آلاف مليون إنسان ، وكم مِن حيوان ؟ وكم مِن نباتٍ ؟ فلو أنَّ شاةً نَطَحَتْهَا شاةٌ فلم يقتصّ للمَنْطوحة من التي اعْتَدَتْ عليها لما سُمِّيَ الله عادِلاً ‍! فالإله وَضْعُهُ ثانٍ ، وكمالُهُ مُطْلَق .

          فأوَّلاً : إن اعْتَقَدْنا الكمال المطلق لله عز وجل ؛ فكيف نقول : لا يجب عليه الأصْلَح ؟! أنا لا أشُكّ أنَّ أهل السنَّة والجماعة تأدَّبوا مع الله ولكن لماذا قالوا : لا يجب على الله تعالى الأصلح ؟ الله جل جلاله لا يجب عليه شيء ، وهذا شأن الإله لكنَّ الله سبحانه وتعالى أوْجَبَ على نفسه الأصْلَحَ ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

إنَّ ربي على صراط مستقيم ، وقال تعالى :

[ سورة الأنعام ]

          قبل عامَيْن تَوَصَّلْنا إلى حلٍّ رائع ، وهو أنَّ الله عز وجل يفْعل دائِمًا الأصْلَح ، ولكِنَّ عُقولنا قاصرة عن فَهْم الأصْلَح ! فالله جل جلاله يفْعل ما يتناسب مع كماله المطلق ، إذًا يفْعل الأصْلح مِن دون أن يكون عَقْلُنا مِقْياسًا لهذا الأصْلَح ، ولكِنَّ عُقولنا قاصرة عن فَهْم الأصْلَح ! لذلك قالوا في تعريف حِكْمَتِه : إنَّ كلَّ شيءٍ وقَعَ وقع لحكمةٍ ، لو لم يَقَع بالنَّحْوِ الذي وقَع لكان الله تعالى مَلومًا ، ولكان عدم وُقوع الذي وقع على النَّحو الذي وقع نقْصًا في حكْمته عز وجل ، ومِن هنا انْطَلَقَ الإمام الغزالي وقال : ((ليس بالإمكان أبْدَعُ مِمَّا كان)) ، الله جل جلاله لا يفْعل إلا الأصْلح لأنَّه كامل ولكِنَّ عُقولنا قاصرة عن فَهْم الأصْلَح !

       أحْيانًا تجد أبًا مات في رَيْعان الشَّباب ، وترك أوْلادًا أيْتامًا ، فالعَقْل القاصِر يقول : يا رب لو أبْقَيْتَ هذا الإنسان ! وما يُدْريك أنّ يُتْمَ هؤلاء الأولاد دَفَعُهم إلى سُلَّم التَّفَوُّق ، وأنَّهُ لولا وفاة الأب لكانوا في حالةٍ أخرى ! فأنت لا تعلم ، لذلك الآية التي لا أشْبَعُ مِن تِرْدادِها قوله تعالى :

[سورة البقرة]

          فَمِن باب الطُّرْفَة نقول : إنَّ المُتَفَوِّقون في كلِّ المجالات عاشوا طُفولَةً بائِسَة ، وأنت الآن تُقَدِّم لابنِك كلَّ شيء ، ومع ذلك لا يتفَوَّق ! فحينما أوْصَلْتَ له كلّ شيء رحْمَةً منك أفْقَدْتَهُ الدافِعَ إلى التَّفَوُّق .

         أعرِفُ رجلاً أخْرَجَهُ والِدُهُ من التَّعْليم الابْتِدائي ، ووالِدُهُ صاحب مكْتبة وليس مقتنِعًا بالعِلْم إطْلاقًا ، فهذا الابن الذي أُخرِجَ عُنْوَةً من التَّعْليم درس الشَّهادة الابْتِدائِيَّة خُفْيَةً عن والِدِهِ !! ثمَّ درس الإعْدادِيَّة ، والثانَوِيَّة ، ونال الحُقوق ، ثمَّ تقدَّم لِشَهادة الماجسْتير والدكتوراه ، وألَّف تفْسيرًا شهيرًا ، أهْدى منه نسخة إلى مسجدنا ، والِدُهُ شاء له أن يَدَعَ سبيلَ العِلْم ، وربَّمَا لو دَفَعَهُ والِدُه إلى العِلْم لاخْتَلَف الوَضْع ! وَرَدَ في بَعْض الأثر أنَّ الناس لو مُنِعوا عن فتِّ البعْر لفَتُّوه !! فالله تعالى له حِكَمٌ لا نعْرفها ، إلا أنَّهُ لو كُشِفَ الغِطاء ، فليس لنا إلا أنْ نخْتار الواقِع ، بل لذابَتْ أنْفُسنا محَبَّةً لله تعالى ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَّا له تاريخ ، ووُلِدَ من فلان وفلانة وفي المكان الفلاني وفي الزَّمَن الفلاني ، وبالقُدْرات الفُلانِيَّة والمُلابسات الفُلانِيَّة ، وبالبيئة والتَّفوُّق الفلاني ، هذا الذي رسَمَهُ الله لك ، لو كُشِفَ الغِطاء لما وَجَدْتَ أحْكَمَ ولا أرْوِعَ منه ، وهذا مَبْعَث طمأنينة المؤمن ، وهو أنَّهُ موقِنٌ بِحِكْمَة الله تعالى ، وأنَّ الأمْر كُلَّه بِيَدِ الله .

