English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 05 / 20 من العقيدة الطحاوية  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    :  قديم بلا ابتداء ودائم بلا انتهاء .

تفريغ              :  السيد عماد علان .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

         أيها الإخوة المؤمنون ، ننتقل في موضوع العقيدة إلى قول الإمام الطحاوي : قديم بلا ابْتِداء ، دائِمٌ بلا انتِهاء .

هذه الفقرة من العقيدة مأخوذة من قوله تعالى :

[ سورة الحديد ]

         وقول النبي عليه الصلاة والسلام في دعائِه الشريف : ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ)) .

[ رواه مسلم ]

         أما قول الإمام الطحاوي : قديم بلا ابْتِداء ، دائِمٌ بلا انتِهاء فهو مُطابقٌ تماماً لقول الله عز وجل :

[ سورة الحديد ]

       ولازلْتُ أؤكِّد حقيقةً ، أن نسْتنبط العقيدة بِبَساطةٍ ، وبِيُسْرٍ من كلام الله عز وجل ، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، لأنَّ في كلام الله تعالى من الدِّقَّة والوُضوح والإيجاز ما يُغْني عن كُلِّ تفْصيل .

       لا بدّ أن أقرأ لكم فقرةً من الكتاب تحتاج إلى شرْح ؛ يقول الإمام : والعِلْمُ بِثُبوت هذين الوَصْفين مُسْتَقِرٌّ في الفِطَر ، أيْ أنَّ الإنسان بِفِطْرتِه يعْتَقِد أنَّ الله سبحانه وتعالى هو الأوّل بلا ابْتِداء ، وهو الآخر بلا انتِهاء فَمَعنى مُسْتَقِرٌّ بالفِطَر أي أنَّ الإنسان أحْياناً يؤمن بالشيء من دون دليل فإذا آمن بالشيء من دون دليل فهذا اسْمه إيمان فِطْري ، فلو أنَّك قرأت القرآن الكريم شعَرْتَ أنَّهُ كلام الله ، وهذا الشعور أساسه أنّ فِطْرتك مجْبولةٌ على الإيمان بالله تعالى ، ضَرَبْتُ مرَّةً مثَلاً وقلتُ : لو أنَّنا جئْنا بخارِطة ذات بُعد ثالث ، ووضَعْناها ضِمن إطار خَشَبي ، ثمَّ صَبَبْنا عليها جِبْصيناً سائِلاً إلى أنْ جفَّ ، لوجدنا تطابقًا تامًا على مُستوى مِعْشار المليمتر على الخارطة البارزة والمُجَسَّمة وبين هذا القالب .

        أيها الإخوة ، النَّفْس البَشَرِيَّة في تطابقها مع الشرْع الحنيف ومع الدِّين لا تعْدو على أن يكون التطابق تاماً ! فأنت متى ترْتاح ؟ إذا عرَفْتَ الله ومتى تسْتَقِرُّ نفْسك ؟ إذا اتَّبَعْتَ منهجه ، ومتى تطْمَئنّ ؟ إذا ذَكَرْته ، ومتى ترْكن ؟ إذا اعْتَمَدْتَ عليه ، ومتى تشْعر بالأمْن ؟ إذا أطَعْتَهُ ، معنى ذلك أنّ الفِطَر مَجْبولةٌ على الإيمان بالله والاسْتِعاذة به واللُّجوء إليه ، مثَلٌ آخر أقرب ؛ هذه المرْكبة صُنِّعَت لِتَسير على طريق مُعَبَّد ، فإذا سارَت في طريق وعْر لم تقْطف ثِمارها ، وتَكَسَّرَتْ ، فهذه المركبة لهذا الطريق .

