English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 1 / 9    من الإيمان باليوم الآخر  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    أهمية الإيمان باليوم الآخر وأسبابه .

تفريغ              :  م . م . حسان العودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

         الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الكرام :

          أرجو الله جل جلاله أن أوفق لعرض سلسلة من الدروس عن اليوم الآخر ، ذلك أنني قبل يومين استوقفتني آيةٌ في كتاب الله ، وجدت فيها مفتاحاً لحل معظم مشكلاتنا ، ألا وهي قول تعالى :

 

( سورة المؤمنون : 74 )

        يعني حينما لا تتأكد من هذا اليوم الذي يسوى فيه الحساب فلن تستقيم على أمر الله عز وجل ، حينما لا تؤمن باليوم الآخر ، حينما تُعرِض عن الإيمان بهذا اليوم الحق ، فلن تستقيم على أمر الله ، بربكم هل في عالم المسلمين مسلم واحد لا يعلم أن الكذب حرام ؟ وأن الغش حرام؟ وأن الاحتيال حرام ؟ وأن غصب الأموال حرام ؟ كم من معصية يرتكبها المسلمون وهم يعلمون أنها معصية ؟ فأين الخلل ؟ "

هكذا الآية .

        لو استعرضنا أركان الإيمان ، الإيمان بالله ، والإيمان باليوم الآخر ، والإيمان بالملائكة ، والكتب ، والنبيين ، والإيمان بأن القدر خيره وشره من الله تعالى ، هذه الأركان الستة هي أركان الإيمان ، فما من ركنين تلازما في القرآن الكريم تلازماً يثير الدهشة كركن الإيمان بالله واليوم الآخر ، لأن الإيمان بالله وحده لا يحملك على طاعة الله ، أما إذا آمنت أن الله موجود ، ويعلم ، وسيحاسب فلا يمكن أن تعصيه ، حينما قال الله عز وجل :

( سورة الطلاق : 12 )

كأن خلق السماوات والأرض علته ؛ أي سببه ، أن تعلموا .

( سورة الطلاق : 12 )

       اختار الله من كل أسمائه اسمين ، اسم العليم واسم القدير ، علمه يطولك ، وقدرته تطولك،  وأنت والله الذي لا إله إلا هو ، لو أيقنت أن إنساناً تحتقره وهو أقوى منك فلا يمكن أن تعصيه ، إذا كان هذا الإنسان قادراً على أن يضبط مخالفتك ، وهو قادرٌ أيضاً أن يضعك في مكان صعب فلا يمكن أن تعصيه ، ولا أنسى قول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يخاطب نفسه فيقول : ((يا نفس لو أن طبيباً حاذقاً حذرك من أكلة تحبينها ، لا شك أنكِ تمتنعين ، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله)) .

       الآن إنسان يقول له الطبيب : دع الملح ، ومعلوم أنّ الطعام بلا ملح لا يؤكل  ، فإنّه يدع الملح.

     (( لو أن طبيباً حاذقاً حذّركِ من أكلة تحبينها ، لا شك أنكِ تمتنعين ، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذاً ما أكفرك ، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله ؟ إذاً ما أجهلك)) .

         إذاً ما من إنسانٍ يعصي الله عز وجل إلا وهو مدموغ بالكفر والجهل ، والذي يحير أيها الإخوة أن العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه ، ومن شماله إلى جنوبه ، يعلم من خلال دروس العلم ، أو من خلال خطب الجمعة ، أو من خلال مادة التربية الإسلامية التي تلقاها في المدارس، أو من خلال فطرته أن السرقة حرام ، والكذب حرام ، والاحتيال حرام  والعدوان على الأعراض حرام ، لكنّ الواقع أنّ العالم الإسلامي يضج بالمعاصي والآثام ، وما هذا الذي نلقاه من الله عز وجل من تأديبٍ ، بعضُه تأديبُ تقنينٍ ، وبعضُه تأديبُ قهرٍ ، وبعضه تأديبُ فقرٍ ، إلا بسبب هذه المعاصي والآثام ، وهنا سؤال دقيق : أين الخلل ؟ .