         قال : "يهدي من يشاء ، ويعْصِمُ ويُعافي فَضْلاً ، ويُذِلُّ من يشاء ، ويخْذُل ويبْتَلي عَدْلاً" ، وهذا ردٌّ على المعتزلة في قولهم بِوُجوب فِعْل الأصْلح على الله تعالى ؛ وهذه هي مسألة الهُدى والضَّلال .

       قالت المعتزلة : الهُدى من الله تعالى ، الهُدى من الله مبتدأ ، خبره بيان طريق الصَّواب ، والإضْلال تَسْمِيَةُ العَبْد ضالاًّ ، وحُكْمُهُ تعالى على العَبْد بالضَّلال عند خَلْق العبْد الضَّلال في نفْسِه، وهذا الذي نقوله أحْيانًا حينما يُعْزى الإضْلال إلى الله عز وجل ، فَهُوَ الإضْلال الجزائي المَبْني على إضْلال اخْتِياري .

    بالمناسبة ، نحن نذْكر المعتزلة كثيرًا ونعْتَقِدُ أنَّ عقيدتهم في بعض جوانِبِها باطلة وفاسِدَة وغير صحيحة ، وليس معنى هذا أنَّ كلّ شيءٍ قالَتْهُ المُعْتَزِلَة خطأ ! مُشْكلتُنا أنَّنا تَعَلَّمْنا من الغُلاة أنَّ في الحياة لونَيْن فقط أبيَض وأسْوَد ؛ إمّا أنَّهُ معنا أو ضِدَّنا ، وإما أنَّهُ مع الحق أو الباطل وإمَّا أنَّهُ مع الحقِّ أو الشَّيْطان ، وما تعَلَّمْنا أنَّ مليون لوْنٍ رمادِيٍّ بين الأبْيَض والأسْوَد ، لذلك فالإنْصاف بعيد عنَّا ، وعندنا غُلُوّ ، وأحْكامُنا جائرة ، وهناك تَطَرُّف ، وإذا أحْبَبْنا ألَّهْنا ، وإذا كرِهْنَا فسَّقْنا ؛ وهذه ترْبيَةٌ مغلوطة .

       النبي عليه الصلاة والسلام كان يسْتَعْرِضُ الأسْرى ، فإذا بِصِهْرِه بين الأسْرى ؛ زَوْجُ زيْنب ، فلماذا جاء ؟ جاء لِيُحارِبَ النبي عليه الصلاة والسلام ، ولو تمَكَّن لقَتَلَهُ ، فإذا به يقَعُ أسيرًا ، فالنبي عليه الصَّلاة والسلام ، وهذا كمالٌ منه قال : ((واللهِ ما ذَمَمْناهُ صِهْرًا)) ، فما ذكَر شيئًا عن إيمانِهُ ، ولا عن شِرْكِهُ ، ولا أنَّهُ جاء لِيُحارِب ، وقد يقْتل ، ولكنه عليه الصلاة والسلام أبْرَزَ أنَّهُ كان زوْجًا كريمًا لابْنَتِهِ !

