English
الــصــفحـــة الــرئيـــسيــة
الــــــــخـــــــطــــــــــــــــــب
الـعـقـيـــدة الإســـلامـيـــــة
تفســيـر الـقـرآن الـكريـــم
الــحــديــــث الـشـــريـــــف
الـــســـــيــرة الـنـبـويــــــة
الــــفــقـــــه الإســــلامـــي
مـوضـوعـات مــتنـوعـــــة
الــتربيــــة الإســـلامــيــــة
مـوضـوعـات إســـلامـيـــة
مـوضـوعـات عــلـمـيــــــة
نــــدوات و مـحــاضــــرات
مـوضـوعـات أدبــــيــــــــة
أحــاديــــث رمـــضــــــــان

الدرس 2 / 9    من الإيمان باليوم الآخر  لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس    : آثار الإيمان باليوم الآخر .

تفريغ              :  م . م . حسان العودة .

تدقيق لغوي        :  الأستاذ غازي القدسي والأستاذ أحمد مالك .

التنقيح النهائي     :  المهندس غسان السراقبي .

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

 

        أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس الثاني من سلسلة دروس اليوم الآخر ، بينت لكم في الدرس الماضي أنه ما من ركنين من أركان الإيمان تلازما في القرآن كتلازم الإيمان بالله واليوم الآخر ، الإيمان بالله وحده لا يكفي ، بل لا بد من مؤيدٍ لهذا الإيمان .

        أيها الإخوة ، ما الذي يمنع الناس أن يأكلوا أموال بعضهم بعضاً اغتصاباً وعدواناً ؟ الإيمان بالله واليوم الآخر ، ما الذي يمنع الناس أن ينغمسوا في المحرمات ؟ إنه  الإيمان بالله واليوم الآخر ، لو تتبعت آثار الإيمان بالله واليوم الآخر ، لوجدت أن الضبط الاجتماعي في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والأسرية يرجع في معظمه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر ، وأكاد أقول لكم : إن مجتمع المسلمين منضبطٌ ذاتياً ، بما يسمى بالوازع الداخلي ، بينما مجتمع غير المسلمين منضبطٌ خارجياً بما يسمى بالرادع  فلو توقف الرادع بسبب انقطاع الكهرباء ، فقد ارتكب في نيويورك في ليلة واحدة مائتا ألف سرقة ، مجموع الخسائر بليونين من الدولارات ، يعني ألفي مليون دولار ، في ليلة واحدة ، فالإيمان بالآخرة ينمي الوازع الداخلي ، وعدم الإيمان بالآخرة يجعل الإنسان وحشاً ، ولولا روادع خارجية من المراقبة الإلكترونية وغيرها لما كان مجتمع الغربي مستقيمًا ، لكنه استقام أمنُه بفضل تكنولوجيا عالية جداً من المراقبة الخارجية ، أما لو تعطلت هذه المراقبة لرأيت العجب العجاب ، أما مجتمع المؤمنين الصادقين ، لا مجتمع الذين هم محسوبون على المؤمنين فهو مجتمع منضبطٌ ذاتياً ، ولدينا أمثلة كثيرة جداً .

          قال للراعي : بعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال : قل لصاحبها ماتت ، قال : ليست لي ، قال : خذ ثمنها ، قال : والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها ، ولو قلت لصاحبها ماتت ، أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ، ولكن أين الله ؟ .

أساس الإيمان باليوم الآخر هذه الآية الكريمة :

( سورة القيامة : 36 ) .

              تقتل ، وتعتدي ، وتغتصب ، وتزني ، تدمر امرأة ، تطلقها طلاقاً تعسفياً ، تأخذ الاسم التجاري من شريكك عدواناً واغتصاباً ، تسخر الناس لمصلحتك ، تعصر الناس عصراً ، وتنتهي الحياة ولا شيء بعد ذلك.

              تجيِّر كل شيءٍ لصالحك ، تسخِّر كل شيءٍ لصالحك ، وتنتهي الحياة ولا شيء بعد الموت ، هذا هو العبث   والله سبحانه وتعالى لا يعبث .

( سورة المؤمنون : 115 ) .

             العبث لا يتناسب مع كمال الله ، الله عز وجل عدل ، أنت بالإيمان بالله واليوم الآخر ترتدع ، تقف عند حدودك ، تأخذ ما لك ، وتدع ما ليس لك .

            الآن مثلاً دعك من الدين ، لولا أن هناك شرطة ، لولا أن هناك سجونًا ، لولا أن هناك مراكز تحقيق ، كالأمن الجنائي ، لولا أن هناك سجنًا مؤبدًا ، وإعدامًا ، لولا أن هناك أشغالاً شاقة مؤبدة ، ولو لم يكن هناك إيمان رادع لأَكَلَ الناس بعضهم بعضاً ، فالناس يعيشون إما بنظام ، أو ، قانونٍ ، أو رادعٍ خارجي ، وهذا مطبق في العالم الغربي ، أو أن يعيش الناس في مجتمعٍ نما فيه الوازع الداخلي .

         عندما يدخل شخصٌ مؤمن بيتَ أخٍ ليجري بعض الإصلاحات فيه ، ألا يطمئن له ؟ هل تخشى أن يفتح خزانة ، ويأخذ ما فيها ، غير ممكن ، أنت راقب نفسك مع إخوانك المؤمنين ، تعطيه مركبتك وأنت مطمئن ، لن يغدر بك ، ولن يكذب عليك ، ولن يضع قطعة قديمة ويقول لك اشتريتها لك جديدة ، لن يكبر عليك المشكلة ، النقطة التي ذكرتها قبل أيام غاية في الدقة والوضوح ، لمّا نهاك ربنا عز وجل عن الكذبِ ، فقد نهى ألف مليون مسلم أن يكذبوا عليك ، نهاك أن تسرق ، نهى ألف مليون مسلم عن أن يسرقوك ، نهاك عن أن تحتال ، نهى ألف مليون مسلم أن يحتالوا عليك ، وما تنعم به في مجتمع المسلمين من الراحة النفسية والأمن إنما يعود إلى الإيمان باليوم الآخر .

             قلت مرة : عظمة الزواج الإسلامي أن الله بَيْنَ الزوجين ، دائماً في المجتمعات غير المؤمنة العلاقات مباشرة ، القوي يأكل الضعيف ، الغني يستغل الفقير ، العالم يحتقر الجاهل ، علاقة مباشرة ، أما في مجتمع المسلمين فإنّ الله بين كل شخصين ، أيّ شخصين ، فكل شخص مسلم يخشى الله فلا يظلم الطرف الآخر  يخشى الله فلا يغشّه ، يخشى الله فلا يحتال عليه ، يخشى الله فلا يكذب عليه ، بل يرجو رحمة الله بالعفو عنه ، وبالتجاوز عن سلبياته ، يرجو رحمة الله بخدمته ، وكل خدمة يقوم بها أخ لأخوة مؤمنين لوجه الله ، لا يريد جزاءً ولا شكورا ، كمَثَلِ شخصٍ في أحد المساجد ، اشترى عشرة مكيفات من أحدث أنواع المكيفات ، ووضعها في مسجد ، ورفض أشد الرفض أن يذكر اسمه ، فماذا يبتغي ؟ يبتغي وجه الله ، هل هناك وزارة في العالم بأي بلد في العالم يعيَّن فيها الموظفون حسبة لوجه الله ، بلا معاش إلا الأوقاف ، الآن كل مناصب الأوقاف حسبة ، يعيَّن فلان مثلاً إمامًا لهذا المسجد حسبة ، يعين فلان خادمًا في هذا الجامع حسبة ، أيْ احتسب هذا عند الله عز وجل ، هذا أين نجده ؟ أنت ربما لا تشعر بآثار الإيمان باليوم الآخر في مجتمعاتنا ، وهناك أمن ننعم به ، وهناك علاقات اجتماعية راقية ، كما أنّ هناك خوفًا من الله ، كم من زوج أحجم عن تطليق زوجه خوفاً من الله ، كم من زوجة صبرت على زوجها خوفاً من الله ، كم من شريك أصابه مرض عضال فقبع في بيته سنوات وسنوات ، وتأتيه حصته من المعمل أو المتجر إلى البيت خوفاً من الله ، كم من إنسان بذل من ماله خوفاً من الله ، فإذا ألغيتَ اليوم الآخر من قلوب الناس وعقولهم اضطربت الحياة ، عندئذٍ تحتاج إلى روادع إلكترونية خارجية ، الصالة مراقبة ، كل شيء تحمله من هذا المكان إن لم تدفع ثمنه ، وخرجت من المخرج يصدر صوتًا يقول : هذا سارق فخذوه ، فكل مَن في هذا السوق يدفعون الثمن ، هل هذا طاعة لله ؟ لا ، كمالاً ، لا ، بل خوفاً من هذا الجهاز ، لئلا يصيح ويقول إنه سارق ، شتان بين مجتمع منضبطٍ إلكترونياً ، وبين مجتمع منضبطٍ ذاتياً ، الضبط الخارجي لا قيمة له أبداً ، قد يكون أشد الناس انحرافاً ، وأشد الناس بعداً عن الله ، وأشد الناس خبثاً ، لكن لوجود ضبط خارجي ، يستقيم ، لا لأنه يحب الاستقامة ، بل لأن هناك أجهزة دقيقة غالية الثمن تكشف حركاته .

        أنا مرة دخلت محلاً في بيروت ، قصة قديمة جداً ، يبيع أجهزة كهربائية ، وجدت على الطاولة شاشة ، وعلى الشاشة صورة إنسان جالس على مكتب يكتب ، وأمامه دفاتر ، ما عرفتُ مَن هذا الذي على الشاشة ؟ ثم الحاجة التي أردتها موجودة في الطابق الرابع في المستودع ، فصعدت إلى الدور الرابع كي أنتقي الحاجة ، رأيت هذا الشخص يعمل محاسبًا ، وقد وضع مدير المحل (كاميرا) آلة تصوير فوقه ، إذا شرب كأس ماء يراه صاحب المحل ، وإذا تثاءب يراه ، فهذا المحاسب الذي يراه صاحب المحل طوال ثماني ساعات تماماً هو رهن ضبط خارجي ، إذًا هو مستقيم بالمراقبة الخارجية .

                  أما المحاسب المؤمن فيبذل جهده ثماني ساعات بالتمام والكمال خوفاً من الله ، أنت حينما تتقن عملك خوفاً من الله ترقى ، أما حينما تتقن عملك خوفاً من التسريح ، وخوفاً من مراقبة آلة بالغة التعقيد لا ترقى ، لذلك أصل هذا الدين مبني على الحب ، لو أن الله يريد عبادًا طائعين لأجبرهم على الطاعة ، لكنّه يريد عبادًا محبين ، لذلك بإمكانك أن تطيعه ، وبإمكانك أن تعصيه ، وبإمكانك أن تفعل كل شيء ، أنت مخير ، والله يريد مَن يحبه ، ويريد من يأتيه طائعاً، ومن يطيعه مبادراً ، ويقبل عليه شوقاً ، لأنّ أصل خلق الكون ، وخلقِ الإنسان بُنِيَ على الحب ، يحبهم ويحبونه .

          رئِي أبو الدحداح رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ في آخر عمره ، وقد بلغ من العمر عتيا ، رئِي في آخر عمره ، وهو يزرع شجرة جوز ، وهذا الجوز لا يثمر إلا بعد سنوات وسنوات ، فسئل لمَ تزرع هذه الشجرة وهي لن تثمر إلا بعد سنين ، فقال أبو الدحداح : إن لم تنفعني تنفع مَن بعدي، ولي أجرها  .

          فتأملوا ، ما الذي يدفعك إلى أن تفعل شيئاً لن تقطف ثمره ؟ وهناك أعمال جليلة جداً ، تبذل كل عمرك ، ولا تقطف ثمرتها ، يأتي مِن بعدك مَن يقطف ثمرها ، تحتسب ذلك عند الله ، لأنه لا يضيع أجر مَن أحسَن عملاً ، وتقول : لعل الله يرحمنا بهذا العمل ، أنت مؤمن في استمرار ، وإله موجود حي باقٍ على الدوام ، يمكن أنْ تؤلف كتابًا لا تنتفع منه إطلاقاً ، فتأتي أجيال وأجيال يقرؤون هذا الكتاب وينتفعون به ، وأنت راضٍ عن هذا .

        ولماذا الأسرة الغربية لا تنجب أولادًا ؟ لي قريب سافر إلى أمريكا زائراً لأخيه ، إلى جانب بيت أخيه بيتٌ له شرفة فيها ألبسة ولادية ، بعد قليل تمّت الزيارة بين هذا القريب ، وهذا الإنسان الذي بيته إلى جانب بيت أخيه ، فسأله عن أحواله ، عن بيته ، عن أولاده ، قال : ليس عندي أولاد ؟ قال : عجيب ، رأيت ألبسة لأطفالٍ صغار ، قال : هذه ثياب الكلب ، لا يحبون الأولاد ، ولد واحد وكفى ، لأنه لا رسالة له في الحياة ، من دون ولد أكثر راحةً ، فعنده كل يوم سهرة ، وكل يوم نزهة ، و حفلة بملهى ، وحفلة بفندق ، والولد بهذا الاعتبار عبء على والديه ، فإذا لم تكن للإنسان رسالة لم يرغب في الولد ، يعيش للذاته ، أما المسلم فيعيش لأولاده ، يعمل ليلاً ونهاراً ، كي يرى في خريف عمره أولاده ، لهم بيوت ، وهم متزوجون ، ولهم مكانة اجتماعية ، علَّمهم ، هيَّأ لهم أعمالاً ، انظرْ إلى المسلم تجد الأب عنده مقدسًا ، همه أولاده ، همه أن يرقى بأولاده ، همه أن يكون أولاده في قمم المجتمع .

          إذاً أبو الدحداح بلغ من العمر عتيا ، ورُئِي يزرع شجرة في آخر عمره ، فلما سئل ، قال : ينتفع بها من بعدي ، لو ذهبت تتأمل الآثار الإيجابية لليوم الآخر ، لا تعد ولا تحصى ، قد لا تصدقون أن معظم بلاد الشام أرضها أوقاف ، أصحاب هذه الأراضي أوقفوها للصالح العام ، لمنفعة المسلمين ، قضية الأوقاف قضية كبيرة جداً ، كل الأجداد والسلف الصالح كانوا يوقفون أموالهم ، ويسبِّلون ريعها من أجل النفع العام ، لكن أهل الدنيا مقالتهم :

( سورة الجاثية : 24 ) .

            مرة ذكرت قصة إنسان اضطر إلى استقراض ثلاثمائة ألف ، فما أقرضه أحدٌ ، وعنده مزرعة فيها بيت ، ومسبح ، فقال : مَن يقرضني هذا المبلغ أكتبها باسمه ضمانًا إلى حين ردِّ المبلغ ، فأعجبت أحَدَ الأشخاص ، فأقرضه ثلاثمائة ألف ، وأخذ المزرعة ، وهي في منطقة هادئة بعيدة عن الضجيج ، حيث الهواء نقي ، مسبح ، بيت جميل ، فأعجبته ، بعد سنتين تيسر المبلغ للمقترض ، وطرق باب الطرف الآخر ، قال له : هذا المبلغ جزاك الله خيراً ، رُدَّ لي المزرعة ، قال له : لا ، كل واحد وصله حقه ، المزرعة ثمنها ملايين ، وأعجبته ، واغتصبها بثلاثمائة ألف ، صاحب المزرعة اشتد به الهم والحزن ، حتى انتهى به الأمر إلى أزمة قلبية كادت تودي بحياته ، وهو على فراش الموت أوصى ابنه أن تمر الجنازة أمام دكان هذا المغتصب ، وقال له : أوقف الجنازة هناك ، وأمسك هذه الرسالة ، وادخلْ أمام الناس إلى دكانه ، وسلِّمه إياها ، واخرجْ ، فهذا سمع صوت جنازة وقفت أمامه ، فخرج ابنه من أول الصف ومعه الرسالة ، اتَّجهَ أمام الناس إلى دكان المغتصب ، وسلّمه الرسالة ، ماذا يقول هذا المتوفى قبل أن يموت لهذا المغتصب ؟ يقول له : لقد اغتصبت مني هذه المزرعة ، وأنا ذاهب إلى ديار الحق ، فإن كنت بطلاً فلا تلحق بي ، وهناك الحساب ، والله سمعت أنه رد المزرعة إلى الورثة خوفاً من الله عز وجل .

         أحد إخواننا قال لي : دخلت في مناقصة ، مناقصة محضر يملكه ثلاثمائة إنسان ، أكثرهم يتامى ، مثل هذا المحضر من أجل إزالة شيوعه يعرض في المزاد العلني لنظام الاستملاك ، قال لي : كلَّفتُ أربعة أشخاص أو خمسة فنزلوا بالمزاد بشكل وهمي ، تمثيلي ، فبدأ المزاد برقم ، زاده عشرة آلاف ، عشرة آلاف ، عشرة آلاف ، ثم استقر المبلغ على سعر يساوي ثلثي قيمته الحقيقية ، التقى معي وقال لي : أستاذ وفرت 750 ألف ليرة بهذه الطريقة ، فقلت له : هذا حرام ، هذا المحضر لأيتام ، وله ثمن في السوق ، فأنت إن قمتَ بهذه التمثيلية في المناقصة أو في المزايدة ، وربحت هذا المحضر بثمن بخس ، فلن تنجو من عذاب الله ، اختلف وضعه ، قال لي : والله هذا صحيح ، وهو مِن إخواننا في المسجد ، قال : ماذا أفعل ، قلت له : إما أن تشتريه من هؤلاء الأيتام الفقراء بثمنه الحقيقي ، وإما أن تنسحب من هذه المزايدة ، فالتقيت به بعد حين ، وقال : والله انسحبت يا أستاذ ، خفت من القبر ، ما الذي يمنعك أن تأكل المال الحرام، ما الذي يمنع الأخ الكبير أن يأكل أموال إخوته ، لأنه كبير ، ومعه وكالة عامة ، إلا خوف الله عز وجل ، لو ألغيت خوف الله والدار الآخرة ، يغدو الناس وحوشاً ، يأكلون بعضهم بعضا .

( سورة القيامة : 3 ـ 4 ) .

       سيعود الإنسان كما خلق في الدنيا ، سينبت نباته ، سوف يقف للحساب ، وسيسأل عن كل شيء فعله .

( سورة الحج : 6 ـ 7 ) .

            إخواننا الكرام ، بطولتك أن تهيئ نفسك لأكبر حدث في المستقبل وهو الموت ، هذا الموت الذي يغيب أمْرُه عن الناس ، أيليق برجل في الثمانين من عمره أنْ يعد مشروعاً لإنشاء كازينو ، وهو في هذا العمر المتقدم ، وموضوع الآخرة لم يدخله في حساباته إطلاقاً ، وإنسان يلعب النرد في المقاهي إلى ساعة متأخرة من الليل ، وهو في السبعين ، ولا يصلي ، فهو إنسان ضائع ، والله سبحانه وتعالى يقول :

( سورة النجم : 39 ) .

          ليس لك إلا ما سعيت ، فلو أنّ إنسانًا كان متفلتًا ، عقيدته فاسدة ، علماني المنهج ، كما يقال اليوم ، مؤمن بالمادة فقط ، وله ابن وليٌّ من أولياء الله ، عقيدته سليمة ، واستقامة ، وصلاح، وتقوى ، وعمل صالح ، هل له أجر به ، أبداً ، لا أجر له فيه.

         هناك جامع له قصة ، رجل صالح جداً قبيل أن يموت أوصى بأرض أنْ ينشأ عليها مسجد ، منفذ الوصية ابنه الأكبر ، ضعيف الإيمان إلى درجة متناهية ، لذلك رفض تنفيذ الوصية، وعزم أن يبيع الأرض ، وأن يصرف ثمنها ، هذا الابن المتفلت الفاسق أنجب ولداً صالحاً ، فلما علِم ابنه بالقصة ، قال لأبيه كلمة واحدة : إما أن تنشئ عليها مسجدًا كما أوصاك جدي ، أو أنك لست أبي ، ولست ابنك ، ولن تراني بعد اليوم ، كلمة واحدة ، فاضطر الأب المنحرف إلى إنشاء هذا المسجد ، الجد أوصى ، والابن رفض تنفيذ الوصية لبُعْده عن الدين ، وابن الابن هو الذي أجبر والده على تنفيذ هذه الوصية ، إن لم تنشئ عليه مسجداً فأنت لست أبي، وأنا لست ابنك ، ولن تراني بعد اليوم ، فهل عطَّل الوصية من ثواب بعد أن نُفِّذت ؟.

( سورة النجم : 39 ـ 41 ) .

         سعيك بالحياة ، تربية أولادك ، دعوتك إلى الله عز وجل ، فعل الخير ، إطعام الفقراء ، رعاية الأيتام ، نصرة الضعيف ، هذا كله سوف يرى ، مسجل لك " ثم يجزاه الجزاء الأوفى " .

أيها الإخوة الكرام ، في هذا اليوم العصيب .

( سورة عبس : 34 ) .

         قد تسألون لمَ بدأ بأخيه ، لأن الأب متقدم بالسن ، والابن صغير ، والإنسان عادةً يستعين بأخيه ، مثلاً الأقرباء ورد ذكرهم في القرآن الكريم في آيات عديدة ، مثلاً الزوجة وردت مقدمة على كل الأقارب في آية واحدة .

( سورة آل عمران : 14 ) .

ما دام الأمرُ موضعَ شهوة ، فالزوجة في المقدمة ، وفي آية ثانية ورد الأب في المقدمة .

( سورة التوبة : 24 ) .

في موضع الاعتزاز ، أنا ابن فلان ، الأب ، في موضع    الاستعانة .

( سورة عبس : 34 ـ 37 ) .

في موضع الفداء أغلى شيء الولد .

( سورة المعارج : 11 ) .

          فانظرْ : في موطن الفداء الابن مقدم ، في موطن الاستعانة الأخ مقدم ، في موطن الاعتزاز الأب مقدم ، وفي موطن الشهوة الزوجة مقدمة .

        أيها الإخوة ، نقطة دقيقة جداً ، الإنسان قد يُسجَن في قضية ، قضية مخالفة للقانون ، تجد السجان تأتيه مئات الهواتف خلال ساعة ، هذا المسجون مهم ، في شبكة علاقات ، فلان توسط ، فلان توسط ، فلان توسط ، فلان توسط ، هذا في الدنيا ، والإنسان له جماعة ، وله أتباع ، وله أقرباء ، وله أشخاص أقوياء ، فإذا أصابه مكروه تدخّلوا بالحق أو بالباطل ، يمارسون ضغطًا ، هذا يقع في الدنيا ، أما يوم القيامة فالأمر مختلف .

( سورة مريم : 95 ) .

         وهذا مثل بسيط ففي فترة الحج ، قد يكون المرءُ تاجرًا كبيرًا ، أو بمنصب رفيع ، أو عالمًا جليلاً ، أو صناعيًا كبيرًا ، أو ضابطًا برتبة عالية ، أو طبيبًا نادرًا ، أو مديرًا ، يذهب في معمعة الحج ، فهو واحد من الحجَّاج ، لا يميزه عن الآخرين شيء ، اسمه حاج ، إذا أحب أنْ يقف أمام المقام تجده يتلقى دفعًا من الناس ، لا يعرفه أحدٌ ، سواء كان معاون وزير ، أو صناعيًا كبيرًا ، أو ضابطًا كبيرًا ، أو عالمًا جليلاً ، لأنه يلبس المنشفتين (لباس الإحرام) ، وكأن الله عز وجل أراد من كناية الحج أن يعطينا صورة مصغرة عن يوم القيامة ، لا أحد يعرفك ، ولا أحد له مكانة متميزة إطلاقاً ، تجد الناس يتدافعون ، وعليك أن تمشي معهم .

( سورة الأنعام : 94 ) .

         بالحج لن تجد لإنسان أي مكانة ، وهو في زحمة الحجيج ، لا أحد يعرفك ، فهو بلباس الإحرام ، ولا يميزه شيء من مظهر الدنيا ، منشفة بيضاء ، في بلدك قد تلبس بدلة باهظة الثمن، يصل ثمنها إلى خمسين ألفًا ، وهناك لا تلبس منشفة غالية الثمن ، بل منشفة ثمنها ليرات معدودة، فأكبر إنسان يلبس ثوبين ، أو فوطتين ، وأفقر إنسان كذلك ، بلا رتب ولا إشارات ، الثياب تعطيك قيمة، فربنا عز وجل جعل الحج نموذجًا ، حيث تسقط المراتب هناك ، وتركع الزعامات، وتتذلّل القيادات ، كل الناس في الحج سواء ، وثيابهم واحدة ، وهكذا المحشر ، إذاً : " وكلهم آتيه يوم القيامة فردا " .

       شيء آخر ، أحيانًا يتكلم الأخ كلامًا مزعِجًا ، يتفطّر له القلب ، ويقول : ابني ملحد ، ابنتي لا تصلي ، وتحب الرقص والتمثيل ، مثلاً ، فهذا شيء مؤلم جداً ، والله سبحانه يقول :

( سورة التحريم : 6 ) .

         بالمناسبة إخواننا الكرام ، إذا شبَّ الابن على الطوق ، ونشأ متفلتاً ، ثم انتبه أبوه متأخراً، يكاد من شبه المستحيل أن يسيطر عليه ، لكنْ إذا بدأت من سن الخامسة ، هو في الحضانة ، وكان معك بالمسجد ، وعلمته الصلاة ، وعلمته الصدق ، وعلمته الأمانة ، وحفظته كتاب الله ، إذا لم تبدأ معه في هذه السنِّ والله لن تستطيع أن تربيه حينما يكبر ، وهذه مشكلة الآباء ، في أول حياته مهتم بزوجته ، والابن مهمل ، وفجأة يكتشف الأب هذه الحقيقة المدمرة ، أنه خسر ابنه ، لذلك " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا " .

من الأحاديث المفصلة .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ : ((يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ النَّارِ يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنْ النَّارِ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا)) .

(متفق عليه ، واللفظ لمسلم)

مِن الأوهام الساذجة عند الناس أنهم يردِّدون : غداً يشفع لنا النبي ، لو درستم الشفاعة بشكل دقيق أصولي ، فمفهوم الشفاعة عند العوام ساذج ، لا أصل له ، يقال : افعلْ ما تشاء ، والنبي يشفع لك، هذا مفهوم ساذج ينقضه القرآن الكريم .

( سورة الزمر : 19 ) .

       أيها الإخوة ، ممّا يدهش في المؤمن أنه قد يقدم بجليل الأعمال الصالحة وكبيرها ، ونظرًا لأيمانه بالآخرة ، ويقينه ، فهو يفعل كل ما يفعل دونما أجر ومقابل ، حتى لو عُرِض عليه ذلك ، وهذا لا تجد له مثيلاً في الدنيا كلها إلا عند أهل الإيمان الحقِّ .

      ذات مرة زارني أخ من ألمانيا يعمل للحصول على دكتوراه وموضوعها عن علماء دمشق، وكان اسمي بالقائمة ، وزارني في البيت ، وسألني عن عدد الدروس ، فقلت ثمانية عشر درسًا في الجمعة ، بين الفجر ، والظهر ، ومساءً ، والخطبة ، قال لي كم تتقاضى مقابل هذه الدروس ؟ قلت له : لا شيء ، والله كأنه صعق ، وكأنه شك في عقلي ، ذلك لأن مِن لم يؤمن بالآخرة يرى عجبًا ، وهذا عمل غير معقول .

       وذات مرة في عقد قرآن إسلامي طبعاً ، أخ من المدعوين له جار غير مسلم ، فدعاه ، ويبدو أن بينهما مودة ، هذا الجار جلس ، فلقي ثمانية عشر عالمًا جالسين ، قال لصديقه : هذا الداعي مليونير ، قال له : ما السبب ، قال له : لأنه لا بد أنه قد  دفع لكل شيخٍ خمسين ألفًا حتى حضر ، فقال له : لا ، لم يدفع قرشًا ، يظهر أن ترتيبهم في عقد القران إذا جاء رجل دين فلا بد أنْ يُعطى خمسين أو ستين ألفًا حتى يأتي إلى عقد القران ، قال له : كل هؤلاء لن يتقاضوا شيئاً ، وليس عندنا شيخ يحضر عقد قرآن ويأخذ عليه أجرًا .

           من دون إيمان بالآخرة شيء يُحيِّر ، شخص يبذل روحه ، وحياته ، وماله كله بلا مقابل ، ويطمع في رحمة الله في الآخرة ، ألغِ الآخرة ، واللهِ لا يمكن أنْ تدفع ليرة ، واللهِ مِن دون آخرة لن يدفع أحدٌ ليرة واحدة ، وبالإيمان بالله واليوم الآخر يكون البذل ، والتضحية ، والعطاء .

أيها الإخوة .

        أرجو الله عز وجل من هذه الدروس أن يدخل في حسابكم اليوم الآخر ، وقبل أنْ تطلب مقابلاً لعملك الصالح أجرًا فانظر إلى ما أعد الله لك من أجر يوم القيامة ، فالمؤمن متعفف  .

        أخ كريم من طلابي والده اختلف مع أعمامه ، والخلاف شديد جداً ، فتوصلوا إلى أنه لعلي أنْ أصلح بينهم ، فالتقينا في سهرة طويلة إلى الساعة الواحدة ، أول سهرة ، والثانية ، والثالثة ، تجارة ، وخلافات ، وأسعار اختلفت ، وأخ مقصر ، وخسارة كبيرة ، وانتشر العداء ، والتقاطع ، فالله عز وجل خلال سهرات عديدة وفقني أنه أصلح بينهم ، وأن تعود الأمور إلى مجاريها ، رغم بُعدِهم عن مجالس العلم ، بعد ما انتهت الأمور ، قال لي أحدُهم : كم تريد أستاذ؟ والله يمكن في حياتي ما شعرت بإهانة كذاك اليوم ، ما هذا ؟ لستُ محاميًا ، ولا قاضيًا أساساً ، أنا رجل دين ، أنا فعلت هذا ابتغاء وجه الله ، فإذا تعلقتَ بالآخرة لم تطلب الأجر من الناس ، تشعر أنك غني إذا لم تأخذ شيئًا ، والله مئات الإخوة لا يرضون أن يُتحدَّث عن عملهم ، ولو بكلمة ، وحينما أتكلم عنه مادحاً يتألم أشد الألم ، كأنني فضحته ، ويرجو أنّ هذه بينه وبين الله ، هذا هو الإخلاص ، والله هناك أشخاص يبذلون الغالي والرخيص بلسان صامتٍ ، من دون ضجيج ، فكلما كان إيمانُ الإنسان بالآخرة عاليًا لم تهمه سمعته إطلاقاً ، ولا يريد ثناء ، ولا شكرًا ، ولا مديحًا ، ولا أن تنوِّه بفضله ، ولا أن تقول : المحسن الكبير ، وحسبه رضاء الله عنه، قال له : والله يا معاذ إني لأحبك ، فيا إخواننا الكرام إذا آمنا بالآخرة إيمانًا حقيقيًا ، تجد نفسك تبذل بشكل عجيب ، دون أن ترجو ثناءً ، ولا شكراً ، ولا مديحاً ، ولا تنويهاً بالفضل ، ولا إشادة  ولا توقيراً ، ولا تعظيماً ، وليس لك طمع في شيء .

( سورة الإنسان : 9 ) .

        مرة زارنا أخ من مصر ، يبدو أنه في أثناء الخطبة اضطر أن يدخل إلى دورات المياه ، بعد ما انتهت الخطبة ، قال لي : شيء لا يصدق ، فما هذا الشيء ؟ قال لي : هل من المعقول أن تكون دورات مياه المسجد أنظف من بيت ؟ قلت : هما أخوان كريمان متفوقان في حياتهما يأتيان فيما بينهما وبين الله وينظفون دورات المياه تنظيفًا بيتيًا كاملاً متقنًا ، وتُرَشُّ روائح جميلة ، قال لي : أيُعقل أنّ هذا شأن المسجد ؟ قلت له : هذا بيت الله عز وجل ، يجب أن يكون مثلاً أعلى في كل شيء ، فمَن يقوم بهذا العمل إنسان محترم جداً ، له مكانته ، له ثقافته ، بينه وبين الله ، يقول: لعلك يا ربي ترضى عني ، وقد زرت مرة مسجدًا ، فيه خادم مَن أندر الخدام في المساجد ، يستحيل أنْ تصلي بثياب لونه أسود ، ويبدو شيء عليه ، السجاد يُكنس كل يوم ، وينظف بالشامبو ، البلور ملمع ، وكأنه الآن مركب ، وتوفى ، نسأل الله أنْ يرحمه ، قال لي : أنا حسبي من عملي هذه الآية .

( سورة البقرة : 125 ) .

         ما دام سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء شرفه الله بتطهير بيته ، هذه الآية تغطي كل  خَدَمِ المساجد ، ونظافة مسجدنا قضية جهد شباب ، يأتي يوم الخميس عشرون إلى ثلاثين شابًا ، يمسحون البلور ، وينظفون ، ويرتِّبون السجاد ، بنفوس راضية ، وهم في أعلى درجة من السعادة ، هذا المسجد تنعمون به ، وبنظافته بجهد شخصي ، حسبةً عند الله عز وجل ، بلا أجرٍ إطلاقاً ، لوجه الله ، يا رب عملت هذا العمل ، وهذه إمكانيتي ، فشخص إمكانيته أنْ ينظف ، هذه تقبل منه وزيادة ، إنسان بعلمه ، إنسان بعمله ، إنسان بخدمته ، إنسان ببذله ، إنسان بطبِّه ، إنسان بهندسته ، كل إنسان يقدم شيئًا ، فحينما تؤمن باليوم الآخر إيماناً حقيقياً تجد نفسك مندفعًا إلى البذل والعطاء ، بشكل يفوق حد الخيال ، ولن تجد إنسانًا عندنا لا يقدم خدماته ، واللهِ نعرف أشخاصًا منذ خمس وعشرين سنة ما غابوا عن درس ، لكن تشتهي أنْ يقدموا شيئًا ، ولو قشة أبداً، لكن أحدهم يقول : ما شاء الله على الدرس يا أستاذ ، خير إن شاء الله ، ما قيمة الثناء والمديح لهذا الدرس ، إذا لم ينقلب إلى عمل ؟ ما قيمة درس بليغ إذا لم يُتَرجَم إلى عمل بليغ بعده، هذا الدرس لا قيمة له بلا عمل ، قيمته أن ينقلب إلى عمل ، وأتمنى من أعماقي أن يتنامى إيمانكم باليوم الآخر ، لدرجة أن ترى كل الربح ، وكل المغنم  وكل الذكاء ، وكل التفوق في البذل ، ونحن كمجتمع إسلامي لن يقوم إلا على البذل والعطاء ، واللهِ هذه البلدة مباركة ، نحتاج أن تكون هذه الصحوة مرشَّدة بالكتاب والسنة .

        فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون لكل واحد منكم عمل يلقى الله به ، وأنْ يجعله لله خالصاً ، وفي الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ((أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ)).

(صحيح مسلم)

          القلب المشترك لا أقبِل عليه ، والعمل المشترك لا أقبله ، يقول أحدهم : أنا أخدم الناس كثيرًا ، لِمَ ؟ لأنني أحبُّ أن أزرع بكل منطقة شخصًا يخدمني ، لا أجر لك نهائياً بالآخرة ، هذا سلوك ذكي ، أخدم الناس حتى يكون لي في كل منطقة شخص يخدمني ، هذه قضية "حكَّ لي أحكّ لك" ، هذا مبدأ نفعي لا قيمة له عند الله إطلاقاً ، أنت حينما تخدم إنسانًا ، ولا تبتغي إلا رضاء الله عز وجل ، من دون أيّ ردِّ فعل ، حتى لو أساء لك ، يا ربي أنا أخدمه في سبيلك ، وأحتسب هذا الأجر عندك ، وأنت أغنى الأغنياء ، وأتمنى أن ينقلب الدرس إلى عمل ، فسماع الدرس لا قيمة له ، وإلقاء الدرس لا قيمة له ، وهذا الشيء لا وزن له إلاّ أن يتحوَّل إلى عملٍ إسلامي نافع.

( سورة فاطر : 10 ) .

فالعمل الصالح يرفعك ، فكل واحد يبتغي عملاً لوجه الله ، يقدمه فيما بينه وبين الله ، فمثلاً إذا صلى أحدنا قيام الليل ، وما حدَّث الناس به إطلاقاً ، فهل يستطيع الشيطان أن يقول له : أنت منافق ؟ أبداً ، إذا دفع إنسان صدقة ، وما حدَّث بها إطلاقاً هل يستطيع الشيطان أن يقول له : أنت منافق ، أبداً ، إذا خفتَ على نفسك فاجعله سراً ، أردت أن تكون قدوة للآخرين فلا مانع ، فإذا أمضيت كل وقتك في خدمة عباد الله عز وجل يمنحك عطاءً لا ينتهي عند الموت ، بل يبدأ بعد الموت .

والحمد لله رب العالمين .

Copyright © 2007 Nabulsi