       والله هناك مساجدُ أنشئت ، والذي أنشئ في هذه السنوات الأخيرة من المساجد لم ينشأ مثله في خمسمائة عام سابقة ، هناك مصاحف لها طبعات تأخذ بالألباب ، هناك مكتبة إسلامية رائعة جداً ، هناك مكتبة صوتيه ، مكتبة مرئية ، هناك مؤتمرات ، هناك مساجد عملاقة ، ومع ذلك الناس منحرفون أشد الانحراف ، يأكلون أموالهم بينهم بالباطل ، يعتدون على أعراض بعضهم بعضا ، والذي استوقفني في هذه الآية البارحة في صلاة الفجر معناها الدقيق :

           لذلك أردت بتوفيق الله عز وجل أن أجعل سلسلة من الدروس حول الإيمان باليوم الآخر ، لأنك إذا آمنت باليوم الآخر ، آمنت أنه لا بد أن تقف بين يدي الله عز وجل ، لتُسأَل عن أي شيء فعلته ، لمَ فعلته ؟ عن أي شيء لم تفعله لمَ لمْ تفعله ؟ عن أي تطاولٍ تطاولت به لمَ تطاولت على فلان ؟ عن أي طلاق تعسفي ، عن أي زواج لا يرضي الله عز وجل ، عن أيّ علاقة مشبوهة ، عن أي عطاء لغير الله ، عن أي منع لغير الله ، عن أي رضاً لغير الله ، عن أي غضبٍ لغير الله ، حينما تعلم أن الله سيسأل ، وسيحاسب ، وسيعاقب ، حينئذٍ لا بد أن تستقيم على أمر الله ، لعل محور هذه الدروس كلها :

أيها الإخوة الكرام :

     أعرض لكم عقيدة أهل الكفر ، يقول الله عز وجل ، يبين لنا ماذا يعتقد الكافر ، قال :

( سورة المؤمنون : 35 ـ 37 )

          هذه عقيدة أهل الكفر ، سواءً صرحوا بها أو لم يصرحوا ، أعلنوها أو لم يعلنوها ، الكافر يعتقد أن هذه الحياة الدنيا هي كل شيء ، فمن كان بها غنياً كان بها سعيداً ، ومن كان فيها فقيراً كان فيها شقياً ، من كان فيها قوياً أخذ ما له ، وما ليس له ، ومن كان فيها ضعيفاً أُخذ مما في يديه ، هكذا لا يجرؤ مسلم أن يقول هذا الكلام ، لكن إذا دققت في أعمال المسلمين تجد أعمالهم تنطق بهذه العقيدة ، فهو لا يرى إلا الدنيا ، لا يرى إلا المال ، ولا يرى إلا المادة ، ولا يرى إلا العز ، لذلك إذا دعي من فقير ضعيف لا يلبي الدعوة ، ويدَّعي أنّ وقته مزدحم ، أما إنْ دعاه غني أو قوي يكن أول الحاضرين ، وما من مسلم يجرؤ في العالم الإسلامي أن يقول هذا الكلام ، لكن عمل المسلمين يؤكد هذه العقيدة :

          فإن رأيت الدنيا وحدها ، إن علمت ظاهراً من الحياة الدنيا ، إن جعلت الدنيا أكبر همك، ومبلغ علمك ، إن جعلت الدنيا منتهى أملك ، إن نمت على الدنيا ، وإن استيقظت على الدنيا ، همك الأول الدرهم والدينار ، همك الأول العلو في الأرض ، فأنت مما يعتقد هذا ، ولو لم تنطق به  .

       العبرة أيها الإخوة : الفعل الذي ينطلق من قناعة ومن رؤية ، لا عبرة لما تقول ، أي كلام تقوله لا عبرة له ، لأنه قد لا يعني شيئاً ، ولا سيما في هذا العصر ، في هذا العصر كَفَرَ الناس بالكلمة ، قد تعبر عن أسوأ النوايا بأحلى الألفاظ ، قد يكون بينك وبين إنسان عداوة عميقة ، فتبتسم له ، وتبش في وجهه ، وتثني عليه ، هكذا طبيعة العصر ، طبيعة أساسها النفاق ، أساسها الازدواجية ، موقف معلن ، وموقف مبطن ، شيء ظاهر ، وشيء باطن ، العبرة أن سلوك بعض المسلمين ينطلق من هذه العقيدة ، الدنيا هي كل شيء ، رد الله على هذه العقيدة فقال :

( سورة القيامة : 36 )

         مثلاً جامعة كلَّفتْ عند إنشائها ألف مليون ، مخابر ، وقاعات تدريس ، وبيوت طلبة ، وحدائق ، وملاعب ، وقاعات محاضرات ، ومكتبة ضخمة ، فهل مِن المعقول ألاّ يكون في آخر العام امتحان ، أم يكون كل واحد دخل إلى هذه الجامعة متنزهاً ينال الدكتوراه

 

هكذا .

( سورة القيامة : 37 )

           أنت مكوَّن من حوين ، من خمسمائة مليون حوين ، قذَفها الرجل ، واختارت البويضة حويناً واحداً ، دخل إليها ، ولقحها ، وانقسمت ، ثم أصبحت إنساناً بعد تسعة أشهر وعشرة أيام ، هذا الذي خلق الإنسان من حوين ، من ماء مهين ، تستحي به لو كان على ثيابك ، خرجت من عورة ، ودخلت إلى عورة ، ثم خرجت من عورة ، ثلاث مرات ، مرة خرجت ، ثم دخلت ، ثم خرجت ، ثلاث عورات يستحي أشد الناس وقاحة أن يظهر عورته ، وأنت خرجت من عورة إلى عورة ثم خرجت من عورة .

( سورة القيامة : 36 ـ 40 )

       بلى ، أعلى كتاب نأخذ منه عقيدتنا هو كتاب الله ، بل هو أروع كتاب عقيدة ، وأن تأتي الأفكار مقتبسة من كتاب الله ،و هذه عقيدة أهل الكفر : " إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين " رد الله عليهم     " أيحسب الإنسان أن يترك سدى ، ألم يكن نطفة من مني يمنى ، ثم كان علقة فخلق فسوى ، فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ، أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى " وقالوا :

( سورة الإسراء : 49 ـ 50)

فالعظم مع الأيام يتلف ، ويصبح كالرميم ، يسحق باليد ، أما قطعة حديد فمستحيل .

( سورة الإسراء : 50 ـ 51 )

إخواننا الكرام :

            نحن جميعاً حُكِم علينا بالموت مع وقف التنفيذ ، واللهِ قبل أسابيع أحد إخواننا  يجري كل يوم ساعةً ، ويسبح ساعة ، ساعةً ، وساعة ، أينما وجد ، ومع أي إنسانٍ التقى ، يحدثه عن الطعام القليل ، وعن أكل الخضار والفواكه ، وعن أكل الخبز الأسمر ، وعن الجري ، والمشي والرياضة ، فهو إنسان يتمتع بلياقة جسمية عالية جداً ، ويعتني بصحته عناية تفوق حد الخيال ، وبينما هو في مكان ما في دقائق غادر الدنيا ، معنى ذلك أنّ الإنسان لا يدري متى يغادر الدنيا ، بلا مقدمات ، بلا أمراض ، بلا قصة مرضية ، بلا شكوى ، والله هناك رجلان أعرفهما جيداً ، غادرا الدنيا في وقت مبكر ، ودون أي مرض ، ودون أية أعراض ، ودون أية شكوى ، معنى ذلك أننا نحن جميعاً محكومون بالموت مع وقف التنفيذ ، وكل واحد منا إذا استيقظ صباحاً يجب أن يعلم أن الله سمح له أن يعيش يوماً جديداً ، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ صباحاً يقول:

 

 ((‏الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي رَدََّ عَلَيّ رُوحِي ، وَعافانِي في جَسَدِي ، وأذِن لي بذِكْرِهِ )).‏

[ رواه ‏ابن السني عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

يقول الله عز وجل يرد على هذه العقيدة الساذجة الغبيَّة .

( سورة مريم : 67 )

( سورة يس : 78 ـ 79 )

        ما لم تعتقد أن الله سيبعثك ليوم لا ريب فيه ، وسيسألك عن أي عمل مهما بدا لك صغيراً، أعرابي لا يحمل شهادةً عالية ، وليس عنده مكتبة ضخمة ، وما حضر مجالس علم ، ولا حضر مؤتمرًا إسلاميًّا ، ولا عنده مكتبة صوتيه ، أعرابي قال يا رسول الله - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عظني ولا تطل ، قال :

((‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ، قال : كفيت)) .

         اكتفى بآية ، والقرآن بين أيدينا ، يعني ستة آلاف آية ، نقرأه،  ونستمع إليه ، ونستمع إلى تفسيره ، ومع ذلك تجد أنّ معظم المسلمين غيرَ منضبطين ، أما هذا الأعرابي فقال : كفيت ، قال عليه الصلاة والسلام : فَقُه الرجل .

أيها الإخوة ، يقول الله عز وجل :

( سورة الأعراف : 57 )

     هكذا ، فكما أن الله يحيي الأرض الميتة بالمطر ، كذلك يحي هذه الأجساد الفانية بقدرته العظيمة .

      أول شيء أيها الإخوة أنّ ربنا عز وجل يقسم ، يقول :

( سورة الطور : 1 ـ 8 )

     هنا النقطة الفذّة ، الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى انفرد من بين العلماء ، وقال : إن دليل اليوم الآخر دليلٌ عقلي ، بينما معظم العلماء يرون أن دليل اليوم الآخر دليل نقلي ، فالله عز وجل أخبرنا أن هناك حياة بعد هذه الحياة ، يُحاسَب فيها الإنسان عن أعماله ، إلا أن هذا العالم يرى وأنا معه ، يرى أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف ، الخلْق معجز ، فهل يقبل هذا العقل السليم أن هذا الإله العظيم خَلَق قوياً ، وخَلَق ضعيفاً ، وأن الموت ينهي كل شيء ، فالقوي استعلى ، وتغطرس ، واستكبر ، وظلم ، وأخذ ما ليس له ، والضعيف أُخذ منه كل شيء ، وانتهت الحياة على علو هذا ، وسحق هذا ، كمال الخلق يدل على كمال التصرف ، العقل لا يرضى أن تنتهي الحياة هكذا ، خَلَق غنيًا يكاد يتمزق من شدة التخمة ، وخلق فقيراً يكاد يموت من الجوع ، وتنتهي الحياة هكذا ، خلق إنسانًا وسيمًا ترنو إليه الأبصار ، وخلق إنسانًا دميمًا تتفاداه الأبصار ، وتنتهي الحياة هكذا ، لا بد من يوم تسوى فيه الحسابات ، والله أيها الإخوة ، لولا الإيمان بهذا اليوم لانهار الإنسان ، لكن العبرة بوجود اليوم الآخر ، الغنى والفقر بعد العرض على الله ، والعز والذل بعد العرض على الله ، العلو والدنو بعد العرض على الله ، هذه الدنيا دارُ امتحان ، فلذلك " والطور ، وكتاب مسطور ، في رق منشور   والبيت المعمور ، والسقف المرفوع ، والبحر المسجور " الذي خلق هذه الأكوان لا يعقل أن يترك الإنسان سدى ، بل لا بد أن يُحاسَب ، ويقف بين يدي الذي خلق الأكوان ، ليحقَّ الحق والعدلَ .

( سورة المؤمنون : 115 ـ 116 )

تعالى أن يخلق الناس عبثاً " إن عذاب ربك لواقع ، ما له من دافع " .

        أيها الإخوة : لن تستطيع أن تستقيم على أمر الله إلا بكتاب الله ، وهدي رسوله ، لا تقل : ضمير ، فهذا كلام فارغ ، ولا تقل : مراقبة ذاتية ، فهذا كلام فجٌّ ، لا تقل : فلان تربَّى تربية منزلية راقية ، فهذا هراء ، إن لم تؤمن أن هناك يوماً تُحاسَب فيه عن كل شيء فلن تستقيم .

      أيُ قانون يصدر في أي بلد في العالم إلاّ وله مؤيد قانوني ، تصور قانون السير بلا عقوبات ، عليك أن تمشي على اليمين ، أن تقود مركبة مع إجازة ، وليس هناك عقاب ، فمَن يطبق ؟ لكن هناك مخالفة بخمسة آلاف ليرة ، وبهذه المخالفة تُسحَب منك الإجازة ، هذه المخالفة فيها حجز مركبة ، وهذه المخالفة تؤدِّي إلى السجن ، لا يمكن أن يطبق نظام على وجه الأرض إلا بمؤيد قانوني .

       كذلك الإيمان بالله هو العقيدة ، والمؤيد القانوني لهذا الإيمان هو اليوم الآخر ، لذلك عليكم بالكلام الواقعي ، ودعونا من كلام غير واقعي ، دعونا من كلام هراء محالٍ ، قولهم أنه يجب أنْ نربي الإنسان تربية يتحمل المسؤولية ، لكن ما وجدناها أبداً ، أنْ نربي الإنسان تربية يكون عنده وازع داخلي ، إذا لم يكن مؤمنًا باليوم الآخر ، وأن الله يراقبه ، وسيحاسبه ، وسيعاقبه ، وإنْ لن يستقيم على أمره ، فهذا هو الكلام الواقعي ، والعلم ما طابق الواقع ، العلم هو الوصف المطابق للواقع مع الدليل ، لن تستقيم على أمر الله إلا إذا آمنت أن الله يعلم ، وسيحاسب ، وسيعاقب " ولتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما " ، وأنت منضبط أشد الانضباط مع إنسان دونك ، لكن علمه يطولك ، وقدرته تطولك ، قد يكون أقل منك بكثير ، لكن آتاه الله قدرة عليك ، ويستطيع أن يكشف مخالفتك له ، فاضربْ لنفسك ألف مثل بعملك ، وأنت تقود مركبة ، والإشارة حمراء ، والشرطي واقف ، وشرطي آخر راكب الدراجة النارية متربِّصٌ، وأنت لا تستطيع أن تقاوم هذين ، وأنت مواطن عادي ، فهل مِن الممكن أنْ تتجاوز الإشارة الحمراء ؟ مستحيل ، مع إنسان ، فمع شخص ربما لا تحبه ، وربما لا تعتبره ، ومع ذلك تطيعه ، فكيف بخالق الأكوان ، وواهب الحياة للإنسان .

        الإيمان باليوم الآخر أساس عقيدتنا ، بل إن الركنين المتلازمين من أركان الإيمان هما أن تؤمن بالله واليوم الآخر ، تطرح على نفسك سؤالاً في أيِّ موقف : ماذا سأجيب الله يوم القيامة .

        ذات مرة كان أحد الأشخاص يعمل في التموين ، وكانت هناك موجة من المخالفات ، وكان الضغط على التجار شديدًا ، فجاء أحدُ موظفي التموين يستنصحني ، قال : بماذا تنصحني ؟ فقلت له ، وقد أردت أن أفاجئه بنصيحة غير متوقعة ، قلت له : اكتب من الضبوط ما تشاء ، وأدخل مِن الناس إلى السجن مَن تشاء ، فاستغرب هذا الكلام ، قال هكذا تنصحني ، قلت له نعم ، لأن الله يدع للسلطان ما لا يدعه للقرآن  لكن بطولتك أن تهيئ جواباً لخالقك يوم القيامة ، عن كل ضبط كتبته ، وعن كل مخالفة سجلتها ، وعن كل أذى سقتَه لإنسان ، والله يحب كل خلقه ، فبطولتك أن تكون معك حجةٌ لله عز وجل .

          دخلت زوجة سيدنا عمر بن عبد العزيز عليه في غرفته فرأته في مصلاه يبكي ، سيدنا عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين ، قالت له ما يبكيك ؟ قال : دعيني وشأني ، فألَّحتْ عليه ثانية ، وثالثة ، فقال : دعيني وشأني ، فلما ألحت عليه قال : فكرتُ في المريض ، والفقير، والأرملة ، والمسكين ، والشيخ الفاني ، وذي العيال الكثير ، وذَكَر لها أكثر من ثلاثين نوعًا من حالات مأساوية اجتماعية ، فعلمت أن الله سيحاسبني عنهم جميعاً ، وأن خصمي دونهم رسول الله، فخفت ألا تثبت حجتي ، ولهذا أبكي .

          قال سيدنا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ : ((والله لو تعثرت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟)) ، لأنه مؤمن باليوم الآخر ، ولما قال سيدنا عمر لعبد الرحمن بن عوف رَضِيَ اللَّهُ عَنهُما : امضِ بنا نحرس هذه القافلة ، وهما مَن هما لأنه عمل صالح ، له ثوابه عند الله تعالى ، قافلة استقرت في ظاهر المدينة ، فقال عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ لسيدنا عبد الرحمن بن عوف رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ انطلق بنا نحرس هذه القافلة ، وحين بكى طفل صغير ، قام عمر إلى أمه ، وقال لها : أرضعيه ، فأرضعته ، وبعد حين بكى ، فقال أرضعيه ، فأرضعته ، وثم بعد حين بكى ، فذهب إليها كما تروي الروايات ، وقال لها : يا أَمَةَ السوء أرضعيه ، قالت : ما شأنك بنا ؟ إنني أفطمه ، قال : ولمَ ؟ قالت : لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام ـ تعويض  العائلي ـ يروي كتاب هذه القصة أن عمر بن الخطاب ضرب جبهته ، وقال : ويحك يا ابن الخطاب ، كم قتلت مِن أطفال المسلمين ؟‍ لأنه جعل التعويض العائلي عقب الفطام ، لا عقب الولادة ، فكل أم تتمنى أن تأخذ التعويض العائلي فتحمل ابنها على الفطام قبل أوانه ، فقال : ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ وصلى الفجر بأصحابه ، ولم يعرف أصحابه ماذا قرأ من شدة بكائه ، كان يقول عقِب صلاته : يا رب هل قَبلتَ توبتي فأهنئ نفسي ، أم رددتها فأعزيها ، لقد فعَل هذا كلَّه لأنه مؤمن باليوم الآخر  .

          فأنت عليك أنْ تؤمن باليوم الآخر إيمانًا حقيقيًّا ، وحينئذٍ ستنعكس موازينك 180 درجة، إذا آمنت باليوم الآخر ترى كل سعادتك بالعطاء لا بالأخذ ، كي يرضى الله عنك ، وكي ترقى في جنة عرضها السماوات والأرض ، وتعد للمليار قبل أن تؤذي قطة ، إذا آمنت باليوم الآخر يجب أن تنعكس موازينك 180 درجة ، إذا آمنت باليوم الآخر تبحث عن عمل صالح ، تبحث عن حرفة تخدم فيها عباد الله ، تبحث عن شيءٍ ترضي الله به ، تبذل وقتك ، مالك ، جهدك ، ساعات قيلولتك ، ساعات راحتك ، في سبيل الله ، وتسخِّر فكرك ، ولسانك ، ويدك ، ووقتك ، وجهدك  وعضلاتك ، في سبيل الله ، أما إذا لم تؤمن فإنّك تستخدم جهود الآخرين ، وتعيش على أنقاضهم، وتتمنى أن تعيش وحدك ، وأن تأكل وحدك ، وأن تستمتع وحدك ، دقق أيها الأخ ، إن آمنت باليوم الآخر يجب أن تنعكس مقاييسك ، فتصبح سعادتك بالعطاء لا بالأخذ ، أما معظم الناس اليوم فسعادته بالأخذ لا بالعطاء ، وسعادته أن يعيش على أنقاض الناس ، أن يعيش وحده ، أن يأكل وحده ما لذَّ وطاب ، أن يسكن وحده في بيت فخم ، أن يركب أجمل مركبة أن يستمتع بأية امرأة ، دون أن يعبأ بالناس ، ولا بمصير الشباب ، ولا بمصير الفقراء ، فلذلك إن آمنت باليوم الآخر تنقلب كلَّ المفاهيم ، فحين تستيقظ صباحاً تبحث عن عمل صالح يرضي الله ، يا رب يسر على يدي أعمالاً صالحة ، هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .

هذه واحدة ، لأن الإيمان باليوم الآخر جزء من عقيدة المسلم .

         الأمر الثاني في موضوع الإيمان باليوم الآخر ، فإذا آمنت باليوم الآخر هيأت نفسك لهذا اليوم ، لأنّك آمنت بالامتحان فتدرس له ، لأنه عندك يقين قطعي أن هناك امتحانًا ، وعقب هذا الامتحان يعز المرء أو يهان ، وإذا نجحت نلتَ شهادة عليا ، وعيِّنتَ في منصب رفيع ، بدخل كبير ، فتزوجت ، فإذا بنيت الدخل ، والرزق ، والزواج ، والجاهَ ، وعلو الشأن على هذا النجاح، وأنت موقن أن هذا الامتحان واقع لا محالة تدرس بلا كلَلٍ وملَلٍ ، لماذا يجب أن نؤمن باليوم الآخر ؟ مِن أجل أن نعمل لهذا اليوم .

       أولاً الإيمان باليوم الآخر جزء من عقيدتك ، ثانياً الإيمان باليوم الآخر يحملك على أن تعد له نفسك ، سألوا مرة طالبًا نال الدرجة الأولى في امتحان الشهادة الثانوية ، سألوه في صحيفة يومية : بمَ نلت هذا التفوق ؟ قال : لأن لحظة الامتحان لم تغادر مخيلتي ، ولا ساعة في أثناء العام الدراسي ، انظر لأيِّ إنسان لماذا المؤمن متوازن ، لأنه منذ أنْ آمن فهذه حرام يتجنبُها ، هذه ترضي الله فيقبِل عليها ، ينفق ماله عن طيبِ نفسه ، يترك الحرام رغم إغرائه ، هذا الحرام يغضب الله عز وجل ، فهو يهيئ نفسه للموت قبل ثلاثين سنة ، إذا جاء ملك الموت فهو جاهز ، مِن ثلاثين أو أربعين سنة ، كل دقيقة يحاسِب نفسه فيها حسابًا دقيقًا ، هذه لا ترضي الله ، هذه ترضي الله ، هذا العمل يحبه الله ، وذاك لا يحبه ، فهو منسجم مع اليوم الآخر من ثلاثين سنة .

          تصور إنسانًا ـ وهذا مثل افتراضي ـ فقيرًا جداً ، قيل له : اذهب إلى بلد غربي ، وائتِ بدكتوراه ، وسوف تعود إلى بلدك ، وتستلم أعلى منصب في وزارة الصحة ، يُقدَّم لك أجمل بيت في أرقى أحياء دمشق ، وتقترن بأجمل زوجة ، وتركب أجمل مركبة ، ولك أكبر دخل ـ افتراض ـ وهذا الإنسان فقير ، فماذا يفعل ؟ يذهب إلى بلد غربي ، ويعمل في جلي الصحون في مطعم ، ويعمل حارسًا ليليًا ، ويدرس ويثابر ، وهو يعلق أهمية على هذه الشهادة لا حدود لها، نال هذه الشهادة ، وأخذ وثيقة عنها ، وصدقها من الجامعة  وصدقها من الخارجية والسفارة، واشترى بطاقة طائرة ، وذهب إلى المطار ، وأخذ بطاقة صعود للطائرة ، ووضع رجله في أول سلم الطائرة ، هل تعتقدون أن في الأرض من هو أسعد منه ، انتهى عهد الحراسة ، والعمل في المطعم ، والدراسة حتى الساعة الثانية ليلاً ، ودخول الامتحان ، كله انتهى ، الآن بقيت المركبة الفارهة ، والبيت الفخم ، والزوجة الجميلة ، والمنصب الرفيع ، ولما وضع رجله على الطائرة كان أسعدَ إنسان ، هذا والله مَثَلٌ تقريبي ، المؤمن الصادق حينما يأتيه ملك الموت ، ووصل إلى الدار الآخرة فهو أسعد إنسان على الإطلاق ، لذلك قالوا : الموت تحفة المؤمن ، الموت عرس المؤمن ، ثلاثين سنة يغض بصره ، ويضبط لسانه ، وينفق ماله ، ويخدم الناس ، يرجو رحمة الله في هذا اليوم ، ثم جاء هذا اليوم ونفسه مطمئنة .

أيها الإخوة :

            الشيء الأول أن الإيمان باليوم الآخر جزءٌ من عقيدتنا ، والشيء الثاني أن الإيمان باليوم الآخر يحملك على الاستعداد له ، وعلى أن يكون لك هدف في الحياة ، فما دمت قد آمنت باليوم الآخر منذ أن تستيقظ ، وحتى تنام ، كان همك أن تعمل أعمالاً صالحة ترضي الله عز وجل ، الشيء الثالث الإيمان باليوم الآخر مريح  للقلب وللنفس ، بينما حالات قهر تصيب من لم يؤمن بهذا اليوم ، ليس يده شيء ، وهناك إنسانٌ أمْره بيده ، وهو لا يحبه ، فإذا لم تؤمن باليوم الآخر تشعر بخلل كبير في الحياة ، وتشعر بحقد شديد ، وبضغط نفسي لا يُحتمَل ، أما الإيمان باليوم الآخر فيقتضي وجودَ إله عظيم يعطي كل ذي حقٍ حقه ، أنا مهمتي أن أرضي هذا الإله ، وأن الأمر كله بيده الله .

         فأولاً مجال للعمل الصالح ، ما يعود عليك بالسعادة الأبدية ، ثانياً الإيمان باليوم الآخر يحفزك إلى العمل الصالح ، ويريحك راحة كبرى ، فالمؤمن متوازن ، والعبرة بما بعد الموت .

        وذات مرة أحبَّ شخصٌ أنْ يداعبني مداعبة فكرية ، هو غير ملتزم كثيراً ، قال لي : تقول إنّ المؤمن سعيد ، وأنا أقول : لا ، هو مثل الناس ، لا ميزة له عنهم ، إذا كان ثمة غلاء أسعار يكتوي بغلاء الأسعار مثلهم ، إذا اشتدّ الحر ناله منه نصيب ما ينال غيرَه ، فهذا الشخص لا يرى للمؤمن ولا ميزة ، غير أنّ الله ألهمني مثلاً فضربتُه له ، قلت : لو افترضنا فقيرًا دخله أربعة آلاف ، وعنده ثمانية أولاد ، فهذا المبلغ مع هذه الأسرة لا يكفي ، وبيته بالأجرة ، وعليه دعوى إخلاء ، وأولاده مرضى ، ودخله لا يكاد يكفيه ، وهموم بعضها فوق بعض ، له عم يملك خمسمائة مليون ، وليس له أولاد ، وتوفي في حادث ، هذه الخمسمائة مليون لمن ؟ لهذا الفقير  ، لكنه لن يقبض منها درهمًا واحدًا قبل سنتين بحسب الإجراءات المالية ، لماذا هو في هذين العامين أسعدُ الناس ، ما قبض شيئًا ، وما أكل لقمة زائدة على عادته ، وما سكن بيتًا جديدًا ، وما ارتدى ثيابًا جديدة  ، لكنه دَخَلَ في الوعد ، صار معه خمسمائة مليون ، قال تعالى :

( سورة القصص : 61 )

وكون الله سبحانه وعدك بالجنة ، فوعدُ الله حق ، قال تعالى :

( سورة النحل : 1 )

        " أتى " هو لم يأتِ بعد ، والدليل " فلا تستعجلوه " لكن " أتى " لأن الله وعدك بالجنة إذا كنت مؤمنًا صادقاً مستقيماً مخلصاً ، ولأنك تتوهم أنك كذلك ، يغلب على ظنك أنك من أهل الجنة، فهذا الوعد بالجنة يمتص كل همومِك الدنيوية ، مِن دون أن يترك همًّا ، فأنت موعود بالجنة ، الإيمان باليوم الآخر يملأ قلبك طمأنينة ، ويملأ قلبك سعادة ، ويملأ قلبك توازناً ، فلا تحقد ، ولا تنافق ، ولا تخاف ، ولا تتألم ، الأمر بيد الله ، وإلى الله المصير ، وإليه المنتهى .

( سورة النجم : 42 )

             وإن شاء الله تعالى في دروس قادمة نصل إلى الموضوعات الدقيقة عن اليوم الآخر، وكل منطلقي في هذه السلسلة من قول الله عز وجل  :

 

ولن تستقيم على أمر الله إلا إذا آمنت باليوم الآخر إيمانًا يقينيًا .

( سورة البقرة : 1 ـ 3 )

يؤمنون بالغيب ، واليومُ الآخرُ من الغيب  .

          هذه الأعمال العظيمة التي جاء بها المسلمون كانت بسبب الإيمان باليوم الآخر ، والعلماء الكبار الذين بذلوا الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس في سبيل الله ، لأنهم آمنوا باليوم الآخر ، أما هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالله ، ولا باليوم الآخر ، فماذا قدموا من بطولات ؟ وماذا فعلوا ؟ كل أعمالهم لترفيه أنفسهم ، كل ما فعلوه أنهم انغمسوا في الموبقات ، واللذائذ الحسية ، والمعاصي والآثام ، كل أموالهم صرفوها على متعهم الخاصة ، وازن بين أصحاب رسول الله الذين نشروا الحق في الخافقين ، وبين الذين عارضوا الحق ، وعاشوا لذواتهم ، تجد الفرق كبيرًا بين أن يعيش الناس لك ، وبين أن تعيش للناس ، أن تعيش للناس فأنت في أعلى عليين ، أما أن يعيش الناس لك فالمشكلة كبيرة .

أرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع هذه الموضوعات في دروس قادمة كي يترسخ هذا الإيمان ، فأنت إذا آمنت تنفق مالك ، تنفق وقتك   تنفق خبرتك ، تنفق علمك ، تنفق كل ما تملك ، لعل الله يرضى ، الإيمان باليوم الآخر يقين ، وله حلاوة يعكسها قولُ الشاعر :

                 فليتك تحلو والحياة مريــــرة     و ليتك ترضى والأنام غضـاب

                 وليت الذي بيني وبينك عامـــر    و بيني وبين العالمين خــراب

                 إذا صح منك الوصل فالكل هيِّـن     وكل الذي فوق التراب تــراب

       أنت حينما تؤمن بالله ، يا أيها النبي حسبك الله ، فخالق الكون معك

                 إذا كنتَ في كل حال معي    فعن حملِ زادي أنا في غنى 

                                           ***

                 إذا كان الله معك فمن عليك    وإذا كان الله عليك فمن معك

         إذا وصلت إلى الله وصلت إلى كل شيء ، وإذا فاتك الله عز وجل فاتك كل شيء ، الإيمان باليوم الآخر مِن أجل أن تنقل اهتماماتك كلها إلى الدار الآخرة ، تعيش ، تدرس ، تتاجر، تتزوج ، تنجب ، لأن هدفك الأول إرضاء الله عز وجل ، كلها وسائل ، أما غير المؤمن باليوم الآخر هدفه الدنيا ، هدفه المتعة الرخيصة ، هدفه الانغماس في ملاذ الحياة الدنيا ، وشتان بين المؤمن ، وبين غير المؤمن ، المؤمن مقدس ، لأنه يحمل هموم الناس ، لأنه يسعى لرضوان الله عز وجل ، وإنّ أعلى مقام يطمح إليه المؤمن أن يرضى الله عنه ، والله إذا كان الشخص عاديًّا  ابتسم لك ، ووضع في جيبك صورته ، وتُطلِع عليها معظم الناس ، كنا معه في السهرة ، انظر ، فهذه صورته ، إذا كنت أنت مع إنسان عادي فابتسم لك ، أو صافحك ، وصوَّركما مصور معًا تزهو بهذه الصورة ، فكيف إذا كنت قريباً من الله عز وجل ، يعني إذا إنسان خطب ود الله وسمع قوله تعالى :

( سورة مريم : 96 )

        هل من السهل أن تكون لك مودة مع خالق الكون ؟ هنا الوسيلة بيدك ، مودة الله في متناول يديك ، خالق الكون يرضى عنك ، كلهم عباده أخدمهم      أصدق معهم ، كن عفيفًا ، كن أمينًا ، انصحهم ، قدِّم لهم خدمات ، دُلَّهم على الله عز وجل ، يرضى الله عنك ، فاللهُ وفيٌّ ، واللهُ عز وجل شكور حليم ، فإذا أنفقت كل وقتك في خدمة عباده ، منحك الله عز وجل ثوابًا وعطاءً لا ينتهي عند الموت ، بل يستمر إلى ما بعد الموت .

والحمد لله رب العالمين
Copyright © 2007 Nabulsi