        وهذا ابن بلْتَعَة ، الذي ارْتَكَب خِيانَةً عُظْمى في كُلِّ أعراف الأُمم ، فأرسل رسالةً لقريش قبل فتح مكة يقول فيها : إنَّ مُحَمَّدًا سيَغْزوكُم ، فَخُذوا حِذْرَكُم ، وجاء النبيَّ عليه الصلاة والسلام الوَحْيُ مُخْبِرًا إيَّاه بِما فَعَل حاطب بن أبي بلْتَعَة ، فَسَيِّدُنا عمر رضي الله عنه قال : دَعْني أضْرِب عُنُقَ هذا المنافق ! فقال : لا يا عمر ، إنَّهُ شَهِدَ بدْرًا ، فالنبي عليه الصَّلاة والسلام سألهُ : لمَ فعَلْتَ كذا وكذا ؟ فقال حاطب : واللهِ ما كَفَرْتُ ، وما ارْتَدَدْتُ ، ولكن أرَدْتُ أن تكون لي يدٌ بيضَاء عندهم ، أحْمي بها أهْلي ومالي !! فالنبي عليه الصلاة والسلام صَدَّقَهُ وقال : إنَّي صَدَّقْتُهُ فَصَدِّقوه ولا تقولوا فيه إلا خيْرًا ، لكِنَّ الغريب أنَّ في السيرة أحوالاً لا تُصَدَّق .

        فأنت لو كان عندك مُوَظَّفٌ ، ضَبَطْته يأخذ من الصُّنْدوق مبْلَغًا ، ويَضَعُهُ في جَيْبِهِ ، وقلبُك ممتلئٌ رحْمَةً اتِّجاهَهُ ، فإنَّك تُبْعِدُهُ عن الصُّنْدوق ، أما أن تُكَلِّفَهُ بعد هذه الخِيانَة بِأمانة الصُّنْدوق ؛ فهذا شيء غريب ‍‍.

       بِماذا كلَّفَ النبي عليه الصلاة والسلام حاطب بعد خِيانتِهِ ؟ أرْسَلَهُ مَنْدوبًا شَخْصِيًّا لأحَدِ المُلوك لِمُهِمَّة سِياسِيَّة ، وقد ارْتَكَب خِيانَةً عُظْمى فنحن ليس اعْتِقادنا في المعتزلة أنَّهم خلاف عقيدة أهل السنَّة ، يعني أنْ نضْرب أقوالهم كلَّها عرض الحائط ‍! لا ، ليس كلّ قَوْل قالَهُ المعتزلة جانبُوا فيه الصَّواب ، قال تعالى :

[ سورة الصف ]

إذا عُزِيَ الإضْلال إلى الله عز وجل فهو الجزاء المَبني على ضلال اختِياري .

       قال : والإضْلال : تَسْمِيَةُ العَبْد ضالاًّ ، وحُكْمُهُ تعالى على العَبْد بالضَّلال يكون عند خَلْق العبْد الضَّلال في نفْسِه ، وهذا القول مَبْني على أصلهم الفاسد ؛ أنَّ أفعال العباد مَخْلوقَةٌ لهم .

      وهذا غلط ؛ فَمَن يخْلُقُ الفِعْل ؟ العبدُ أم الربّ ؟ الربّ هو الذي يخلق ، أما المعْتَزِلة فقالوا : الإنسان يخْلق أفْعاله ، وهذا خطأ كبير ، قال تعالى :

[ سورة الأنفال ]

وقال تعالى :

[ سورة الأنفال ]

           لذلك حينما يُنْسَبُ الفِعْلُ إلى العبْد معنى ذلك أنَّ كلّ إنسان قادِر أن يفْعَلَ به من يشاء ، فأنا من أعبد عندئذٍ ؟ يجب أن أعبُدَ الخَلْق جميعًا !! وإذا كان كلّ إنسان يخلق فِعْلَهُ بِنَفْسِه ، فأنا أكون ضَحِيّة إذًا ، لأنَّ الله خلق القوِيّ والضَّعيف ، فلو أنَّ الناس كلَّهم مُتساوون لكان شيئًا آخر ، لكن هناك  القوِيّ والضَّعيف ، لذلك هذه العقيدة في نظر أهل السنَّة والجماعة وهم على حقٍّ فيها مَغْلوطَة لأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يخْلِقُ الأفْعال وليس للإنسان إلا الكَسْب ، قال تعالى :

[سورة البقرة ، الآية 286]

وقال تعالى :

[ سورة القصص ]

الحقيقة أنَّه يجب الوُقوفُ عند هاتَيْن الآيَتَيْن .

قال تعالى :

[ سورة الشورى ]

           معنى ذلك أنَّ دعْوَة النبي عليه الصلاة والسلام حقٌّ صِرْف ، لكِنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لا يمْلك إرغامَ الناس على الاخْتِيار ، فَقَبُول الدَّعْوة أو رَدُّها مَنوطٌ بالإنسان نفسه ، لذلك قال الله عز وجل :

[ سورة القصص ]

وقال أيضًا :

[ سورة البقرة ]

وقال تعالى :

[ سورة الزمر ]

 أما حينما دعا النبي عليه الصلاة والسلام فَدَعْوَتُهُ حقّ ، قال تعالى

[ سورة الشورى ]

           قال : ولو كان الهُدى بيانُ الطريق لما صَحَّ هذا النَّفْي عن نَبِيِّه ، لأنَّه صلى الله عليه وسلَّم بيَّن الطريق لِمَن أحَبّ وأبْغَض ، ومع ذلك قال تعالى :

[ سورة القصص ]

           فالهُدَى بيان الطريق مِن جِهَة الخالق عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام ، وقَبُول هذا أو رَفْضُه يكون مِن جِهَة المَخلوق ، فالهُدَى مُحَصِّلَة البيان مِن قبَلِ الخالق ، والقَبُول أو الرَّفْض يقع مِن قِبَل المَخْلوق .

قوله تعالى :

[ سورة السجدة ]

             قلنا : إنّ معناها : يا عبادي أنتم مُخَيَّرون ، فإن شئْتُم أن أنْزِعَ اخْتِياركم ، وأن أُجْبِرَكم ، فلو شئنا أن نُلغي اخْتِيارَكم ونلغي حَمْل الأمانة والتَّكْليف لأجْبرْناكم على الهُدى ، لأنَّ الله تعالى لا يأمر بالفَحْشاء ، قال تعالى :

[ سورة الأعراف ]

          ولو كان الهُدى من الله تعالى البَيَان فقط ، وهو عامٌّ في كُلِّ نفْس لما صَحَّ التَّقْييد بالمشيئة ، وكذلك قوله تعالى :

[ سورة الصافات ]

                النُّقْطة الدقيقة ؛ لأنّ الله عز وجل أوْدَعَ فينا هذه المشيئة الحُرَّة ، فَمَشيئَةُ الله مُتَعَلِّقَةٌ بِمَشيئة العَبْد لأنَّهُ أعْطاهُ الاخْتِيار ، فإذا شئْتَ الهُدى شاء الله لك الهُدى ، وإن شئْتَ لا سَمَحَ الله الضلال شاء الله لك الضَّلال حينما تُصِرُّ عليه .

               قال : وكُلُّهم يتقَلَّبون في مشيئَتِه بين فضْلِهِ وعَدْلِهِ ، ذَكَرْتُ مرَّةً كلمةً في تفسير آخر آيات سورة الدَّهْر وهي قوله تعالى :

[سورة الإنسان]

        مشيئة العَبْد مشيئة اخْتِيار ، لكِنَّ مشيئة الله مشيئة فَحْصٍ واخْتِبار ، فأنت مثلاً اِخْتَرْتَ هذا لَكِنَّك لم تدْفَعِ الثَّمَن ؛ اِخْتَرْتَ أن تكون صِدِّيقًا لكنَّك لم تسْعى لِهذه المَرْتَبَة ، فمشيئةُ العبد مشيئة اخْتِيار ، لكِنَّ مشيئة الله مشيئة فَحْصٍ واخْتِبار، قال تعالى :

[ سورة الإنسان ]

اُطْلب ما شئْت قال تعالى :

[ سورة الإسراء ]

قال الشيخ : "وكُلُّهم يتقَلَّبون في مشيئَتِه بين فضْلِهِ وعَدْلِهِ" ، فإنَّهم كما قال تعالى :

[ سورة التغابن ]

           فَمَن هداه إلى الإيمان فَبِفَضْلِه وله الحَمْدُ ، ومن أضَلَّهُ فَبِعَدْلِهِ وله الحمْد ، وسيأتي لِهذا المعنى زِيادَةٌ وإيضاح إن شاء الله تعالى ، فإنَّ الشيخ رحمه الله لم يجْمع الكلام في القدَر في مكانٍ واحِد بل فرَّقَهُ فأتَيْتُ به على ترْتيبِه ؛ هذا الموضوع سوف يأتي مُفَصَّلاً في مكانٍ آخر .

          "وهو مُتعالٍ عن الأضْداد والأنْداد" ، الضِّدّ هو المُخالِف ، والنِّدّ هو المِثْل فهو سبحانه وتعالى لا مُعارِضَ له ، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكُن لا مُعارِض إلى مثل ، ولا مُخالف إلى شبيه .

         لا تجد إنسانًا ليس لَدَيْه أضْداد وأشباه ، فأحْيانًا تكون في مَجْلس ، وتَحْمِل ليسانس بالفيزياء ، ولا يوجد غيرك يحمل هذه الشَّهادة ، فأنت تتحَدَّث بِطَلاقة عن المعادن ، وأشباه المعادِن ، والكيمياء ، أما إن وُجِدَ لك مثيلٌ حينها تتحَفَّظ ، إذْ هناك مَن يُشْبِهُك ، فإما أن يوجد مَن يُشْبِهُك أو مَن يُعارِضُك ، أما الله جلَّ جلاله فلا ندَّ ولا ضِدَّ ، قال تعالى :

[سورة الإخلاص]

               ويُشير الشيخ رحمه الله بِنَفْي الضِدِّ والنِدِّ إلى الردّ على المعتزلة بِزَعْمِهم العَبْد يخْلُق فِعْلَهُ ! فلو أنَّ العَبْدَ يخْلُقُ فِعْلَهُ لكان العبدُ نِدًّا لله تعالى ! فالله يخلق الأفعال وكذا الإنسان يخلق أفعالهُ ، وهذا غير صحيح .

               قولهُ : "لا رادَّ لِقَضائِهِ ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه ، ولا غالِبَ لأمْرِه" ، وقد ذكَرْتُ لكم مرَّةً أنَّ سيِّدنا عيسى عليه وعلى نبِيِّنا أفضل الصلاة والسلام قال :

[ سورة المائدة ]

            السِّياق يقْتضي إن لم يكن المرءُ حافِظًا للنص أن يقول : فإنَّك أنت الغفور الرحيم ! لكن الآية ليسَت كذلك ، فَمَعنى الآية دقيق جدًا ؛ ما مِن مَخْلوق يغْفِر إلا وَيُحاسَب ، فلو أنَّ مُوَظَّفًا طوى ضريبَةً عن مُكَلَّف فإنَّهُ يُتَّهَم ويُسْأل ويُحاسَب ، لكنَّ الله عز وجل إذا غفَرَ كانَ تعالى عزيزًا، وليس في الكون كلِّه مَن يسْأله : لماذا غفَرْتَ ؟! فالإله يغْفر لِحِكْمةٍ أرادها ، أما أنت فتتمَنَّى أن تغْفر لكِنَّكَ مُراقب ومُحاسَب ، ومَسْؤول عن طَيِّكَ الضريبة عن فلان دون فلان ! ويُفْتَحُ التَّحقيق في القَضِيَّة .

         آمَنَّا بِذلك كُلِّه ، أيْ لا يرُدُّ قضاء الله تعالى رادّ ، ولا يُعَقِّبُ ، أي يُؤَخِّرُ حكْمهُ  ، ولا يغْلِبُ أمْرَهُ غالِب ، بل هو الله الواحِد القَهَّار ‍.

         والله أيها الإخوة ، هذه الفِكْرة وَحْدَها تُلْقي في قلبِ المؤمن الأمْنَ والسَّلام ؛ أمْرُكَ بِيَدِه لا كما يقوله الناس ، إنها حركات صُهْيونِيَّة وماسونِيَّة ، ولا دخل لله تعالى ‍! لا ، الله هو القادِر ، وهو الفعَّال لِما يريد ، وأمْرُكَ بِيَدِه وحْده .

        قوله : "آمَنَّا بذلك كُلِّه ، وأيْقَنَّا أنَّ كلاًّ من عنده" ، أما الإيمان فسيأتي الكلام عنه إن شاء الله تعالى ، والإيقان الاسْتِقرار ، تقول يقَنَ الماء في الحوض إذا اسْتَقَرّ ، والتَّنْوين في (كُلاًّ) بدلٌ إضافي ؛ أي كُلَّ كائِنٍ مُحْدَثٍ مِن عند الله ليس بِقَضائِهِ وقدَرِه وإرادَتِهِ ، ومشيئتِهِ وتَكْوينِه ، وسيَأتي الكلام على ذلك في مَوْضِعِه إن شاء الله تعالى .

وبِهذا أيها الإخوة نكون قد أنْهَيْنا القِسْم الأوَّل من كتاب العقيدة الطَّحاوِيَّة المُتَعَلِّق بالإلهِيَّات ، وفي الدَّرْس القادِم إن شاء الله ننتَقِل إلى النُبُوَّات ، ونبدأ بالنبي عليه الصَّلاة والسلام وهو قوله ، وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ المُصْطفى ، ونبِيُّه المُجْتبى ، ورسولُهُ المُرْتَضى  .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi