English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 07 / 20 من العقيدة الطحاوية  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    :  الله حي لا يموت .

تفريغ              :  السيد عماد علان .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

           الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما ، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه ، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه ، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين .

          أيها الإخوة المؤمنون ، وصلنا إلى قول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى : "حَيٌّ لا يموت، قيُّوم لا ينام" .

        الإنسان أحْياناً لا يُدْرك الترابط بين الاسْمَيْن ، فالله عز وجل ضارّ إلا أنَّهُ لا يجوز أن تقول : الضارّ ، وإنَّما الضارّ النافِع  لأنَّه يضُرّ لِيَنْفَع ، ويمْنعُ لِيُعْطي ، ويخْفض لِيَرْفع ، فهناك أسْماء من أسْماء الله الحُسْنى لا يجوز أنْ تُلْفَظ إلا مَثنى مثنى ، فالإنسان أحياناُ لا يُدْرك الترابط بين الاسْمَين ، وهو يُذَكِّرُنا بأنَّ أكثر آيات القرآن الكريم تنتهي باسم أو اسْمَيْن ، غفور رحيم ، هناك دُعاء مأثور ، فعن أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ : ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي)).

[ رواه مسلم ]

       وقال النبي عليه الصلاة والسلام : إنَّ هذا الدعاء جمَعَ خيْري الدنيا والآخرة ، اغفر لي الماضي ، وارْحمني بالتَّجَلي والتوفيق ، ففي الدنيا : عافِني واْرزقني ، وفي الآخرة اغفر لي وارْحمني .

إنَّ الله تعالى سميع عليم ، أي سميع إذا تَكَلَّمْت ، وعليم إذا سَكَتّ ، قال تعالى :

 

[ سورة الرحمن ]

         (فالجلال) جمعَت صِفات القوَّة والعظمة ، و(الإكرام) صِفات الحمْد ، فالوِرْد النبوي : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمْد ، فهناك من يملك ولا يُحْمد ، وهناك من يُحْمد، ولا يمْلك ؛ فهذا ضَعيف ، أخْلاقه عالية إلا أنَّه لا يمْلك شيئًا ، وهناك من يمْلِك إلا أنَّهُ لا يُحْمد ؛ دَقِّق له فله المُلك والحمد ، وذو الجلال والإكرام ، والضارّ ، النافع ، الخافض ، الرافِع ، المُعْطي، المانع ، والمُعِزّ ، المذِلّ ، رُبَّما كان العطاء حِرْماناً ، وربَّما كان المَنْعُ عيْنَ العطاء ! فالمَنْعُ أحْياناً هو عَيْنُ العطاء ، فهو تعالى حَيٌّ لا يموت وقيُّومٌ لا ينام ، فالله عز وجل حيّ ، والحياة صِفَةٌ في بني البشر ، فهل يسْتلزم اشْتراك الصِّفة اقْتِضاء المِثْليَّة ؟ لا ، فالتشابه بالصِّفات لا يعْني المِثْلِيَّة ، لأنَّ حياته تعالى ليس كَحَياتنا ، فحياتنا تنتهي بالموت ، وكُلُّ مَخْلوقٍ يموت ، ولا يبقى إلا ذو العِزَّة والجبروت ، إلا أنّ حياة الله عز وجل لا تنتهي ، وهي حياةٌ أبَدِيَّة سَرْمَدِيَّة ، لذلك حَيٌّ لا يموت ، والآن (قَيُّوم) فقد يُراقب الإنسان مُدير المَعْمل ، ولكن حينما تنتهي مدَّة الدوام يذْهب إلى بَيْتِه ! وبعد الظهْر يأتي ، وبعد الساعة السابعة مثلاً يُغلق محلَّه ، فلا يتواجد إنسان على الدَّوام لمراقبتك ، أما سبحانه وتعالى فقَيُّوم ، فالإنسان قد يكون قيُّوماً إلا أنَّه ينام ، لكنَّ الله جلّ جلاله لا ينام ، إذاً حيٌّ لا يموت قيوم لا ينام  قال تعالى :

[ سورة البقرة ]

         هذه آية الكرسي ، حتى إنَّ بعض العلماء قال : هي اسم الله الأعظم ، قوله : حيٌّ لا يموت ، قيُّوم لا ينام ، قال تعالى :

 

        هذه الجملة التي جاءت مَقول القول ، فما إعرابها ؟ هذه الجملة لا مَحَلَّ لها من الإعراب ، وهي من الجُمَل التي لا محَلَّ لها من الإعراب والسؤال : هل هناك قاعدة أساسيَّة في هذا الموضوع ؟ إذا قلتَ عَلِمْتُ أنَّك ناجِح ، أنَّ واسْمُها وخبرها في مَحَلّ مفعول به ، لماذا ؟ لأنَّه أمكننا تأويلها بِمفْرَد ، أما الكلام الذي لا يُؤَوَّل فلا مَحَلَّ له من الإعراب .

      هل هناك فرق بين السِّنَة والنَّوْم ؟ الغفلة اليسيرة هي السِّنَة ، والنوم العميق هو النوم .

قال المؤلِّف : وقال تعالى :

[سورة آل عمران]

        ولا ينبغي له أن ينام ، قَوْلُ المُؤَلِّف : لا ينبغي له أن ينام تعبير دقيق منه ، عليه رحمة الله ، فهذه الكلمة تَحُلُّ مُشْكِلَة كبيرة ، فلا مانعَ من الاسْتطراد إذا كان مُفيداً ، فالله عز وجل قال :

[سورة آل عمران]

وقال سبحانه وتعالى :

[سورة النور]

          هل هذا أمْرٌ تكْليفي ؟ نعم هذا أمر تكليفي ، وليس تكوينيًّا ، فالأمْر التَّكْويني لا يُمْكن أن يُخْرق في الكون ، أما إذا خُرِقَ فمعنى ذلك أنَّه تكليفي معنى الكلام : يا عبادي احْرَصوا على أن يكون الطَيِّبون للطَّيِّبات ، وعلى أن يكون هذا البيْتُ الحرام آمِناً ، فلو قلنا : إنَّ هذا الأمر تكويني! فإنَّ البيت الحرام قبل عشْر سنوات اخْترق بالرَّصاص ، ومات مئات القتلى فالأمر التكويني لا يمكن أن يُخْرق ، لكنّ الأمر التكليفي يُخْرق ، وأوْضَح مثل لهذا : لوْحة حمْراء مكتوب عليها ممنوع المرور ، لكنَّ الطريق مَفْتوح ، فأنت لك أن تنْصاع للأمر ، ولك أن تخرقه ، الطريق سالك ، أما الأمر التكويني فموضوع به حواجز ،ومُسَلَّح ، وارْتِفاعه متران ، فإذا قال الله عز وجل :

[سورة النور]

         ووجَدْتَ زوْجاً مخْموراً ، وزانيًا ، وله زوجة كالملائكة ، وهذا واقع ، أو بالعكْس ، فهذا الأمر ليس تكوينيًّا ولكنه تكْليفي ، وهذا الموضوع دقيق جداً ، فقبْلَ أن تتزَوَّج الأمْر تكليفي ، وبعد أن تقترن بها ، أصْبَحَت زوْجَتك ، وأصبح الأمر تكوينيًا ، وأذكر أنَّهُ كان لنا أخ يقول : كان لي أولاد ، وكنت أقول لهم : كُلْ واشْكُر ! وفي أحد الأيام لم يعْجِبْهم الطعام ، فقال لهم : كُلْ واسْكُت، وبالمناسبة كلمة :

[سورة النور]

هل هي خَبَرِيَّة أم إنْشائِيَّة ؟ إنها خبَرِيَّة ، والآية ثانية :

[سورة آل عمران]

        كذلك خَبَرِيَّة ، ونحن عندنا قاعِدَتان ؛ العِبارات نوعان : إنشائِيَّة ، وخَبَرِيَّة  ، فالكلام الذي يصْدُق أن تقول عن صاحبه : صادق أم كاذِب ، فهذا خبري ، أما الكلام الذي لا يحْتمِل الصِّدق والكذب فهذا إنشائي ، فهل يمكن أن تقول لِمَن قلت له : كم الساعة كذَّاب ؟ هو لم يُخْبِرْك عن شيء حتى تقول عنه : كذاب ، أما لو قال لك : هذه الساعة ثَمَنها ألف ليرة ، فهذا الكلام خَبَري ، لك أن تقول عنه : صادٍق أم كاذب ، أما إذا سألك ، أو طلب منك ، أو أمرك ، أو نهاك ، أو تمنَّى عليك ، أو رجاك ، أو ناداك ، فهذه كُلُّها أساليب الإنشاء ، فالكلام في النِّهاية خبري أو إنْشائي ، فالخبري يحْتَمِلُ الصِّدْق أو الكَذِب ، أما الإنشائي فلا يحْتَمِل الصِّدق أو الكذب ، فالأوامر التَّكْليفِيَّة هل ينبغي أن تكون إنشائِيَّة أم خبرِيَّة ؟ إنشائِيَّة ؛ لأنَّها اِفْعَل ولا تفْعل ، أمْرٌ ونَهْي ، فإذا جاء الأمْر التّكْليفي بِصيغة الخبر ، فأنت إذا أمَرتَ إنساناً فَمُجَرَّد الأمر يعني أنَّهُ مُخَيَّر ، وهذه قاعدة أصوليَّة ؛ أنا إذا أمرت إنساناً أنْ يأتي في الساعة الثامنة فبِإمكانه أن يُطيع ، وبإمْكانه أن يعصي ، فالأمر يقتضي الاختيار ، والنَّهْي يقتضي الاختيار ، أما إذا أخْبَرْتُ ، والخبر يوحي أنَّه أمْر تكويني ، والأمر التكليفي إنشاء ، إلا أنَّه لِحِكْمة بليغة قد يأتي الأمر التكليفيّ على صيغة الخبر وكأنَّه أمْر تكويني ، مثال ذلك قوله تعالى :

[ سورة البقرة ]

        لماذا جاءت الصيغة خبريَّة ، وليستْ إنشائِيَّة ؟ لئلا تتوَهَّم أنَّ الوالدة مُخَيَّرة في أن تُرْضِع أو لا تُرْضع ، هو أمر تكليفي ، ولكن لِتَوْكيده جاء على صيغة الخبر ، ففي الأعَمِّ الأغلب الأمر التكليفي إنشائي ، والأمر التكويني خبري ، لكنَّ القرآن خرج عن هذه القاعدة لِحِكْمة بالغة ، فجعَلَ بعض الأوامر التَّكْليفِيَّة تُصاغ على صيغة الخبر تأكيداً لها ، فقد يقول الأب لابنه : احْضر عند الساعة التاسعة ، وإياك أن تتأخَّر ، أما إذا قال : أنا ليس لي ابن يدْخل على الساعة التاسِعَة ، هذه العبارة أبْلَغ من الأمر والنَّهْي ، فَموضوع الخبر والإنشاء ، والأمر التكويني والتكليفي عندنا مُهِمّ جداً في العقيدة .

       هل تناقش أو تحاورَ رجلان عند الله وعند الناس ، أحدهما يُمَثِّل الأمر التَّكْويني ، والآخر يُمَثِّل الأمر التكليفي ؟كما جرى بين سيِّدنا الخضر مع سيِّدنا موسى ، فَسَيِّدنا موسى يُمَثِّل الأمر التكليفي ، أما سيِّدنا الخضر فيمثِّل الأمر التكويني ، وموسى عليه السلام يُمَثِّل أمر الله ، والخضر يفْهم فِعْل الله ، أمر الله شيء ، وفعله شيء ، فالله تعالى يسْمح أن تقع جريمة قتْل ، ويسْمح أن تقع جريمة خرق السفينة ، فماذا يقول علماء التوحيد ؟ شاء ، وأراد ، ولم يأمر ، ولم يرْضَ ، ومعنى أراد : أي سَمَح ، ولماذا سَمَح ؟ لأنَّ أصْل مجيء الإنسان إلى الدنيا هو الاخْتِيار ، وفي الأعَمِّ الأغلب لا يُمَكَّن الإنسان من شَهْوته المُنْحَرِفَة إلا إذا أصرَّ عليها ، والدليل قوله تعالى :

[ سورة الإسراء ]

هنا تتدَخَّل حِكْمة الله عز وجل ، وإنَّ الله تعالى لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام .

        لما نفى الشيخ رحمه الله التشْبيه ...خلقه ... لكمال ذاته " لا يَقُل أحدكم بِدون ، فهذا خطأٌ شائِع ، إما أن تقول من دون ، وإما أن تقول : دون ، أما أن تقول : بِدون فهذا خطأ شائِع ، ثمَّ إنَّ الذين أشار إليهم المُؤَلِّف من الذين ضلوا وأضَلُّوا تَوَهَّموا أنَّ نَفْي التشبيه يعني نَفيَ الصِّفات ، لكنَّ الصفات هنا ثابتة ، والتَّشْبيه مَنْفي .

      فالحيُّ بِحَياة باقِيَة هو الله ، وصفات المخلوق كما تليق به، وصفات الخالق كما تليق به ، وهذا لازمٌ في نفي التشبيه وإثبات الصِّفة ، وهناك نقطة دقيقة قد تلْتَبِس على الإخوة الأكارم ، فالله تعالى حينما يقول :

[ سورة الكهف ]

       فكأنّ قارئ القرآن يفْهم مُتَوَهِّماً أنَّ مشيئة الإنسان قد أُلْغِيَت إذْ قُيِّدَت بِمَشيئة الله ، والحقيقة على العَكْسِ مِن ذلك ، وهي أنَّ الله سبحانه وتعالى لولا أنَّه شاء لنا أن نشاء لما شِئْنا ، فإذا تَمَتَّعْنا بِحُرِّيَة الاخْتيار والمشيئة ، وحُرِّيَّة الكَسْب ، وكانت هذه الحُرِّيَة سبباً لِسَعادتنا ، ودُخولنا الجنَّة ، واخْتِيارنا الحَسَن فهذه المشيئة الحُرَّة التي شِئْناها إنَّما هي بِفَضْل مشيئة الله لنا أن نشاء ، وأحياناً يحتاج الإنسان إلى تأويل بسيط كي تتلاءم الآيات كلِّها مع أصول الدِّين ، وروح القرآن ، أما أن نفهم النَّص على ظاهره فهذا منطلق خطير ، وأكثر من ينطلقون من عقيدة الجبر يتَّخذون هذه الآية على أنَّ الإنسان مُسَيَّر ، ولا مشيئة له إطلاقاً ، بدليل أنَّ الله تعالى يقول :

[ سورة الكهف ]

      وكأنّ مشيئة الإنسان أُلْغِيَت ، ورُدِفَت بِمَشيئة الله تعالى ، لكنّ الحقيقة أنَّكم يا عبادي إذا سَعِدْتم بهذه المشيئة ، وارْتَقَيتم بها ، واخْتَرتم الجنَّة ، واسْتَحقَقْتم دخولها  ، فهذه المشيئة في الحقيقة أثرٌ من مشيئة الله لكم ، ولولا أنَّ الله تعالى شاء لكم أن تكونوا أصْحاب مشيئة حُرَّة لما شِئْتم ذلك ، لذا فقال العلماء : الجنَّة مَحْضُ فضْل والنار مَحْض عَدْل ، والإنسان إذا دَخَلَ الجنَّة فإنه لم يدفع ثمَنَها ، ولكنّه قدَّم أسْبابها ، وأسْبابها الاسْتِقامة ، والعمل الصالح ، أمّا ثَمَنُها فلا يمْلكه أحدٌ إلا الله .

         واعلم أنَّ هذين الاسْمين (الحيّ القيوم) مذكوران ... الأعظم ، " الاسم الأعظم حيَّر العلماء ، وأكثر العلماء على أنَّه هو الرحمن ، أو أنَّه الحيّ القيوم ، إلا أنَّ بعضهم له تأويل رائِع جداً ، كُلُّ إنسان في حالة مُعَيَّنة هناك اسم من أسماء الله تعالى الحُسْنى يكون أعظم الأسْماء الحسنى عنده ، فالمريض بِمَرض عُضال لا شِفاء منه ؛ كالسرطان ، إذا شفاه الله شِفاءً نِهائِياً فاسم الله الأعظم عنده هو الشافي ، والفقير حينما يتوَجَّه إلى الله تعالى أن يُغْنيه ، ثمَّ يصبح غَنِيًّا، فاسم الله اسم الله تعالى الأعظم هو الغَنِيّ ، وكذا الجبار ، والطاغي هذا لا يمكن أن يهتدي ، لكن أحْياناً يقصمه الله عز وجل ، وبعد أن يقصمه فاسم الله تعالى الأعظم الجبار ، فَكُلُّ إنسان له حالة مع الله تعالى  الكريم ؛ الغنيّ ، الرحيم ، القدير ، إلا أنَّه بِشَكل عام أقرب اسم إلى نُفوس العِباد : الربّ .

قال المؤلِّف رحمه الله : فإنَّهما يتضمَّنان صفات الكمال ... " .

      فإذا اسْتخدمنا اسم الله بِصيغة المبالغة فماذا تعني صيغة المبالغة في حقِّ الله تعالى ؟ الله تعالى قال :

[ سورة طه ]

       ولم يقل سبحانه وتعالى : غفور ، وصيغة الأوَّل على وزْن فعَّال ، وهي صيغة مُبالغة ، وكلمة غفَّار تعني أنَّه يغفر أكبر ذَنْب ، أو مليون ذنب ! فصيغة المبالغة في حقِّ الله تعالى تعني إما الكَمّ أو النَّوع ، وكُلّ أسماء الله الحُسنى إذا جاءت على صيغة المبالغة كان هذا هو المعنى ؛ كمًّا أو نوْعاً ، إلا أنَّ هناك حالة واحدة ، وهي في قوله تعالى :

[سورة آل عمران]

       الظلاَّم صيغة مبالغة ، وهي لِنَفْي الظلم أصلاً ، وقد نَفَيْنا عنه سبحانه المبالغة في الظُّلم وغير المبالغة ، وبالمناسبة الأصل هو المعنى ، والحَكَم في كُلّ قضِيَّة هو المعنى وسأذكر لكم قاعِدة ، في اللغة العربِيَّة بِمَشارقها ومغارِبِها فاعل تعني اسم الفاعل ، وكلمة فعلان تعني صفة مُشَبَّهة باسم الفاعل ، واسم الفاعل يدُلّ على الحُدوث ، والصِّفة المُشَبَّهة باسم الفاعل تدُلُّ على الثُّبوت ، كأن تقول : طويل ، فهذه صفة مُشَبَّهة باسم الفاعل ، وهذا الطول ثابت ، أما أن تقول : غاضِب ، فهذا اسم فاعل ، لأنَّه دلَّ على الحُدوث لا على الثبوت ، فالاسم الذي يدلّ على حدوث الفِعْل هو اسم الفاعل ، والاسم الذي يدلّ على صِفَة مُلازمة للفاعل هو صِفَة مُشَبَّهة باسم الفاعل ، وهذه هي القاعدة ، ثم إنّ الله تعالى يقول :

[سورة الحشر]

       فالخالق اسم فاعل أم صِفَة مُشَبَّهة ؟ الصِّيغة اسم فاعل ، لكنَّ الحقيقة أنَّ هذه الكلمة صفة مُشَبَّهة ، لأنَّ خَلْق الله تعالى مُسْتَمِرٌّ ، وكلمة غَضْبان في قوله تعالى ؛

[سورة الأعراف : الآية 150]

          هو اسم فاعل لأنّ الغضب ليس صفة ثابتة في النَّبي ، لذلك أوَّل قاعِدَة تَعَلَّمْناها في الجامعة أنَّ الأصْل في ترْجيح وُجوه الإعْراب هو المعنى ، لا تَكُن عبْداً لِقاعدة نَحْوِيَّة ، إنَّما كُن عبْداً للمعنى ، إذْ هو الأصْل ، فالقاعدة في قوله تعالى :

[سورة آل عمران]

       تعني الكمّ ، وتعني العدد ، إلا في هذا الاسم فلا تعني المبالغة ، فالله تعالى نفى الظلم عن نفسه قال تعالى :

[سورة النساء]

وقال تعالى :

[سورة العنكبوت]

         قال رحمه الله : فلا يظلم ولا ... الكمال " ، لذلك الإنسان إذا اعْتقَد عقيدة الحق فلا مُفاجأة عنده ، سبب سُلوك الحق ألاّ مُفاجأة فيه ، وذكرتُ منذ أيام أنَّنا لو أنْشأنا بناء وَفق قواعد عِلْمِيَّة ، ووضَعْنا الإسْمَنْت الكافي ، ووضَعْنا الحديد الكافي وفق تعليمات المهنْدسين ، فهذا البناء في اسْتِمْرار أما لو وَضَعْنا الإسْمَنْت والحديد بِقِلَّة لانهار بعد زمن قصير ، وكذا لو أرَدْت أن يسْتقيم عملك وأن يزداد وينمو اجْعَلْه وَفق منْهج الله عز وجل ، وهناك آية دقيقة جداً ، وهي قوله تعالى:

[سورة التوبة]

      فالإنسان إذا بنى زواجه ، أو شَكَّل علاقاته ، أو اختار عمله وَفْق منهج الله فهذا الأساس متين ، أما لو شَكَّلها وَفْق هواه وشهواته ، وخرج بها عن منهج الله فالزواج ينتهي بالطلاق ، والعَمَل ينتهي بالإخفاق ، وهكذا .

        قال رحمه الله : إكمال ما قبل هذا ... كما ثبت هذا عن النبي صلى الله عليه وسلَّم " فهذا الحديث رواه مسلم في صلاة المُسافرين وقصرها ، باب فضْل سورة الكهف ، وآية الكُرسي ، وأبو داود في الصلاة ، باب ما جاء في آية الكرسي ، وأحمد في المسند من حديث أُبَيّ بن كعب رضي الله عنه ولفظه : يا أبا المنذر أتدري أيَّة آية ...." فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يمْتَحِنُ أصْحابه ويسْألهم ، وأمْتع جَلْسة هي الحِوار ، فأنت إذا جَلَسْت جلْسَةً خاصَّة لا تسْتأثِر بالحديث ، الحديث مناوبة ، وليس مناهبة ، فإذا تكلَّم الجالسون ، وأدْلَوا بآرائِهم وسألوك ، واسْتمعْتَ لهم ، اسْتمْتَعْت بهم ، وأيُّ لِقاء فيه حِوار يعني أنَّ فيه مُتْعة ، وإذا كان الإنسان يتكلَّم وَحْدَه كان هناك المَلَل ، وبالمناسبة أنتم دُعاة ، والمُتَكَلِّم لا يشْعر بالبرد ، ولا بِالحَرّ ، ولا بالوَقْت، ولا بالتَّعَب ، ولا بالجوع ، والمُسْتَمِعُ يتضاعف شُعوره بالوقت ، والحر ، والبرد ، والجوع ، لذلك الملل والسَّأم يتطرّقان إلى المُسْتمع أضْعاف ما يتطرقان إلى المُتَكَلِّم ، لذلك تكلَّم ، وأنْجز الحديث في الوقت المناسب قبل أن يتمنى الناس لو أنك سَكَتَّ ، اُسْكُت قبل أن يتمنى أحدٌ أن تسْكت ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا ، فالكلام القليل والمُخْتصر والنافع المفيد أفضل من كثير يُنسي بعضه بعضاً ، دائِماً قِفْ في الوقت المناسب ، وأنْهِ الحديث قبل أن يمَلَّ الناس ، وقبل أن تُثْقِلَ عليهم ، فإذا كان لديك دُروس فلا بدّ أن يعلم المُسْتمع أنَّه في الساعة الفُلانيَّة ينتهي الدَّرس ، حينها يرْتاح ، أما إذا كان الدَّرس مفْتوحًا ، فالداعِيَة لا مصْلحة له أن يتكلَّم ، والناس في مَلَل ، لذلك فالمُتَكَلِّم كما قلتُ لا يشْعر لا بالوقت ، ولا بأيِّ ضجر ، وأذْكر أنَّنا كنَّا نُقَدِّم فحْصاً في الجامِعَة ، والله أيها الإخوة ، ثلاث ساعات مَرَّتْ عليَّ كخَمْس دقائِق ، لكن لما أصْبَحْتُ مُدَرِّساً ، وأراقب في قاعات الامتِحان فلا يمُرُّ عليَّ الوقت حتى أمَلّ وأضجر ! فأثْقل شيء المُراقبةُ في الفَحْص ، فهذا الكلام لكم كَدُعاة ؛ إذا ألْقَيْتَ كلمة فاخْتَصِر ولا تُطِل ، واسْمَح بالحِوار ، ولا يُشْترط أن تكون داعِيَة كي تتكَلَّم ، فأحياناً تكون لك سَهْرة مع الأقارب ، فلا تتكَلَّم وَحْدَك ، أما لو أنَّه سَمَح بالحِوار وأصْغى لأقْوالهم ، وسألهم ، وأجابوه ، وسألوه فأجابهم ، فهذا الحِوار ، وهذا الأخذ والعطاء يُبْقي على الجَلْسَة الحَيَوِيَّة والنَّشاط، وهذا أبلغ أثرًا ، فلو تتبَّعْتم كلام النبي صلى الله عليه وسلَّم حينما خاطب الصحابيّ ، وقال له : يا أبا المنذر ، أتدري أيٌّ آيةٍ في كتاب الله تعالى معك أعْظم ؟ قال : قلتُ الله ورسوله أعلم ، ثم قال : يا أبا المنذر ...." فالنبي صلى الله عليه وسلَّم خاطب بالتَّدَرُّج .

      "....يُضاد نَفْيُه كمال الحياء " أي كَمالُها يَنْفي هذا الاسْتمرار ، ثمَّ قال رحمه الله : لأنَّ نَفْيَه يُضاد ...بانتظام " إذاً حيٌّ لا يموت ، قيُّوم لا ينام أثْبَتْنا الصِّفات ، ونَفَيْنا المُشابهة ، وحياة الله غير حياتنا ، وقيامه غير قيامنا .

       وفي بعض الأحاديث عن أسماء بنت يزيد قالت : إنّ في هاتين الآيتين اسم الله الأعظم ، يقول الله عز وجل :

[سورة آل عمران]

وقوله تعالى :

[سورة البقرة]

       ففي هاتين الآيتين هناك خمْسة أسْماء ، أفلا يمكن أن نقول : اسم الله الأعظم كذا بالتَّحْديد ؟ دائِماً العِلْم لا يعني أن تفهم الشيء بِمَعنى واحد كلام الله تعالى غَنِيّ ، وقد قال سيِّدنا عليٌّ كرَّم الله وجْهه عن القرآن : ذو وُجوه ، أمّا موضوع أيُّ أسماء الله تعالى أعْظم ؟ فهو موضوع خِلاف ، ولا يوجد شيء قطْعي أنَّ الاسم الفُلاني هو اسم الله تعالى الأعظم ، وكما قلتُ لكم : في كُلِّ حال من أحوال البشر يكون عند صاحب هذا الحال هو اسم الله الأعظم ، فهناك قَوْل يقول : إنّه الحيّ القَيُّوم ، وقَوْل : الرحمن الرحيم ، وقد يكون أيّ اسم من أسماء الله تعالى أعْظم ، حسب حال الداعي ورجائه وتوسلاته .

      أكبر شيء في ثقافة الداعِيَة آياتُ القرآن الكريم ، وهو الكتاب الأوَّل ، كما أنَّه يجب أن يترافق حفظك للقرآن مع طلبك للعِلْم ، فأنت مثلاً لا بدّ أن تكون قد تفاعَلْت مرَّة مع درْسٍ ، وسمعت آيات واضِحَة جداً ، فلا تجعل حديثك ارْتِجاليًا ، لو ألْقَيْتَ نظْرة على الدعاة الناجحين ، لوجدت أنّ له مجموعة موضوعات جاهزة ، وله بعض الآيات يحفظها ، ويعرف أبعادها ، ودقائِقها ، وتأويلها ، وتفْسيرها ، وشواهدها ، فلو تَكلَّمْتَ دائِماً بِكلام أعْددْتَهُ سلفًا لبلغتَ الغاية في نفوس السامعين ، قلتُ من قبل في قوله تعالى :

[سورة الأعراف]

        العُدْوان يُلْغي اسْتِجابة الدعاء ، والعُدوان في عدم التَّضرُّع ، وفي إطالة الدعاء  فإذا أنت قرأتَ آيَةً قِراءَةً صحيحة ، وكَتَبْتها في دفتر صغير ، وكتَبْتَ بعض المعاني الدقيقة لها ، وكذا الحديث الشريف ، وكذا الحُكم الفقهي ، والتراجم ، فلو  كنت مدعوًّا لجَلْسة مع أقاربك لوجدتَ الزاد الذي تتكَلَّم به ، فالأشياء الجاهزة تُريحك ، وإذا سُئِلْتَ وقلتَ : لا أعلم ، فقد ارْتَقَيْتَ عاليًا ، فنصف العلم لا أدري ، فهذا شرف العِلْم ، فإذا كان الإمام مالك يقول لما سُئِل : لا أدري ، فَمَن أنت أمام هؤلاء ؟! ونصف العِلْم لا أدْري ، ويَظَلُّ المرء عالماً ما طلب العِلْم ، فإذا ظنَّ أنَّه عِلَم فقد جَهِل ، دائِماً أسْمع من العلماء كلمات متواضعَة يقولون : أنا طالب عِلْم ، التواضع جميل ، وإذا ظنَّ الإنسان أنَّه عالم فهو جاهل ، فإذا أحَسَّ الناس فيك المَوْضوعِيَّة ، وعدم الادِّعاء احْترَموك أكثر ، وكلَّما تقدَّم الزّمن تصبح الرغبة لديك في المعرفة والعلم جامحة ، وإذا سئِلْت سؤالاً مُفاجئًا ، فقلت : واللهِ لا أدري ، فقد كبرتَ في عَيْني وعيون العلماء ، عليك أن تُقَيِّد العِلْم بالكتابة ، والدَّعوة إلى الله تحْتاج إلى جهْد مُسْتَمِرّ ، وكُلّ منَّا بدأ من الصِّفْر ، وكل طريق طوله ألف كيلومتر أساسه خطوة واحدة ، فالقرآن يجب أن يتلى ، ويُحْفظ خاصَّة لمَن كان صغير السِنّ؛ لأنَّه يصعب عليه الحفْظ في الكِبَر ، والقرآن من أيَّة زاوية يُسْعِدُك ، وهناك سُوَر يكثر تداولها ، كالإسراء ، والكهف ، ويوسف ، وجزء عمَّ ، وجزء تبارك ، فمن أجل التَّسْهيل عليك أن تبدأ بالسُّوَر السَّهْلة ، فأحْياناً يبدأ بعضهم بالسُّوَر الصَّعْبة ، بعدها يعجز عن الحفظ ، ويدع القرآن كله.

       ثمّ إنّ القرآن الكريم ذو وجوه ، ومن عظمة القرآن أن كلّ آية إذا نزَعْتها من سِياقها فلها معنى مُسْتَقِلّ ، فإذا وَضَعْتها في سِياقها فلها معنى سِياقي ، ونحن عندنا السياق ، والسباق ، واللِّحاق ، فقوله تعالى :

[سورة الطلاق]

تُفَسَّر بِمُجَلَّدات ، أما بالسِّياق فهي على الطلاق ، ومن يتَّقِ الله في تطْليق امْرأته يجعل الله له مَخْرجاً في اِرْجاعها وَفْق السنَّة ، وتجد مخْرجا لارْجاعها ، أما لو طلَّقها طلاقاً بِدْعِيًّا فليس هناك سبيل أو مخرجٌ لإرْجاعها .

والحمد لله رب العالمين

Copyright © 2007 Nabulsi