       أيها الإخوة ، العِلْم بِثُبوت هذين الوَصْفَيْن مُسْتَقِرٌّ في الفِطَر ، وكُلُّكم يعْلم أنَّ هناك خالِقاً ، وهناك ما سِوى الخالق ، فما سِوى الخالق هي الموجودات ، من كون وسماوات - قال : فإنّ الموجودات لا بدّ أن تنتهي إلى واجب الوُجود بِذاته قطْعاً للتَّسَلْسُل ، فما معنى هذا الكلام ؟ يعني إذا قلنا : مَن خلق هذا الكون ؟ قلنا : خلقه إلهٌ ، ومن خلق هذا الإله ؟ خلقه إلهٌ آخر ، ومَن خلق هذا الآخر ؟ حلقة مُفْرَغَة ، ونقع فيما يُسَمَّى التَّسَلْسُل غير المُتناهي ، فلا بدّ إذًا أن نقْطع هذا التَّسَلْسُل ، وهكذا يُقِرُّ العقل أنَّ برهان التَّسلسل يعني أنَّهُ لا بدّ في النِّهاية من خالقٍ لا يحْتاج إلى مَن يخْلُقُه ، وما سِوى ذلك مَخْلوقون ، هذه الموجودات يجب أن تنْتهي إلى واجب الوجود بِذاته ، مثل أقرب من ذلك أن نقول : من أين هذه البيضة ؟ من الدجاجة ، ومن أين هذه الدجاجة ؟ من البيْضة ، ثمَّ نبقى نُكَرِّر هذا الحدث ، فلا بدّ أن ننتهي إلى أنَّ هناك دجاجة خلقها الله مباشرةً هي التي أخْرجت بيْضةً ، والدجاجة هي التي خرجت من هذه البيْضة أما أن نسْتمِرّ إلى ما لا نِهاية ، فهذا تَسَلْسل غير متناهٍ ، فلا بدّ من قَطْع هذا التَّسلْسل ، والعقْل لا يقبل تسَلْسُلاً لا نِهائيًّا ، فالتَّسلْسُل حاصِل ، أما التَّسلسل اللانِهائي فمَرْفوض .

       قال : فإنَّنا نُشاهد حُدوث الحيوان أمام أعيُنِنا ، فالذي عنده هِرَّة قد يسْتيْقِظ أحْياناً ، وقد ولَدَتْ له هرر كثيرة ، وكذا النبات والمعادِن ، وحوادِث الجوّ كالمطر ، وغير ذلك ، وهذه الحوادِث وغيرها - دَقِّقوا - ليْسَتْ مُمْتَنِعَة إنَّما هي مَوْلودة ، هناك حيوان يولد ، ونبات ينْبت ، ومطر ينزل ، وبُحَيْرة تتشَكَّل ، ونَهْر يُشَق ، وبئر يُحْفَر ، إذاً هناك موجودات ، وهذه الموجودات ليْسَت ممْتَنِعة أي يُمْكن أن توجد ، فإنَّ المُمْتَنِع لا يوجد ، فلو أنَّها كانت ممتنِعة لم تكن موجودة ، فمادامتْ ليْست ممتنِعَة فهي موجودة وليْسَت واجِبَة الوجود لِنَفْسِها ، فأيّ شيءٍ موجود إلا أنّه لا يسْتطيع أن يخْلق ذاته بِذاتِه ، فإذا قلنا ممتَنِعة أي غير موجودة ، وإذا قلنا موجودة معنى ذلك أنَّها لا توجد بِذاتِها ، قال : فإنّ الممتنِع لا يوجد ، وليْسَت واجبة الوُجود بِنَفْسِها ، فإنَّ واجب الوُجود بِنَفْسِه لا يقبل العَدَم ، فلا يُمكن أن يسْبقه عَدَم ، وهذه الأشياء كانت مَعْدومة ثمَّ وُجِدَت ، فَعَدَمُها ينْفي وُجودها بِنَفْسِها ، ووُجودها ينفي امْتِناعُها ، وما كان قابلاً للوُجود والعَدَم لم يكن وُجوده بِنَفْسِه ، إذاً ما سِوى الله تعالى موجود ، وليس مُمْتَنِعًا ، وما سِوى الله تعالى موجودٌ ، ولكن ليس بِذاتِه ، والسَّبب أنَّهُ سبقه عدم ، ولو كان هذا الموجود واجِباً بِذاته لما سَبَقَهُ عَدَم ! كما قال تعالى :

[ سورة الطور ]

            هذه الآية النَّيِّرَة والمُشْرِقَة والواضِحَة الدلالة ، هل هم أوْجَدوا ذاتهم بِذاتِهم ؟ لا ،  فهذا الموجود يحتاج إلى واجب الوجود قَطْعاً بالتَّسَلْسُل ، وهذا الموجود لا يُعقل أنَّهُ وُجِدَ بِذاته والدليل أنَّهُ لا يسْبِقُهُ عدم ، إذاً كلّ هذا الكلام الذي غاص فيه المُتَكَلِّمون مُلَخَّصُه قوله تعالى :

[ سورة الطور ]

          أَحَدَثوا من غير مُحْدِث ، أم هم أحْدثوا أنفسهم ؟ والمعلوم قطْعاً أنَّ الشيء المُحْدَث لا يوجِدُ نفْسه فالممكن الذي ليس له من نفْسه وُجود ولا عدم لا يكون موْجوداً بِنَفْسِه بل لا بدّ من جِهَةٍ توجِدُه ، وإلا كان معْدوماً ، وكلُّ ما أمكن وُجوده بَدَلاً من عدمه ، وعدمه بَدلا من وُجوده ، فليس له من نفسِه وُجودٌ ولا عدم لازِمٌ له ، فالكون موجود وليس مُمْتَنِع ، ولكنَّ هذا الوُجود ليس بِذاتِه إذاً هذا الموجود لا بدّ له من واجب الوُجود قطْعاً للتَّسَلْسُل ، وهذا الكلام يندرج كلَّه تحت قوله تعالى :

[ سورة الطور ]

أحياناً يُغرم الإنسان بِكُتب بعيدةٍ في منهجها عن منهج الله تعالى ، يقول الله عز وجل :

[ سورة الفرقان ]

          لذلك فالإنسان إذا وُفِّق إلى اتِّباع منهج القرآن في العقيدة فقد وُفِّقَ أوَّلاً إلى عقيدَةٍ صحيحة ، ثانِياً : واضِحَة ، ثالثاً : بسيطة ، رابِعاً : يُمكن أن يحْفَظَها من دون تَعْقيد .

          الله سبحانه وتعالى أوَّلٌ بلا بِداية ، والآخر بلا نِهاية ، علماء الكلام اصْطَلَحوا على تَسْمِيَة هذه الصِّفة في ذات الله عز وجل أنَّهُ تعالى : القديم ، لكن ينبغي أنْ تعْلموا أنّ اسم القديم ليس من الأسْماء الحُسنى التي وَرَدَت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، ليس كلّ فعْل من أفعال الله عز وجل لنا الحقّ أن نسْتنبط منه اسْماً من أسْمائه عز وجل ، فالله تعالى قال :

[ سورة الأنفال ]

فهل يحِقُّ لنا أنْ نُسَمِّيَ الله تعالى الماكر ، أعوذ بالله ، وقال تعالى :

[ سورة الطارق ]

فهل يحِقّ أن نُسَمِّي الله الكائِد ؟ لا يجوز هذا ، وقال تعالى :

[ سورة الذاريات ]

       فهل نُسَمِّي الله تعالى الباني ، لم يرِد في حديث رسول الله أنَّ اسمه الباني ، أما نحن فقد اسْتَنْبطنا مِن هذا الفعل بنى ، وهو لا يجوز ، إذاً اسم القديم ليس من أسماء الله الحُسْنى .

أيها الإخوة تَعالَوا إلى لُغَة العرب ، ألم يقل الله عز وجل :

[ سورة الزخرف ]

ماذا تعْني هذه الآية ؟ وماذا تعْني الآية الأخرى :

[ سورة الشعراء ]

           معنى ذلك أنَّ هذا القرآن نزل بِلُغَة العرب ، وينبغي أن يُفْهَمَ وَفْق لُغَة العرب ، لذلك التَّمَكُّن من لغة العرب أحد الأدوات التي لا بدّ منها لِفَهْم كلام الله عز وجل ، (القديم) في لغة العرب التي نزل بها القرآن هو المُتَقَدِّمُ على غيره ، فيُقال قديمٌ للشيء العتيق ، وهذا حديثٌ للشيء الجديد ، ولم يُسْتعْمل هذا الاسم إلا في المُتَقَدِّم على غيره ، لا فيما لم يسْبِقْهُ عَدَم ، والله عز وجل قال :

[ سورة الحديد ]

      فكَلِمَة أوَّل أصَحُّ من كلمة قديم ، فالقديم في اللُّغة هو الشيء المُتَقَدِّم على غيره ، فالله عز وجل لم يسْبِقه عدم ، لكن أيُّ شيء جاء قبل شيء نقول : هذا قديم ، وهذا جديد ، والدليل قوله تعالى :

[ سورة يس ]

           العُرْجون القديم الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني ، فقد يبقى عرجون النَّخل إلى العام القادم ، ويظهر عرجون جديد ، فنُسَمِّي الأوَّل قديماً ، ونُسَمِّي الثاني جديداً ، فمعنى القديم الشيءُ الذي تَقَدَّمهُ شيء ، قال تعالى :

[ سورة الأحقاف ]

أي مُتقدِّم في الزمان ، قال تعالى :

[ سورة الشعراء ]

        فالأقْدمي مبالغة في القِدم ، كلكم إذا قرأ كتاب الإمام الشافعي يجد مصطلح القديم والجديد ، فهو رحمه الله تعالى له مذْهب قديم وآخر جديد ولا شكَّ أنَّ هذا مرَّ بكم ، قال تعالى :

[ سورة هود ]

       فالقدَم سُمِّيَت قَدَمًا لأنَّها مُتَقَدِّمة ، وكلكم يعلم أنَّهُ في اللغة العربيَّة شيء اسمه التَّثْليث ؛ وهو أن تقول : قَدَمَ وقَدِمَ وقَدُمَ ، فمعنى قَدُمَ أصبحَ قديماً ، ومعنى قَدِمَ أي حَضَر ، ومعنى قَدَمَ أي أنَّهُ سبقه بِقَدَمِه ، وكذا البَرّ والبُرّ والبِرّ ، فالبَرّ اليابسة ، والبُرّ والقمْح ، والبِرّ الإحْسان ، ، فَكُلّ حركَةٍ توجب معْنىً خاصاً ؛ خُلُقٌ وخَلِقٌ وخَلْقٌ فالخُلُق الأخلاق ، والخلْق البُنْيَة والخَلِق المُهْترئ ، حَسَبَ وحَسُبَ وحَسِبَ ، فَحَسِبَ ظنَّ وحَسَبَ عدَّ وحَسُبَ افْتَخَر بِحَسَبِه ؛ كلمات كثيرة في هذا الموضوع، إلا أنَّه توجد كلمات مُثَلَّثة بِمَعْنى واحد ، كالمَصْحف والمُصْحَف والمِصْحَف ، ورَغْمَ ورُغْمَ ورِغْم، كلُّها بِمَعنى واحد ، فقوله تعالى :

[ سورة هود ]

        أي يتَقَدَّمهم ، ويُسْتعمل الفعل لازِماً ومُتَعدِّياً ، فاللازم ما اكْتَفى بِفِعْلِه ، نحو : نام فلان ، والمُتَعَدِّي ما يتعَدَّى إلى مفعول به ، تقول : أكل الطفلُ التفاحةَ ، وشرب الرجلُ الماءَ ، إلا أنَّهُ في اللغة أفعال بين بين ، فلا هي لازِمَة ، ولا هي مُتَعَدِّيَة وهذا الفعل اسمه القاصِر ، وهو الذي يتعدى إلى مفعول به في المعنى عن طريق أداةٍ ، هي حرْف الجرّ ، تقول : نظرْتُ إلى الحديقة ، فالحديقة مفعول به ، إلا أنَّ فِعْل نظر قاصِر ، لذلك الأفعال القاصرة لها أدوات خاصَّة بها ، وقالوا لنا في الجامِعَة : إنَّ أديبَين في العالم العربي سَلِمَ أسْلوبهما من الخطأ في اسْتِعمال الأدوات ، كأن يقول : دعا لِكذا ، وهو خطأ ، إذْ الصحيح دعا إلى ، قال تعالى :

[ سورة فصّلت ]

        وهو خطأ شائِع ، لكِنَّ القرآن وحده أحياناً يسْتخدِم أداةً ليستْ لهذا الفِعْل ، وهو أُسْلوب التَّضْمين ، قال تعالى :

[ سورة النساء ]

      ليس في اللغة أكل إلى ، فهذا تَضْمين ، كأنّ ربنا عز وجل بِتَبْديل الأداة المُتَعَلِّقة بهذا الفعل يسْتخدم فعلين معاً ، فالأوَّل المَلْفوظ بلا أداة ، والثاني الفعل الذي له هذه الأداة ، وهو بحث رائِع جداً ، يُدَرَّسُ في قواعِد اللغة العربِيَّة ، عند باب التَّضْمين .

      وَصَلْنا إلى قوله : هذا أقدم من هذا ، وهو يَقْدُمه ، ومنه سُمِّيَت القَدَمُ قدَماً لأنَّ الإنسان يتَقَدَّمُ بها ، وأما إدْخال اسم القديم في أسماء الله تعالى فهو مَشْهور عند أهل الكلام ، ولا ريْب أنَّهُ إن كان مُسْتعْمَلاً في نفْس التَّقَدّم فإنَّ ما تَقَدَّم على الحوادِث كلِّها هو أحقُّ بالتَّقَدُّم ، لكنّ أسماء الله تعالى هي الأسْماء الحُسْنى التي تَدُلّ على خُصوص ما يُمْدح به ، والتَّقدُّم في اللغة مُطْلقٌ ، ولا يخْتَصُّ بالتَّقدم على الحوادِث كلِّها فلا يكون من أسْماء الله الحُسْنى القديم ولكنّ الأوَّل ، وهو أحْسَنُ من القديم لأنَّهُ يُشْعِرُ بأنَّ ما بعده آيِلٌ إليه وتابِعٌ له بِخِلاف القديم ، والله تعالى له الأسْماء الحسْنى لا الحَسَنة ، وفرق بينهما كبير ! فالأسْماء الحُسنى اسم تفْضيل ، قال تعالى :

 

[ سورة فصّلت ]

فالأحْسن للمُذَكَّر ، والحُسْنى للمُؤَنَّث .

     قوله : لا يفْنى ولا يَبيدُ إقْرارٌ بِدَوام بقائِه سُبْحانه وتعالى ، من أين أخذْنا هذه الحقيقة في عِلْم التوحيد ؟ قال تعالى :

[ سورة الرحمن ]

وقوله تعالى :

[ سورة الرحمن ]

       لماذا في الآية الأولى ذو ، وفي الثانية ذي ؟! لماذا في الأولى وَجْهُ رَبِّكَ ذو ، وفي الثانِيَة تبارك اسمُ ربِّك ذي ؛ هنا السؤال ؟! لأنَّ الوجه ذات ، بينما الاسم عرض ، فنحن نَصِفُ الذات من الوجْه ، أما اسم الله عَرَض .

      الإيجاز في القرآن الكريم سَمَّاه علماء البلاغة إيجازاً غَنِيًّا ، أي كُلُّ الصِّفات المُتَعَلّقَة بالله عز وجل ، وكلُّ الصِّفات المتعلِّقة بِكَرَمِه ، ورحْمَتِه ، وإحْسانِه بِخَلْقِه إكْرامٌ ، فَبِهاتين الصِّفَتَيْن جَمَعْنا صِفات العَظَمة والإحْسان .

       والفناء والبَيْد مُتقارِبان في المعنى ، والجمع بينهما في الذِّكْر للتأكيد ، وهو أيضاً مُقَرَّر بقوله : دائِمٌ بلا انتِهاء ، لا يفْنى ولا يَبيدُ .

       نُتابع ما جاء في العقيدة الطحاوِيَّة ، وننتقِل إلى قول الإمام الطحاوي : "ولا يكون إلا ما يُريد" ، وهذا الموضوع يحْتاج إلى دِقَّة في الفهْم بالغة ، أَيُعْقل أن يقع في كون الله شيء ما أراده الله .

       واللهِ أيها الإخوة ، لو أنَّكم عَقَلْتم هذه الحقيقة لكانت هذه الحقيقة برْداً وسَلاماً على قُلوبكم ؛ أيُّ شيء وقع في الكون أراده الله ! وأيُّ شيء أراده الله وقع ، ولا يكون إلا ما يريدُ ، إلا أنَّ بعض الفِرَق الضالة كالقَدَرِيَّة والمُعْتَزِلة زَعَموا أنَّ الله تعالى أراد الإيمان من الناس إلا أنَّ الكافر أراد الكُفْر ! ماذا يوحِي هذا الكلام ؟ أنَّ الكافر أراد شيئاً ما أراده الله تعالى ، وهذا لا يليق بِعَظَمَة الله عز وجل ، فلو أنَّ إنساناً مُتَمَكِّناً في دائرة ، وجاء مُوَظَّف عنده ، أو أحد صُنَّاعِه ، وفعل شيئاً خِلاف أوامرِ هذا الإنسان العظيم لأنكر عليه كل الإنكار ، فالله تعالى لا يقع في كونه إلا ما يريد ، فالقَدَرِيَّة توَهَّمَت أنَّ الكافر أراد الكُفْر خِلافاً لإرادة الله تعالى ، قال : هذا القول فاسِد ، ومَرْدود لِمُخالفته الكتاب والسنَّة والمَعْقول الصحيح ، وهي مسألة القدَر المعْروفة ، وسوف يَرِدُ شرْحُها إن شاء الله تعالى ، سُمُّوا قَدَرِيَّة لإنْكارهم القَدَر ، والجَبْرِيَّةُ أيْضاً اعتَمَدَت على المفْهوم القَدَري ، واحْتَجُّوا بأنَّ الإنسان مُجْبرٌ على أفْعاله ، فما هو الحق ؟ فالذي يحْصل في الأرض من مشاكل ، وقتْل ، وانْتِهاك للأعْراض ، وفساد ، وظلم ، هل أراده الله تعالى ؟ فإذا قلتَ : أراده ، فَلِمَ أراده ؟ وإذا قلتَ : ما أراده فَلِمَ وقع ؟ الشرّ المطلق غير موجود ، والشرّ للشرّ كذلك غير موجود ، لو أنَّ أباً وابنه اتفقا على إجراء عَمَلِيَّة جراحية ، فإنّ الطبيب الجراح لا يمكن أن يفتح بطْن ابنه إلا بموافقة الأب ، وفَتْحُ البطْن شرّ إلا لإجْراء عَمَلِيَّة لشفاء ابنه ، فلا يكون هذا الأمر إلا لِهَدَفٍ نبيل جداً ، كاسْتِئْصال عضوٍ تالف ، فهذه أوَّل قاعِدَة ، شرّ مُطْلق لا يمكن أن يكون ، أما الشرّ النِّسبي فَمَوْجود ، كَخَرْق السفينة ، قال تعالى :

[ سورة الكهف ]

         وفي قراءة لِيَغْرَقَ أهلها ، ثمَّ تَبَيَّن أنّ خرْقها سبب نجاتِها ، فلا يُمكن أن نفهم ما يجْري في الأرض من شرّ إلا وَفْقَ هذه الحقيقة إلا أنَّك قد لا تعرف ما وراء كلّ حادِث ، ألسْتَ مؤمناً بأنَّ الله سبحانه وتعالى صادِق ، وأنّ هذا الكلام كلامه ، وأنَّهُ تعالى في آياتٍ كثيرة كثيرةٍ نفى عن نفْسِه الظلم ، قال تعالى :

[ سورة النِّساء ]

          كنت أسير مرَّةً في أحد أسواق دمشْق ، فاسْتَوْقفني أحد المارَّة ، وقال لي : فلان الفلاني جاء إلى مَحَلِّه التِّجاري لِيَكْسب قوت أولاده ، فَسَمِع إطلاقَ نارٍ ، وكان اثنان يتشاجران ، فَمَدَّ رأسه فجاءَت رصاصةٌ في عموده الفقري ، وأصبح مشْلولاً من حينه ، فقال لي هذا الأخ : وما ذَنْبُه ؟ ولماذا فُعِلَ به هكذا ؟ فقلتُ : لا أدْري ، فهذه الكلمة تُشَرِّف أحْياناً ، فهذا الإمام مالك عليه رحْمة الله قال : لا أدْري لما جاءه وفْدٌ يسْأله عن مسائل ، وبعد حينٍ أخٌ كريم قال لي : هناك رجل يسْكن في الحيّ الفلاني ، وله أوْلاد أخ أكل أموالهم بالباطل ، وقد احْتَكَموا إلى أحد العلماء فلما طولب بما عليه لأولاد أخيه رفض ‍! فَتَوَجَّه هذا العالم إلى أولاد الأخ ، وقال لهم : إياكم أن تشْتكوا على عَمِّكم ، فهذا لا يليق بكم ، ولكن اشْكُوه إلى الله تعالى ! فهذا الكلام تَمَّ في الساعة الثانِيَة ليلاً ، ففي الساعة الثامِنَة صباحاً أصْبح مَشْلولاً ، فَيَجب أن تعلم أنّ كل شيء وقع وراءه حِكمة ، سواء عَرَفْتها أم لم تعْرفها ، أما أهل السنَّة فيقولون : إنَّ الله ، وإن كان يريد المعاصي قَدَراً فهو لا يُحِبُّها ، ولا يرْضاها ، ولا يأمر بها ، وهنا سؤال : لماذا أراد ؟ ضَرَبْتُ مثَلاً ، فقلْتُ: صَيْدلي يريد مُوَظَّفًا ، إلا أنَّ هذا الموظَّف لا بدّ أن يكون على مُسْتوى رفيع ، فأعلن عن مُسابقة ، والامتِحان سَهل ، ترتيب الفيتامينات في مكانها ، وكذا السموم ، فلو أمْسَك هذا الممتحن الفيتامين ليضعه فوق السموم لَوَجدْتَ أنَّ الذي أقام الامْتِحان لا يمْنعه ! لماذا ؟ لأنَّه الآن يمْتَحِنُه ، ويُعْطيه الفرصة للتعبير عن علمه ، أو عن جهْلِه ، فالله عز وجل إذا قلنا : أراد أي سَمَح ، ولماذا سَمَح ؟ لأنَّه أعْطاك الاخْتِيار ، وهو الآن يمْتَحِنُك ، أما لو مَنَعْتَ إنساناً في أثناء الامْتِحان ، فقد ألْغَيْت امْتِحانه ، فأهل السنَّة والجماعة قالوا : إنَّ الله تعالى ، وإن كان يريدُ المعاصي قَدَراً ، فهو لا يُحِبُّها ، ولا يرْضاها ، ولا يأمر بها ، قال تعالى :

[ سورة إبراهيم ]

       فهو أراد ، أي سَمَح ، وسمَح لأنَّهُ يمْتَحِنُك ، وإذا ألْغى حركتك في الامْتِحان فقد ألغى امْتِحانك ، وأنت جئت للدنيا لِتُمْتَحن ، وهي عقيدة أهل السنَّة والجماعة .

      فالله تعالى لا يُحِبُّها ، ولا يرْضاها ، بل يُبْغِضُها ، ويسْخطها ، ويكْرهها ، وينْهى عنها ، وهو قوْل السّلف قاطِبَةً ، فيقولون : ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ، وإنَّ الإنسان إذا اسْتَحكَمت به الشَّهوة وأصَرَّ عليها ، أصْبَحَت هذه الشَّهْوة حِجاباً بينه وبين الله ، فلَعَلَّ الحِكْمة أن ينطلق إليها كي تفْرغ نفْسه ، وكي يأتي العِقاب على أثر هذه الشَّهْوة التي أصرَّ عليها ، وحتى تفرغ نفْسه من هذه الشَّهوة ، ولله تعالى في خلقه شؤون .

        وهذا الموضوع إن شاء الله تعالى سنُتابِعُه في وقْتٍ آخر ، إلا أنَّني أُنْهي هذا الحديث بِهذه الآيات ، فالله تعالى أراد ، أي سَمَح ، لكن هناك آيات أخرى ، يكْفي أن تسْمعوها ، قال تعالى :

[ سورة البقرة ]

وقال تعالى :

[ سورة النساء ]

وقال تعالى :

[ سورة النساء ]

وقال تعالى :

[ سورة النساء ]

وقال تعالى :

[ سورة المائدة ]

قال تعالى :

[ سورة الأحزاب ]

        ماذا يريدُ الله عز وجل ؟ الخير ، والسعادة ، والتوبة ، والفلاح ، والنَّجاح ، فهذه إرادة الله تعالى الدِّينِيَّة الشَّرْعِيَّة ، أما إرادته التَّكْوينِيَّة فَمُتَعَلِّقَةٌ بِمُعالَجَةِ الإنسان ، أحْياناً تفْعل شيئاً يتناقض مع حياتك ، زوْجان مُتخاصِمان ، وكل يوم في مُشْكِلَة ، فلو أنَّهما احْتَكما إلى قاضٍ شرعي ليَحْكم بينهما ويُفَرِّق بينهما إلى أمَدٍ حتى يعْرف كل منهما قيمة الآخر فالقاضي فَرَّقَ لِيَجْمع ، فالله تعالى له إرادة شرْعِيَّة ، أما إذا أراد بِمَعنى سَمَح ، كأن يسمح الله لإنسان أنْ يزْني ، أو أن يسْرق ، فقد سَمَح له تطْهيراً ، وتأديباً ، وامْتِحاناً ، فهناك إرادتان : تَكْوينِيَّة أو تشْريعِيَّة ، أو أن نقول : هناك أمر تكليفي وآخر تكويني ، فالتَّكْليفي ؛ أمرك بالطاعة ، أما التكويني فقد سمح لك أن تعْصِيَهُ لِحِكْمةٍ بالغة لا تعرف قيمتها إلا بعد حين ، لذلك احْفظوها : كلّ شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع وإرادة الله تعالى مُتَعَلِّقة بالحكمة المطلقة ، وحكْمته المطلقة مُتَعَلِّقة بالخير المطلق ، قال تعالى :

[ سورة آل عمران ]

        فهذه الفِكرة لو اسْتوعَبَها الإنسان لَمَلأت قلبهُ طمأنينةً واسْتِقْراراً ، ويقيناً وراحَةً فأنت اِفْعَل ما تشاء لكن إياك أن تتَّهِمَ الله عز وجل ، لأنَّ هناك كونًا خلَقَه الله عزوجل ، وأنّ هناك أفعالاً يفْعلها ، فإذا أردتَ أن تنظر في أفعاله قبل أن تنظر في كونه فقد لا تصِلُ إليه وتُسيء الظنَّ به ، أما لو نَظَرْتَ إلى خلقه أوَّلاً لامْتلأت نفسك تعْظيماً له ، فإذا نظرْتَ إلى أفعاله لعلَّ النظر الأوَّل ألْقى على النَّظر الثاني ضَوْءًا كاشِفاً ، فلو أنَّك رأيْتَ شخْصاً يضْرب طفْلاً فقد تسْتنكر هذا ، أما لو قيل لك : هذا أب ، فَحَتْماً هذا الضرب رحْمَةً بالابن ، أما لو غَفَلْتَ عن الابن ، ونظرْتَ إلى الأب لاتَّهمتَه بالظلم ، والقَسْوة ، فأنا أريد أن نُفَكِّر في الكون قبل التفكير في الحوادِث لأنَّ التفكير في الحوادِث حقل ألغام ، أما لو فَكَّرتَ في الكون لعرفْتَ الخالق ، وتقول هذه المقولة : عظمة الخلْق تدلّ على كمال التَّصرُّف ، فابْدأ بالكون ، ثمَّ انْظر إلى أفعال الله عز وجل .

والحمد لله ربِّ العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi